عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد السلام فاروق: فوضى لا إبداع!

يقولون إن الإبداع لا يعترف بالقواعد، وإن العبقرية ترفض القيود، وإن الكتابة الحق تنزل كالوحي لا كصنعة تتقن. لكنني أتساءل هل يعقل أن نبني قصراً على رمال متحركة؟ هل نرضى لجراحنا المبتدئين أن يمارسوا العمليات دون دراسة التشريح؟ ثم لماذا نستخف بالكتابة إلى هذا الحد؟

لطالما لفت نظري ذلك التناقض العجيب في سلوك كثير من الكتاب الشباب. تري أحدهم يمضي الليالي ساهراً يكد في جمع أفكاره، يلتقط صوراً للحياة من زواياها الخفية، يحمل بين جوانحه فكرة قد تغير مسار قارئ أو تنير له طريقاً. فإذا جلس ليكتب، ألقي بذلك الكنز كله في قالب مشوه، بلغة ركيكة، وبنية غير متماسكة، وكأنه يصر على أن يظل سجين جهله بأبجديات فنه.

إنها -بلا شك- أزمة وعي. فأكثر من يمسكون القلم اليوم لم يقرؤوا الكتابة حرفة قبل أن يمارسوها هواية. بدؤوا كمن يهبط على قمم الجبال بطائرة، لم يعرفوا مشقة الصعود درجة درجة، ولم يتذوقوا طعم التسلق حجراً حجراً. فالكتابة عندهم وحي ينزل من السماء، لا مهارة تبنى على الأرض.

وهنا يكمن الخطر المدمر. فالذي يجهل أصول الكتابة يظن أن كل ما يكتبه جيدا لأنه كتب. لا يفرق بين السليم والسقيم، لا يميز بين المتين والواهن، لا يدري أن القارئ ليس وعاء فارغاً نصب فيه ما نشاء، بل كيان واعي له ذائقة نقدية وحاسة جمالية.

والأدهى أن هذه الفوضى تصير أحياناً علامة تميز! يفتخر أحدهم بأنه يكتب من قلبه دون تعقيدات أكاديمية أو قواعد جامدة، وكأن القواعد صنم يجب تحطيمه، وكأن المتقن لصنعته أقل إبداعاً من الفوضوي. وهذا وهم كبير.

هل تعلمون لماذا كان كبار الكتاب "طه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم" يبدعون؟ ببساطة لأنهم لم يكونوا يجهلون القواعد، بل كانوا يتقنونها ثم يتجاوزونها. كانوا يعرفون متى يلتزمون بها ومتى يحيدون عنها عن عمد ووعي، لا عن جهل وعجز. الفرق شاسع بين من يخالف القاعدة لأنه يعرفها ويختار تجاوزها لغاية فنية، وبين من يخالفها لأنه لا يعرفها أصلاً.

والعجيب أن هذا النفور من تعلم الأصول لم يقتصر على الكتابة وحدها. لو قال لك أحدهم: سأبني بيتاً دون أن أتعلم الهندسة لضحكت منه. أو: سألحن سيمفونية دون معرفة النوتة الموسيقية لاستغربت أمره. لكنه حين يقول: سأكتب رواية دون دراسة فن الكتابة تجده يتحدث بكل ثقة وافتخار!

نحن نخلط بين "الموهبة" و"الصنعة". فالموهبة هي الشرارة الأولى، العين الثاقبة، الحس المرهف، القدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون. أما الصنعة فهي الآلة التي تحول هذه الموهبة الخام إلى منتج نهائي متقن. الموهبة وحدها كبذرة جميلة، لكنها دون تربة مناسبة وماء وعناية، لن تثمر إلا شجرة قزمة أو لا تثمر شيئاً. وكثيراً ما نصادف كتاباً موهوبين حقاً، لكن موهبتهم تذوب في بحر من العيوب الفنية. الفكرة رائعة، لكن صياغتها ضعيفة. الحبكة مبتكرة، لكن تنفيذها مهلهل. الشخصيات نابضة بالحياة في مخيلة الكاتب، لكنها تخرج على الورق كدمى خشبية. كل هذا لأنهم أهملوا الجانب التقني، وظنوا أن الموهبة تكفي وحدها.

أما القارئ –وهو سيد الموقف في معادلة الكتابة- فهو ليس غبياً كما يتوهم بعض الكتاب. القارئ اليوم أكثر وعياً وثقافة من أي وقت مضى. يقرأ كثيراً، يقارن، يحلل، يتذوق الفن. وقد يكون هو نفسه كاتباً أو ناقداً. فكيف نرضى أن نقدم له عملاً ناقصاً، ثم نبرر ذلك بأننا نكتب من القلب؟

القارئ يريد القلب والعقل معاً. يريد العاطفة المتأججة والصياغة المتقنة. يريد الفكرة العميقة والقالب الجميل. وهنا يأتي دور النقد الذاتي، الذي هو أقسى أنواع النقد وأكثرها إنصافاً. فالكاتب الواعي هو الذي يستطيع أن ينظر إلى نصه كما لو كان لغيره، فيرى عيوبه قبل أن يراها النقاد. وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة المعايير الفنية التي على أساسها يُحكم على العمل. وإلا كيف تنقد ما لا تفهم أسسه؟

لا أريد أن يفهم كلامي على أنني أدعو إلى كتابة أكاديمية جافة، أو تقليد أعمى لنماذج سابقة. كلا ثم كلا. أنا أدعو إلى الوعي أولاً. الوعي بأن الكتابة فن كسائر الفنون، له أدواته وتقنياته وأسسه. وأن تعلم هذه الأسس لا يقتل الإبداع كما يظن البعض، بل على العكس، يحرره ويمنحه أجنحة. فأنت حين تتقن العزف على آلتك الموسيقية، تكون أكثر قدرة على التعبير عن مشاعرك، لا أقل.

وأذكر هنا ما قاله الدكتور جابر عصفور: "القواعد ليست سجناً للإبداع، بل هي حديقة يمارس فيها الإبداع رياضته". فالموسيقار العظيم يحتاج إلى معرفة النوتة والمقامات والإيقاعات، ليس ليقيدوه، بل ليمنحوه مفردات يعبر بها عما في داخله. وكذلك الكاتب.

مشكلتنا ليست في قلة الموهبة، إنما في الكسل الفكري الذي يدفعنا إلى تبرير جهلنا بالادعاء بأننا "نكتب بطبيعتنا" و "لا نؤمن بالتنظير". نعم، قد تأتي جملة جميلة بالصدفة، وقد يبهرنا نص بكامله رغم جهل كاتبه بالأصول. لكن هذا استثناء، والقاعدة أن الإتقان يحتاج إلى علم وتدريب.

وأكثر ما يؤسفني أن تضيع الفكرة الجميلة في قالب رديء، كالجوهرة الثمينة توضع في علبة بالية. والفكرة -أيها السادة- هي روح العمل الأدبي. وهي أغلى ما يملك الكاتب. فكيف نبخل عليها بقالب يليق بها؟ كيف نرضى لها أن تخرج إلى الناس بثياب مهلهلة رثة؟ لو كان كل كاتب يدرك قيمة ما يحمله من أفكار، لسعى إلى صقل أدواته حتى يكون أهلاً لحمل هذه الأمانة. فليست الكتابة مجرد تسلية أو قضاء وقت، إنها رسالة وتأثير. وقد تكون سبباً في تغيير حياة إنسان أو مجرى تاريخ.

وختاماً، لا أدعو إلى تعقيد الأمور أو إلى جعل الكتابة علماً منفراً. كلا، بل أدعو إلى التوازن. اكتب كما تشاء، لكن تعلم أولاً. ابدأ كهواية، لكن لا تبقَ عند الهواية. طور نفسك، اقرأ كثيراً، حلل ما تقرأ، تعلم من أخطائك، واقبل النقد برحابة صدر.

فالكتابة ليست امتلاك قلم، الكتابة هي امتلاك رؤية، وإتقان صنعة، وإخلاص لفكرة، واحترام لقارئ. ومن يظن غير ذلك، فليعد النظر في علاقته مع الكلمات التي يخطها، وليسأل نفسه بصدق: هل يستحق ما يكتب أن يقرأه غيره؟

***

عبد السلام فاروق