عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

قاسم المحبشي: في أهمية الوعي المتحفي والمتحف الفلسفي (2)

بينما يلهو الدلفين في الماء دون أن يُقلقه التفكير في الموت، يُجبر الإنسان، بفضل قدرته على إنتاج الرموز واللغة والمفاهيم المجردة، على مغادرة الحاضر المباشر والعيش في أزمنة متعددة: ماضٍ يستعيده بالذاكرة، ومستقبل يتخيله بالتوقع، وحاضر يقيسه بما كان وما سيكون. ولعل هذا الانزياح الزمني هو أحد أعمق وجوه الاختلاف بين الإنسان والكائنات الأخرى؛ فالإنسان لا يعيش الزمن فحسب، بل يمنحه معنى، ولا يكتفي بالموت كحدث بيولوجي، بل يحوله إلى سؤال عن البقاء والذكرى والخلود.

وهكذا يمكن فهم المومياء، لا بوصفها جسدًا ميتًا فحسب، وإنما بوصفها مستودعًا للهوية، وذاكرةً ماديةً ملفوفة بطقوس الدين وتصورات الإنسان عن الحياة والموت والأبدية. وكذلك الأهرامات ليست مجرد مقابر ملكية ضخمة، وإنما تعبير مادي هائل عن رغبة الإنسان في مقاومة الفناء؛ ليس البقاء الجسدي وحده، وإنما البقاء الرمزي أيضًا. فالإنسان يموت، لكنه يحاول أن يترك وراءه اسمًا وصورةً وأثرًا ونصًا وحجرًا وحكاية.

فمنذ أن أدرك الإنسان هشاشة وجوده أمام الزمن، بدأ يبحث عن وسائل لمقاومة النسيان. أقام القبور، ونقش الحجارة، وشيد المعابد، وبنى الأهرامات، وكتب الأساطير، وحفظ الأنساب، ورسم الصور، وسجل الأحداث، ثم اخترع المكتبات ودور الأرشيف والمتاحف. وإذا نظرنا إلى هذه المؤسسات من منظور فلسفي واسع، وجدنا أنها جميعًا أشكال مختلفة من محاولة الإنسان حفظ الوجود من السقوط في هاوية النسيان.

ان احساس الانسان بتفاهته وضآلته مقارنة مع بالكون والاخرين يشعره بحاجة الى التوحد بالكون والمجتمع، وما لم يحدث التعلق، ما لم يكن لحياته معنى ما واتجاه ما، فانه يشعر بانه شبيه بذرة التراب الطائرة وتقهره تفاهته الفردية وضعفه وعجزه ومحدوديته, لقد دفع الانسان خوفه الشديد من التغير والزمان الى البحث عن الله الواحد الاحد القوي الثابت قال تعالى: «فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من الضالين * فلما رأى الشمس بازعة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما أفلت قال يا قوم اني برئ مما تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض، حنيفا وما أنا من المشركين» يقول كولن ويلسون: «والحق ان الدين نفسه استجابة للغز الزمان الاساسي . افتقار الانسان الى إلامن حين يحيا في الحاضر. واعياً بابعاد الماضي والحاضر التي تسحقه في كون لا يمتلك سلطاناً مباشراً عليه والمحاط بخطر الموت والفناء الظاهري. "والحل الذي تقدمه معظم الاديان هو تأكيد على نمط للوجود يتحقق بالخلود والتعالي والابدية، بغير بداية ولا نهاية مبرءاً من الاخطاء ومنزهاً من التغير فالدين يعمد الى ادماج الحاضر الأرضي والطبيعي والإنساني في الماضي والمستقبل" وقد كان الخوف أساس الطوطمة، فتطور حتى أصبح حبا فشعائر وعادة للاسلاف وقد كانت العبقرية اليونانية في تفسيرها للتاريخ والزمان تنطلق من التجربة الإنسانية في التغيرات الجسدية.. من الميلاد والطفولة إلى النضج والانهيار الحتمي للقدرات الجسمية والعضلية في الهرم. فالزمن عندهم هو التغيير، ما كنا عليه وما نحن عليه الان سوف ينتهي، سواء كان جيداً او سيئاً او وسطاً بينهما.و تعد ملحمة جلجامش الرافدية، أهم وأكمل عمل إبداعي أسطوري شعري، دونت بين (2750و2350) قبل الميلاد عن الملك جلجامش الذي عاش في مدينة أوروك «الوركاء» الواقعة في وادي الرافدين على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد تشكلت حول شخصه باقة من الحكايات الأسطورية والبطولية، التي تسرد أخبار أعماله الخارقة، وسعيه المستميت إلى معرفة سر الحياة الخالدة. إذ لم تكن ملحمة جلجامش الا تمثيلا لذلك الصراع الازلي بين الموت ورغبة الانسان في الخلود، "الانسان الضعيف المغلوب المقهور في محاولته اليأسة التشبت بالوجود مدفوعاً بغزيرة حب الحياة والحفاظ على البقاء. "ما الذي حملك على هذا السفر البعيد؟: أجاب جلجامش: جئت لاسال عن (لغز الحياة والموت)... وعلام تهيم على وجهك في الصحارى؟ انه "انكيدو" صاحبي وخلي الذي احببته حبا جما لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا فافزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحارى.. أيكون في وسعي الا ارى الموت الذي اخشاه وارهبه؟ فاجابت العرافة: "الى اين تسعى يا جلجامش" ان الحياة "يقصد الابدية" التي تبغي لن تجد حينما خلقت الالهة العظام البشر قدرت الموت على البشرية واستأثرت هي بالحياة"

وقد كانت "مدينة اوروك" المحصنة بالأسوار العالية تمثل "الحضارة" مقابل "البرية، البداوة" التي كان يمثلها "انكيدو" الذي يجوب البراري والتلال يرعى الكلأ مع حيوان البر ويستقي معها عند موارد الماء ذلك المتوحش القوي، الذي استأنس أول ما استأنس بالمراة "البغي" رمزاً من رموز الحضارة المستقرة، وحينما رقد "انكيدو" على فراش الموت، وادرك قرب نهايته اخذت تتوارد عليه الخواطر والذكريات، فود لو انه ما جاء الى حياة (الحضارة) بل ظل في باديته سعيداً خالي البال يرعى مع الظباء والحيوان، واخذ يكيل اللعنات على من زين له المجئ الى حياة المدينة. وفي الاسطورة اليونانية كان الشاعر "هيزيود" يرى ان الكون كله تحكمه عملية اضمحلال متوالية بدء من عصر ذهبي كانت الالهة هي التي تحكم فيه والناس يعيشون في سلام ووئام يتبعه عصر فضي ثم عصر برونزي واخيراً عصر حديدي يضطر فيه الناس للعيش بعرق جبينهم ويعانون مصيرهم، وكلمة "الزمن" باليونانية "كارونوس" هي اسم الاله الذي التهم اطفاله، واوديب عند "سوفوكليس" كان يعبر عن ذلك بقوله:

"الزمن يدمر كل شي

لا احد بمأمن من الموت سوى الالهه

الأرض تفنى.. كل شي الى زوال

حتى الثقة بين الناس تذوى، ويحل محلها عدم الثقة

الاصدقاء ينقلبون على الاصدقاء

والمدن على المدن

مع الزمن.. كل شي يتغير البهجة الى مرارة

حتى البغضاء تتحول الى حب"

هذا الوعي بالطبيعة العابرة للحياة الانسانية والتغير والتبدل المستمر الذي يسري على الكون كله كان قد تخلل الثقافة اليونانية والرومانية كلها. وربما كان الفليسوف اليوناني هيراقليطس خير من عبر عن ذلك في شذراته.

"كل شي يتغير لا شي يسكن

في التغير، تجد الاشياء راحتها

الزمن هو طفل يحرك لعبه في يده والقوة الملكية هي قوة طفل

الحرب هو ابو الاشياء جميعا"ً

في هذا الأفق الفلسفي الكلي يمكن النظر إلى المتحف ومعناه الميتافيزيقي فالمتحف، في جوهره، ليس مستودعًا للأشياء القديمة، وإنما مؤسسة لاستعادة الذاكرة. إنه المكان الذي يتحول فيه الغائب إلى حاضر، والشيء إلى شاهد، والأثر إلى وثيقة، والموت إلى معرفة، والزمن إلى فضاء يستطيع الإنسان أن يدخله ويتجول بين طبقاته وهذا هو المعنى الذي حاولت التأكيد عليه في الحلقة الأولى من هذا المقال: المتحف هو ذاكرة الحياة.

