قضايا
مراد غريبي: هل نريد حقًا كعرب بناء اقتصاد معرفي؟
مفتتح: ليس خفيا على احد أن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة و جذابة في بنية وتشكيل القوة والثروة، تحولات تختلف في عمقها عن كل ما سبق من ثورات صناعية وتقنية. لقد كانت القوة في الماضي تُقاس بما تملك الأمم من موارد طبيعية وجيوش وآلات، بينما اليوم تُقاس بما تُنتجه من معرفة، وبما تبتكره من أفكار، وبما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى تكنولوجيا، وإلى نماذج تنظيمية، وإلى حلول للمشكلات المعقدة التي تواجه البشر¹. إن أهم التحولات العميقة في مطلع القرن 21 هو التحوّل الذي يُطلق عليه «اقتصاد المعرفة» لم يعد خيارًا اختياريًا للأمم التي تريد أن تحافظ على سيادتها وكرامتها، بل أصبح شرطًا وجوديًا للبقاء في قلب الحضارة الإنسانية المعاصرة².
وعالمنا العربي، الذي كان يومًا مركزًا لإنتاج المعرفة ونشرها، من بغداد العباسيين الى قرطبة الأمويين و حواضرالموحدين بالغرب الإسلامي، نجده اليوم كما قال الدكتور كمال أبو المجد أمة ترى و لا ترى (برفع الشتاء) إننا لانزال في موقع المتفرّج والمستهلك، الذي يدمن شراء ما ينتجه الآخرون، ويستورد التكنولوجيا التي يبتكرها غيره، ويُصدّر عقوله الذكية إلى الجامعات والمختبرات الغربية³. هذا الواقع المؤلم يثير إشكالات مركزية: هل يمكن للعالم العربي أن يستعيد موقعه في خريطة المعرفة العالمية؟ وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون ذلك؟ وما هي الإمكانات الحقيقية المتاحة للنهوض؟
اقتصاد المعرفة
يُقصد باقتصاد المعرفة ذلك النمط الاقتصادي-الحضاري الذي تصير فيه المعرفة – بكل تجلياتها العلمية والتقنية والتنظيمية والإبداعية – هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، والمصدر الرئيسي للاشكال التنافسية، والمعامل الرئيسي في تحديد مكانة الأمم ودورها في النظام العالمي⁴.
في هذا الاقتصاد، تتجاوز القيمة الاقتصادية للفكرة قيمة الآلة التي تُنتجها، ويصبح الباحث والمبتكر أكثر أهمية من صاحب رأس المال التقليدي، وتتحوّل الجامعات ومراكز البحث من فضاءات للتدريس إلى حقول إنتاج حقيقية للثروة الوطنية⁵.
هذا التحوّل ليس مجرد تطوّر تقني أو اقتصادي محدود، بل هو إعادة تشكيل عميقة للبنية الحضارية: في طريقة التعليم، وفي نوعية النخب، وفي شكل المؤسسات، وفي توزيع السلطة والنفوذ⁶. لأن الدول التي تملك أكبر احتياطيات النفط لم تعد بالضرورة الأقوى، بل تلك التي تملك أكبر عدد من الباحثين المتميزين، وأفضل الجامعات، وأكثر براءات الاختراع، وأقوى النظم التعليمية القادرة على تحويل الأجيال الجديدة إلى عقول مبدعة وناقدة ومنتجة⁷.
هنا يتحدد التحدي الأكبر للعالم العربي: كيف ينتقل من اقتصاد ريعي يعتمد بشكل أساسي على استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، إلى اقتصاد منتِج يعتمد على العقول والأفكار والابتكارات؟ وكيف يتحوّل من مستهلك سلبي للتكنولوجيا إلى منتج فاعل لها؟⁸
العالم العربي وسلم اقتصاد المعرفة
حين نضع العالم العربي على مقياس اقتصاد المعرفة، تبرز صورة كارثية لكنها ضرورية للمواجهة الصادقة مع الذات. فالإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2-4% في الدول المتقدمة⁹. وعدد الباحثين يبلغ في المتوسط 650 باحثًا لكل مليون نسمة، بينما يتجاوز 4000 في الاتحاد الأوروبي و7000 في كوريا الجنوبية¹⁰. أما براءات الاختراع المسجّلة من العالم العربي كله من طنجة الى مسقط فلا تتجاوز 1% من المجموع العالمي، بينما تسجّل دولة مثل كوريا الجنوبية وحدها أكثر من 200 ألف براءة سنويًا¹¹. والمنشورات العلمية العربية لا تتجاوز 2% من الإنتاج العلمي العالمي، رغم أن العالم العربي يضم 5% من سكان الأرض¹².
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي تعبير عن تخلف معرفي حضاري عميق يتسع يومًا بعد يوم، ويُبقي العالم العربي في موقع التابع لا القائد، والمستهلك لا المنتج، والمقلّد لا المبتكر¹³. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الفجوة لا تُترجَم فقط في شكل تأخّر اقتصادي، بل تتحوّل إلى نوع جديد من التبعية الحضارية يمكن تسميته بـ«الاستدمار المعرفي»: حين تصبح الأمة مجبرة على شراء التكنولوجيا من الخارج، وعلى استيراد الخبراء، وعلى التعلم بمناهج ليست من صنعها، وعلى قبول المعايير التي يفرضها الآخرون¹⁴. هذا الشكل من التبعية أخطر من الاستعمار التقليدي؛ لأنه لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل العقل والخيال والإرادة، ويجعل الأمة تفكر بلغة الآخر، وتحلم بأحلامه، وتقيس نجاحها بمعاييره¹⁵.
لماذا تأخرنا في اقتصاد المعرفة؟
يمكن إرجاع تأخر العالم العربي في اقتصاد المعرفة إلى مجموعة من العوامل البنيوية المتشابكة:
أولها وأخطرها الأنظمة التعليمية اللاواقعية و العاجزة، التي لا تزال تقوم في جوهرها على التلقين والحفظ والاستظهار، بدلًا من تنمية ملكات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات¹⁶. الجامعات العربية تحوّلت في معظمها إلى مؤسسات تدريس فقط، لا إلى مراكز بحث وابتكار، وهي تُخرّج ملايين الخريجين بمهارات لا يحتاجها السوق ولا تتناسب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي¹⁷.
ثاني هذه العوامل هو نزيف هجرة العقول المستمر نحو أمريكا و كندا و أستراليا و الاتحاد الاوروبي، حيث يغادر مئات الآلاف من أفضل الخريجين والباحثين العرب، بحثًا عن بيئة تقدّر الكفاءة وتدعم البحث وتحترم الحرية الأكاديمية¹⁸. الأسباب متعددة نعد منها: انخفاض الأجور، ضعف التقدير الاجتماعي، غياب بيئة البحث، نقص المختبرات والإمكانيات، القيود السياسية والبيروقراطية الخانقة، وغياب الحرية الفكرية¹⁹. النتيجة أن العقول العربية تبني حضارة الآخرين، بينما يعاني وطنها من الركود والتخلف.
ثالث هذه العوامل هو سيطرة الاقتصاد الريعي على معظم الدول العربية، وخصوصًا النفطية منها، التي بنت اقتصاداتها على عائدات الموارد الطبيعية لا على الإنتاج المعرفي²⁰. هذا النمط الاقتصادي لا يحفّز الابتكار، ولا يشجّع البحث، ولا يستثمر في العقول؛ لأن الثروة تأتي بلا جهد إنتاجي حقيقي. والأخطر من ذلك أن الاقتصاد الريعي يُنتج عقلية ريعية: انتظار الفرص الجاهزة، والاعتماد على الآخر، وغياب روح المبادرة والمخاطرة²¹.
رابع هذه العوامل وربما أعمقها هو تقييد الحريات الأكاديمية، فلا يمكن أن يزدهر البحث العلمي والابتكار في بيئة تقمع حرية التفكير²². الجامعات العربية تعاني من رقابة على المناهج، وتدخلات سلطوية في تعيينات الأساتذة، وخوف من المواضيع الحساسة، ومناخ عام لا يشجع على المساءلة والنقد.
بينماالإبداع يحتاج إلى حرية: حرية السؤال، وحرية الشك، وحرية التجريب، وحرية الخطأ. وهذه كلها نادرة في كثير من الفضاءات الأكاديمية العربية²³.
آفاق النهوض باقتصاد المعرفة عربيا
رغم سوداوية الصورة العربية فيما يرتبط بإقتصاد المعرفة، إلا أن هناك إمكانات حقيقية وفرصًا واعدة يمكن التأسيس عليها. فالعالم العربي يمتلك ثروة بشرية هائلة: ملايين الشباب المتعلمين، المتصلين بالإنترنت، القادرين على التعلم الذاتي، والمنفتحين على العالم²⁴. هذا الجيل يمكن أن يكون المحرك الحقيقي للنهضة المعرفية، إذا وُفّرت له البيئة المناسبة. كما أن الثورة الرقمية أتاحت فرصًا غير مسبوقة: التعليم عن بُعد يتيح لأي شاب أن يتعلم من أفضل الجامعات العالمية، وريادة الأعمال الرقمية تسمح لأي مبدع أن يطلق مشروعه بتكلفة منخفضة، والاقتصاد الإبداعي يفتح مجالات واسعة في المحتوى الرقمي والتطبيقات والتصميم و الإدارة و الهندسة بشتى مجالاتها²⁵.
وهناك أيضًا تجارب عربية رائدة بدأت تشق طريقها نحو اقتصاد المعرفة، وخصوصًا في دول الخليج. التي رفعت بعضها الإنفاق على البحث والتطوير إلى 1.75% من الناتج المحلي، على سبيل المثال لا الحصر المملكة العربية السعودية سجلت زيادة 17.4% في الإنفاق على البحث العلمي في سنة واحدة، وقطر دخلت ضمن قائمة أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي²⁶. هذه التجارب تُثبت أن الإرادة السياسية والاستثمار الجاد يمكن أن يُحدثا تحولًا حقيقيًا.
استراتيجيات اللحاق بمضمار اقتصاد المعرفة
لاشك بأنه لا نهضة حقيقية بلا إصلاح تعليمي عميق مدخله الانتقال من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، ومن الانفصال عن الواقع إلى الارتباط بحاجات المجتمع والاقتصاد²⁷. ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح من التعليم المبكر، لأن بناء العقل النقدي لا يمكن أن يتأخر إلى الجامعة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، بحيث تُخرّج الجامعات كفاءات يحتاجها الاقتصاد المعرفي، لا عاطلين عن العمل يحملون شهادات لا قيمة لها²⁸.
ويجب أن تعمل الدول العربية الجادة على اطلاق برامج جادة لاستعادة الكفاءات المهاجرة، من خلال توفير رواتب تنافسية، وبيئة بحثية محترمة، وحرية أكاديمية حقيقية، وتكريم اجتماعي للعلماء والباحثين²⁹. كما يجب مضاعفة الإنفاق على البحث العلمي عدة مرات، ورفعه إلى 2% على الأقل من الناتج المحلي، وإنشاء مراكز بحث متقدمة في المجالات الاستراتيجية كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحيوية³⁰.
ولن يكون هناك اقتصاد معرفي حقيقي بلا حرية: حرية الباحث في اختيار موضوعاته، وحرية الأستاذ في التدريس، وحرية الطالب في السؤال، وحماية الجامعات من التدخلات الخارجية، وتشجيع ثقافة النقد والمساءلة³¹. كما يجب إشراك القطاع الخاص في هذه المعركة، من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والابتكار، ودعم الشركات الناشئة، وخلق حاضنات ومسرّعات أعمال في المجالات التكنولوجية³².
