عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عامر عبد زيد: المدرسة بوصفها ممرًا

مقاربة أنثروبولوجية تأويلية للعبور الديني والعلمي والاجتماعي في المدرسة الشبرية بالنجف

ليست المدرسة الدينية مكانًا يقيم فيه طالب العلم إلى جوار طالب علم آخر، ولا بناءً يضم غرفًا وقاعةً ومكتبةً وسردابًا، لأن اختزال المكان في مادته المعمارية يجعله يفقد أهم ما يختزنه من حياة، فالمدرسة، حين ننظر إليها بعين أنثروبولوجية لا تكتفي بوصف الجدران والأبواب والممرات، تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه السير الإنسانية، وتلتقي فيه الجغرافيا بالمعرفة، والدين بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل، ويصبح الإنسان الذي يدخلها غير الإنسان الذي سيغادرها، حتى لو ظل جسده هو الجسد نفسه؛ إذ إن العبور الحقيقي لا يحدث حين ينتقل الجسد من باب إلى باب، وإنما حين تتغير شبكة المعاني التي يسكنها الإنسان ويُسكن فيها.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المدرسة الشبرية في النجف بوصفها «مكانًا عابرًا» أو، بصورة أدق، بوصفها ممرًا اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا، فالطالب الذي يأتي إليها لا ينتقل من غرفة إلى غرفة، وإنما ينتقل من عالم إلى عالم، يحمل معه اسمه الأول، ومدينته، ولهجته، وذاكرة أسرته، وعاداته، وتصوراته عن العلم والدين والمجتمع، ثم يدخل فضاءً جديدًا يعيد فيه ترتيب هذه العناصر جميعًا، فتتشكل أمامه هوية أخرى لا تلغي هويته الأولى بالضرورة، وإنما تعيد تركيبها داخل سياق أوسع.

وهنا تكمن أهمية المكان في فلسفة العبور: المكان ليس ما نعبر إليه فقط، بل ما يحدث العبور بواسطته.

فالنجف ليست في هذه القراءة مجرد مدينة تستقبل طالب العلم، والمدرسة ليست مجرد محطة سكنية داخلها، بل إنهما معًا يشكلان منظومة من الممرات التي ينتقل عبرها الإنسان من الانتماء المحلي إلى الانتماء العلمي، ومن التجربة الفردية إلى الجماعة، ومن المعرفة الموروثة إلى المعرفة التي يعاد إنتاجها في الدرس والحوار والمناقشة، ومن التدين الذي يحمله الإنسان من بيئته إلى تدين أكثر انتظامًا داخل مؤسسة لها تقاليدها وأعرافها وطقوسها وذاكرتها.

المكان الذي يعيد تشكيل الإنسان

إن أول عبور يحدث في المدرسة هو العبور من المكان الأول إلى المكان الثاني؛ فالطالب يأتي من قرية أو مدينة أو إقليم، وقد يكون قد عاش سنواته الأولى داخل فضاء اجتماعي يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتتشكل علاقاته وفق القرابة والجوار والانتماء المحلي، ثم يجد نفسه في النجف أمام فضاء أكثر اتساعًا، حيث يلتقي بأناس لا يعرفهم، وينتمي كل واحد منهم إلى تاريخ اجتماعي مختلف، ولكنهم يجتمعون تحت عنوان واحد هو طلب العلم.

وهذا اللقاء لا يبقى خارجيًا؛ فالاختلاط اليومي، والسكن المشترك، والدرس، والصلاة، والمجالس، والطعام، والحديث، والمناقشة، وحتى الاختلاف، كلها ممارسات صغيرة تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تقوم بعملية عميقة من إعادة تشكيل الفرد، إذ يتعلم الإنسان في المدرسة ليس فقط ما يوجد في الكتب، وإنما يتعلم كيف يعيش مع المختلف عنه، وكيف يسمع رأيًا آخر، وكيف يكتسب مكانته داخل جماعة علمية، وكيف يتحول من فرد جاء من مكان بعيد إلى عضو في مجتمع جديد. وبذلك يصبح السكن نفسه فعلًا من أفعال التعليم.

فالغرفة التي تبدو مساحة للنوم والراحة يمكن أن تكون مكانًا تتشكل فيه صداقة تستمر عقودًا، أو نقاشًا يفتح سؤالًا علميًا، أو حكاية تنتقل من طالب إلى آخر، أو تجربة شخصية تصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدرسة؛ ولذلك فإن الأنثروبولوجيا لا تسأل فقط: أين ينام الطالب؟، وإنما تسأل: أي نوع من العلاقات ينتجه نومه إلى جوار الآخرين؟ وهنا يتحول المكان من هندسة إلى ثقافة.

العبور الديني: من الاعتقاد إلى الممارسة لكن المدرسة لا تقوم بتحويل الطالب اجتماعيًا فقط، وإنما تنقله من مستوى إلى آخر في علاقته بالدين، فالدين الذي يأتي به الطالب معه ليس بالضرورة دينًا جديدًا، لكنه يدخل في المدرسة إلى فضاء يصبح فيه الدين أكثر حضورًا في تنظيم الزمن والجسد والعلاقات.

الصلاة لها وقت، والدرس له وقت، والمجلس له وقت، والقراءة لها وقت، والمناسبات الدينية تعيد ترتيب الحياة، وبذلك لا يعود الزمن مجرد ساعات تمر، وإنما يصبح زمنًا دينيًا وعلميًا متداخلًا.

وهذه نقطة مهمة في فهم المكان الديني: المؤسسة لا تعلّم الإنسان ماذا يؤمن فقط، بل تعلّمه كيف يسكن إيمانه في الزمن والجسد والمجتمع.

فالطالب يتعلم أن المعرفة الدينية ليست نصوصًا مجردة، وإنما لها هيئة في الجلوس، وطريقة في الكلام، وآداب في الاستماع، وعلاقة بالأستاذ، وعلاقة بالكتاب، وعلاقة بالجماعة، وبذلك يصبح الجسد نفسه جزءًا من عملية التعلم الديني.

إن المدرسة هنا لا تنقل العقيدة كما تنقل المكتبة الكتب، بل تنتج نمطًا من الحياة يجعل المعرفة الدينية قابلة للسكن.

العبور العلمي: حين تصبح المعرفة علاقة ولعل أكثر ما يكشف عبور المدرسة هو أن العلم فيها لا ينتقل بالطريقة نفسها التي ينتقل بها كتاب من رف إلى رف، لأن المعرفة الحوزوية لا توجد في النص وحده، وإنما تتحرك بين الأشخاص، من الأستاذ إلى الطالب، ومن الطالب إلى زميله، ومن الكتاب إلى الدرس، ومن الدرس إلى المناقشة، ومن المناقشة إلى السؤال، ثم يعود السؤال إلى النص مرة أخرى. ولذلك تصبح المدرسة شبكة لحركة المعرفة.

المكتبة تمثل عبورًا بين الأزمنة، فالكتاب الذي وصل إلى النجف من زمن سابق يمكن أن يدخل في ذهن طالب يعيش في زمن آخر، فيصبح النص القديم عنصرًا في تكوين وعي جديد، بينما يمثل الأستاذ عبورًا بين جيلين، ويمثل الطالب نفسه احتمالًا لعبور المعرفة إلى جيل لم يولد بعد.

إن المدرسة بهذا المعنى لا تحفظ المعرفة فقط؛ إنها تمنحها أجسادًا وأصواتًا ومسارات جديدة.

فالكتاب الصامت لا يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما يتحرك حين يقرأه إنسان، ويشرحه آخر، ويناقشه ثالث، ثم يخرج من المدرسة إلى مسجد أو منبر أو مجلس أو مدينة أخرى، وهناك يبدأ عبور جديد.

ومن هنا يمكن القول إن تاريخ المدرسة ليس تاريخ الذين درسوا فيها فقط، بل تاريخ المعارف التي خرجت منها.

العبور الاجتماعي: صناعة الجماعة من الغرباء

إذا كان الطالب يدخل المدرسة فردًا، فإنه لا يبقى فردًا بالمعنى نفسه، لأن المكان يصنع شبكة من العلاقات التي تتجاوز القرابة والمكان الأصلي.

قد يجلس إلى جوار طالب جاء من مدينة بعيدة، ويتناقشان في مسألة علمية، ثم يعيشان معًا سنوات، فينشأ بينهما نوع من الانتماء لا يقوم على الدم أو الأرض، وإنما على تجربة مشتركة.

وهنا تقوم المدرسة بعملية اجتماعية بالغة الأهمية: تحويل الغرباء إلى جماعة.

وهذه الجماعة ليست متجانسة تمامًا؛ بل إن قيمتها تكمن في أنها تجمع اختلافات كثيرة داخل إطار مشترك، ولهذا فإن المدرسة يمكن أن تكون مختبرًا مصغرًا للمجتمع: اختلاف في المناطق، واللهجات، والعادات، والشخصيات، والمستويات العلمية، ثم محاولة إنتاج لغة مشتركة تسمح لكل هؤلاء بالعيش والتعلم معًا.

إن المجتمع الحوزوي لا يتكون من الأفكار وحدها، وإنما يتكون من هؤلاء العابرين الذين يلتقون في الأمكنة، ويصنعون من لقاءاتهم شبكات اجتماعية تتجاوز حدود المكان.

المكتبة: ممر بين الموتى والأحياء، وللمكتبة في هذا المكان دلالة تتجاوز وظيفتها المباشرة، فهي ليست مخزنًا للكتب، وإنما أحد أكثر أجزاء المدرسة قدرة على كشف مفهوم العبور. فالكتاب هو أثر إنسان غائب يعبر إلى إنسان حاضر.

المؤلف الذي مات منذ قرون يمكن أن يجلس، بصورة مجازية، إلى جانب طالب شاب في النجف، والنص الذي كتب في زمن مختلف يدخل عقلًا يعيش في زمن آخر، ثم يتحول من حبر على الورق إلى سؤال جديد. بهذا المعنى تصبح المكتبة مكانًا تلتقي فيه الأزمنة.

فالمدرسة لا تستقبل الأشخاص القادمين من الجغرافيا المختلفة فحسب، وإنما تستقبل أيضًا أفكارًا جاءت من أزمنة مختلفة، وتضعها في مواجهة عقول جديدة، فتتكون من هذا اللقاء حركة مستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا هو أحد أعمق أشكال العبور: أن يعبر الغائب إلى الحاضر من خلال أثره.

السرداب وما تحت المكان حتى العناصر المعمارية التي قد تبدو ثانوية يمكن أن تكتسب معنى تأويليًا؛ فالسرداب، مثلًا، ليس مجرد مساحة تحت الأرض، وإنما يمكن أن يصبح في القراءة الرمزية صورة لما تحتفظ به المؤسسة من ذاكرة غير مرئية.

فالمكان الذي نراه ليس كل المكان. هناك طبقات تحت السطح، كما توجد في الجماعة طبقات من الذكريات والحكايات والعلاقات والتجارب التي لا تظهر في السجل الرسمي، لكنها تستمر في الذاكرة الشفوية لمن عاشوا المكان.

ومن هنا فإن أركيولوجيا المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بالحفر في الأرض، وإنما عليها أن تحفر في ذاكرة المكان. من جلس هنا؟ من غادر؟  من أصبح عالمًا؟ من عاد إلى مدينته؟ من حمل معه صداقة؟ من حمل سؤالًا؟ ومن حمل جرحًا أو خيبة أو حلمًا لم يتحقق؟

هذه الأسئلة تجعل المدرسة سجلًا حيًا لا تستطيع الوثيقة الرسمية وحدها أن تستنفده. المكان الذي لا يغادره العابرون لكن المفارقة الأجمل أن العابر يغادر المكان، بينما لا يغادر المكان بالضرورة العابر.

فالطالب الذي أمضى سنوات في المدرسة قد يغادر النجف، وقد يذهب إلى مدينة أخرى، وقد يصبح مدرسًا أو خطيبًا أو عالمًا أو شخصية اجتماعية، لكن شيئًا من المدرسة يبقى فيه: طريقة في الكلام، هيئة في التفكير، ذاكرة لأستاذ، اسم لزميل، كتاب قرأه، مجلس حضره، موقف عاشه.

وهكذا تنتقل المدرسة مع الخارجين منها. إن حدودها الحقيقية ليست الجدران، لأن كل طالب يغادرها يمكن أن يصبح امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا لها، وبذلك تنتشر المدرسة في المدن التي ذهب إليها طلابها، وفي المجالس التي جلسوا فيها، وفي الكتب التي كتبوها، وفي الدروس التي ألقوها، وفي العلاقات التي حملوها معهم.

وهنا تظهر قاعدة أساسية في فلسفة العبور: المكان لا يقاس فقط بمن يدخل إليه، وإنما بما يخرج منه. من المدرسة إلى فلسفة العبور بهذا المنظور تصبح المدرسة الشبرية نموذجًا صغيرًا يمكن من خلاله فهم ظاهرة أكبر: كيف تعمل المؤسسات الدينية والعلمية على تحويل الإنسان عبر المكان.

فالعبور فيها ليس حركة واحدة، وإنما سلسلة من التحولات المتداخلة: من المكان إلى المكان، ومن الغريب إلى الجماعة، ومن الموروث إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الممارسة، ومن الفرد إلى الدور الاجتماعي،  ومن الطالب إلى العالم المحتمل، ومن الكتاب إلى الوعي، ومن الماضي إلى المستقبل. ولهذا فإن المدرسة، في معناها العميق، ليست مؤسسة تستقبل طلابًا، بل مؤسسة تستقبل حالات إنسانية وتعيد إرسالها في صور جديدة.

وإذا كان المكان في النظريات التقليدية يُفهم باعتباره حيزًا ثابتًا تتحرك داخله الأشياء، فإن فلسفة العبور تقترح النظر إليه باعتباره قوةً تنتج الحركة ذاتها؛ فالمكان قد يدفع الإنسان إلى تغيير مساره، ويمنحه لغة جديدة، وعلاقات جديدة، وذاكرة جديدة، وربما مستقبلًا لم يكن ممكنًا في المكان الذي جاء منه.

من هنا يمكن قراءة المدرسة الشبرية لا بوصفها أثرًا من آثار الحوزة النجفية فحسب، وإنما بوصفها مختبرًا تاريخيًا لتحويل الإنسان؛ مكانًا يعبر فيه الجسد من مدينة إلى مدينة، والعقل من سؤال إلى سؤال، والطالب من مرحلة إلى مرحلة، والجماعة من جيل إلى جيل، والنص من زمن إلى زمن.

وفي النهاية، لعل أفضل تعريف للمدرسة في هذه المقاربة أن نقول: المدرسة ليست مكانًا يسكنه العابرون، بل مكانٌ يصنع من عبورهم معنى. فالذي يدخلها لا يترك خلفه المكان الأول بالكامل، والذي يغادرها لا يحمل معه المكان الثاني بالكامل، وإنما يحدث بين المكانين شيء ثالث هو الإنسان الذي أعيد تشكيله في المسافة بينهما؛ ولهذا فإن المدرسة الشبرية، مثل النجف نفسها، يمكن أن تُقرأ بوصفها ممرًا لا محطة، وحركة لا سكونًا، وذاكرة لا جدارًا، وآليةً لتحويل العابر إلى حاملٍ لما عبر إليه، ثم إلى وسيلةٍ لعبور ذلك كله إلى آخرين لم يدخلوا المكان أصلًا.

وهنا تبلغ فلسفة العبور إحدى نتائجها الأكثر أهمية: إن الحضارات والمؤسسات لا تستمر لأنها تحفظ ما لديها فقط، وإنما لأنها تستطيع أن تجعل ما لديها قابلًا للعبور.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

 

في المثقف اليوم