عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: دعوى صراع القيـــم في منطقة المصالـــح

لِمارك توين مفهوم صادم أشبَعه تأصيلا في كتابه: (ما الإنسان؟) يدور حول مركزية الاحتياج الذاتي في دافعية التصرفات، حيث إنه ما من سلوك نبيل يمارسه الإنسان مهما بدا أنه عمل إنسانيٌ لا غير، إلا وأساسه تحقيق حاجة ذاتية بامتياز، وما تلك التبريرات لذلك النُّبْل إلا توابع هامشية، وامتداداتٌ ظاهرية، تغلّف لُبّ احتياجه الشخصي وتشبع نزوته المخفية عميقا بين دهاليز نفسه وأقبيتها، حتى في حالات يصعب استيعاب تلبية الاحتياج الذاتي دافعا أصيلا في مثل إنقاذ غريق أو التصدق على مسكين عابر شفقةً!

ومهما يكن الأمر، فإملاءات المصالح الشخصية في بُعدها الممتدّ حقيقة واقعية، بل وأساس معقّد يقوم عليه التفاعل البشري، وما من شك أن السعي وراء المصالح الشخصية في العموم ممارسة طبيعية يقتضيها التكوين البشري، وكل شيء يبدو مقبولا في هذا السياق حتى تتداخل المصالح الشخصية مع القيم، وحينئذٍ يُرى هذا التداخل تضاربا وصداما وصراعا، فإما أن يؤول إلى توقف المصالح على عتبة القيم، باعتبار أن القيم هي الحدود التي ينبغي للمصالح ألا تقفز عليها، وبذلك تنتصر القيم في هذه الحالة، فيُكال في وجه صاحبه المديح، وإما في المقابل أن تنتصر المصالح الشخصية على حساب القيم، فينتج عنه انزياح قيمي لا يُرتضى من قِبَل الوعي الجمعي، فيُرمَى صاحبه بصنوف من الأحكام اللاذعة.

والسؤال الوجيه الصريح الذي يبرز هنا هو: هل هناك حقا صراع بين القيم والمصالح الشخصية؟ بحيث إنها تجبر المرء على أن يعيش حيرة في اتخاذ خياراته في المناطق التي تجتمع فيها إرادتا القيم والمصالح، وعليه؛ فهل لا بد من منتصر بينهما، فإما الغلبة للقيم، فتكون سمةً محمودة، وإما أن يكون النصر حليف المصالح، فتكون سمةً مذمومة؟

إن الإجابة البديهية في السردية السائدة هي أن هناك تضاربا لا محالة بين القيم والمصالح، وأن هذا الصراع المزعوم هو صراع حقيقي يبدأ حين تحاول المصالح أن تفضّ غشاء القيم وتعبر إلى مساحة محظورة، ولكن ماذا لو استصحبنا مركزية الذات في علاقتها بالقيم من ناحية، وصلتها بالمصالح من ناحية ثانية؟ ستظهر على الفور رؤية صادمة، وصادمة جدا، إذ تكون الذات هي المحور على الدوام أي من حيث ترسيم حدود كل منهما عند التلاقي، سواءً أكان الانزياح لصالح القيم أم كان يصبّ رأسًا في المصالح، فتخرج ذواتنا منتصرة في كلتا الحالتين؛ لسبب وجيه وهو أن هذا الانزياح الحاصل بين القيم والمصالح إنما يكون لتحقيق إرادة الذات العليا.

ولعل إجابتنا عن سؤال: ما الذي يحدد حدود القيم في منطقة المصالح؟ تُيسّر تفهّمنا لهذه اللفتة، إذْ إن المصالح متحركة، وليست حُكما قارًا ثابتا كما هو جليّ، ولكن ماذا عن القيم؟ هل هي حقا ثابتة؟ إن اعتبار القيم ثابتة بخلاف المصالح، يصوّر التداخل بين القيم والمصالح على أنه انزياح من تدفق المصالح المتحركة إلى مساحة القيم الثابتة، ومن هنا نشأ تصوّر الصراع، ولكن هل القيم حقا ثابتة غير متحركة؟

تحرُّك القيم وتغيُّرها المستمر واختلافها من زمن لآخر ومكان لآخر ومجتمع بشري لآخر يحيلنا إلى مفهوم نسبية الخير والشر والأخلاق والمبادئ كما أبان عنها نيتشه باستفاضة في كتابه: (ما وراء الخير والشر)، وإنْ كانت نسبية القيم تفرض عليها أنها متحركة، غير أن الذي يعنينا هنا هو الدافع المحرك لمفاهيم مرتبطة بها من قبيل الضرورات تبيح المحظورات، والغاية - بمعنى النهاية وليس الهدف - تبرر الوسيلة، وكأنّ هناك تجاوزا مقبولا بل ولازما لا بد أنّ يُصار إليه في بعض الحالات، ولكن ما هو المرتكز الأساس الذي  تقوم عليه مثل هذه الاستثناءات؟ إذا أمْعَنّا وأنْعَمْنا النظر فسنجد أنه الذات، فذواتنا هي بحق رُمَّانة القَبَّان في إقليم تتعاطى فيه القيم مع المصالح، ومن ثَمَّ فإن كُلّا من القيم والمصالح حدود متحركة، تنتصب الذات بينهما حاكما يزيح حدود ما يشاء حيثما يشاء بحسب ما يكفل حمايتها والإبقاء عليها إنْ معنويا وإنْ ماديا.

ومن هنا كان الصراع بين القيم والمصالح صراعا وهميا، والمسألة - كل المسألة - أنّ الذات تُوْلي صونها ومكاسبها أولوية على أي شيء آخر، وهذا لا يعني ديمومة طغيان المصالح على القيم فيما قد يُفهم من هذا الطرح، فالذات تتعامل مع القيم والمبادئ باعتبارها مُعبّرا أصيلا عن امتدادها، لا يقل شأوًا عن أي مكسب مادي أو مصلحة شخصية، بل يمكن أن يقال إن تحقيق قيمة أو مبدأ ما هو بحد ذاته مصلحة ذاتية تتجلّى الذات عبرها؛ ولذا كان الخوف من شعور العار لدى النبلاء قيمة عليا تنشدها الذات رغم إغراء المصالح وإغوائها، وإن شئت فسمّها تراتبية المصالح.

وبالحديث عن حاكمية الذات، وكون كلٍ من القيم والمصالح متحركة، فإنه من الطبيعي جدا أن تتباين الذوات في مرونة الانزياح بين حدود القيم وحدود المصالح، فما يعدّ هنا ذلا ومهانة قد يُرى هناك تكتيكا وبُعد نظر، وما يُعتبر هنا كرامة، قد يُنظر إليه هناك سوء تدبير ونظرة قاصرة، ومن تبعات هذا التفاوت مسألة الإيذاء بين الناس، إذ إنْ تحقيق مصلحة شخصية بما يعتقد أنه تجاوز لحدود القيم، ولكن بلا إيذاء للآخر، ليس هوَ هوَ حينما يكون على حساب الآخر، ومن هنا تنشأ الصراعات، ليس بسبب غلبة المصالح على القيم فيما يبدو، بل باختلاف الذوات في تقدير الحدود بينهما وتبرير الواحدة بالأخرى، على أنّ نظرة النسبية في القيم والمصالح لا تمنع حقنا من الحكم على فلان بالنخوة والشهامة وعلى آخر بالوضاعة والحقارة.

إن إظهار العلاقة بين القيم والمصالح على أنها تفاعل طبيعي وليس صراعا أو تجاوزا من متحرك على ثابت، لا ينبغي أن يُفهم منه التبرير لمفاسد تقوّض بنيان المجتمع، بل هو ردُّ الاعتبار إلى حاكمية الذات في منطقة القيم والمصالح، واستيعاب مبدأ التحرُّك في جوهر كل منهما، وأما إكراه الفردانية على قيم مجتمعية تُصَدَّر باعتبارها ثابتة، والمطالبة بجعلها سقفا تقصف رقبة كل مصلحة شخصية تَشْرَئِبّ، هو مطلب هزيل يخلق مجتمعا هشا، يضم أفرادا مخدَّرين في قوالب جامدة لا تعي حركة الحياة بدعوى ثبات القيم غير الثابتة أصلا، على أني أعبّر بكلمة (الحدود) حين الحديث عن العلاقة بين القيم والمصالح تجوُّزا، فلست أرى إلا احتياجا ذاتيا تلبيها قيمة من القيم أو مصلحة من المصالح باعتبارها كيانات متحركة باتجاه إرادة الذات، لا صراعا تتوه الذات بينهما، ويبقى لكل ذات طبيعتها نبيلة كانت أم خسيسة!

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم