هل الفلسفة تدافع فقط عما يعتقده الناس سلفا؟
يمكن القول ان الفيلسوف التحليلي قد يكون شخصا لا يُطاق نوعا ما. في كل محادثة، وفي أي موضوع يمكن تصوّره، هو يدخل متبجحا بثقة مفرطة ومستعدا للانقضاض عند أدنى زلة او خطأ من جانب محاوريه التعساء. في حالة حدوث أي زلة لسان او لبس، يكون التعبير عن الارتباك الشديد والمطالبة بالتوضيح جاهزا. أمام أي مقترح هناك حافز لمقترح مضاد. الحديث مع فيلسوف تحليلي، يُشعر المرء باحساس واضح انه يخضع للمراقبة. كل كلمة، تشكل لغما محتملا، وكل فكرة تُفحص بحثا عن دلالاتها وتناقضاتها. وكل هذا كأنه لم يكن شيئا سيئا، البعض يرى ان لا شيء ابدا خلف كل هذا التباهي والرضا عن النفس لدى الفيلسوف التحليلي. الفيلسوف التحليلي هو سطحي فكريا وغير فضولي بشأن أي شيء يتعدى موقعه الضيق.
لذلك فان نتاجات أفكاره مملة وليست أكثر من ظل لما كانت عليه الفلسفة في الماضي. وما يجعل الوضع أسوأ، هو انه لا يشعر بالازعاج من كل هذا ابدا. عكس ذلك، الفيلسوف التحليلي يشعر بفخر غريب بجهله وبساطة ذهنه وعبثه المطلق وعدم أهميته.
ان تصرّف أحمق من هذا النوع لا يُعد اضطرابا فرديا، ان المزعج هو فقط الأسلوب التحليلي في هذه الطريقة بالذات. هذه هي كلمات الافتتاح لـ ليلي هو Lily Hu أستاذة الفلسفة في جامعة يال في مراجعة كتاب الفيلسوف البريطاني كريستوفر سكورينغا بعنوان تاريخ الفلسفة التحليلية: كيف صاغت السياسة الفلسفة السياسية .
كفيلسوف طبيعي يهاجم باستمرار الفلسفة التحليلية، انه تغيير رائع في الروتين ان نرى نقدا للفلسفة التحليلية من زاوية مختلفة جدا. نقد سكورينغا للفلسفة التحليلية يأتي من منظور ماركسي، معربا عن أسفه إزاء ما يُزعم انه دفاع "سياسي" عن الوضع الراهن.
لكن بالنسبة للفيلسوف الطبيعي، المشكلة مع الفلسفة التحليلية هي ليست تركيزها على الدقة والصرامة. ويضيف،عندما أصف نفسي كفيلسوف طبيعي وليس كفيلسوف تحليلي، انا اواجه ذلك السؤال كثيرا هل أعترض على الكتابة الواضحة والتفكير المنهجي. بالطبع كلا. هذه سمات قيّمة. وبالتالي، بمعنى ما، انا فيلسوف تحليلي. لكن هذا في الحقيقة تعريف ضيق جدا، من الناحية الروحية انا لست كذلك.
المشكلة مع الفلاسفة التحليليين المعاصرين هي انهم تبنّوا التركيز على الدقة التي ميزت المدرسة التجريبية المنطقية في محاولاتهم محاكاة العلم، لكنهم أهملوا اهتمامهم في العلم الحقيقي والبيانات التي تهدد المفاهيم البديهية الشائعة. الفلسفة التحليلية اليوم، لا تبدي اهتماما كبيرا بالتطورات في العلوم، مفضلة الانخراط مع بعضها البعض بدلا من العالم الحقيقي.
الجزء الاكبر من العمل في الفلسفة التحليلية، عندما يشرّح احد الحجج بالتفاصيل، سيصل بالنهاية الى نداءات تستند الى افتراضات يُفترض ان تكون "بديهية"، رفضها يجب ان يُعد كمعارضة لرؤية معينة. سكورينغا على صواب في نقد ان ما يعتقده الفيلسوف كبديهية يتحدد ببيئاتها الثقافية. هذا يفسر لماذا الكثير من الفلسفة التحليلية تهتم بمحاولات غير مهمة لتقديم صيغ تقنية للغاية ومنظمة للحس السليم، مثل نظرية جون رولس في العدالة التي قيل انها انعشت الفلسفة السياسية.
من المفارقة، حتى التحرريين يتفقون مع نقد سكورينغا الماركسي هنا، ولابد من النظر الى نقد جاسون برينان Jason Brennan الفيلسوف الأمريكي والأستاذ في جامعة جورج تاون لجون رولس (1).
الفلاسفة في الفكر التحليلي يركزون كثيرا على ما اذا كانت النظرية او استنتاجها تتطابق مع الحس السليم لدرجة أهملوا التزامهم بالدقة المنطقية ومسائلة جميع الافتراضات. هذه هي عواقب حتمية لتقديس الحس الشخصي كمرشد للحقيقة، دون ادراك انها تتقرر بتربية المرء الثقافية والبيئة الاجتماعية.
تختتم ليلا هو مراجعتها بتفكير عام حول النزعة لإدانة حالة الفلسفة: بالنسبة لاولئك الذين يرون او اُحضروا ليروا ما يراه سكورنيغا، التاريخ الاجتماعي يقدم متعة الاعتراف، يمنحك متعة الشعور بالتعاطف معه والتأييد له وللعديد من الآخرين في تاريخ الفلسفة الذين انتقدوا الحالة المعاصرة للفلسفة. حتى برتراند رسل كتب مرة بانه "لايقبل" "الفلسفة السائدة حاليا"، في مقدمته لكتاب ارنست جيلنر كلمات وأشياء عام 1959 السابق للتاريخ الاجتماعي في سلسلة طويلة من الجدالات الموجهة ضد الفلسفة.
ان رفض الفلسفة هو جوهر الفلسفة بحد ذاته
لكي تكون فيلسوفا جيدا يعني ان تفحص طرقا فلسفية، لا ان تحاول خلق مبررات مخصصة لمواقف تنسجم مع الفطرة السليمة السائدة. بينما موقف الأخير قد يحظى بشعبية كبيرة من خلال الدفاع عن "الأفكار الصحيحة"، لكن لا ينبغي ان يلعب الحدس بشأن ما نعتقد انه صحيح حقا سوى دور ضئيل للغاية في الفلسفة الجادة. لسوء الحظ، نعتقد ان هذه المشكلة هي اكثر أهمية بالنسبة لمنهجية الفلسفة التحليلية ذاتها منه الى ما يعتقده سكورينغا. فكما يقول في الملخص الترويجي لكتابه الجدلي: "حتى هذا اليوم، الفلسفة التحليلية هي أيديولوجية الوضع الراهن".
***
حاتم حميد محسن
.....................
Does philosophy only defend what people already believe? Psychology today, Aug 22,2026
الهوامش
(1) نقد جاسون برينا بتاريخ 23 أكتوبر 2022
كان جون رولس سيئا في الجدال. جميع حججه الرئيسية تستند على فرضيات مشكوك فيها وتزخر بالافتراضات والخطوات المرتجلة. هو باستمرار يناقض نفسه. هو أساسا لا يعطي سببا للاعتقاد باي من استنتاجاته. لكن استنتاجاته هي تقليدية تماما. هو كان يحاول إعطاء تبرير نظري لما اعتقد به سلفا الديمقراطي النموذجي المتطور في عام 1968. انا اعتقد ان هذا جزء من السبب لماذا عمله سيئا. ان الاجندة السياسية الفعلية هي خليط من الأفكار المتباينة والتسويات بين الأهداف المتباينة التي تدفع بها مجموعات متباينة. انت لا تستطيع امتلاك تبرير نظري متماسك لهذه المنصات لأنه لا توجد هناك نظرية أساسية للايديولوجيا. برنامج حزبي نموذجي من حزب كبير هو ليس مزيجا ، كالسلاطة او الجيران. انه مجموعة من الأمور المتناقضة. أفكار جون رولس اللاحقة حاولت وفشلت في بيان ان هذه الأمور هي ما يتفق عليه كل الناس العقلانيون، لكن مرة أخرى، هذه الخطوة فشلت لانها اساءت فهم ما كان يجري. لا يوجد اجماع متفق عليه بين الأشخاص العقلانيين على ان برنامج الحزب الديمقراطي لعام 1972 و1988 هو الصحيح. انه مزيج متناقض من مختلف الأفكار دفعت بها مختلف الجماعات ذات الاجندة المختلفة. (المصدر: Jason Brennan/public Domain)








