حين ينقطع الحوار داخل الدرس الفلسفي ويغيب النقد، فإن الدرس يوأد في مهده. يفقد طابعه الحي ويتحول إلى مجرد وصايا تلقى من فوق، تنزل داخل القسم كطقس جامد لا كممارسة فكرية مفتوحة. وكل درس فلسفي يفرغ من الحوار والنقد، مهما بدا محكماً في شكله البيداغوجي، يفقد شرعيته الفلسفية ذاتها؛ لأن ما يمنح الدرس الفلسفي مضمونه الديمقراطي الحقيقي هما الحرية والمساءلة، وعقلانية متحررة ينبغي أن تتجذر في حياتنا الثقافية والسياسية، بدءاً من الثانوية والجامعة وصولاً إلى الفضاء الاجتماعي العام.
هذا الانقطاع في الحوار وتغييب اليات التفكير النقدي الحر هو ما يفسر، في جزء كبير منه، تلك الصورة السلبية المستقرة في أذهان العامة والمقبلين على تعلم الفلسفة: صورة مادة متعالية، رديفة للامعنى، وأخت للمروق والتمرد. يستحضر البشير ربوح لهذه الصورة شهادة أدونيس عن تجربته الأولى مع الدرس الفلسفي: كيف كان الدخول إلى القاعة أشبه بدخول بيت أشباح، والنصوص المدروسة أشبه بجثث عائمة لا حياة فيها، تتكدس في الذهن كركام من رمل بلا معنى إلى أن تفرغ على ورقة الامتحان.
هذه الشهادة، كما قرأها ربوح، ليست حالة استثنائية بل نموذج لما يحدث حين يصادر الحوار من الدرس الفلسفي ويغيب النقد. والحقيقة التي تغيب عن كثير من المقالات التي كتبت عن البشير ربوح، هي أنه أدرك هذا الخطر مبكراً جداً، وطبقه على نفسه فلم يكن فقط رجلاً يقف في الشارع يمارس التفلسف كفعل او كما وصفه استاذنا عبد الحكيم بليلطة فلسفة تمشي على الارض بل كان رجل نقد يجلس أمام كتب من مشارب شتى، يراجع نصوصا فلسفية، يحاكمها ويستنطقها، يبحث فيها عن المعقول والنافع مبتعدا عن النصوص التي لا صدى لها، هذا البعد بعد الناقد الأكاديمي الهادئ والمتواضع يكاد يغيب عما ما كتب عنه.
وليس هذا التغييب مجرد قصور توثيقي، بل قصور فكري. لأن فهم ربوح كـفاعل ومناضل فحسب يفقده نصف مشروعه. فالفعل عنده ليس مجرد حركة جسدية في الشارع، بل هو امتداد لذلك الحوار وتلك الروح النقدية . وفي ذكرى ميلاده في 21 أوت، نعود إليه لنقرأه قراءة تليق به: فكيف كان هذا الباحث المتواضع يمارس النقد بعيداً عن الضوضاء؟ وكيف حوّل تواضعه ومراجعاته في صمتها إلى فعل مقاوم؟
في مقاله المنشور بمجلة «الحياة الثقافية» ديسمبر 2012 بعنوان «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي»، لم يكتف ربوح بتشخيص أزمة الدرس الفلسفي، بل وضع تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن يكون عليه في جوهره الديمقراطي، عماده شرطان متلازمان: الانفتاح والحداثة، والانفتاح عنده لا يعني تفكيك الفلسفة أو إذابة خصوصيتها، بل انفتاحها على التداخل مع باقي المواد المعرفية دون أن تفقد هويتها الجدلية. أما الحداثة فيربطها مباشرة بسؤال الديمقراطية: الحرية والمواطنة والتعددية والتسامح والاعتراف بالآخر. وهو يتحفظ في الوقت ذاته على استنساخ حداثة غربية خالصة، مؤكداً ضرورة أن تكون الحداثة نابعة من صلب وجودنا الحر، فقد : «آن الأوان أن نعود إلى تطوير الفلسفة بمعناها الحقيقي، تلك التي تهتم كما يقول الفارابي «بالفضائل النظرية أولاً ثم بالفضائل العملية». فالفلسفة هي عملية تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته ومستتبعاته بأدوات نظرية وطريقة بحثية نقدية.... إن الفعل الفلسفي في جوهره يرتكز على النقد، باعتباره الضامن الأساسي لديمومته، كي تستمر الفلسفة في التواجد داخل فضاء الإنسانية العام، ومن ثمة يرى أستاذنا فتحي التريكي أن : «الميزة التي يتحلى بها الخطاب الفلسفي والتي تتجاوز التحديد هي منطق النقد والدحض الذي يحرك الفكر الفلسفي ويهيئ السؤال لمحاولة الإجابة الصحيحة»
في السنة نفسها صدر كتابه «مطارحات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً» (دار الفارابي، 2012)، وهذا الكتاب ممارسة منهجية كاملة لما نظّر له في مقاله التربوي: قراءة تاريخية-مفاهيمية، بحث عن «الفكرة النواة»، ثم وضع النص نفسه في ميزان النقد "وإذا كان الموطن الأصلي لأي مقولة فلسفية هو النص الفلسفي بمتنه ورؤيته؛ فإن التنقيب عنها يقتضي التوجه رأساً نحوه، والاشتغال عليه تحليلاً ونقداً، من أجل استكشاف الفكرة/ النواة التي تتحكم فيه من الداخل" ويفتتح ربوح كتابه بتشخيص أزمة العقل العربي الإسلامي منذ عصر النهضة، منقسماً بين نقل النصوص التراثية وتحيينها من جهة، ونقل الفكر الفلسفي الغربي بمدارسه المختلفة من جهة أخرى، ليخلص إلى أن كلا المسارين انتهى بالعقل العربي إلى التنازل عن حقه في الإبداع والتفرد برؤيته الخاصة، ويجعل من القدرة النقدية رأس الأمر في تجاوز هذا الوضع وقد بنى الكتاب على ثلاث مقاربات متكاملة: تأسيسية تتتبع مفهوم «العقل» لسانياً واصطلاحياً بأفق تاريخي وترصد مصادره عند المسيري انطلاقاً من مدرسة فرانكفورت وموقفها من التنوير ، وتحليلية تعرض ثلاثة نماذج معرفية غربية بالتفصيل : النموذج الاقتصادي عند ماكس فيبر، والنموذج اللغوي عند فرديناند دوسوسير، والنموذج المابعد حداثي التفكيكي عند جاك دريدا ، ثم بيان كيف ردها المسيري جميعاً إلى مقولة مركزية واحدة هي «العقل المادي» بمرجعيته الطبيعية الخالصة ، ونقدية يعرض فيها ربوح مسعى المسيري في تجاوز هذا العقل نحو بديل يسميه «العقل التوليدي»، قبل أن يقوّم الأطروحة كاملة، مبيّناً مكاسبها المعرفية على المستويات الاقتصادي واللغوي والتفكيكي، وحدودها في آن. يحاور ربوح المسيري بعمق وإخلاص طوال هذه الفصول الثلاثة، ويعترف بأن نقده الموجّه للفكر الغربي، سواء في نصوصه الأدبية أو الفلسفية، يمثل ضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً، ذلك أن الغرب عند أصحاب المشاريع النهضوية ليس مجرد بقعة جغرافية بل مصدر مهم للأفكار والرؤى والمقولات والمناهج؛ لكنه لا يتسلّم «سلطة الاسم الكبير» حتى لو كان المسيري، ويصرّح في خاتمة الكتاب أن جدة المشروع وقوته لا تعنيان الانجرار نحو تقديسه وتمجيده، «فالمشروع لم يوضع لذلك، وإنما وُضع للتفكير والتدبر والتحاور معه» وهو ما يجد له ربوح سنداً في دعوة المسيري نفسه، في جلّ كتاباته، إلى الاختلاف معه في أطروحاته ومواقفه وتحليلاته. وينهي ربوح كتابه بإقرار متواضع لا يقل دلالة عن أطروحته النقدية ذاتها "فإذا كان مشروع المسيري بهذه الجدة والقوة، فهذا لا يعني أن ننجرّ نحن نحو تقديسه وتمجيده"
يظهر المنهج نفسه في مقاله «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا» (مجلة أبعاد، 2017)، حيث يرفض أن تبقى الفلسفة حبيسة القواميس، ويميّز بصرامة بين المصطلح والمفهوم، ويقرأ بارمنيدس وأفلاطون وأرسطو قراءة لا تُسلّم. وفي مراجعاته المنشورة في مجلة «تبيُّن»، طبق هذا المنهج على النصوص الأجنبية: مراجعته لكتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره» ، ومراجعته لكتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». في الحالتين لم يكن يبحث عن أب فكري، بل كان يحاكم النص: هل يقدّم أداة نقدية للراهن، أم يتحول إلى سلطة جديدة تُتسلّم بلا سؤال؟
ما يجمع هذه القراءات النقدية كلها هو رفض ثنائية السلطة، حيث لا ينحاز ربوح إلى «الحداثي» ضد «التراثي»، فكلاهما يقع في العطب نفسه إذا فقد السؤال. وحين سُئل يوماً: «من هو الدكتور ربوح البشير؟» رفض السؤال رفضاً فلسفياً، رآه سؤالاً نيتشوياً يخاطب الذات في أعلى مراتب نرجسيتها، وقدّم نفسه بوصفه «الباحث المتواضع في مجال الفلسفة»: مولود في 21 أوت 1967 برأس الوادي (ولاية برج بوعريريج)، وأستاذ للفلسفة، عضو في الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة. هذا التواضع كان امتداداً لرفضه المبكر لـ«الفيلسوف البهرج» الذي وصفه في مقال 2012.
النقد الأكاديمي عند البشير ربوح ليس بديلاً عن الشارع، بل هو الشارع بثوبه الأنطولوجي. ففي كتاب «فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد» الذي أشرف عليه مع عبد العزيز العيادي يمارس النقد في المكتبة والقسم لكي يفعل هذا النقد في الشارع، النقد عنده هو الفعل الأول، والفعل عنده هو النقد الممتد.
في ذكرى ميلاده 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته فقط، بل نحتفي باستحالة موت سؤاله. ليس السؤال الذي تناوله مقال السابق فقط «كيف نخرج الفلسفة إلى الشارع؟» ، بل هو السؤال الأعمق: كيف نبقي النقد حياً دون أن يتحول إلى تمجيد؟ كيف نقرأ ربوح نفسه بعين الناقد لا بعين الراثي؟
الوفاء الحقيقي لروح البشير ربوح ليس في تكرار عباراته، بل في سرقة سؤاله: أن نأخذ معانقة الحياة ونحاكمها نقدياً كما كان يحاكم هو النصوص العظيمةو أن نسأل: هل الشارع الأنطولوجي الذي دعا إليه لا يزال ممكناً اليوم؟ أم أن الشارع نفسه تغير وصار بحاجة إلى نقد جديد؟ الوفاء له يعني أن نحافظ على جرأة النقد التي كانت تميزه حين كان يواجه الأسماء الكبيرة بلا خوف. وبهذا المعنى تتصير الفلسفة سؤالاً، لا طقساً كهنوتياً. وتتحول الى ممارسة نقدية تزعزع المألوف وتفتح الممكن.
وأخيرا يمكن القول أن تبقى الفلسفة حية، معناه ان يكون صوتها مزعجاً، لأن المزعج وحده هو الذي لا يموت.
***
عمرون علي
.....................
قائمة المراجع
أعمال البشير ربوح:
- ربوح، البشير. «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي». مجلة الحياة الثقافية، ديسمبر 2012.
- ربوح، البشير. مطارات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً. بيروت: دار الفارابي، 2012.
- ربوح، البشير (وآخرون). السؤال عن الهوية في التأسيس والنقد والمستقبل. (كتاب جماعي)، 2016.
- ربوح، البشير. استشكالات ودروب في قضايا الفكر الفلسفي المعاصر. 2017.
- ربوح، البشير. «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا». مجلة أبعاد، 2017.
- ربوح، البشير. أسئلة قلقة في الراهن العربي. 2018.
- ربوح، البشير. مراجعة كتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره». مجلة تبيُّن، العدد 29، صيف 2019.
- ربوح، البشير. مراجعة كتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». مجلة تبيُّن، العدد 8، شتاء 2020.
- ربوح، البشير (إشراف) وعبد العزيز العيادي. فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد.
مصادر أخرى:
- أدونيس. شهادة ضمن كتاب: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.
- التريكي، فتحي. فلسفة الحياة اليومية. بيروت/تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009.
- الخطابي، عز الدين. أسئلة الحداثة ورهاناتها... بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009.
- دريدا، جاك. عن الحق في الفلسفة. ترجمة عز الدين الخطابي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.
- المسكيني، فتحي. الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة. بيروت: دار جداول، 2011.