لكن الوعي المتحفي لا يكتمل بمجرد زيارة المتحف أو مشاهدة مقتنياته؛ إنه جزء من الوعي التاريخي نفسه. فالوعي التاريخي هو أن يدرك الإنسان أن الحاضر الذي يعيش فيه ليس بداية التاريخ، وأن العالم الذي يراه حوله لم يظهر فجأة، وإنما هو نتيجة تراكم طويل من الحيوات والتجارب والأفكار والأخطاء والاكتشافات والإنجازات ولعل أهمية هذا الوعي التاريخي المتحفي تتضاعف في عصر العولمة والتحول الرقمي .

إذبدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتسارعت حركة الأشخاص والأفكار والسلع والصور، وتشابكت الثقافات والمصالح، وأصبح ما يحدث في مكان من العالم قادرًا على الوصول إلى مكان آخر خلال ثوانٍ. غير أن هذا التقارب المادي لا يعني بالضرورة تقاربًا في الرؤية والفهم والتأويل فالعولمة لا تعني فقط انتقال التكنولوجيا والأفكار، وإنما تحمل معها أيضًا أنماطًا متشابهة من العمارة والملابس والاستهلاك والإعلان والصور واللغة البصرية. المدن الكبرى في العالم بدأت، في جوانب كثيرة، تتشابه؛ والمطارات ومراكز التسوق والفنادق والشوارع التجارية تكاد تبدو وكأنها تنتمي إلى مدينة عالمية واحدة. ومن هنا تظهر مفارقة عميقة: كلما تعولم العالم، ازدادت قيمة الأشياء التاريخية التقديمية أو قل كلما تشابهت الأشياء الحديثة، ازدادت قيمة الأشياء القديمة. إن بيتًا قديمًا، أو بابًا خشبيًا، أو مخطوطًا، أو قطعة فخار، أو آلة زراعية، أو ثوبًا تقليديًا، أو أداة موسيقية، أو صورة عائلية قديمة، قد يبدو للعين المعاصرة شيئًا بسيطًا لا قيمة مادية كبيرة له، لكنه من منظور الوعي التاريخي يمثل شاهدًا على طريقة عيش كاملة اختفت أو تكاد تختفي.

وفي هذا السياق يمكن تأكيد الوظيفة الحضارية للمتحف؛ إنه لا يحفظ الأشياء لأن الماضي أجمل بالضرورة من الحاضر، ولا لأن كل قديم يستحق التقديس، وإنما لأنه يمنحنا إمكانية فهم الطريق الذي أوصلنا إلى الحاضر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته لا يستطيع أن يعرف نفسه، والمجتمع الذي يفقد ذاكرته التاريخية يفقد جزءًا من قدرته على فهم هويته وتحولاته.

 فالمتحف الطبيعي يقول لنا إن تاريخ الحياة ليس تاريخ الإنسان وحده، وإن وجودنا الحالي ليس بداية القصة. لقد سبقتنا ملايين الأنواع، وعاشت ملايين السنين، ثم انقرضت. بعضها كان أكثر انتشارًا منا، وبعضها عاش أطول مما يمكن أن نتخيله، وبعضها كان أكثر تكيفًا مع بيئته، ومع ذلك انتهى إلى أحافير وهياكل وآثار محفوظة في المتاحف وهنا يتسع معنى الوعي التاريخي ليصبح وعيًا بتاريخ الحياة نفسها.

إن هيكل الماموث في متحف التاريخ الطبيعي ليس مجرد عظام لحيوان انقرض؛ إنه سؤال فلسفي عن المصير. والحفرية ليست مجرد حجر، وإنما صفحة من كتاب الحياة. والمومياء ليست مجرد جسد محفوظ، وإنما شهادة على علاقة الإنسان القديم بالموت والزمن والخلود.

وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الكائنات، فإن المتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار. وهو لا يحفظ الأفكار باعتبارها نصوصًا مجردة فحسب، وإنما يحفظ آثارها المادية والتاريخية: الكتب والمخطوطات والرسائل والصور والأدوات العلمية والخرائط والوثائق والاختراعات.