مستخلص
عالمنا العربي اليوم أمام خيار مصيري: إما أن ينهض ويدخل عصر اقتصاد المعرفة بقوة وجدية، وإما أن يبقى على الهامش، يتفرج على الآخرين وهم يصنعون المستقبل. الخيار الأول صعب، يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات ضخمة، وإصلاحات عميقة، وتغييرًا في العقليات³³. لكنه ليس مستحيلًا؛ فالتاريخ يشهد أن أممًا كانت متخلفة قبل عقود استطاعت أن تتحول إلى قوى معرفية واقتصادية عالمية. الخيار الثاني سهل، لا يتطلب جهدًا: الاستمرار في الاستهلاك والاعتماد على الريع وتصدير العقول واستيراد التكنولوجيا. لكن نتيجته واضحة: التهميش الحضاري، والتبعية الدائمة، وفقدان السيادة³⁴.
ما يُطمئن أن العالم العربي لم يكن يومًا عاجزًا عن الإبداع. حين أُتيحت الفرص، وتوفرت البيئة، أنتج علماء وفلاسفة ومفكرين غيروا وجه التاريخ. المشكلة ليست في العقل العربي، بل في البيئة والنظام والإرادة³⁵. اليوم، الفرصة لا تزال قائمة، لكنها فرصة لن تدوم طويلًا. حركة التغيير في العالم تتسارع، والفجوة تتسع، والوقت ينفد. اقتصاد المعرفة ليس لهوا فكريًا، بل ضرورة بقاء. والسؤال الحقيقي ليس: «هل نستطيع؟»، بل: «هل نريد حقًا بناء اقتصاد معرفي؟»³⁶.
***
مراد غريبي
.......................
الهوامش
1. محمد عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً لإعادة تعريف السلطة والتأثير"، الاقتصاد الرقمي العربي، 11 أكتوبر 2025، ص 3.
2. نبيل جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي في الوطن العربي: الفرص والتحديات"، مجلة الباحث، العدد 7 (2010): ص 47.
3. "هجرة العقول العربية"، موقع علوم اليمن، ص 2.
4. مركز الملك فهد الثقافي، الاقتصاد المعرفي (الرياض: مركز الملك فهد الثقافي، 2018)، ص 17.
5. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 48.
6. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 5.
7. المرجع نفسه، ص 6.
8. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 51.
9. المرجع نفسه، ص 53.
10. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 8.
11. صالح المطيري، "الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي واقعه وتحدياته"، الجمعية الكويتية لحماية البيئة، 25 يوليو 2018، ص 4.
12. المرجع نفسه، ص 5.
13. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 55.
14. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 9.
15. المرجع نفسه، ص 10.
16. عبد الله الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي وآفاق الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي"، موقع كتابات، 15 مارس 2024، ص 3.
17. "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، الرابطة العربية للتربويين التنويريين، 12 نوفمبر 2025، ص 6.
18. رياض القاسم، "هجرة الأدمغة العربية: الأسباب والحلول"، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 6، العدد 2 (أكتوبر 2020): ص 232.
19. "هجرة العقول العربية"، ص 3.
20. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 57.
21. المرجع نفسه، ص 58.
22. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 11.
23. الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي"، ص 7.
24. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 12.
25. المرجع نفسه، ص 13.
26. المرجع نفسه، ص 14.
27. "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، ص 9.
28. المرجع نفسه، ص 10.
29. القاسم، "هجرة الأدمغة العربية"، ص 238.
30. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 60.
31. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 15.
32. المرجع نفسه، ص 16.
33. جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 61.
34. المرجع نفسه، ص 62.
35. المطيري، "الابتكار أو الاندثار"، ص 11.
36. عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 18.






