قضايا
ليلى تبّاني: الجزائري الكرغلي.. عقدة العِرق وجدلية الهوية
كثيرا ما أجد نفسي مشدودة، وقد تصاعد توتري وأنا أسمع بعض المتشددين يرددون كلمة "كرغلي " كأداة للسب والتقليل من شأن الجزائريين ذوي الأصل التركي. يغمرني شعور بالغضب والاشمئزاز من هؤلاء الذين يجرؤون على اختزال تاريخنا وهويتنا في كلمة واحدة تحمل حكما جاهزا لم يُسائل الواقع ولا التاريخ. إنّهم يتجاهلون حقيقة بسيطة، نُقلت لنا على لسان الرسول ﷺ حين قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ". ألم يكن أجدادنا مخطئين حين زوّجوا بناتهم للجنود العثمانيين؟ هؤلاء الغرباء عن وطنهم كانوا يحملون الدين نفسه والخلق الطيب نفسه، وكانوا وسيلة للحفاظ على المجتمع وبناء جسور الولاء والاحترام بين شعبين متقاربين في الأخلاق والدين، رغم اختلاف الأصول. الكرغلي لم يكن خطأ، ولم يكن وصمة عار، بقدر ما كان شهادة على تمازج اجتماعي ناجح، وعلى حكمة اجتهاد تقليدي تفهم الواقع ولا يخلط بين الدم والأخلاق .
يُثار الجدل حول الوجود العثماني في الجزائر عادة من داخل سؤال ملغوم " هل كان احتلالا أم لا؟ غير أن هذا السؤال، في حدّ ذاته، يعكس ارتباكا معرفيا قبل أن يعكس اختلافا تاريخيا. فهو يفترض مسبقا أن مفهوم "الاحتلال"صالح للتطبيق على القرن السادس عشر، وأن مقاييس الدولة القومية الحديثة يمكن إسقاطها دون حذر على أنماط حكم إمبراطورية سابقة. بهذا المعنى، فإن الإشكال لا يكمن في طبيعة الوجود العثماني فقط، بل في اللّغة التي نحاكمه بها .
فمفهوم الاحتلال كما نفهمه اليوم لم يولد إلا مع التجربة الاستعمارية الأوروبية الحديثة، حيث ارتبط بالغزو، والاستيطان، والمصادرة، واقتلاع السكان من أرضهم، وإعادة تشكيل المجتمع قسرا وفق نموذج ثقافي واقتصادي أجنبي. أما في زمن الإمبراطوريات التقليدية، فقد كانت السلطة تُمارَس عبر منطق الحماية والولاء، لا عبر مشروع إحلالي يهدف إلى محو الهوية المحلية. إن تجاهل هذا الفرق الجوهري ليس بريئا، بل يؤدي إلى قراءة تاريخية مشوّهة تُساوي بين أنماط حكم لا تتشابه إلّا في الاسم .
دخول العثمانيين إلى الجزائر لم يتم عبر حملة غزو تستهدف إخضاع مجتمع قائم، بل جاء في سياق استنجاد محلّي فرضته التهديدات الإسبانية المتواصلة. هذا المعطى وحده كافٍ لنسف فكرة الاحتلال القسري منذ لحظته الأولى. فالسلطة التي تُستدعى لا تُشبه السلطة التي تُفرض، حتى وإن تحوّلت لاحقا إلى بنية حكم مستقرة. ومع ذلك، فإن الخطاب الذي يُصرّ على توصيف الوجود العثماني كاحتلال يتجاهل هذه البداية عمدا، لأنّه لا يبحث في التاريخ بقدر ما يبحث عن إدانة جاهزة. غير أنّ التفكيك لا يكتمل بالبراءة المطلقة. فالوجود العثماني لم يكن حكما وطنيا جزائريا خالصا، ولم يُبنَ على عقد اجتماعي شامل. لقد كان حكما إمبراطوريا ذا طابع عسكري، تركّزت فيه السلطة في يد نخبة محدودة، واعتمد على القوة أكثر ممّا اعتمد على التمثيل. غير أنّ تحويل هذه الحقيقة إلى دليل على الاحتلال، يكشف خلطا مقصودا بين الهيمنة الإمبراطورية والاستعمار الكولونيالي. فالهيمنة، مهما كانت قاسية، لا تعني بالضرورة مشروع اقتلاع، ولا تساوي تلقائيا الإبادة الرمزية والمادية التي مارستها القوى الاستعمارية الحديثة .
ويبلغ التشويش ذروته عند استحضار مصطلح" الكرغلي "بوصفه علامة نقص أو إحراج. فهذا المصطلح، في أصله، توصيف اجتماعي محايد يعني"ابن الجندي"، ويشير إلى فئة نشأت من تزاوج طبيعي داخل المجتمع الجزائري، لا من علاقة استعمارية إحلالية. الإحراج المرتبط بالكلمة ليس تاريخيا، بل أُنتج لاحقا حين أُعيدت قراءتها بمنطق الهوية الصافية، وهو منطق غريب عن المجتمع الجزائري وعن الدولة العثمانية على حدّ سواء. والأكثر مفارقة أن هذا الإحراج يُمارَس باسم النقاء، في حين أن الدولة العثمانية نفسها لم تقم يوما على أساس عرقي. فالجنود والإنكشارية والنخب العثمانية كانوا في غالبيتهم من أصول بلقانية وقوقازية، من الألبان والبوسنيين والصرب والشيشان والجورجيين، لا من "أتراك أناضوليين" بالمعنى المتخيَّل اليوم. وإذا كان الاختلاط مدعاة للخجل، فإن الدولة العثمانية بأكملها تصبح موضع إدانة، وهو ما يكشف تهافت هذا المنطق من أساسه.
إن الحرج من الكرغلي، وتوصيف العثمانيين كمحتلين، ليس سوى انعكاس لتأثر غير واعٍ بخطاب الدولة القومية الحديثة، وبمفاهيم استعمارية أوروبية زرعت وهم الهوية النقية مقابل"الآخر الدخيل". هذا الخطاب لا يقرأ التاريخ، بل يعيد تشكيله وفق حساسيات معاصرة، ويحوّل مفاهيم وصفية إلى أدوات إقصاء رمزي. وبدل أن يُسائل الاستعمار الحقيقي وآثاره العميقة، ينقل ساحة الاتهام إلى الماضي الإمبراطوري، حيث تبدو الإدانة أسهل وأقل كلفة فكرية .
تقودني قناعتي بأنّ توصيف الوجود العثماني في الجزائر كاحتلال، والكرغلي كهوية محرجة، لا يعكسان حقيقة تاريخية بقدر ما يعكسان أزمة في أدوات القراءة. لقد كان الحكم العثماني ممارسة إمبراطورية تقليدية، لا مشروعا استعماريا حديثا، وكان الكرغلي نتاج تمازج اجتماعي طبيعي داخل هذا الفضاء، لا علامة نقص أو اغتراب. وكل قراءة تصرّ على عكس ذلك إنما تُعيد إنتاج أوهام حديثة، وتفرضها على تاريخ لا يعترف بها .
***
ليلى تبّاني ـــ الجزائر






