قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية موسّعة لقصيدة الشاعرة اللبنانية إخلاص فرنسيس
بعنوان «أشجان الخلود»
تنهض قصيدة «أشجان الخلود» بوصفها نصًا شعرياً كثيف الدلالة، يتوسّل اللغة بوصفها أفقاً للخلاص الوجودي، ويُحيل التجربة الذاتية إلى سؤال كوني يتأرجح بين القيد والانعتاق، وبين الفناء والرغبة في الخلود. إننا إزاء نصّ تتداخل فيه الحقول النفسية والفلسفية والرمزية، وتتشابك فيه الرؤية الجمالية مع القلق الوجودي، ما يجعله قابلًا لقراءات نقدية متعدّدة المستويات.
أولًا: الأسس اللغوية والبلاغية:
1. سلامة اللغة وبنية الأسلوب
تتميّز القصيدة بسلامة لغوية واضحة، وببناء تركيبي متماسك يعتمد الجملة الفعلية القصيرة، المشحونة بالدلالة، ما يضفي على النص توتراً داخلياً مستمراً. تعتمد الشاعرة الانزياح التركيبي والدلالي بوصفه أداة لتجاوز اللغة التقريرية، كما في:
«الريحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي»
حيث يتحوّل العنصر الطبيعي إلى علامة وجودية، ويتحوّل الجسد إلى مركز للقلق والتساؤل.
2. فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
اللغة فصيحة، منتقاة بعناية، توازن بين الجزالة والشفافية. لا تقع الشاعرة في فخ الزخرفة المجانية، بل توظّف المفردة بما يخدم الموضوع المركزي: الحنين، القيد، الرغبة، والبحث عن المعنى. اللفظ هنا ليس زينة بل وسيط كشف.
3. الإيقاع والمعمار الصوتي:
تنتمي القصيدة إلى قصيدة النثر، لكنها تحقّق إيقاعها عبر:
١- التكرار الدلالي (الجناح، الأفق، الخلود).
٢- التوازي التركيبي.
٣- الجرس الداخلي للأصوات الرخوة (السين، الشين، الراء) التي تعزّز النبرة الحزينة والتأملية.
٤- الإيقاع هنا داخلي، متولّد من توتّر المعنى لا من الوزن الخليلي.
ثانيًا: الأسس الجمالية والفنية
1. البنية الفنية للنص:
النص أقرب إلى مشهد شعري متدرّج، يبدأ من القيد (السجن، الطاعة العمياء)، وينتهي بصورة التحليق (الصقر، السحاب، الخلود). لا شخصيات بالمعنى السردي، بل ذات شعرية واحدة تتشظّى عبر صور واستعارات متلاحقة.
تعتمد الشاعرة المنهج الوصفي-التحليلي في آن، حيث تصف الحالة الشعورية ثم تفككها من الداخل.
2. الرؤية الفنية:
رؤية إخلاص فرنسيس للعالم رؤية وجودية-شاعرية، ترى الإنسان كائناً معلّقاً بين الرغبة في الانعتاق وثقل القيود غير المرئية (الطاعة، الذاكرة، الحزن). يتجلّى انسجام واضح بين الشكل والمضمون؛ فاللغة المتكسّرة تعكس ذاتاً متكسّرة.
3. الطابع الإبداعي والانزياح الجمالي:
تنجح القصيدة في إنتاج الدهشة عبر صور غير مألوفة:
«يفترسني مثل حرفٍ مثقلٍ بالرغبة»
هنا يتحوّل الحرف – أداة اللغة – إلى كائن مفترس، في إشارة إلى سلطة اللغة نفسها على الوجود.
ثالثًا: الأسس الفكرية والفلسفية
1. الموقف الفكري:
ينطوي النص على أسئلة وجودية عميقة:
١- ما معنى الحرية؟
٢- هل الخلود خلاص أم عبء؟
٤- هل العشق طريق إلى المعنى أم إلى الفناء؟
2. الأفق المعرفي:
يتقاطع النص مع مرجعيات:
١- صوفية (الجناح، الفناء، العشق).
٣- وجودية (القلق، العبث، البحث عن المغزى).
٣- حداثية في تعاطيه مع اللغة بوصفها سؤالًا لا جواباً.
3. البنية العميقة للمعنى (الهيرمينوطيقا):
في العمق، القصيدة ليست عن الحزن بقدر ما هي عن إعادة كتابة الوجود:
«ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ»
وهو تصريح تأويلي يضع الشاعرة في موقع الخالق الرمزي للمعنى.
رابعاً: الأسس التاريخية والثقافية
1. سياق النص:
يمكن قراءة القصيدة ضمن سياق ثقافي عربي مأزوم، حيث الفرد محاصر بالبنى المغلقة، السياسية والاجتماعية والرمزية، ما يجعل الحنين إلى الحرية والخلود فعل مقاومة.
2. تطوّر النوع الأدبي:
ينتمي النص إلى قصيدة النثر العربية الحديثة، ويحتل موقعاً متقدّماً ضمن مسارها من حيث الكثافة والصورة والرؤية.
3. الارتباط بالتراث
تفاعل غير مباشر مع:
١- الرمز الصوفي (الطيران، العشق).
٣- البلاغة العربية القائمة على الاستعارة والكناية، لكن بروح حداثية.
خامساً: الأسس النفسية:
1. تحليل البنية الشعورية
تسود القصيدة مشاعر:
١- القلق الوجودي
٢- الحنين
٣- التوق إلى الانفلات من القيد
2. تحليل الشخصية الشعرية:
الذات هنا مأزومة، واعية بأزمتها، لا تنكفئ بل تسعى إلى التحوّل، حتى لو كان التحوّل موجعاً.
3. النبرة النفسية:
نبرة مركّبة تجمع بين:
١- الحزن المرهف
٢- الاحتجاج الصامت
٣- الرغبة العارمة في الحياة
سادساً: الأسس الاجتماعية والسوسيولوجية
1. علاقة النص بالواقع الاجتماعي
تعكس القصيدة اغتراب الفرد داخل منظومات الطاعة والعادات والقيود غير المرئية.
2. الخطاب الاجتماعي:
يوجّه النص نقداً مبطّناً لسلطة القمع الرمزي، حيث تتحوّل الطاعة إلى سجن.
3. الشاعرة كفاعل اجتماعي
تكتب إخلاص فرنسيس من موقع الذات المقاومة، التي تستخدم الشعر كمساحة تحرّر.
سابعًا: الأسس السيميائية
1. الرموز والعلامات:
١- الجناح: الحرية/التحوّل.
٢- السجن: القيد الوجودي.
٣- الصقر: القوة والسمو.
٤- الأفق: الممكن المؤجّل.
2. شبكات الدلالات
حضور تقابلات واضحة:
١- القيد / الانطلاق
٢- الحزن / العشق
٣- السقوط / التحليق
3. النظام الرمزي العام:
الفضاء الشعري مفتوح، علوي، يرفض الأرض بوصفها قيداً، ويطمح إلى السماء بوصفها أفقاً للمعنى.
ثامناً: الأسس المنهجية
تستند هذه القراءة إلى:
١- المنهج الأسلوبي
٢- المنهج التأويلي (الهيرمينوطيقي)
٣- المنهج النفسي مع الحفاظ على صرامة تحليلية وتكامل منهجي.
- خاتمة:
تشكل «أشجان الخلود» نصاً شعرياً ناضجاً، يزاوج بين الحساسية الجمالية والعمق الفكري، ويؤكّد قدرة إخلاص فرنسيس على تحويل التجربة الذاتية إلى رؤية كونية، تجعل من الشعر مساحة للسؤال، ومن اللغة جناحاً نحو الخلود.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
.........................
أشجانُ الخلودِ
ثمّ عادتْ إلى سجنِها حرّةً
مشحونةً بالطاعةِ العمياءِ
بينها وبينَ الفضاءِ خفقةُ جناحٍ
وعزفُ وترٍ ينادي بالإطلاقِ
خيطٌ من حنينٍ وارتعاشةٌ
الرّيحُ قلادةٌ حيرى حولَ عنقي
قلعةٌ يعشّشُ الفراغُ في زواياها
حجارةٌ تتهامسُ
وذكرى لهفةٍ انكسرَتْ تصطادني
خيالٌ شفافٌ يشنقُني على الأسوارِ
يلقي عليّ النظرةَ الأخيرةَ،
يحصي نموَّ عشبِ الغيابِ
فوقَ شفتي
ولدغةُ الأفقِ فوقَ جبيني
أشرعُ لهُ بابي
فيوقدُ بصدري الأحلامَ
أعدو خلفَه
يفترسُني مثلَ حرفٍ مثقلٍ بالرغبةِ
ليكتبَ مغزى الوجودِ من جديدٍ
تستحيلُ الألوانُ، وتتساقطُ أوراقُ الزمنِ
أيها الحزنُ المرهفُ
كن جناحي لأطيرَ إليكَ
أفتتحُ سفرَ العشقِ بكَ
فتولدُ النجومُ بينَ أهدابي
صقراً ملحميّاً ينثرُ ريشَه
يراقصُ السحابَ
غارقاً في أشجانِ الخلودِ
***
اخلاص فرنسيس