وهذا ما يجعل تجربة متحف الجمعية الفلسفية الأميركية في فيلادلفيا ذات دلالة خاصة. فالجمعية الفلسفية الأميركية تأسست على يد بنجامين فرانكلين عام 1743 بهدف تعزيز المعرفة النافعة، وهي أقدم جمعية علمية/فكرية مستمرة في الولايات المتحدة. أما مبنى Philosophical Hall فقد اكتمل عام 1789، وأصبح مقر الجمعية، وهو اليوم يحتضن متحف الجمعية الفلسفية الأميركية. وقد افتُتحت قاعة المتحف فيه عام 2001، وتقام فيه معارض دورية تعتمد على مقتنيات الجمعية ومكتبتها . وربما كانت تلك التجربة في تأسيس متحف للفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية تجربة فريدة من نوعها هنا متحفا؛ جعل من تاريخ المعرفة والأفكار والعلوم والتجارب الإنسانية موضوعًا للعرض والتأمل.

إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في فرادتها وإنما في أنها تجعلنا نفكر في العلاقة بين الفكرة والأثر. فالفكرة لا تبقى دائمًا داخل العقل؛ إنها تتحول إلى كتاب، والكتاب إلى حركة، والحركة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تاريخ. والاختراع الذي نراه اليوم شيئًا مألوفًا كان في لحظة ظهوره فكرة جديدة، وربما فكرة مستحيلة في نظر معاصريها.

وهكذا يغدو المتحف أكثر من مكان لحفظ الأشياء؛ إنه أركيولوجيا للأفكار، يحفر في الطبقات التي سبقت ظهور الأحداث، ويعيد وصل الفكر بالتاريخ. وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ آثار الكائنات التي عاشت ثم انقرضت، فإن متحف الفلسفة يحفظ آثار الأفكار التي وُلدت ثم تحولت إلى أفعال وتاريخ فنحن لا نرى الأشياء وحدها، بل نسأل: لماذا حُفظ هذا الشيء؟ لماذا اختير هذا الأثر دون غيره؟ ما المعرفة التي يمثلها؟ وما السلطة التي قررت أن هذا الشيء جدير بالبقاء؟ وما الذي اختفى لأن أحدًا لم يحفظه؟

ختاما يمكن القول: في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يصوّر ملايين الأشياء ويخزنها رقميًا، تبدو مشكلة النسيان وكأنها قد انتهت، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الذاكرة؛ فالذاكرة ليست تخزينًا، وإنما اختيار وتأويل وربط بين الأشياء والمعاني. ومن هنا تتجاوز وظيفة المتحف مجرد حفظ الأشياء، فهو يمنحها سياقها وقصتها ومكانها في الذاكرة الإنسانية، ويضع الماضي أمام العين والجسد والعقل، فيصبح نوعًا من مقاومة السرعة التي تبتلع الأشياء قبل أن نفهم معناها. إن المتحف يقول لنا: تمهّلوا، انظروا إلى ما كان، واسألوا قبل أن تستبدلوا، واحفظوا قبل أن يختفي. ولذلك فإن حماية التراث والآثار ليست موقفًا ضد الحداثة، بل هي شرط لحداثة واعية؛ فالحضارة لا تتقدم بهدم القديم، وإنما بفهمه وحفظ ما يستحق منه، ثم البناء عليه. فالإنسان الذي يعرف من أين جاء يكون أقدر على أن يقرر إلى أين يريد أن يذهب. كما أن المتحف لا يحفظ الحقيقة جاهزة، بل يجعلنا نفكر في كيفية تشكلها؛ فالشيء المعروض لا يتحدث وحده، وإنما نمنحه نحن سياقه وعنوانه وقصته وموقعه في السرد التاريخي. ومن هنا يصبح الوعي المتحفي جزءًا من الوعي الفلسفي. فالمتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الحياة، والمتحف التاريخي يحفظ ذاكرة الإنسان، والمتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار؛ وبين الحياة والإنسان والفكرة يمتد تاريخ طويل من الوجود. وكلما تسارع العالم وتشابهت ملامحه، ازدادت حاجتنا إلى الذاكرة وإلى معرفة تعدد الطرق التي أوصلتنا إلى حاضرنا. لذلك فإن حماية المتاحف والآثار ليست حماية للماضي من المستقبل، بل حماية للمستقبل من فقدان ذاكرته. ولعل المعنى الأعمق للمتحف أنه لا يحفظ ما مات، بل يمنح ما غاب فرصة أخرى لكي يتكلم؛ فالماضي لا يموت حين يغيب، وإنما يموت حين لا نجد من يتذكره.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم