عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: تَفْكِيكُ السُّلْطَةِ المطلقة في ضَوْءِ الصَّيْرُورَةِ الكَوْنِيَّة

لماذا يفرّ الإنسان من هجير الحقيقة؟

يقوم الوعي البشري المشدود إلى رغبة الأمان الوجودي بتشييد أسوار من الأوهام الميتافيزيقية والمعرفية التي تمنحه شعوراً بالثبات والاستقرار في عالم تملؤه الرياح والتحولات. تنبعث هذه الرغبة من خوف وجودي متجذر: الخوف من الفناء، والتوجس من المجهول، والذعر من تلاشي المراكز الصلبة. إن الإنسان، في كثير من محطاته التاريخية والفكرية، لا يرفض الحقيقة لقصور في قدرته على الاستدلال، بل يتعامى عنها طواعية خشية أن يؤدي انكشافها إلى تقويض القلاع الوهمية التي تسكنها طمأنينته المصطنعة.

إن الحقيقة بطبيعتها كاشفة ومزلزلة؛ إنها تعري هشاشة الادعاءات التي تزعم اكتمال اليقين وامتلاك السلطة المطلقة، وتفضح زيف التطابق الدائم. لذلك، يتحالف الوعي المستلب مع السلطة المهيمنة في صناعة نسق مغلق يُجرّم التساؤل ويُقصي الاختلاف، حمايةً للأوهام من التحطم. ومن هنا ينشأ التواطؤ الجمعي على تقديس السكون ورفض الصيرورة؛ لأن الإقرار بأن الكون محكوم بالتحول الدائم والتشتت الخلّاق يقتضي بالضرورة إسقاط الهيمنة الأحادية، وتحرير الذات من أسر النماذج الشمولية الجاهزة، وهي مغامرة وجودية لا يقوى على خوضها من اعتاد الاحتماء بظلال اليقينيات الجامدة.

تهافت الثبات واستحالة السكون

يكشف التصلب المفهومي للسلطة المطلقة، سواء تجلت في أطرها الميتافيزيقية المتعالية أو في نماذجها السياسية والمعرفية الأرضية، عن مأزق بنيوي عميق حين تصطدم بالواقع الفيزيائي والديناميكي الفاعل في نسيج الوجود. إن كل مركزية تدّعي الثبات الأبدي وتسعى إلى مصادرة التباين وحظر التبدل إنما تستنسخ حالة افتراضية من "انعدام التشتت والانتروبيا الساكنة"؛ وهي حالة ممتنعة الوجود، إذ يؤدي افتراض اكتمالها في عالم المادة إلى الجمود الأنطولوجي الشامل، وما تعرّفه علوم الطبيعة بـ "الموت الحراري" للكون.

إن التفكيك الفلسفي للتوحيد الشمولي الموروث يلتقي مع فيزياء الديناميكا الحرارية اللاتوازنية، ليؤكدا معاً أن التماثل التام المطلق ليس دليلاً على كمال الكينونة ولا شرطاً للحقيقة، بل هو قمع مباشر لإمكانات النشوء والتطور والتنوع. إن السلطة التي تحاول أن تجعل من العالم قالباً مصبوباً على هيئة واحدة لا تنتج نظاماً، بل تخلق مواتاً وجموداً مقنعاً؛ ذلك أن جوهر الحياة يكمن في عدم اكتمالها وفي قابليتها الدائمة للتشكل والانفتاح على مسارات غير متوقعة.

انسحاب المركز وانبثاق الحرية الكونية

حين يتم تفكيك مفهوم المركز المهيمن المستعلي عن الوجود، على نحو ما بينته أطروحات الفلسفة المعاصرة في نقد المركزيات الغائبة والحاضرة، يُعاد فتح الفضاء الأنطولوجي أمام فاعلية الذات الكونية المفتوحة. فلم يعد الكون بحاجة إلى رقيب تسلطي خارجي يمارس الحراسة القسرية لحفظ نظامه بصورة تسحق التنوع وتكبت الحرية، بل أثبتت الدراسات العلمية والفلسفية الحديثة أن النظام الكوني الحقيقي ينبثق انبثاقاً ذاتياً من قلب الفوضى، ويتولد من رحم الاضطراب والتشتت.

يؤدي مبدأ "التحول الحراري والتشتت الحركي" في هذا السياق دور العامل التفكيكي الطبيعي داخل النسيج الكوني؛ فهو القوة الكامنة التي تمزق الهياكل المغلقة، وتكسر حدة الهيمنات الساكنة، لتعيد توزيع الطاقة وبثها في مسارات وليدة، فاتحةً الآفاق نحو تعقيد أرقى، وتجدد مستمر للكائنات، وولادة دائمة للوعي عند الحافة الفاصلة بين النظام والاضطراب. إن التشتت هنا ليس نقمة أو مبدأً للشر والدمار، بل هو الشرط الوجودي لتجدد الحياة وانبعاثها الدائم.

التحول الجذري في نظرية المعرفة والوحدة الكونية

يستلزم هذا التفكيك إحداث تحول راديكالي وجذري في نظرية المعرفة الوجودية؛ فبدلاً من تصور الوحدة بوصفها استبداداً وجودياً يفرض التماثل بالقوة ويستبعد الفروق والمغايرة، يُعاد بناء المفهوم ليغدو "وحدة شبكية مفتوحة" تتسع للتعدد، والانتشار، والتحول التاريخي والزمني. إن تفكيك السلطة المطلقة لا يقود بحال إلى العدمية أو الانهيار الفوضوي المحض، بل يمثل انتقالاً نوعياً من نموذج "المحرك الأول الساكن" والمغلق إلى نموذج "الشبكة الحية التفاعلية".

في هذا الأفق المعرفي الجديد، تتصالح الفلسفة النقدية مع العلوم الطبيعية المعاصرة؛ إذ يتبين أن الحياة والوعي والنظام ليست مفروضة من علٍ بإرادة قسرية تقهر المادة، بل هي ثمار يانعة للتفاعل الحر، والتدفق التلقائي، والترابط العضوي بين عناصر الوجود المتباينة.

التفكيك الذاتي للمفاهيم ومسار العقلانية

تؤسس هذه الرؤية النقض المنهجي للطروحات التبسيطية السائدة التي تختزل مفاهيم الوحدة والوجود في صيغ اختزالية شمولية. فقد أظهر التحليل التاريخي والمفهومي أن بنى الهيمنة المطلقة تنطوي في جوهرها على عوامل تفككها الذاتي المستمر؛ إذ أدى التجريد المتعالي المفرط للمقدس في الفكر القديم إلى إفراغ العالم الطبيعي من روحانيته المباشرة ونزع الطابع الأسطوري التقليدي عنه.

وأفضى هذا التراجع الحتمي للمركزية الأسطورية إلى إسناد مهمة فهم العالم وتدبيره إلى العقلانية الإنسانية المنفتحة، وأدوات النقد المعرفي والتحليل العلمي، مما جعل نشوء العقلانية والنزعة النقدية المعاصرة استحقاقاً بنيوياً وتاريخياً نابعاً من صميم تطور الفكر نفسه، وليس مجرد انقطاع عارض أو طارئ عدائي هابط من الفضاء الخارجي.

معضلة الانكفاء وتوليد التعقيد

على صعيد التحليل المنطقي الداخلي، تتهافت مقولات الثبات السكوني أمام معضلة التغير؛ إذ إن افتراض مطابقة الذات الفاعلة لنتائج فعلها في حالة من الجمود التام يفضي إلى حتمية جبرية صارمة تلغي مساحة الإمكانية والحرية الإنسانية والكونية. وفي المقابل، فإن الاعتراف بالتباين والتفاعل المتجدد يكشف عن زيف البساطة المصمتة التي تفترضها النماذج القديمة.

لقد أوضحت فيزياء النظم المعقدة أن الأنظمة الحية لا تبلغ ذروة تنظيمها في السكون التام، بل في التوازن الديناميكي المتحرك. ومن هنا فإن مبدأ التحول والتشتت لا يقوض النظام بل يغذيه؛ إنه المحرك الأساسي الذي يمنح المادة قدرتها على التنظيم الذاتي وإنتاج تشكيلات معرفية وبيولوجية متسامية باستمرار.

نحو أفق وجودي منفتح

تتجه الرؤية الإنسانية المعاصرة، استناداً إلى ما تقدم، نحو تجاوز المفاهيم الاستبدادية والمغلقة للسلطة والحقيقة لصالح نموذج وجودي ومعرفي تعددي ومنفتح. فبدلاً من التعامل مع المبدأ الأول والأساسي للكون بوصفه قالباً ساكناً ومتعالياً يمارس القمع على الواقع، يُستعاد التناغم الكوني بوصفه عملية دائمة ومساراً لا ينقطع من التكامل الحي الخلّاق.

في هذا النسيج الوجودي الفسيح، تغدو التعددية، والتحول الزمني، والتدفق الحر للطاقة والفكر، مكونات أصيلة لبناء كوني جامع لا يقهر الاختلاف بل يغتني به. إنه النموذج الفكري الذي يقطع نهائياً مع الأحاديات الصلبة واليقينيات المصمتة، ليضع العقل الإنساني في مهب الحقيقة الحية المتجددة، حيث تتوارى الأوهام وتولد المعرفة الحرة في تناغم بديع مع حركة الكون وقوانينه الفسيحة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم