عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

نصوص أدبية

إذا سرقتني الحرب، لا تبحثي عني في ممرّات المشافي ولا تحت أنقاض المدن. ابحثي عني في الورق. أنا، ذلك الظلّ الذي وقع بين سطرين، وترك قلبه ينبض في منتصف القصيدة. لا تصدّقي النعوات، ولا ترتدي سوادًا من قماش. ارتدي حروفي، إنها أثوابي الأخيرة، وشهقتي المعلّقة على حبل الوقت. إذا اختفيت، وكان العالم مزدحِمًا بالرائحة والرماد، فأنا لم أمت، بل تسرّبت من جسدي، كالحبر حين يُغتال من قلمٍ مكسور. لا تبكي على قبرٍ مسمّى باسمي، أنا لست هناك. أنا في الصفحة التي رفّ فيها اسمك كعلمٍ أبيض في ميدانٍ لا ينتصر فيه أحد.

*

أوصيكِ، أن تحتفظي بقصائدي كما يحتفظ العشّاق بصوت المطر، وأن تقرئيها بصوتٍ منخفض، كما لو أني أتنفّس في رقبتكِ. فإن سألكِ أحد: أين ذهب الشاعر؟ قولي لهم: سافر في قصيدةٍ لم تنتهِ. وإن لاحظتِ يوماً أن الشمس تبكي في شقوق الجدران، فتلك روحي، تمشي حافية، باحثة عنكِ.

*

لقد عرفت الحرب جيداً. كان لها أصابع حبيبة، وعيونُ قاتل. نادَتني.  فمضيتُ مثل غزالٍ لا يعرف أن الشبكة من حرير. أبقي على روحي في رفٍّ عالٍ من مكتبتكِ، فإنّ الأرواح تموت فقط حين تُنسى.

*

أوصيكِ أن تنجبي لي حياةً من الذاكرة، طفلًا من ضوء الكلام، يسير في الأزقّة وهو يتهجّى اسمي. أوصيكِ أن تضحكي — حتى وأنا غائب، فالضحكُ مقاومة، وأنا يا صغيرتي كنتُ دومًا أحارب بالنكتة وبأبيات الشعر لا بالرصاص.

*

إذا مرّت الحرب من هنا، وأخذتني معها، فدَعيها، لكن لا تمنحيها قصائدي. هي لكِ. أنتِ وريثتي، وصوتي، ويدي التي لن تعجز عن الكتابة، طالما أن قلبكِ ما زال يخفق فوق كل ورقة.

*

توقيعي:

شاعرٌ فقد جسده

ولم يفقد صوته.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

لا ترتجي هذي الحشودُ نواحا

أو أنْ تضيفَ الى الجراحِ جراحا

*

لا ترتجي نزعَ السلاحِ وقد سرتْ

دولٌ الى كفِّ اللئيمِ سلاحا

*

بلْ ترتجي كوناً يكونُ بِهِ المدى

اُفُقاً يشعُّ عدالةً وسماحا

*

هذي الحشودُ عواصفٌ هدّارةٌ

انْ هبَّ حقدُ الظالمينَ رياحا

*

أتتِ العراقَ سليلَ آدمَ وانضوتْ

تحتَ القبابِ فأشغلتْ أشباحا

*

بالهمِّ والأرقِ الطويلِ وافصحتْ:

مَنْ يذبحُ الأطفالَ لنْ يرتاحا!!

*

أتتِ الحسينَ فقادَها نحو العلى

مُستبشِراً مُتبسِماً وضّاحا

*

هذا الهتافُ بِهِ النجوم تألقتْ

ليصوغَ مِنْ بَرقِ النجومِ رماحا

*

تهوي على عرشِ الذين تكبّروا

وتحيلُ أرضيَ للعدالةِ ساحا

***

شعر: كريم الأسدي

القليل من الهشاشة

أو

الكثير من الهشاشة

تلك بدايات ليست مبشرة

لنص يقف عند مفترق الطرق

بدايات لا تصلح لأن تركل بها أي شيئ

ستكتب وتكتب

ولكن لن يتوقف إحساس الأكلان عن العواء

إذن تلك هي البداية المناسبة

عطب ينهش الداخل

في مناوبات مجنونة

عرائس بحر تصرخ

ودموع تنهمر بألوان خرساء

ساعات بعقارب تجري عكس التوقيت

وقلب واحد

مفتوح البوح على كل الجبهات

يحارب لغة البؤس

الجوع المرض العبث الموت

بكل لغات الدنيا

ولا يفهمه أحد

يتكئ على صور شاردة من ذاكرة عرجاء

على جذرين من آخر شجرة حناء

كانت تنمو في باحة بيت الجدة

قبل قيام الساعة في زمن آخر

وبنت يتدفق نيلان من وقع تثنيها

وتنبت في كفيها حقول ومواسم وفرة

لن أستغرق أكثر

في حميمية هذا الصدر الأغبش

وهو يناولني في مطلع كل نفس

أبجديته الأولى لتعلم الغناء بفم مغلق

القليل من الهشاشة

أو

الكثير من الهشاشة

مقاييس هزيلة

لاحتمال كل هذه الغرابة الخرابة

التي تتشدق وهي تلقي هذه القصيدة

وتنهش ما تبقى في تلذذ

بينما يحاول القلب أن يمنحها عنوانًا

قبل أن يستسلم للسقوط الأخير

***

أريج محمد أحمد

 

استغرق وقتًا طويلًا حتى شعر بنبضات قلبه تتدفق، كمن يعود من غيبوبة حلمٍ قديم. كان يتكئ على حافة الزمن، كغريبٍ تاه في زحمة الفوضى، يرى الأفق ضبابًا يعانق السماء، فيواري صفاء النهار، ويبث في نفسه دائرة من الشك، كمن يسير على خيطٍ رفيع فوق هاويةٍ لا قرار لها.

صدى صوتٍ يخترق حدود الصبر، كأنه تلميحٌ بشؤمٍ يسكن قاع المكنون، صراخٌ مكتوم ينطلق بصمتٍ عبر الأثير، لا يثير ضجيجًا في الفضاء المترامي، بل يتلاشى كفقاعاتٍ بلا أثر.

إنها لحظة الانكسار الحقيقي، حين تتكشّف هشاشة الروح في مجتمعٍ تتنازعه الخيبات والانتهازية، ويترك أبناءه معلّقين بين الرجاء والخذلان.

تتنازع الأفكار فوق طاولةٍ من الجهل والكراهية والتنافر، كأنها خلطةٌ من عناصر متنافرة، تفتقر إلى النوعية والاتساق.

وفي أروقة الخيال، حين يطرق الجحيم أبواب الرزق وأعماق الضمير، تتكشّف الحقيقة: لا سند في زمن التشتت، ولا دفء حين يتفكك نسيج الألفة، ويتهاوى جسر التضامن كسرابٍ يعبر سواد الليل بصمتٍ مريب.

إنها مأساةٌ في بحر الظلمات، تتضاعف فيها المعاناة كلما غاب الانتماء، وتحوّل الجمع إلى جزرٍ متباعدة. هناك من يوزّع الصكوك على أراضٍ معلّقة خارج الكون، ويحفّز الأرواح على القبول بموتٍ مجاني، لا لشيء سوى أن يبقى الفكر حبيس القهر والتشظي، كأن الخبث صار سياسة، والوهم عقيدة.

ومع كل انكسار، يظلّ في الأفق نبضٌ خافت، كأن الحياة تهمس: ما زال في القلب متّسعٌ للدفء، إن عاد الجمعُ من غربتهم، وإن خيطت الألفة من جديد بخيوط الصدق.

وربما، في لحظة صدقٍ نادرة، حين يعود الجمع من غربتهم، نعمر ما تهدّم، لا بالحجارة، بل بالصدق، وبنبضٍ لا يخاف الغياب.

***

كفاح الزهاوي

لم يبذل جهدًا كبيرًا وهو يعتلي إحدى تلال قريته التي اعتاد ملامحها منذ صباه، ولم يتكاسل… رغم جوعٍ عضَّه مرارًا، وعطشٍ ظلّ يجرّح داخله كحبلٍ مبلول بالملح.

لم يكن الجوع غريبًا عليه؛ الغريب كان ذلك الفراغ المتسع داخله، مذ فقد أتانه البيضاء تحت قصف مدفعي أعمى، نُسفت معه سلالات دفءٍ قديم، وأحلامٌ صغيرة بولادة جحشٍ يشبهها… أبيض، بعينين لامعتين كحلمٍ لم يكتمل.

منذ تلك الليلة، فقد شهية الطعام والشراب، وتحول نصفه حمارًا، ونصفه الآخر ألمٌ يتعفن بصمت.

عندما مرّ بعشبة ربيعية مزهرة، توقّف. كمن يستعيد وطناً من رماد. أحنى رأسه إليها بخشوع، شمّها بعمق، كأنه يريد أن يستنشق وجهها من جديد، وجه المواسم التي هجرت تلال قريته. منذ أعوام، لم تزر أنفه تلك الرائحة. رفع رأسه إلى الفراغ، كان يبحث عن شيء لا يعرفه، يسأل الغياب عن الغياب، وعندما عجز، عاد بأنفه العريض إلى العشبة، يداعبها بلطف، كأنها أنثى بين حلم وذكرى غابت عنه.

لم يتذوقها. تركها، معتقدًا أن بعض الأشياء أجمل في مكانها وأن العشب الذي يُترك للنظر خير من الذي يموت في الفم.

واصل طريقه… والمسافة إلى قمة التلة لم تكن طويلة، لكنها بدت كأنها عُمرٌ آخر. على الطريق، كانت الدجاجات يقفزن بكسلٍ، ينظرن إليه كصندوقٍ رمادي أجوف، وحتى إحداهن، أرادت أن تبيض في أذنه ذات ظهيرة، لولا صهيل الحصان الأشهب، جاره الوحيد الذي ما زال يعترف بأن الألم له اسم.

في رأسه، ارتفعت أسئلة كالعوسج:

- ماذا لو لم أكن حمارًا؟

- بل ماذا لو لم تُخلق سلالة الحمير أصلًا؟

- كيف ستحتمل قريتي المنكوبة ثقل أكياس القمح، وأحجار السواقي، والشتائم؟

- من سيحمل الهوان عنهم، ويُجلد بدلًا عنهم؟

- بماذا تحلم الحيوانات لو لم يكن بينهن حمارٌ صبورٌ مثلي؟

- كيف ستنجو سفينة نوحهن، لو غبتُ عن ظهرها؟

فكّر… بأن كل الموجودين ينتمون للهواء، وهو الوحيد الذي ينتمي للتراب.

أخذته وخزةُ هذه الأسئلة كسوطٍ، كأن وليّه القديم عاد بعصاه، يضربه في خاصرته، ويجرّ روحه خلفه على الطرقات.

كان كل ضربةٍ توقظ في جسده شهوة الركل… لكنه صبر. صبر لأن الجوع أرهف قلبه. وصبر لأن التراب حافظُ السرّ الأخير.

وعند قمة التلة بدت قريته كخرقةٍ محترقة. لم يتبقَّ من خميسة سوى دخان وأصوات بعيدة، كأن الريح تكنس ذاكرته حجرًا حجرًا.

تذكّر أم نافع… رحيمته البيضاء، أنثى حلمه التي قضت مع الجحش الذي لم يُولد. كانت تحك له ظهره بأسنانها، تغمض عينيها حين يغازلها، وتكتفي بإيماءة صغيرة فيها من القبول ما يُصلح خراب الدنيا.

الحياة دونها… ظلمةٌ واجترار. والطريق إلى الحظيرة صار أبعد. لم يعد التراب يحفظ أثر حوافرها. حتى الحصان الأشهب بات صامتًا، كأن الخسارات تعلمت كيف تصمت.

أتذكر كيف كنا نتمرغ تحت الشمس… نفتعل الفوضى، نلعب بالتراب، نخدش ظهر الأرض بأجسادنا. كان يضربنا… سيدنا الذي لم يكن سيدا سوى على أسمائنا. يضربنا ويخفي وجهه كمن يخشى أن يرى رجولته تتساقط أمام بهيمة.

لكنه كان أجبن من أن يقترب من الحصان. لطالما جرحنا ذلك… أن الألم انتقائي، وأن الوجع يعرف أين ينزل.

كنت قادرًا أن أركله بحوافري… أن أطرحه أرضًا وأكسر قفص أضلاعه… لكنني صبرت.

صبري ليس ضعفًا، بل حيلةٌ لأجل شعير الغد. غير أن صبري له حدود. موت زوجتي المبكر جعلني أؤجل مصيري معه. ربما سيأتي اليوم الذي أفجّره في جسده.

ـ لا تخف، أيها الحمار، قال لنفسه. ما زلت في مأمن من الجوع، ما دام في فمك رمق.

وعلى حين غرة تذكر حكمة أبيه الحمار الأكبر:

- إذا ما خانك صبرك، فتيقّن أنك ستطير كنورس.

ابتسم… ولم يفهمها. لأن زمن النوارس لم يصل بعد.

ولأن النوارس لا تطير إلا حين تتعب الأرض من العابرين، ظل الحمار يعدّ الأيام، يحمل أعباءه بصبرٍ معلّق على حبل ذاكرة تفور كالقَدر.

***

زياد السامرائي

كان سلام، بعينين شاخصتين وروح معلّقة، يلتقط كل كلمة من الخطاب المهيب الذي ألقاه الأمير على نخب الطاعة، المدعوّة بمناسبة العيد الوطني لاستقلال إمارة سيكا.

في القاعة المفروشة بالحرير والمخمل، كانت الثريات تبعث على الوجوه وهجًا ذهبيًا، غير أن صوت الملك كان يقطع السكون كحدّ السيف العاري.

سقطت الفقرتان الأوليان كأحكام قاسية، بنبرة جافة لا تعرف المساومة:

"عليكم، وبعزيمة لا تلين، أن تهيئوا الساحة السياسية لولي عهدنا. عليه، بعد غيابي، أن يعتلي العرش محمولًا على مناخ من المجد والوحدة الوطنية".

زفرة قصيرة، وصمت عابر… ثم عاد الصوت الملكي، أكثر عمقًا، يكاد يرتجف:

"لقد حانت ساعة التحولات الجذرية. لم يعد مقبولًا أن يبقى وطننا أضحوكة الممالك والإمارات في العالم! واعلموا أنّه، رغم جهودي الإصلاحية التي لم تعرف فتورًا، فإن أعداءنا لا يتورّعون اليوم عن وصمنا بلقب مهين : "غابة سلطة فاسدة".

كانت كلمات الملك لا تزال تتردّد في أرجاء القاعة الفسيحة، تصطدم بأعمدة الرخام وتتلاشى في الستائر الثقيلة، وكأنها تبحث عن مخبأ.

أما سلام، فظلّ واقفًا بلا حراك أمام شاشة التلفاز، يداه مشبوكتان خلف ظهره، وعيناه معلّقتان خلف الزجاج الملوّن بألوان زاهية.

كل جملة ملكية، مدروسة وحادّة، تركت فيه أثرًا حارقًا، كندبة طازجة على جلد أنهكته خيبات سابقة.

فكّر في ذلك "الوريث" الذي أُعلن عنه بكل وقار… وجهٌ ما زال فتيًّا، لم يتذوّق مرارة المعارك بعد، يستعدّون لتتويجه في صندوق من ذهب.

وفي قلب سلام كان يدور سؤالٌ مكتوم: هل العرش في هذا الوطن وعدٌ أم لعنة؟

***

الحسين بوخرطة

......................

الترجمة بالفرنسية

Labyrinthe du pouvoir

Lhoussain BOUKHARTA

Salam, le regard fixe et l’âme suspendue, buvait chaque mot du discours solennel que le souverain adressait aux élites dociles, convoquées à l’occasion de la fête nationale de l’Indépendance de la principauté de SIKA.

Dans la salle tendue de soie et de velours, les lustres jetaient sur les visages une lumière dorée, mais la voix du souverain, elle, tranchait comme une lame nue dans le silence.

Les deux premiers paragraphes tombèrent comme des sentences, d’un ton sec et implacable :

« Vous devez, avec une ardeur sans faille, préparer la scène politique à notre prince héritier. Il devra, après ma disparition, s’asseoir sur le trône, porté par un climat de gloire et d’unité nationales. ».

Un souffle, un court silence… puis la voix royale reprit, plus grave, presque vibrante :

« L’ère des bouleversements radicaux est venue. Il est désormais insupportable que notre patrie demeure la risée des royaumes et des principautés du monde! Sachez que, malgré mes efforts inlassables pour réformer, nos ennemis ne se privent plus de nous flétrir d’un surnom infâme : « la jungle d’un pouvoir corrompu »

Les mots du Roi résonnaient encore dans la vaste salle, rebondissant contre les colonnes de marbre et se perdant dans les draperies comme s’ils cherchaient à se cacher.

Salam, lui, restait immobile devant sa télévision, les mains jointes derrière le dos, le regard perdu au-delà des vitraux aux couleurs vives.

Chaque phrase royale, pesée et tranchante, avait laissé en lui une empreinte brûlante, comme une cicatrice fraîche sur une peau déjà marquée par les désillusions.

Il songea à cet “héritier” annoncé avec solennité… Ce visage encore jeune, encore vierge de combats, qu’on s’apprêtait à couronner dans un écrin d’or et de gloire feinte.

Dans le cœur de Salam, une question sourde tournoyait : le trône, dans ce royaume, est-il une promesse ou une malédiction ?

كنت أظن أن الشعر هو ما تقولهُ جدّتي وهي تطهو*

***

أكتبُ القصيدة كما يكتب المجنونُ

وصيّتَه على الحائط:

كلماتٌ مجرّدة من العقل،

لكنها مبلّلة بدم القلب.

*

أترك علاماتٍ لا ترشد،

وخرائطَ بلا شمال،

وأمنحُ لكلّ قارئٍ حقّ التيه،

فمن لم يضِع في المعنى،

لن يعرف أن الشعر هو نوعٌ آخر من الخراب،

خرابٌ

يجعلُك تحبّ العالم أكثر،

لأنه لا يفهمك.

2

الشعرُ لا يُولد من العقل،

بل من عطبٍ صغير في آلة الفَهم.

هو جرحٌ يتقنُ التخفي،

يضحكُ حين نُحاول تضميده بالكلمات،

ثم يفتحُ فمهُ ليلتهمَ الصياغة.

*

في تلك اللحظة،

أدركتُ أنّ البيت الشعري ليس بيتًا،

بل زقاقٌ ضيّق تضيع فيه خطواتي،

وأصواتُ المارّة كلُّها تقول لي:

"ارجع إلى الخلف،

فلا أحد هنا يعرفُ لماذا البكاءُ يبدو موسيقًى

حين لا يسمعه أحد".

3

حين كنتُ صغيرًا،

كنت أظن أن الشعر هو ما تقولهُ جدّتي وهي تطهو.

الآن،

أفهم أنها كانت تكتبُه بالبصل،

وتنقّطهُ بالملح،

وترتّله بصوتٍ مُبحوح،

في صحنٍ من الخوف

وأصابعَ من ذهبٍ مكسور.

4

أحيانًا،

يمرُّ أمامي ظلٌّ أشعر أنه يشبهني،

لكنه لا يسلّم.

*

أتبعه،

أدخّن خطواته،

أسأله: هل الشعرُ أنت؟

فيضحك كمن وجد مزحةً في جنازة،

ويرد:

"أنا فقط

الفكرة التي نسيتها على السطر الرابع،

حين خفتَ من نفسك".

5

أكتب لأني لا أجيدُ الحديث.

أحبُّ المجاز،

لأنه لا يطلبُ إثباتًا

ولا يردّ على الهاتف.

*

الصورةُ عندي لا تُوصف،

بل تُشمّ،

تُذاق،

تُغنّى بين الأسنان،

كأنها خُدعة

أُتقنتْ لا لتُفهم،

بل لتوقظَ فيك إحساسًا بأنك نسيت شيئًا…

ولا تعرف ماذا.

***

مروان ياسين الدليمي

................

* المقاطع جزء من مجموعتي الشعرية "أبحث عن الشعر" 2025

 

في أعماق التاريخ

حيث تتشابك

الأرواح مع الطفوف

تنحني الهامات

إجلالاً لفارسٍ مهيب

أسطورة الموقف

الخالد،

في ذاكرةِ الزمن

في هذا المكانِ المقدس

يقطر النورُ الإلهيُّ

ويصعدُ من موقدِ الثورةِ

شعاعٌ لا يخبو

يحملُ في طياتهِ

الولاءَ والوفاءَ

أحرفاً كُتِبتْ

بدمِ الصمودِ

فكانتْ عنوانًا

للثباتِ والبقاء

لم يهَبِ

الموتَ بل يقاومُ

بكلِّ عنفوانٍ واقتدار

هو الحسين المستقيم

نورُ الحقِّ في قلوبُ المؤمنين

شمسٌ يهدي

إلى طريق الحرية

في ليلِ كربلاءَ يثورُ

الفراتُ بصرخةٍ مدوية

شوقًا لوجهِ الحسين

وفي دموعهِ عويلُ السماء

وانينُ الأرضِ يصمُّ الآذان

من لهيب النيران

التي التهمت الخيامَ

والزمنُ يبكي

والخلودُ يهتفُ

باسمِ الحسين

باسم الضحايا

في مشهدٍ لا ينسى

وذكرى لا تمحى

وحزنٍ لا يُطوى

ولم يزلِ الفراتُ ظماناً

لأنه لم يرتوِ

من ثغرِ الحسينِ المبجل

يبكي الفراتُ

ندماً

كما ينزفُ جرحٌ عميق

لا يندثرُ

ولا يشفى

جرح يتجدّدُ

مع كل ذكرى

وسيبقى الفرات أسيرًا للشوقِ

وامواجُه تردَدُ

يااااحسرتاهُ عليك ياحسين..

***

باقر الموسوي

 

سل خيالك في صقيع الليل

سله..

سله، لا ينحني لشيء،

أو يهادن او يكلُ ..

سلهُ، في عتمة الليل البهيم

عن القرارْ..

سله عن شغف النهار

وعن الفجر والصبح

والانتظار..

إن كان في وضع يملْ ..

وفي حالٍ تملُ

ونهاره مسخ غدى

شيئا يذلْ ..

كإنه شبح يغامر

في دروب، لا يكلْ..

لا صراخ أو شجار

هوذا الدليل على القرارْ ..

**

لا تسلْ، عن منبعٍ الصحو

يغفو، بين جنبيه جرح..

**

سل جحيم النار

عن صمت الدهور

سله عن مثوى القبور

وكل مهزلة وعارْ..

تلك، مرحلة الهروب

على طريق الانتظارْ..!!

***

د. جودت صالح

12/ آب 2025

 

كثير ما يواجهني سؤالُ

لماذا الشوقُ يقتله الوصالُ؟

*

لماذا كلما اقتربت فُتَاتٌ

من الآمال ينقطع المنالُ

*

لماذا كلما طلعت شموسٌ

شكت عيناي والشكوى انخذالُ

*

لماذا كلما حاولت دفئًا؟

أفاق القلبُ والتاعَ السؤالُ

*

كأنَّ البعد يشعل في الحشايا

لهيبًا من حنينٍ لا يُحالُ

*

كأنَّ القربَ يقصيني بعيدًا

وياخذني إلى الوهم الخيالُ

*

كأنَّ الدربَ يطويني جحيمًا

ويُغرقني، ولا يُجدي النضالُ

*

كأنَّ الحلمَ ينسجُ لي سرابًا

ويُخلفُ وعدَهُ حتى المُحالُ

*

أحاولُ أن أرى في الليلِ ضوءَا

ولكنْ كيفَ والظلُّ احتلالُ؟

*

يُناديني الهوى صوتًا شجيًّا

فأصغي ثمَّ يخذلني المآلُ

*

أحنُّ إليكَ رغم البعدِ شوقًا

كأنَّ الوصلَ يعشقُهُ الزوالُ

*

فهلْ يبقى على الأملِ انتظاري

وهلْ يُجدي من الصمتِ انفعالُ؟

*

كأنّي فيكَ لم أُخلقْ ولكنْ

لأحيا فيكَ يُرشدني الضلالُ

*

كأنّي فيكَ لم أعشقْ ولكنْ

تصيَّرني المنى وَهْماً يُقالُ

*

أجوبُ الليلَ، أستجدي رؤاهُ

فلا حلمٌ.. ولا طيفٌ يُطالُ

*

تمرُّ الريحُ، تُلقيني جريحًا

وتَسلبني المواسمُ والظلالُ

*

إذا جفَّتْ عروقُ الأرضِ يومًا

فإنَّ الحُبَّ أنهُرُهُ سِجالُ

*

وإنْ ضاقتْ على العشّاقِ دنيا

فعشقُ الروحِ لا يُبليهِ حالُ

*

أحبُّكَ كيفما جُرِحَتْ يدانا

وكيفَ تَبدّدَ الوصلُ المِثالُ

*

فإنْ طالَ الرحيلُ، فذاكَ دربي

وإنْ عُدنا، فيغمرني الوصالُ!

***

د. جاسم الخالدي

ها أنا أستريح على أريكة حزني

ولا أنام،

مثلي مثل جرح قديم،

أتركني بلا همهمات،

أعاند رعشة الصلصال

في زفرته الأولى،

ثم أجمع خرسي

في حنجرة غزالة

حبيسة نبوءاتي.

هذا الذي في الصدر

ما عاد يهدأ،

غريب هذا الطرْق،

غريب هذا التعب،

هذه الصورة الموحشة،

وهذا الدمع الذي

يخط رائتحه بين أضلعي.

صوتي مازال في النايات منكسرا،

عزلتي التي اختارت الصلاة

في شهقة الريح،

ووجهي الذي اختلط

بضجيج الغناء،

فهل أصحو مني

وأحجيات النداء مفاتيحي؟

هل أثور على منامات الثلج

أم أبني خياما من شمس

تخفي ندوبي الغارقة؟.

هاربة أنا...

منفلتة من أهداب النشيد،

لا شيء يشدني إلى أقنعة الماء،

لا شيء يعيدني إلى النهر المجفف

غير ظلي المعكوس،

بي مس العارفين،

وكل الزوايا لي،

لي طيف يرتب إشراقتي،

ثم يسندني إلى ظله المعتق.

بغيمة واحدة

أبلل قلب النجمات،

ثم اوي إلى سوسنة الروح،

تلك التي وعدتني بسلال ياسمين،

تلك التي نادتني باسمي الاخر

نسرين،

تلك التي لمت شتاتي،

وعطرت خارطة همسي،

وحملتني روحا

إلى خطو الذاكرين.

***

اجليد وفاء ام حمزة - المغرب

 

ماذا أقولُ ولمْ يَعُدْ

إلا الكلامُ يعيدنا بتأفُّفٍ

ويد الزمان بِصَدْرِها

غَدْرٌ يُفَتِّشُ عَنْ شَذَا إِنسانِ

*

ماذا أقولُ.. وبَسْمَتي ضَمُرَتْ

وفمي الطليقُ مُعَطَّلٌ

في مُقْلَتَيهُ أَسًا..أَسًا

والصَّمْتُ يُضْرَبُ حَوْلَهُ صَمْتاً

فَيُطْبِقهُ بأمريكانِ!

*

ماذا أقولُ .. وكل شيءٍ فاتِرٍ

ودم الصحافةِ باردٍ

لا يَسْري إلا

في نَدَى الإعلانِ!

وهيئةٍ مُعْتَلَّةٍ

في هيئةٍ عليلةٍ

في هيئةٍ مَطويةٍ

بعمامةِ البُطلانِ

ومجالسٍ تبيعُ فينا وتَشتري

ومنظماتِ لغوثِ أوربا

من النقصانِ!

*

ماذا أقول .. لتنتهي

حِقَبُ الظلامِ وتنطوي

صفحاتِ هذا القهرِ والحرمانِ

وتضئُ وَجْهَ الأَرضِ أنوارُ السَّلامِ

ويُولَدُ الزمنُ البريءُ مُبجَّلًا

ليعيشَ إنسان التقى بعفافِهِ مُتَرَفِّعًا

عن كل ذي سُلطانِ.

عن كل ما يدعوهُ خَدْشَ حياتِهِ

فيحيقهُ بمرارةِ الخُسرانِ

ويظل يحشو رأسهُ - مُتباهيًا -

بقذارةِ الحُكَّامِ...والإخوانِ !

*

هو هكذا الإنسان يَصْنَعُ نَفْسَهُ

يَمحو ظلام الكفرِ بالإيمانِ

يَسمو بأُمَّتِهِ السماء

وأرضهُ حريةً

برحابةٍ...وتَفَانِ

*

آااهٍ من الآلامِ طالتنا

وباركها العِدا:

صُهْبُ السِّبالِ

وأشعلوا .. بأمانِ

قتلى هنا...

جرحى هناك...

هنا ضحايا عِصابةٍ...

وضحايا كل جبانِ

وهنا .. هناك

اسْتَنْزَفَ الفُقْدانُ قَرْنًا

نازح الأوطانِ !

وتَداعَت الأعذارُ تَشْرِبُ نَحْْبنا

أعذارنا

فاقتْ حدود المُمكِناتِ

وجاوزَتْ...

بِتَصَنُّعٍ..ودِهَانِ !

*

أنَظلُّ لامعنى لنا أبدًا

وفي مَقْدُورِنا :

تحقيقُ حُلْمِ ضَمَانِ

إشعال شمعةِ في ظلامِ المُعْسرينْ

مَدّ أُسطولاً

من الأيدي المباركِ بَسْطُها

تحديدَ نَسْلِ حُروبنا

تبديدَ خوفِ عُرُوبةٍ

بتَلاحُمٍ.. وحنانِ.

*

ماذا...وماذا لغُرْبةٍ كَلَّاحَةٍ

وفهاهَةٍ

ورصيفِ أُسْرَةِ فَاقةٍ...

ولِعاكفِ الأحزانِ.

*

آااهٍ..من الآلام طالتنا

وإنَّهُ لمْ  يَعُدْ

إلا الكلامُ يعيدنا بتأفُّفٍ

ويكيدنا بهوانِ

ويكيدنا بهوانِ !

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

لو أتاني المنون لا تدفنوني

في قبور اليهود كي يحرقوني

*

اتركوني أكون طعماً لطيرٍ

فوق شطآن وارفات الحزونِ

*

اتركوني أذوب جسماً وروحاً

في تراب العراق.. نحوه احملوني

*

اتركوني أريق فيه دمائي

وعلى الرمل اسجموا لي عيوني

*

ودعوا الوجه ناظراً بالتملّي

وافتحوا كلّما تستريح جفوني

*

لست أرتاح أنْ أموتَ بأرضٍ

غيرِ ذا الأرض* .. لو تناهت سنوني

*

فأنا الطفلُ .. ما أزال فطيماً

ثديُ نهريَّ منيتي؛ فارضعوني

*

اذهبوا الآن كلّكم حيث شئتمْ

وعلى القبر في العراق دعوني

*

لست أختار أن أموت غريباً

بالمتاهات في بطاح الظنونِ

*

موطني كان .. ما يزال ملاذي

ومآلي يظل حتى المنونِ!

***

رعد الدخيلي

 

لا زالت آنْيَا تسحق روحها بلا رأفة، هي تعلم أن لا حياة لها بعد أن استعادت ذاكرة غيبوبتها، واستحضرت فجأة ذاك الماضي الأليم الوافد أمامها بالتشتيت. حين استفاقت آنْيَا من غفوة فراغ تفكيرها، صُدمت بتلك التحولات الواقعة على حاضرها والذي بات مكهربا. لم تتمكن من معانقة كل الوجوه التي حضرت لبشرى عودتها من سكة الموت، ولكنها استفاقت حزنا على جُلِّ الأحداث الصغرى في حياتها، حتى أنها تخلتْ عن الكلام المباح مع كل من يحيطها لحظة فرحتهم باستعادتها لروحها و ذاكرتها. من حكمة التأني الذاتي أنها تاهت في مُفترق رُكام من الأسئلة الاستنكارية (متى/ كيف/ لماذا/ أين...). 

كل من بالغرفة شربوا ابتساماتهم بالخوف المزدوج على آنْيَا من العود نحو فقدان الذاكرة والسقوط في الغيبوبة المستدينة. آنْيَا لازالت في غرفة الإنعاش تستعيد أجزاء من طاقة استفاقتها، لكنها بذات الوقت تعيش لحظات من تجربة الجمع بين تأمل وضعيات الحاضر، واستحضار ما حدث لهم بعد الحادثة المميتة والتي أبقتها بالحياة مغيبة لما يزيد عن السنة ونيف. في القاعة المجاورة التي تم نقلها إليها، تم قطع بهرجة حلقات الحضور حول سريرها بعد عودتها من اللانهاية.

في ذات الغرفة بالمستشفى اعتبرت آنْيَا أن زمنا من ذاكرتها بات يحمل رمزية للمنسيين وبلا تاريخ ميلاد، وبأحداث تتفحم أطرافها كلما خاصت في عمقها. لحد الساعة لم تقدر آنْيَا على توضيب حاضرها عبر بناء تفكيرسلاسل زمنية متعاقدة البنيات، فهي فزعة ولم تكتشف عمَّا حدث لها ما بعد الحادثة المميتة. بات الصمت في القاعة بعد إفراغها من زوار العودة أُغنية حزينة للخوف من حالة نكسة العود للاوعي والغيبوبة الغائرة. فقد كانت  آنْيَا تكره التناسي، وتقول: الإنسان يتم تناسيه كليا، حين لا يُدون تاريخه حتى ولو في أرشيف مخزون الذاكرة السالبة.

كانت آنْيَا تتأمل وجوه من حضر بغرفة استفاقتها وجها تلو الآخر، كانت كل الروابط تتحرك من خلال استدراك عبء التاريخ المنسي بالضرورة والواقع، حيث استفاقت ورأت ملمح وجهها الشاحب على المرآة. الكل لاحظ أن آنْيَا تُقاوم الوجع والألم، وفي مشهد مؤثر قد يوحي ببكاء من حضر، ولم تقدر لحد ساعتها أن تنتصر على ضبابة الخوف والذنب فيما حدث لها ولأسرتها الصغيرة في طريق المنعرج الغائر بالهاوية المفتوحة.

استولى القلق على آنْيَا بتعب الحمى، حتى أن الدكتور قرر تطعيمها بجرعة من حقنة مهدئة، حتى لا يداوم عقلها المفكر في طرح أسئلة مربكة عن سبب فراغات جزء من زمنها العمري، وحتى لا تعيد فتح الجراح بعد أن فقدت ابنها في تلك الحادثة المروعة بالموتى والجرحى. كان الجميع يَعلم بالحقيقة المدفونة مع جنازة الابن بلا حضورها، وهي الحقيقة التي تؤلم ولم تقدر على استدراكها آنْيَا حينها، لكنها في تفحصها لكل الوجوه كانت تبحث عن ابنها بالتمام وكمال الروح، وتعمل على هزم مُسودات ذاكرتها الخفية.

كانت آنْيَا لا ترى ابنها بين الحضور يفرح باسترجاعها من موت أكيد، لكنها كانت تسمع أنينه، ولحظات لفظ أنفاسه الأخيرة وهم في الهاوية السحيقة لوادي الموت. أصبحت آنْيَا مُشوشة الذهن بعد الاستيقاظ الفجائي، والوعي التام لم يكتمل عندها بالتعبئة المستدامة على مستوى مخيلتها المنتوفة بالألم والعمليات الطبية المتكررة بالوجع. من صلابتها كانت تقاوم الجرعة المسكنة المرتبطة بمصل لاصق على مستوى ذراعها الأيمن. كانت تعمل بدا وبالإمعان والإصرار على محاولات تغيير أحداث الماضي، وعدم دفنه في مقابر الحاضر بعد عودتها من حدود النهاية الحتمية للموت.

كان الطبيب يتابع كل التغيرات الجسدية والنفسية لتلك المريضة التي تضامن مع جراحاتها المتفاقمة حين أنزلتها سيارة الإسعاف. هو يعلم بالتتبع وتجربة الخبرة أن ذاكرتها قد تُفحم بالنسيان القسري، وهي المشكلة التي لا تطمئن على سلاسة عودتها لمداومة حياة الواقع بأمان المساندة. كل الأسئلة التي باتت تنام الليلة مع آنْيَا لا تمنحها أجوبة حقيقية دالة، بل ستبقيها تعيش مع السؤال الماكر بالحزن، ولا ملاذ للهروب من أجوبة صريحة في مستقبل استفاقتها، إن آنْيَا تمكنت من تجاوز عقبة الواقع والمتخيل في ذاكرة عودتها المخرومة.

***

محسن الأكرمين

....................

* فصل من رواية (صانعة الأحلام)

 

البيوتُ لا تموتُ حين تُقصف، بل حين تغادرها القلوبُ خائفة، وحين تُغلقُ الأبوابُ من الداخل، إلى الأبد.

*

في المدنِ التي هربَ منها الضوء، وفي الأزقةِ التي اختنقتْ بدخانِ البنادق، تجلسُ البيوتُ كأراملَ قديمات، تنتظرُ من لا يعود. الجدرانُ، كانت تعرفُ أسماءَ الأطفال، وكانت تحفظُ ضحكاتِهم مثل آياتٍ مقدّسة في كتاب الطين.

*

لكن الحربَ، لا تقرأ، ولا تسمع، ولا تؤمنُ بشيءٍ سوى الصدى.

*

تمرُّ القذائفُ كأنها لا ترى الستائرَ المطرّزة بيد الجدة، ولا تعرفُ أن تلك الزاوية شهدتْ أول قبلةٍ بين عاشقين وآخر دمعةٍ سقطتْ في فنجان القهوة.

*

تذبلُ الأزهارُ في الحدائقِ الصغيرة، تجفُّ الأشجارُ كأنها فقدتْ لغتها، لكن… يبقى العطر. نعم، يبقى العطرُ عالِقاً على الجدرانِ المتآكلة، كأن الأرواحَ رفضتْ أن ترحل.

*

في كلّ بيتٍ مهجور، يعيشُ شبحُ أمٍ كانت تعدّ العشاء حين انطفأت الكهرباء، وروحُ أبٍ خبّأ أطفاله تحت الطاولة وخبّأ قلبه في صدره المرتجف.

*

وفي الزاويةِ حيث اعتاد الضوءُ أن يلعب، يسكن الآنَ ظلامٌ يتكلمُ لغةَ الدمار.

*

الحربُ ليست بطولة، ولا انتصار، إنها لعنةٌ يكتبها تجّارُ الدم بمدادِ الأطفال.

*

أيتها الحروب، أنتِ لا تعرفين الحب، ولا تنصتينَ للأغاني، ولا تفهمين لماذا تضع الأمهاتُ الوردَ على النوافذ.

*

هذه البيوتُ لم تُبْنَ لتكون أهدافاً، بُنيت لتُحِب، لتطبخَ الأمل، وتربّي الأحلامَ على أكتافِ الوسائد.

*

من سيزرع الورد الآن؟ من سيعرف أن تحت هذا الركام كان يعيشُ طفلٌ يؤمن بأن الله يشبه وجه أمه؟

*

يجب أن تُدان الحرب، يجب أن يُحاكم القتلة، ليس فقط لأنهم قتلوا الناس، بل لأنهم قتلوا الذاكرة، وأحرقوا العطر، وسرقوا الضوء من عيون النوافذ.

*

كل بيتٍ مهجور صرخةٌ في ضمير العالم. وكلّ جدارٍ مهدوم وصيّةٌ تقول:

لا تتركوا الجمال يموت.

***

كريم عبد الله - العراق

 

لم يعد النوم ممكناً

فيروسات الجنون لا تطرق الأبواب

بل تأكلها

أسكبوا أحداقكم في أكواب  واشربوها

فهي لم تعد نوافذ للأحلام

أبتلعوا عكازاتكم لتناموا واقفين

ألمجانين يتكاثرون باللمس وباللعق

يتسللون إلى بيوتكم عبر مجاري المراحيض

ليسرقوا لفائف المناديل الورقية

لكن ثمة مجنون واحد في العالم

لا يكتفي بسرقة أغطية المراحيض

بل يسرق كامل منظومات الصرف الصحي

يسرقها ليبيعها في السوق السوداء

محولاً العطن إلى دولارات

والدولارات إلى علفٍ

للبشر المستعدين لزراعة قرون في رؤوسهم1812 laith

في نوبة جنونه الثانية

وقف على مسرح نوبل

لتمثيل دور العاقل والحكيم

لكنّ شياطينه لم تُحسن تمثيل الدور

وخرجت للعالم من أذنيه

لتُفجّرَ البراكين الخامدة

ولتنضمّ إلى شياطين العنصرية في إبادة الفلسطينيين

لا تستغربوا من الجدب في الأمزون

فالمجنون جرّد الفصول من زينتها

لا تستغربوا من انتحار الدلافين

فهو يتخذ من أمواج المحيط مرايا حلاقة

لا تستغربوا من رسومه الكمركية

فطموحه أن يجعل من أقراص الخبز

أقراطاً للشعوب الفقيرة

عندما استيقظ من سباته داخل مجمّدة اللحم

أمر بنقل أيسلاندا إلى أريزونا

وربما في يقظة سباته المقبلة

سينقل القدس إلى صالة علاجه بالصدمة الكهربائية

هو الآن يجلس على كرسيّ بارتفاع ناطحة سحاب

ليعقد مؤتمراً صحفياً

لكنّ الكاميرات معطّلة بفعل البصاق

ألصحفيون   والمايكرفونات   والعناكب التي تغطي منضدته

يسألونه أن يرفع قدميه عن الخارطة

لكنه يصرّ أن يتبع نداء قدميه

فيجعل كل الدول بلون واحد

وكلّ أعلامها علماً واحداً

وكلّ بوابات العالم تفتحُ على غرفة منامه

**

ألمجنون الذي يحكم العالم

والذي يُلمّع المجانين حذاءَه بأربطة أعناقهم

هو مُلمّع أحذية لمجنونٍ آخر

لا يحكم من العالم سوى شارعٍ

لا يتجاوز طوله شريطَ حذاء

***

شعر: ليث الصندوق

أنا ابن أنيسة، اسمي المدون في بطاقتي الشخصية الآن، وفى شهادة ميلادي هو محمود صبري الشيال، غير أنني لا أذكر أن أحدا دعاني بهذا الاسم، في اليوم الأول لدخولي المدرسة بعد سبع سنوات في شوارع القرية، نادى المعلم على أسماء الطلاب في الصف وقال محمود صبري الشيال، لم أرد ولم ينبهني أحد من رفاقي إلى اسمي لأنهم لا يعرفون محمودا هذا، وعندما قال المعلم:

- أمال مين ابن صبري الشيال؟

قلت:

- أنا

قال:

- لماذا لا ترد يا بجم؟

قلت على الفور

- أنا ابن أنيسة

ضحك الفصل كله، وضحك المعلم بالطبع بعد أن كان قد عزم على ضربي، وقال في هدوء وحنو معا:

- هنا في المدرسة اسمك محمود، محمود صبري الشيال

سكت ولم أنطق بحرف، لم أكن لأجد أية غضاضة في كنيتي ابن أنيسة، التي بدأت تذاع في المدرسة تماما مثل شوارع القرية ، لذلك قلما التفت إلى من يناديني باسم محمود، فلم أنتبه أو أستجب إلا لمن قال: ابن أنيسة.

-2-

أنجبتني أمي على كبر، ربما كانت في الخامسة والأربعين من عمرها أو أكثر من ذلك، أنجبت قبلي عددا من البنين والبنات وماتوا جميعا، وعندما من الله عليها بى، أخذتني بعيدا عن البلدة لمدة شهرين، إلى ساحة الشيخ المجلي في مدينة (فاقوس)، تأكل وتشرب ويخدمها النساء، ثم عادت بي إلى البلدة بعد أن باركني الشيخ، وأسماني محمودا، قيل لي أيضا أن أبي لم يعترض على فعلها، بل كان موافقا تماما على ذلك، ليس لأن أبي ليس في حاجة لي أو إلى أمي، صحيح أنه في هذين الشهرين تزوج امرأة جميلة، أجمل من أمي على الأقل، ولكن لأن أبي كان يريد بالفعل ولدا يحمل اسمه، العجيب أن أبي لم ينجب من زوجته الثانية وقد ماتت قبل وصول أمي، وقيل أن أمي سحرت لها، فجعلتها تسير عارية في شوارع القرية حتى نزلت الترعة في ليلة معتمة ولم تخرج منها إلا جثة هامدة، كل هذا ولم تكن أمي قد عادت بعد من فاقوس.

-3 -

عندما عادت بي أمي من فاقوس، استقبلت في القرية استقبالا فاترا من أبي ومن أهل القرية على السواء، فقد كان الناس يميلون إلى تصديق أنها السبب في موت زوجة أبي الجميلة، أما أبي فلم يهتم وعاش حياته الرتيبة مع أمي، في البداية فرح بإنجاب ولد يحمل اسمه ولكن فرحته لم تتم كما قيل لي، إذ بدأ ينتشر اللغط في القرية وكثر الزن في أذن أبي، قيل له أنني لست ابنه، وأن أمي أنيسة أنجبتني من جني، وأني نزلت من بطنها يكسو الشعر جميع أجزاء جسدي و قالت الداية التي أولدت أمي أنني لم أبك مثل الأطفال عندما نزلت، وأن الشعر كان يكسو جميع أجزاء جسدي، وأن أظفاري كانت طويلة جدا وأنه كان لي ذيل قصير يكسوه الشعر أيضا، وباختصار شديد كنت مثل القرد، ربما كان هذا الذي جعل الناس يدعونني مرة بابن أنيسة و مرات كثيرة بقرد أنيسة، لم يدعني أحد باسم أبي، فانتسبت منذ ولادتي إلى أمي أنيسة.

كانت أمي تحملني معها أينما ذهبت؟ أما أبي فلم يكن يهتم بي، ولم أكن أهتم به أيضا، وأعجب ما سمعته بعد ذلك أنني لم أناد أبي أبدا بلفظ أبي، وقد تأملت السنوات القريبة منذ وعيت وأدركت، فتيقنت أنني لم أدعه بلفظ أبي أبدا، كنت عندما أطلب منه شيئا أزوم أمامه مثل الكلب، فيدفع لي ما أريد،الآن مات أبي، وتركني لأمي أنيسة، التي رفضت الزواج من بعده، صحيح لم تكن أمي جميلة،ولكنها لم تكن قبيحة أيضا، و كانت تقول:" أن عين الرجالة على النصف فدان الملك اللى حيلتى " مع أنها كانت قد كتبت لي هذا النصف فدان قبل أن يموت أبي.

-4 -

عدت من المدرسة في ذلك اليوم، وجدت رجالا كثيرين يجلسون في صمت في ظل حائط بيتنا الطيني والبيوت المجاورة، أما النساء فقد تجمعن في مدخل البيت في جلابيب سوداء تجلس أمي وسطهم صامتة دون دمعة أو صوت وعندما رأتني أصدرت صوتا عاليا صمتت بعده على الفور، وارتمت على الأرض فى إغماءة طويلة ولم تفق منها على الرغم من محاولات النساء حولها برش الكولونيا وكسر البصل فوق أنفها إلا عندما جاء نعش أبي وحط أمام البيت، لم أبك على أبي، أحسست أن العيون حولي تنتظر أن أبكي، وفي الحقيقة حاولت أن أبكي فلم أستطع، كنت في الصف الأول الثانوي التجاري، لم أكن صغيرا، جلست بجوار الحائط وسط الرجال، ومع ذلك لم يهتم أحد بي، ولم يعزني أحد، جاءت أخوات أبي من بلدة بعيدة، كنت أراهن لأول مرة، نساء جميلات معهن أزواجهن، ولم يكن لأبي أخوة من الرجال أو أولاد عم في القرية أو حتى في البلدة البعيدة، ومع ذلك وجدت جميع رجال القرية وشبابها يسيرون في جنازته، سرت بينهم لا أكاد أشعر بشيء من حولي، وقفت على مقربة من القبر، أدخلوه القبر، وعاد الجميع إلى القرية لإقامة العزاء في المضيفة، بينما ظللت أنا في الجبانة بجوار قبر أبي حتى أظلمت السماء، لم أكن أخاف، قيل لي أنني عدت بعد انتهاء العزاء وأن أمي وكثيرا من رجال القرية أخذوا يبحثون عني ولم يتوقع أحد أنني جالس بجوار قبر أبي، وكان آخر ما فكروا فيه أن أكون هناك، كنت أضع رأسي بين يدي، وربما كنت نائما، عندما سمعت لغطا بالقرب مني، مجموعة من رجال يقتربون مني، تقدم أشجعهم قليلا ورماني بحصاة صغيرة فانتبهت، ورماني بالثانية فصرخت، قيل لي أنه كان يريد أن يتأكد إذا كنت من الإنس أم من الجن، جرى الرجل أمامي، فقلت فى صوت كسول:

- فيه إيه يا عم مغاوري بتضرب بالطوبة ليه؟

فعاد الرجال ومعهم أمي التي تقدمت في شجاعة ولهفة وأخذتني بين ذراعيها وهى تكاد تحملنى من فوق الأرض، تخلصت من ذراعيها القويتين فى خجل، وسرت بجوارها مطأطأ الرأس، ولكنها كانت كل عدة خطوات تقف وتقبلني وعندما اقتربنا من المنزل حملتني بين يديها القويتين، وأغلقت الباب في وجه الجميع دونما كلمة شكر.

(تمت)

***

قصة: محمد عبد الحليم غنيم

يتوهَ في فلك المعجبين

فما أبهى

السراب

حين يشبه الماء

في عيون الهالكين

ومن يغترّ بنعومة الطين

ظلّ يداهن

كي يسمح للوقتَ

أن يمضغ الاعمار كما تمضغ النار الهشيم

لا تخامر

من بقائه مثل أوراق الخريف

وفي تطايرها الفناء والردى

ولا تعاشر

الأعمى فالسكين في يده

جرح مؤجل

أحط نفسك

بالعقلاء أولئك الذين

إذا نطقوا

صمت فيك الغرور

واذا

مشيت معهم

شعرت بثقل الحكمة

يسند ثقلك

وإن طالت الاعوام السراء

تذكر

إن الطين وطن الذين سئموا الانتظار

وموعدنا يوم الحساب

سر في درب

الحق والجم غرورك

واعلم أنك للفناء

***

باقر طه الموسوي

 

لم يَبْقَ مِنها لنا إلا السّما سَكنا

فلْنَدْعُها الآنَ كي تستعجلَ السُّفُنا

*

ألأرضُ؟ ما ظلّ فوقَ الأرضِ من بلدٍ

إلّا وأمسىْ لتُلمودٍ فشَا وطَنا

*

ألنّاسُ؟ ما ظلّ فوق الأرضِ من بشرٍ

إلّا وعنْ نُصْرةِ الإنسانِ قدْ جَبُنا

*

ألخيرُ؟ ما ظلّ فوقَ الأرضِ من بدَنٍ

لهُ، تراهُ غدًا نجْمًا سما مَعَنا

*

ألشرُّ؟ ألشرُّ همْ لولاهُمُ لفنا

طفلًا وليدًا وما سادَ الدّنى زمَنا

*

ولا تسلْني عن المأمولِ من أمَلٍ

إلى السّما سبَقَ الإنسانَ إذْ يقِنا

*

أنْ لا بقاءَ لهُ والياسُ غالبُهُ

في كلّ قلبٍ لهُ من يأسٍ امْتُحِنا

*

و يعْلمُ الأملُ المسلوبُ موطنُهُ

بأنّنا لم نكُن من شدَّ أو طعَنا

*

لكنَّهُ لم يزلْ بالطّعنِ في مُهجٍ

ما سلّمَتْ بانتصارِ اليأسِ يظلمُنا

*

لو يعلمُ الأملُ المجروحُ في شمَمٍ

بأنّنا لم نُغلِّبْ ندَّ صاحبِنا

*

وإنّما غلَّب الياسَ الذي كمَنا

فينا هَوَانُ أخٍ في دارِهِ امْتُهِنا

*

وخشيةُ السّيفِ من روسٍ تساقُطُها

لم يمْنَعِ السّيفَ من إهدائها الهُدَنا

*

وخشيةُ الأمسِ من آتٍ تبسُّمُهُ

لم يمْنعِ الأمسَ من بيعِ العِدا غدَنا

*

وخشيةُ الإنسِ "جدعونًا" تقزّمُهُ

لم يمنعِ الإنسَ من تسليمِهِ المدُنا

*

وخشيةُ الجنِّ شيطانًا تراجُعُه

لم يمنعِ الجنَّ من إعطائهِ الثّمَنا

*

بعدُ السّما؟ لا أرى أنّ السّما بعُدتْ

لكنّنا خلَفٌ في دينِه فُتِنا

*

أهلُ السّما؟ أهلُنا، خيرُ النُّفوسِ همُ

وليسَ للخيرِ عنْ خيرِ النُّفوسِ غِنى

*

والشرُّ في علْمِهِمْ بالأرضِ قد عُجِنا

مولودُها هوْ وفيها عاشَ وانْدَفَنا

*

قد أسْكنوا في السّما أمالَهم ودنَوا

بالذّكر من خالقٍ أدناهُمُ وَدَنا

*

كيلا يزاحمَها يأسٌ ويغلبَها

بما لدَيهِ  كيأْسٍ قد أطاحَ بِنا

*

إذا أحاطَ بهِمْ شرٌّ تُناصرُهُ

أرضٌ بأوجُهِ خلْقٍ سَوَّدوا الوثَنا

*

فأينما تجدِ الأوثانُ صانعَها

تجِدْ شرورًا ويأسًا من أخٍ وَهَنا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

أُمالِسُ شَفَتَيَّ في صَدَى الرِّيحِ

كَأَنَّ الطُّفُولَةَ تَسْتَعِيرُ أَنفاسي

لا أَنَا مَن بَقِيَ

وَلَا السُّؤَالُ يَعرِفُنِي

حِينَ أَمُرُّ عَلَى فَجْوَةِ اللَّيْلِ

كَيفَ أُسْقِطُنِي

وَمَا مِنْ وَجَعٍ يَخُونُنِي

إلَّا إِذَا أَحْبَبْتُهُ؟

كُنْتُ أَكْتُبُنِي فِي تَجاعِيدِ غَرِيبٍ

يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَقْرَأُنِي

وَأَنَا لَا أَكُونُ إِلَّا فِي تَلَاشِيهِ

هَلْ كُنْتُ وَهْمَكَ؟

أَمْ نَبْضَ تَناصٍّ قَدِيمٍ

تَتَعَثَّرُ فِيهِ الأَقْلَامُ

وَتَسْقُطُ مِنْهُ اللُّغَةُ كَسِرَابٍ

فِي حُجْرَةِ الظِّلِّ

كُنْتُ أُرَتِّبُ وُجُوهَ النِّهَايَةِ

تُقَلِّبُنِي هَزِيمَةٌ غَامِضَةٌ

وَأَنْظُرُ إِلَيَّ

كَأَنِّي أَرَاهُ فِي وَجْهِي

أَيُّ نِدَاءِ رَسَمْتَنِي فِيهِ؟

أَنَا الَّتِي اتَّسَعَتْ لِلرِّيحِ

حَتَّى جَفَّتِ الخُطَى

أَنَا الفَضَاءُ الَّذِي ابْتَلَعَ لُجَجَهُ

وَحِينَ تَوَارَى النُّورُ صَارَ الصَّمْتُ مِرْآةَ السَّرَابِ

كُنْ لِي عَدَماً

أَوْ لا تَكُنْ

فَمَا عَادَ فِي الوُجُودِ مَكَانٌ

يَسْتَطِيعُ أَنْ يُشْبِهَنِي

أَنَا الحَدُّ الَّذِي لَا يُعْبَرُ

وَمَكْمَنُ صَمْتٍ لِلْخَدِيعَةِ

***

مرشدة جاويش

 

لا أحبّ اللهب العالي

أنا نارٌ هادئة

تمرّ على القلب مثل نسمة،

تشعل فيه دفئًا

لا حريقًا.

*

أتزيّن بأقراطي

اقراطي

رمانٌ ناضجٌ مثل قلبي

أهدهد الحزنَ على كتفي

ولا أقول شيئًا…

فالصمتُ في بعض النساء

أبلغ من القصائد.

*

جدتي علّقت في أذني حبةَ حب

وقالت:

لا ترفعي صوتك…

شمسُكِ تكفي."

*

أنا لا أحبّ الانصاف

لا نصف قلب

ولا نصف رجل

ولا نصف فرح.

أنا كاملةٌ كالرمانة

ممتلئة

من الخارج شغف

ومن الداخل سرٌ لا يُقال

*

حين أمشي

تتبعني العيون كأنني وعدٌ قديم

عاد في لحظةٍ بلا ميعاد.

*

حين أتكلم

ينام الليل على كفي،

وحين أصمت،

ينكمش ضجيج المدن

*

أنوثتي ليست سيفا

ولا زينةً من ذهب،

هي ظلُّ نخلةٍ

ورائحةُ مطر

جذورها عراق

*

اقترب

لكن لا تسألني الطريق،

فأنا لا أعدك بشيء،

ولا أخشى الغرق

*

أنا جلنار

وفي اسمي نار

لكنها تُضيء،

ولا تُحرق

***

رائدة جرجيس

 

الى الأديب العربي الذي كان..

مثنويّاتٌ ورباعيّاتٌ عربية ..

***

كيفَ أغواكَ في المساءِ بَريقُ

وزعافٌ مالى بِهِ الابريقُ

**

كيفَ أخفوكَ في بطونِ الخوابي

وهيَ نفطٌ، وأنتَ درٌ وجوهرْ

كيفَ أمسيتَ حجمَ قزمٍ وأصغرْ

بعدما كنتَ عالَماً في كتابِ؟

**

كيفَ أصبحتَ تائهاً في الفنادقْ

بينما يملأُ الغاصبونَ الخنادقْ؟

**

كيفَ رافقتَ جندَهمْ للجنائزْ

وتصورتَ انَّ تلكَ الموائدْ

جعلتْ منكَ في الفصاحةِ رائدْ

فتقبلتَ جودَهم في الجوائزْ؟

**

كيفَ بعتَ الذكرى ومجدَ العواصمْ

وتنكرتَ طامعاً بالدراهمْ؟

**

كيفَ طابتْ لكَ الخدائعُ حتّى

صرتَ أنتَ المخدوعَ قَبلَ المُخادِعْ

حينَ أدمنتَ لذةً في المَخادِعْ

وصنوفُ التعذيبِ في الناسِ شتّى؟

***

شعر: كريم الأسدي

.......................

ملاحظتان:

1 ـ مثنويات ورباعيات عربية هو مشروع شعري يشتغل عليه الشاعر منذ أعوام، وقد نشر الشاعر منه فصولاً كثيرة مع ملاحظات توضيحية عن المشروع.

2 ـ زمان ومكان كتابة هذا النص: الرابع من آب 2025، في العراق.

1 - هُنَا الْحَضَارَةُ وَالتَّارِيخُ وَالْعَجَبُ

يَا سَائِلًا مَنْ أَنَا؟ مَهْلًا أَنَا حَلَبُ

*

2 - أَنَا الَّتِي شَابَ فِي تَكْوِينِهَا بَشَرٌ

وَمِنْ جَبِينِي تُضِيءُ الشَّمْسُ وَالشُّهُبُ

*

3 - صَاغَ الْإِلَهُ جَمَالِي آيَةً ،. عَلَمًا

مَدَى الزَّمَانِ تُرَاثًا لَيْسَ يَحْتَجِبُ

*

4 - فَفِي ثَرَايَ مُلُوكٌ قَدْ ثَوَوْا وَبَنَوْا

صُرُوحَ عِزٍّ،. حِمَى الْجَوْزَاءِ تَغْتَصِبُ

*

5 - خُيُولُ آشُورَ وَالْحِثِّيِّ عَابِرَةٌ

وَكُلُّ مَنْ مَرَّ مِنِّي الْفَخْرَ يَكْتَسِبُ

*

6 - وَقَلْعَتِي شَاهِدٌ لَمْ يَمْحِهِ زَمَنٌ

صَوْتُ الْأَذَانِ بِهَا مَا مَرَّتِ الْحِقَبُ

*

7 - أَبْرَاجُهَا فَوْقَ هَامِ الْمَجْدِ رَاسِخَةٌ

لَهَا انْحَنَى الدَّهْرُ حَتَّى كَادَ يَنْحَدِبُ

*

8 - هُنَا ابْنُ حَمْدَانَ قَدْ أَغْنَى مَجَالِسَهَا

بِهِ تَبَاهَى الْقَرِيضُ الْفَذُّ وَالنُّخَبُ

*

9 - أَنَا الَّتِي أَطْرَبَ الدُّنْيَا مُوَشَّحُهَا

وَبِالْقُدُودِ الَّتِي يُشْفَى بِهَا التَّعَبُ

*

10 - صَبَاحُ فَخْرِيْ عَلَى الدُّنْيَا يُرَدِّدُهَا

فَيَنْتَشِي السَّمْعُ وَالْوِجْدَانُ وَالطَّرَبُ

*

11 - لِمَطْبَخِي نَكْهَةٌ مُثْلَى إِذَا ذُكِرَتْ

فِيهِ الْأَطَايِبُ وَالتَّنْوِيعُ وَالْكُبَبُ

*

12 - أَبْوَابِيَ السَّبْعَةُ الْغَرَّاءُ شَامِخَةٌ

فَكُلُّ بَابٍ لَهُ، تَارِيخُهُ الْخَضِبُ

*

13 - لِلنَّصْرِ بَابٌ، يَدُ الْأَحْرَارِ تَفْتَحُهُ

حَتَّى يَعُودَ لَهَا أَبْنَاؤُهَا النُّجُبُ

*

14 - بَابُ الْحَدِيدِ وَقِنَّسْرِينَ قَدْ شَهِدَا

كَيْفَ الْفُلُولُ بِجُنْحِ اللَّيْلِ قَدْ هَرَبُوا

*

15 - سُوقُ الْمَدِينَةِ إِعْجَازٌ بِهَنْدَسَةٍ

كَيْفَ اسْتَقَرَّتْ بِهِ الْأَقْوَاسُ وَالْقُبَبُ

*

16 - فِيهِ الصَّنَائِعُ وَالْإِبْدَاعُ فِي حِرَفٍ

فِيهِ الْبَضَائِعُ وَالْأَلْمَاسُ وَالذَّهَبُ

*

17 - هُنَا الْجَمَالُ لَهُ فِي أَهْلِهَا نَسَبُ

وَفِي الْخُدُورِ بِهَا يُسْتَوْطَنُ الْحَسَبُ

*

18 - إِذَا مَشَتْ، خِلْتَ غُصْنَ الْبَانِ مُنْعَطِفًا

وَالشَّمْسُ مِنْ وَجْهِهَا الْوَضَّاءِ تَنْتَقِبُ

*

19 - بِكُلِّ خَطْوٍ يَسِيرُ الْحُسْنُ مُحْتَشِمًا

فَلَا جُنُوحٌ.. وَلَا مَيْلٌ.. وَلَا صَخَبُ

*

20 - وَرِقَّةٌ فِي حَدِيثٍ إِنْ هَمَسْنَ بِهِ

تَكَادُ مِنْ لُطْفِهِ الْأَحْجَارُ تَنْتَحِبُ

*

21 - إِنْ قُلْتَ شَهْبَاءَ.. قَالَ الْحُسْنُ فِي ثِقَةٍ

نِسَاؤُهَا الْحُسْنُ.. وَالْأَخْلَاقُ.. وَالْأَدَبُ

*

22 - وَفِي الرِّجَالِ شُمُوخُ الطَّوْدِ إِنْ وَقَفُوا

وَهِمَّةٌ دُونَهَا الْأَفْلَاكُ تَضْطَرِبُ

*

23 - هُمْ أَهْلُ جُودٍ.. فَبَابُ الْبَيْتِ مُنْفَتِحٌ

وَلِلضُّيُوفِ مَسَاءً تُفْرَشُ الْهُدُبُ

*

24 - بِكَفِّهِمْ كَرَمٌ، كَالْغَيْثِ إِنْ هَطَلَتْ

فَيَنْضَجُ التِّينُ وَالتُّفَّاحُ وَالْعِنَبُ

*

25 - وَفِي الشَّهَامَةِ لَا تَسْأَلْ.. فَهُمْ أَبَدًا

أَهْلٌ لَهَا وَبِهَا قَدْ خَصَّهُمْ لَقَبُ

*

26 - إِذَا اسْتَغَاثَ بِهِمْ مَنْ مَسَّهُ، ضَرَرٌ

قَامُوا لِنُصْرَتِهِ.. فِي الْحَالِ وَاحْتَسَبُوا

*

27 - ثَقَافَةُ الْفِكْرِ فِي أَعْمَاقِهِمْ نُقِشَتْ

لِمَجْلِسٍ مِنْهُمُ لِلْعِلْمِ تَنْجَذِبُ

*

28 - أَبْنَاءُ عِزٍّ.. وَأَهْلُ الرَّأْيِ إِنْ عَظُمت

خُطُوبُ دَهْرٍ.. فَهُمْ لِلْحَلِّ قَدْ غَلَبُوا

*

29 - إِنِّي الْعَقِيدَةُ.. وَالْإِصْرَارُ فِي بَلَدِي

شَعْبِي عَظِيمٌ.. أَبِيٌّ.. صَابِرٌ.. حَزِبُ

30 - كَمْ قَاتَلَتْنِي جُيُوشُ الظُّلْمِ قَاطِبَةً

وَكَمْ تَكَسَّرَ فِي أَعْتَابِيَ اللَّهَبُ

*

31 - لَقَدْ تَكَالَبَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَاجْتَمَعُوا

الْفُرْسُ وَالزُّطُّ وَالرُّومَانُ وَالذَّنَبُ

*

32 - لَكِنْ سُيُوفُ بَنِي الْأَحْرَارِ تَحْرُسُنِي

فَالشَّمْسُ تَخْشَعُ إِنْ يَوْمًا هُمُ غَضِبُوا

*

33 - كَمْ نَكْبَةٍ عَبَرَتْ.. كَمْ مِحْنَةٍ كَسَرَتْ

ظَهْرَ الْجِبَالِ وَلَمْ تُلْوَ لِيَ الرُّكَبُ

*

34 - أَظَلُّ شَامِخَةً.. وَالنُّورُ يَعْمُرُنِي

يَأْتِي الصَّبَاحُ.. وَلَيْلُ الْحُزْنِ يَنْسَحِبُ

*

35 - أَنَا دِمَشْقُ.. وَبَغْدَادُ الشُّمُوخِ أَنَا

إِنْ فَرَّقُونَا.. فَفِي الْأَرْوَاحِ نَقْتَرِبُ

*

36 - سَأَرْجِعُ الْفَجْرَ مَهْمَا طَالَ بِي ظُلَمٌ

وَتُشْرِقُ الشَّمْسُ.. وَالْأَحْزَانُ تُسْتَلَبُ

*

37 - فَاكْتُبْ. مِنَ الشِّعْرِ مَا تَرْضَاهُ يَا قَلَمِي

عَنِ الَّتِي حُبُّهَا فِي الْقَلْبِ يَنْتَصِبُ

*

38 - فَكُلُّ حَرْفٍ بِغَيْرِ الْحَاءِ مُنْتَقَصٌ

وَكُلُّ شِعْرٍ بِغَيْرِ الْبَاءِ مُجْتَنَبُ

*

39 - أَنَا ابْنَةُ الْمَجْدِ،. وَالْعَلْيَاءُ مِنْ نَسَبِي

فَمَنْ كَمِثْلِي لِهَذَا الْمَجْدِ يَنْتَسِبُ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

امرأةٌ

تُحدّث نفسها،

وصوتُ أفكارِها

يعلو في صمتها.

*

ورجلٌ

في آخرِ المقعد،

يُحدّث نفسه عن امرأةٍ

ربما تُشبه تلك التي

تجلسُ في المقعدِ الأول.

*

من الشَّبَه

قد يولد حلمٌ،

أو وهمٌ،

أو قدر.

*

ضحكَ،

ونهضَ من مقعده

كأنَّه ينهضُ

من ماضٍ طويل.

*

جلسَ بجوارها،

لم تلتفتْ إليه،

لكنّ ظلَّها

تمايلَ قليلاً

كأنَّه رحّبَ به.

*

قال في نفسه:

ربما نبدأ من هنا،

حيث يلتقي الكلامُ بالصمت،

والأولُ بالأخير،

والأنا بالمرآة.

*

أخرجَ كتابًا،

قرأَ لها بصوتٍ منخفض:

في البدء كانت امرأةٌ

تُحدّث نفسها...

*

ابتسمت،

وأعادت النظر في نفسها،

كأنَّها تكتشف للمرة الأولى

أنها ليست وحدها.

*

ساد بينهما هدوءٌ

يشبه ارتباكَ الموسيقى

حين تنقطع فجأة.

*

لا يعرفان إن كان ما بينهما

حديثًا مؤجلاً

أم ذكرى

تُصاغ الآن.

*

نظر إليها،

فرأى في عينيها نافذةً

تطلّ على غيابٍ يشبهه.

*

وقالت،

من غير أن تنطق:

هل جئتَ لتبحث عني

أم عنك فيّ؟

*

أراد أن يجيب،

لكنّ الكلمات

لم تسعفه.

*

ترك إصبعه

يمرّ بخفة

على حافة المقعد،

كمن يخطّ بدايةَ سطرٍ

لا يعرف كيف ينتهي.

***

د. جاسم الخالدي

 

كم حملت عني دم البلاد المسفوك يا أبي

كم قلت أنك لن تخبرني عمن قتل الصبح في العصافير

ومن أمر الضحية أن تعترف

كي أكبر في حيني حالما وفارغا منهم أنام

*

لن تنجو إن أقبلت على حلم قبل موعد حلمك

فكن بك معك،

سآوي إلى قلب أمي يا أبي، وهناك أحفظ الحقيقة،

أبقى بجوار الله صلاة إلى أن ينتهي المحفل

من ليله السكري فينا، فهنا يضيق بنا هناك

وهناك يبدأ من كواليس مدننا الحديثة

تحت شهوة الخيام

*

لا حب،

ينمو الإسمنت حول قلوبنا مدنا/

لا أرض،

الحدائق تحتلها الصحراء/

لا رؤى،

ويل لنا من المشهد القادم/

لا وضوح،

والموت من قتلانى غامض/

لا خلف، لا أمام،

والخطو موعد لنزيف الحمام/

*

المدينة تَسَعُ ألف نهاية وتفتح للموتى خريفها

واسم الحياة سقط عن أبجديتنا الأولى

واستسلام الضاد منذ التتار،

هل جئنا بعدنا؟ أم جاؤوا قبلنا؟

أم دخلنا خلسة من بوابة التاريخ الخلفية؟،

والحدثيون يُبعثون من معاجم القدمى

كي يخرجوا عن سياق الأمس،

وينفَضُوا عن جراحنا كما ينفض الغمام

***

فؤاد ناجيمي

من القصيدة الديوان/ ديوان أبي

 

خدُّكِ ضوءٌ يتوهَّجُ بالحب،

وجناحاكِ يرتعشانِ من خجلِ السّماء،

كأنَّ المساءَ يعكسُ على ريشِكِ

شفافيَّةَ اللّيلِ الرَّطيب.

في وحدتِكِ، يتدفَّقُ ضوءُكِ كنبعٍ مسحور،

تقتاتُه الحشراتُ الجائعة، تحاولُ كسرَ جدارِكِ الصَّامت،

لكنَّكِ، كريحٍ تائهة، تعودينَ إلى عزلتِكِ، تنحنينَ للوحدةِ

كأنَّها وطنٌ يؤويكِ من ضجيجِ الغياب.

أيتها العصفورة،

كيف تتسعُ لصلابتِكِ هذه الرّوحُ الطريَّة؟

وكيفَ ينحني الضّوءُ في عينيكِ

دونَ أن ينطفئَ في زوايا الذاكرة؟

لماذا تخافينَ اتّساعَ الأفق؟

لماذا تُغمضينَ جناحيكِ كلَّما نادتكِ الرّيحُ

بصوتٍ يشبهُ حنينَ المطر.

أيّتها العصفورة،

ارمِ بقلبِكِ إلى الأعالي،

ودعي السَّماءَ تعيدُ ترتيبَ ضوءِكِ،

فلا أحدَ يفهمُ لغةَ الطّيرانِ

مثلَ من خُلِقَ للحريّة.

أيتها العصفورة،

من ذا الذي سرقَ منكِ صوتَ الفجر؟

من ذا الذي أغلقَ عليكِ الأفقَ

حتى صارتِ السماءُ جدارًا صامتًا

لا يردُّ النداء؟

أيتها العصفورة،

ريشُكِ يختزنُ أحلامَ الطيران،

لكنَّ قدميكِ مغروستانِ في رمادِ المسافات،

وكأنَّ الأرضَ تشدُّكِ إليها

كما يشدُّ الحنينُ قلبًا متعبًا.

أيتها العصفورة،

لماذا تقتاتُ الوحدةَ، وتحملينَ في عينيكِ

حزنَ العابرينَ بلا مأوى؟ أما آنَ لقلبِكِ أن يجرِّبَ الدفءَ

خارجَ حدودِ العزلة!

افتحي جناحيكِ، فالعالمُ ليسَ قفصًا، والريحُ ليست عدوًّا،

هي فقطُ تنتظرُ من يفهمُ لغتَها، من يُلقي بجسدهِ إلى الهواءِ

دونَ أن يخشى السقوط.

أيتها العصفورة،

إذا ما نادتكِ السماءُ

فلا تلتفتي إلى الوراءِ، لا تسألي عن أرضٍ

لم تمنحكِ إلا الخوف، ولا عن غصنٍ كانَ يومًا مأوى

ثم صارَ قيدًا شفافًا لا يُرى.. ولا يُكسر! حلّقي…

فالأجنحةُ لا تصلحُ للانتظار.

***

هند حاتم

 

صافلو...

طيفي المجازي

بعيونه لا زوردية،

كان سيد الضوء،

كان يخبرني عن مولد القِبلات

و عن رتبتي

في صفوف الباحثين

عن شهيق البسملات.

كنت قِبلة خرساء

في غيب العبث،

وكان صافلو...حصتي من عزلتي

بوصلةً في دمي،

يربي الشموس حينا،

وحينا يطهرني

من وشايات العراء،

لحظات أخيرة،

تأمل في صمت الفراغ،

في نبؤة دمائي النافذة،

وفي تفاصيل الرحيل .

اختفى صافلو،

منذ ذاك الوقت...

صارت الكنايات حزينة،

دمياتي الطينية أيضا صارت حزينة،

لا شيء يسمعني،

غرق...أشلاء،

ليل ممدد،

ووجوه تتوارى في نزيف الصدى.

مكتظة أنا بالذكريات،

وقلبي شيخ

في رحلته الأخيرة،

أنا وصافلو

تشاركنا نفس العزف،

نفس الشامة الملونة

وحتى نفس الأنفاس.

صافلو...

أقام معي في بيت الريح،

اختصرني في كفه الكبيرة،

وكنت ألمع حذاءه الأبيض

كلما هبت الكلمات من غد،

لم يعد صافلو يصلي صلوات الندى

على خدي المتورمة،

لم يعد يهش على أسراب النحل

كلما تلعثم الصلصال في وجعي،

صافلو...كان نبضي الآخر،

كان نبتة وقتي.

قبل زمن عاهدني

ان لا يغادر تلك النافذة المهترئة

قال لي يومها...

يا شقيقة الغيم

أينهض هذا التراب من سكرته!

ويعود الطواف لأركان المصادفة،

قلت...ما أدراني

إذا ما صمتت القديسة عن الغناء،

وفتن الوتر والقمر .

مات صافلو...

اغتالوه بداخلي

مازالت دماءه على وجهي

على جبهتي

وخصلات شعري

وعلى نرد القصائد.

هكذا ...

أنا ...وصافلو إلتقينا ذات صباح

على كف وحجر،

ومسك شهادة،

يزفنا في ساحات النصر.

***

وفاء اجليد

 

يَنحرُ القرابينَ

يَسِفكُ الدمَ

يَحرقُ البخورَ

يَمسحُ الصنمَ

يَسجدُ..  يَبتهلُ

**

شاعرُ القصرِ

فارسُ القوافي

لا يُشقَ له غبَار

في حلبة الشعراء

**

شاعرُ القصرِ

مُهرِجُ الملكِ

طبالٌ في الجوقةِ

يُقبِلُ يدَ سيدهِ

لا يَرفع أبداً عينيهِ

لنصفِ قامتهِ

يَنظرُ اليهِ

مِن تحتِ حزامهِ

لأسفلِ قدميهِ

يَمسحُ نظراتهِ

بسوادِ نعليهِ

فيرى فيهما صورتَه

مقلوبة شوهاء

**

يومٌ سيأتي

لا يتوقعهُ

كالصدمةِ

يصبحُ فيهِ

مخصي َ الصوتِ

بين حريمِ

السلطانِ

***

صالح البياتي

لا زلت أتقن فنون الصمت

حتى الوجع المفرط

وبحة صوت

*

أمثلُ دور التوراي

خلف خطوط الورع

واشحذ نصل خاصرتي

بصبر قديس

*

نحن الموبوئون بحب الأرض

ما أكثرنا عند الهتاف للوطن

وما أسوءنا ونحن نتنكر

لرعاف دمائنا على خطا الثائرين

*

اتقبلنا يا الله

ونحن المتواطئين مع كل فكرة

لذبح نبي

او ذم ولي

*

نحن الجياع

ما اكثر الجياع والرعاع

على خارطة الوطن

أترانا نحترف بيع موانئه

لترسو بيها يخوت الدعارة

*

ام لازلنا نيام نغفو على بركة دم

ونشحذ نصل اوجاعنا

بإرادة لاتلين .

***

كامل فرحان حسوني..العراق

 

قصص قصيرة

1ـ شهرزاد تحكي

نضب معين الحكاية يا مولاي وجف مني الخيال..

قالت شهرزاد..

وما العمل إذن؟

رد بغضب شهريار..

تحرك في ركنه البارد «مسرور» الذي أكلته الشيخوخة وصدئ سيفه. نظر بعينين دامعتين من الرمد، وقال بصوت مبحوح ممزوج برعشة واضحة:

رأس من هذه المرة يا مولاي؟

ابتسم شهريار حين سحبت شهرزاد نسخة من كتاب «ألف ليلة وليلة» من تحت وسادتها وشرعت تحكي حكاية الليلة الأولى بعد الألف وواحد..

بلغني أيها الأمير السعيد ...

**

2 ـ الباب الكبير

كان الباب الكبير مواربا..

كنت أتلذذ وأنا أسمع صريره كلما انفتح أو انغلق..

كنت أعلم، ولست الوحيد في القرية، أن هذا الصرير يعني أنها دخلت البيت الكبير أو خرجت منه..

صريره اللذيذ يجبرني على الالتفات.. أقصد يجبرنا على الالتفات..

هي تتلذذ بتعذيبنا بصرير الباب الكبير انفتاحا وانغلاقا..

ونحن نتعذب لأننا كُثر ننتظر مرورها كالحلم الهادئ..

كنت أتجنب تجمعاتهم.. وأكتفي بالاستماع إلى الصرير وأتخيلها بين ذراعي أخيط على مقاسنا، هي وأنا، حلما يجمعنا بعيدا عن الأنظار..

**

3 ـ سأخرج إلى الشوارع عاريا

«سأخرج إلى الشوارع عاريا.. سأتبول في الطرقات.. سأترك شعر جسمي ينمو ويكبر»

أفرغ ما تبقى من كأسه في جوفه دفعة واحدة ومسح القاعة بعينين حمراوين ناعستين..

بالكاد وقف مسنودا على طاولة، نظر إلى العيون التي ترمقه ذاهلة متسائلة بفضول..

«نعم سأخرج إلى الشوارع عاريا.. سأتبول في طرقاتكم سأعلق على صدري كل التمائم.. سأكفر بالحب والصداقة.. سأكفر بالإنسان»

ضحك حتى سقط أرضا..

حمله زبانية الحانة ورموه خارجا..

الوقت ليل يزيد عن منتصفه.. أحسَّ بنسمة برد تداعب جسمه المنهك والمخمور، فتح عينين ثقيلتين ورأى الناس عرايا يتبولون في الطرقات والشوارع وقد نما على أجسادهم شعر كثيف،

بعضهم يحمل قرونا والبعض الآخر تدلت ألسنتهم يلهثون كأنهم لتوهم قطعوا مسافة كبيرة عدوا، وآخرون يعوون ويصيحون بأصوات منكرة مخيفة يخدشون الأبواب والحيطان بأظافرهم.

تملكه الخوف من هول ما رأى، تحسس جسمه فتأكد أنه بكامل ملابسه، عاد إلى الحانة وطلب فنجان قهوة مُرة لعله يستفيق من كابوسه.

**

4 ـ الغراب

لم يصدقه أحد رغم أنه أقسم بأغلظ الأيمان أنه رآه، كما وصفته الكتب المقدسة.

اتهموه بالخرف والجنون والخروج عن الدين.

أقْسم أنه رآه في الحلم في اليقظة، لا يهم، رآه ويقسم على ذلك، أسود كالليل المظلم لا نجم في سمائه، ينبش القبر القديم، يُخرج رفات القتيل.

نفس الغراب، وقف أمام رفات الرجل المؤمن الهادئ، بمنقاره جمع العظام، وقف حائرا لأنه لم يجد عظام اليد.

***

عبد الهادي عبد المطلب - المغرب

الدار البيضاء في 01 غشت/أغسطس 2025

........................

⃰  من المجموعة القصصية. مذكرات جسد آيل للسقوط. عبد الهادي عبد المطلب. الناشر سوماكرام 2016

 

عَصِيّةٌ، على الترجُّلِ عن ظلها،

على الانحناءِ لفكرةٍ مشروخةٍ تُعيدُ تدويرَ النخاسة بلغةٍ حداثيّة،

على القوالبِ التي تنحتُ النسوةَ من طينِ الطاعة،

والتكيّفِ مع سقفٍ مُنخفضٍ للحلم .

على السيرِ في مواكبِ التصفيقِ

لأصنامٍ تُطْعِمُ الفقراءَ بالوهمِ وتغسلُ يدَيْها بالمسكِ المُهرّبِ من دمهم.

*

عصيّة،

على البكاءِ أمامَ جمهورٍ يطلبُ الدمع كمشهد ترفيهي،

على الصمتِ حينَ يُغتَصَبُ المعنى، وتُغتالُ النبوءاتُ في مهدِ حروفِها،

على أن تكون مجازًا حينَ يُطلَبُ منها أن تفررِغَ ذاتها في استعارةٍ عقيمة.

*

عَصِيّةٌ،

على قَولِ ما لا تؤمنُ به،

على كتابةِ قصيدةٍ تبرّرُ نُدوبَ التاريخِ أو تُعقّمُ الذاكرة،

وعلى تلميعِ الظلالِ المُتَعبةِ بطلاءِ النسيان.

*

عَصِيّةٌ،

كحرفٍ نافرٍ في قصيدةٍ مَرَجِيّة،

كأنثى ترفضُ أن تكونَ فاصلةً في جملةٍ ذكوريّة،

كنخلةٍ تنبتُ في أرضٍ مالحةٍ وتُصِرّ أن تثمر.

على مصافحةِ الوقتِ الذي يَسلُبُها اسمها

ويُهدي إليّها رقمًا في ملفِّ الإحصاء.

*

عَصِيّةٌ،

وتملكُ شجاعةَ النهوض كلّما ماتت قليلاً،

وتكتب ذاتها، كما تريد،

بلا وصاية،

بلا مُلقِّن،

بلا عذرٍ يجعلُ من الخنوعِ سردًا مقبولاً.

***

مجيدة محمدي

 

مَنْ يَمْنَعُني

أنْ أخطفَ مِنْ عَينيكِ النَّظْرَةْ

أن تُبْحِرَ في عينيكِ

زُرْقة بحري

فَتَلْمَعُ شُهْرَةْ.

أنْ أمتصَّ رحيقَ الزهرةِ

من شفتيكِ

وأصْنَعُ خَمْرَةْ.

أن أغسِلَ وجهَ العَالَمِ

بين يَديكِ

بِسَبْعِ لُغاتٍ

قبل صباحِ الفيس

وبعد مساءِ الواتس

وأقبلُ عُذْرَه !

*

إنِّيْ أَزْرَعُ في رِئتيكِ هَوَايَ

كي يَتَنَفَّسَ

صُبْح الآتي إلى دُنياهُ

حياةً أنقى...

حيث اللابارودَ...

ولا أشلاءَ على الطُرُقَاتِ

ولا نَعَرَاتٍ تُوْرِدنا

في أسوأِ بُوْرَةْ!

فأزيحي وشاحكِ وانْتَصِري

لا تنتظري

فالدربُ إلى الأسمى

صَخْرَةْ !

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

من عتمةٍ تشبه قبر الأيام، أخرجُ إلى عالمٍ فسيح... أتلّمس وجعي، وأحاول أن أفرد على قلبي غيمة ماطرة، أمسّد أجنحة أحلامي وشغفي، وأحلّق في فضاء المنافي- ربما - لأنسى العناء الأول.

شهران ونصف الشهر تقريبًا، كانت فترة بقائي في المخيم المخصص لمقدمّي اللجوء.

جنسيات مُختلفة، معظمها من دول أفريقيا، ونسبة غير قليلة من سوريا والعراق واليمن وروسيا وباكستان وإيران، وربما هناك من بلدان أخرى، لكن هؤلاء ممن كانوا يقطنون ذات المبنى الذي أنا فيه.

جميعنا نعيشُ في شققٍ مشتركة، بعضها مقسّم للعائلات، والبعض الآخر للعازبات والعزّاب، تحيط بها أسيجة مُشيدة من الخرسانة، وتعلوها الأسلاك...

هل أنا أمام فرحة صعبة لا تثمر في المواسم؟

هكذا خُيّل إليّ عندما رأيت عدد اللاجئين في هذا المخيم الكبير.

الآن أنا قِبالة مصير مجهول، أتفحّص ملامح مستقبل لا يُرى.

شقّتنا تتكون من ثلاث غرف وصالة صغيرة ومطبخ وحمّام، تسكن في كل غرفة فتاتين، أو سيدة وأطفالها.

تشاركت الغرفة مع امرأة عراقية من بغداد تُدعى "بلقيس"، أما الغرفتان الباقيتان، واحدة كانت تشغلها سيدة إيرانية مع ابنتها الصغيرة، والأخرى فتاتين:" جالا الإيرانية"، و"رشيدة المغربية".

توطدّتْ علاقتي مع السيدة "بلقيس"، بحكم أنها معي في نفس الغرفة، امرأة جميلة، حنونة، تتندّر وتضحك كثيرًا، تراعي أوقات نومي، لا تدعني أفعل شيئًا:

ـ عيني... أنتِ رقيقة وناعمة، ما تتحملين، أنا معتادة على حياة المخيمات، ( ثم همستْ ):

قبل أن أجيء هنا كنتُ في أتعس مخيمات اليونان.

ـ ولماذا لم تبقي هناك؟

ـ اليونان لا تمنح إعانات جيدة، وفرص العمل المعتبرة للاجئين، تكاد تنعدم.

ـ في كل الأحوال أعتقد أن اللاجئ يتخذ من اليونان ممر للعبور؛ لينطلق منها إلى باقي دول الاتحاد الأوربي.

ـ بالضبط، ودائماً ممرات العبور غير آمنة!

في الشقة التي تقابلنا، كانت تسكن مجموعة من الفتيات السوريات؛

"هيا " الجميلة، فتاة سورية مسيحية، في غاية الأدب، أغلب أحاديثها عن كلبهم " توبي" الذي تركته مع أمها وأخيها هناك، و"لمى" الرقيقة، من أكراد سوريا، فتاة مثقفة، ناضجة، هادئة، قليلة الاختلاط والحديث، و"عوفة" البيضاء الفاتنة الناعمة، ودودة وحنونة جدًا.

عندما نجتمع ونتحدث، أكاد أشمّ رائحة المتفجرات المفخّخة، أو قصف القنابل الطائشة، أو الرصاص الأرعن في يوميات الحرب ذات الظل النزق، ذلك الظل الذي بسببه صرنا هنا تحت خيم المنافي.

أما الشقة التي تقع تحت شقتنا في الطابق الأول، فكانت تقطنها فتاتان من السودان، وسيدة من إرتيريا مع ابنتها الصغيرة، والغرفة الثالثة فتاتان من جيبوتي وأثيوبيا.

"ريحانة" ابنة السيدة "حياة" الإرتيرية، طفلة لطيفة جدًا، محبوبة جدًا، كانت تضحك جميع أساريرها عندما تشاهدني وأنا أنزل السلّم، فأحضنها وأقبّلها، ثم أمضي.

"حياة" سيدة إرتيرية من قبيلة تُسمّى "تغري"، لديها موروث شعبي، وحكايات الحروب الأسطورية والأحاجي، أحبّ حديثها.

كانت تعيش على هامش الحياة، في بلد لا تجد فيه وسيلة للرزق، فتبدو الدنيا أقرب لكابوس، أو ربما أقرب لنوع من الموت الذي يبدو كالحياة في مفارقة مدهشة، الموت الذي خطف زوجها من على أحد قوارب العبور إلى أوروبا، ليدفن في مقبرةِ أعماق البحر.

تنقلت من بيت الى بيت، ومن نزوح الى آخرٍ، حتى استقر بها الحال مع أبنتيها في تجمّع للنازحين بالقرب من الحدود السودانية.

ففقدت أبنتها الكبرى بسبب حمّى شديدة أصابتها.

عندما تتذكرها تبكي بحرقة:

ـ ليت الحمّى عرفت طريقها إليّ وتركت ملاكي بسلام.

أبكي معها...وأركض صوب النجاة، وأنا متسمّرة في مكاني.

أبحثُ عن جنّة الخيال؛

لعلّي أجد سماء أوسع من جلابيب السواد التي تغطي أجساد الأرامل.

تتحدثُ "حياة" عن بلدتها الفقيرة، وسحر "نهر القاش" الغنّي بالأسماك، فيغمرني توق لصفاء شطنّا القديم.

تناديني: "ميدي" فأقول لها:

ـ ميّادة يا حياة، اسمي ميّااادة

فتضحك.. وتقول بلهجتها: ميدي سهل وسِمح.

تضحك، ونضحك، ويضحكون...

الجميع هنا يضحكون، لكننا ما زلنا نتلّمس خطواتنا وسط دروب الخوف والقلق والترّقب، لم تنته الحروب بالنسبة إلينا، لم يُقتل الفقر، لم يُفنى القمع، لم تتوقف قوافل التهجير والموت؛

إذن أيام السلام والفرح لم تبدأ بعد، غير أننا ننتظر! وكأنّ أجنّة الحياة تجمّدت داخل الأرحام تخشى صرخة الولادة.

أخبرتني "بلقيس" أن عيد ميلاد "ريحانة" اقترب، وتودّ أن تفاجأ أمها في عمل حفلة تجمعنا، لتفرح الصغيرة.

اجتمعنا في شقّة حياة؛ وتقريبًا كل مجموعة تشاركت في صنع طبخة لذيذة، الفتيات السوريات صنعن صحن التبولة وصينية الكبة المشوية، البنت السودانية صنعت صحن العصيدة اللذيذ، وبلقيس طبخت أجمل دولمة، أما جالا ورشيدة فخبزن الكيك، وصنعن الحلويات.

وبدلاً من أن نكون نحن صاحبات المبادرة والمفاجأة، باغتتنا حياة الرائعة بإعداد ألذّ وأجمل الأطباق الإرتيرية، والتي أتذوقها للمرة الأولى...

أشارت إلى صحن كبير، وقالت:

ـ هذا نسمّيه أرز الجولاف، ويُعدّ من أشهر الأكلات في إرتيريا، حيث يتكوّن من الأرز، وقلب البندورة، والفلفل الأحمر، الملح، والبصل.

وذاك صحن الدودو، ويتكوّن هذا الطّبق من الموز بشكل رئيس، مع طبق متوسط من شقف اللحم...

كانت ريحانة فرحة جدًا، قضينا أمسية لن تُنسى، غنينا ورقصنا، وتندّرنا.

وهكذا مضت فترة بقاءنا المؤقت في هذا المخيّم.

وبعد أن أتممنا كافة الإجراءات، من فحوصات طبية، ومقابلات قانونية؛ لمعرفة سبب لجوؤنا هنا، تم فرزنا وتوزيعنا على مناطق ومدن مختلفة، فتفرّقنّا...

نعم تفرقنا وكأننا وريقات زهرة عبثت بها الريح، فرفعت كل وريقة إلى مكان مختلف.

يبدو كُتب علينا هذا الشتات والتنّقل، فقد انسجمتُ مع جميع الفتيات، اعتدنا على بعض، نساعد بعض، نخّفف عن بعض، نواسي بعض، وأكون مطمئنة جدًا، وأنا أثرثر بأسراري لجارتي الأرتيرية الغريبة، لأني متأكدّة أنها لم تعرف النميمة.

وكان نصيبي مدينة صغيرة في ذات المقاطعة، حيث تبعد عن مكان المخيم ما يقارب الستين كيلومتر.

هنا في هذا المبنى والذي يطلقون عليه مسمّى (الهايم)، وهو بمثابة سكن الإقامة الدائم، أتقاسم غرفة كبيرة بملحقاتها، وذات شرفة تطلّ على الفناء الخلفي للمبنى مع فتاة أخرى من الطائفة الإيزيدية.

وهي ديانة كردية بامتياز حسب ما ذهبت إليه غالبية آراء المؤرخين، وبكل الأحوال هذا الأمر لا يهمنّي كثيرًا بقدر ما يهمنّي عدم تعصبّها، أو تدّخلها في ديانتي وخصوصيتي... هذا ما كنتُ أتمناه.

ولأنها لا تتواجد دائمًا؛ فأشعر أن مَنْ يقاسمني السكن بشكلٍ يومي وحقيقي، هو الشبّاك والجداران المتقابلان!

"ناريمان" أو نارو.. كما تُحب أن أناديها، فتاة جميلة، قلت لها ما معنى اسمك؟

ـ الفتاة الجميلة، ونارو يعني الوردة.

قلتُ لها:

ـ وأنتِ فعلا مثل الوردة.

كنتُ ألاحظها كل يوم ثلاثاء وخميس تجلس عند الشباك، وتأخذ بيدها شمعة، وتبدأ بالدعاء: "يا مالك فخرديين هاوارمه تو"

سألتها بتودد عما تتمتم به، قالت هذا دعاء للشفاء.

طلبتُ منها أن تحدثني قليلًا عنهم، لأنني لا أملك معلومات كافية، نظرتْ إليّ وابتسمت، ثم قالت:

ـ باختصار نحن أقلّية لدينا طقوس مشتقة من دينكم، مثل الصوم والصلاة والحج، غير أنها تختلف في مضمونها، بمعنى قبلتنا ليست الكعبة وإنما الشمس، ونحجّ إلى وادي "لالش " شمال غرب الموصل على الأقل مرّة واحدة خلال حياتنا، ونبقى هناك سبعة أيام، ولدينا كتابان مقدّسان، هما "مصحف رش"، وكتاب "الجلوة"..

أما أعيادنا فمختلفة بالطبع عن أعيادكم، عندنا مثلًا عيد الأضحى اليزيدي، وعيد رأس السنة الجديدة، عيد السبعة أيام في سبتمبر، عيد الجمعة الأولى من ديسمبر ويأتي بعد صوم ثلاثة أيام متتالية.

ضحكت، وقلتُ لها: في زمن الفتنة يا عزيزتي وهذا الدمار، صرنا نبحث عن أي عيد أو مناسبة لنبتهج.

ـ صدقتِ، ستعود الأمور إلى طبيعتها، لابد من ذلك.

ـ نأمل هذا، ولو أنني أراه بعيداً!  وهل تعيشون في الشمال فقط؟

ـ نعم، في منطقتين من شمالي العراق، أحداهما مدينة "شيخان" شمال الموصل، والثانية في "سنجار".

ثم تنهدتْ وقالتْ: آه سنجار... سنجاري... التي صارت فيها مجازر لبنات طائفتنا.

شعرتُ بحزنٍ كبير، لأنني تذكرت ما فعلته منظمة "داعش" الإرهابية بتلك الفتيات.

وندمتُ لتذكيرها بالمآسي والأحزان، فأحببت أن ألّطف الجو:

ـ يقولون لا تأكلون بعض الخضروات.

ـ نعم بعضها.

ثم صمتت وتعمقت في التركيز إلى الفضاء خارج المكان، وكأنها تسترجع البعيد.

قلتُ مع نفسي، لابد أن أصمت أنا أيضًا، فيبدو أنها لا تحب أن تتحدث أكثر.

ثم نهضتُ وحضّرت كوبين من الشاي الأخضر...

بمرور الأيام أصبحنا قريبتين من بعض أكثر، صرنا نخرج للتسوق سويا، أو للتنزه، ونشاهد بعض البرامج معًا، نواسي بعضنا أيضًا.

ذات ليلة سمعنا صراخًا، نصحتني ألا أفتح الباب، أو أخرج وأرى ما يحدث، أو أتدّخل:

ـ لا تفعلي هذا أبدًا، سواء بقيتِ هنا، أو انتقلتِ لمكانٍ آخر.

قلتُ بدهشة: عجيب! لماذا؟

ـ طبيعي جدًا هذه الأمور تحدث بين أفراد العائلة هنا، أو بين شخص وآخر، والتدخل قد يجعلكِ متهمة بشيء لمَ تفعليه، ثم هذا الصراخ ستسمعينه كثيرًا.

ـ كيف؟

ـ الغرب وما يدّعون به من إنسانية، عبارة عن فقّاعة كبيرة، المنتصر من خرج من تلك الفقاعة وهو سليم العقل والنفس.

يا عزيزتي قبل فترة جاءت الشرطة المجتمعية، وأخذت ابنة هذه العائلة بحجّة أنّ الوالدّين غير منسجمين، وقد أصاب الأم ما أصابها من هلع وحزن، وهذا حالها منذ ذلك اليوم.

هل رأيتِ الانسانية العالية هنا كيف يفرّقون بين أفراد العائلة الواحدة؟

البنت عند عائلة أجنبية، والولد دعيه يعيش كامل حريته من دون أن تتدخلي، وبعض النساء انفلتن إلى أبعد الحدود، حدود صادمة لنا نحن في الشرق...وهكذا.

ـ النساء؟ قلت باستغراب واستفهام، ثم أردفتُ:

وماذا تريد المرأة أكثر من وجود زوج يحميها؟ أنيس يبدد عنها برد الغربة والابتعاد عن الأهل والوطن؟ خاصة ونحن في بلاد غير بلادنا.

ـ أووه، ماذا تقولين! نساء كثيرات غدرن بأزواجهن بعد لمّ الشمل والقدوم إلى أوروبا، حقيرات، والله أمر الترحيل قليل بحقهن.

هيا... هيا لنخلد إلى النوم أفضل، ستعيشين هنا وترين العجب العجاب.

أويت إلى فراشي والنعاس قد غادرني، أتقلّب،

أفكّر،

أنهض ثم أعود،

بينما نارو غرقت في النوم...

نارو كانت مخطوبة لشاب مدمن مخدرات، ولم تكتشف إدمانه إلاّ في فترة الخطوبة، كان يعاملها بسوء، يضربها بسبب غيرته عليها وشكّه الدائم وحبّه لأن يتحكم بحياتها.

في أثناء فترة سيطرة "داعش" على المنطقة، استطاعت عائلة نارو الفرار إلى ألمانيا، تاركة إياها مع أثنين من أخوتها في سنجار، وبعد فترة من الزمن تمكنت نارو وأخوتها الهروب والسفر إلى إيطاليا، فألمانيا.

ثم لحقها خطيبها.

ازدادت المشاكل بينهما ولم تتحمل تصرفاته، فتم الانفصال بشكل رسمي، ومع انتهاء العلاقة؛ انتحر خطيبها، لتبدأ مرحلة عداء بين العائلتين.

عندما تكون معي نارو، لا أشعر بوحدة كبيرة، فهي طفلة كبيرة:

ترقص.

تغني.

تجلس وتضع الميكاب من دون أية مناسبة.

تحب شرب الشاي بشكل مفرط!

لكن عندما تسافر إلى المدينة التي يقطنها والداها وأخوتها، أشعر بفراغ كبير.

وحشة...وحدة... غربة بكل صورها.

تداهمني تقريبًا كل ليلة حمّى الحنين وحُرقة الحُزن والحب الشديد لدياري، اشتاق حدّ الهذيان لنفسي التي تركتها عند عتبات آخر محطة، قبل أن تطأ قدمي قارة أوروبا.

لكني كنتُ أواسي روحي بغدٍ مأمول.

سألتني نارو ذات نهار :

ـ هل لديكِ زوج أو حبيب؟

اختنقت... طَفرتْ دمعة من عيني عنوة، وقلت لها:

ـ كان.

فلم أجرؤ أن أقول لها الحقيقة.

ـ يعني تم الانفصال، أم مات؟

ـ لا هذا ولا ذاك!

ـ هل هذه حزّورة؟ كيف لا هذا ولا ذاك؟ أين هو الآن؟

ـ نارو..إذا لا يوجد في قلب المقابل أي فراغ، فكيف سنشغل حيزًا فيه؟

ـ يعني مازال موجودًا في الحياة.

ـ نعم موجود... إلا أنه بعيد، بعيد جدًا.

هل تعلمين؟ اكتشفت حقيقة جميعنا غافلون عنها، لو ندركها لسارت حياتنا بشكل جيد، وربما من دون ألم كثير، هي أننا لا نشكّل الأهمية التي نعتقدها عند أحد، إن لم تربطنا به رابطة رسمية، أو رابطة قرابة ودم، وحتى هذه أصبحت لا تشكّل أهمية عند بعضهم أمام مغريات الدنيا.

كنّا جالستّين في الشرفة المطّلة على الساحة الخلفية للسكن، الطقس بارد وتتساقط بعض الصفائح الرقيقة جدًا من الثلج وكأنها قطع من القطن الأبيض الخفيف.

قالت نارو: سأذهب لإعداد كوبين من الكاكاو، الأجواء تساعد على التمتع بشرب السوائل الدافئة.

ـ ممتاز، واجلبي مع الكاكاو قطعة الكيك التي صَنعتها جارتنا أم إرسلان

بقيت أنظر لهذا الثلج المتساقط، وفي روحي جمرة موقدة لن يطفئها أي جليد.

بدأتْ تتقافز أمام شاشة عيني كل الذكريات... الأحاديث... الوعود... الأحلام التي رسمناها معًا ذات صِبا... الغد الباسم الذي كان يحدّثني عنه...

لا أدري كيف تغير كل شيء؟

الحرب؟

التقاليد؟

خطأ وخطيئة مَنْ؟

افترقنا ولم نفترق... فقلبي مازال وديعة عنده.

شعرتُ أنّ هذه الدنيا سجن كبير، بلا قضبان ولا أسقف، " مستعمرة عقابية" ندخلها وكلٌ منّا يدفع ضريبة وجوده من دمه وتعبه وعمره وراحته وطموحه.

خيرنا مَنْ يبتعد عن شرورها، وأقصد هنا يبتعد عن أصحاب القلوب القاسية، الوجوه المتعددة، الكاذبين، المتلونين، المتصنعين، المتملقين، المستشرفين، الخاوين...

في هذه المستعمرة اتخاذ العزلة صفيّا... أسلم من اتخاذ الوهم صاحبا.

ـ وهذا الكاكاو الساخن لأجمل ميّادة.

ـ حبيبتي نارو، شكرًا.

ـ أكيد سرحتِ بأفكاركِ بعيدًا مع هذه الأجواء.

ـ نعم أكيد.

ـ كوني متفائلة، أغلقي نافذة الماضي، غدًا سيصبح لكِ هنا وطن ومستقر وحياة وعمل.

ـ وطن!

الوطن بالنسبة لي رجل صادق يحتويني، حبيب احتّلُ مشاعره وأجوبُ جهاته الأربع من دون شريك، أطير في سماء حياته من دون خوف، رفيق يقودني من يد قلبي لنعبر ممرّات الجليد والنار سويًا، حتى نصل أقصى الشوق.

ـ مخطئة جدًا... الوطن بقعة أرض توفر لنا الأمان والانسانية، والباقي نحن نحققه بإرادتنا، على أي أساس أرهن حياتي على وجود رجل؟ مخطئة يا ميّادة، قال الوطن رجل!

حبيبتي، أيُة دقيقة تمضي لن تعود مهما فعلنا، قطار العمر لن يتوقف إلاّ بمحطّة واحدة في نهاية الرحلة، لذا لا تنتظري شخصًا غائبا في الصعود معكِ ومرافقتكِ برحلة العمر هذه.

يبدو لي أن كلام نارو منطقي جداً، فلم يكن الحبيب الذي انتظرته سوى طيف، مرّ عابرًا ذات حلم، ولم أجد سوى وحشتي في هذه الدنيا.

أحسّ أنَّ كُل منافي أوروبا الآن، تهمس في إذني بصوت شجرة صنوبر واحدة:

الجذور القوية تتمسك بالأرض، لن تقتلعها الرياح؛

غير أني مرغمة تركتُ جذوري هناك، فهل ستقتلعني عواصف المنافي؟

تركتُ ورائي كل شيء.. وهو أمامي كل شيء...

هذه الليلة كان الجو باردًا جدًا، وسبقتها ليلة أَمطَرت السَّمَاءُ وابلاً من بلورات الثلج، وكأنها تساقطت من عين الله، جمعتها في كفّ يدي، وتوضأت بها، ليغادرني حبه، وطيفه، وكأنهما خطيئتي الكبرى التي سأتوب عن ارتكابها مرة أخرى.

اتجهتُ للركن الذي اعتدتُ الصلاة فيه، وسلّمتُ أمري للذي فطر السموات والأرض، وبين السجدتين نادتْ جوارحي أجمعها:

اللهم قرّ عيني بلقياه.

***

ذكرى لعيبي - ألمانيا ـ شتاء ٢٠٢٢

مجموعة/ عواطف على لائحة الاغتراب

 

آآآه يا سليل الوجع، ومهد الجذور، ليت يتسع قلبك لنبض تفقدي، كي تسمع ملأ تصدعي القابع في مرآة نسيانك، لـــو تسترق ومضة أصغاء لا تعشوه غطرسة عقل باستحواذ أبكم، لنتذوق نكهة الوعي من كأس وجدانِ، عفوا يا جذع النسب بتوأم أنفاسك، عفوا ياسيف اقتناصي على ربوة ملاذاتك، لِمَ تقضم براااءة براعمي بأنياب الصمم!، تسفك رحيق آهاتي قرابين منفى!!، متناسيا حتمي بنات جيناتك؟، تتكسر ربيع أغصاني بعواصف خذلان!!، تقطف شذا وجودي نزاع تمرد، قبل أن ينبس لسان تلعثمي استعباد جهالة!، تخنق بتلات برائتي فأغدو أشجار أنين ذاوية!، حتـــى تتساقط أوراق حتفيّ من زُغب الذاكرة، أنسابُ عشتار خطايا من صُلب مساماتك!، وعلى حين ذهولٍ تدوف عجينة عمري عرائس غفلة، بيد غريزة ضيزى، تُهدى لمن تشاء زنابق صبا، بخس بضاعة بعقد بياض فاحم، تُبيح ديباج روحي سبية مشاعر!!، تبيع حياء صمتي بما ارتأيت من رياش طفولة غضة، أي تهمة تغزو دمية أحلامي صفقة ضلال!، لو تسأل عن شهقاتٍ باكية!!، أي هشاشة عذرتسلب أنفاس براءة شهادة تبعُل غصات ثكلى، تطوي كل ترافة أيامي في قارورة عتمة، كي تخنق أسمي المحظور بعيدا عن أجيال ظلالك!!، متى تنفض غبار التوجس ويَغلبُك العتب، ألا تعلم هوية الجلاد نعيق غاصب؟، فكيف لبراءة غيمة تنجب صهيل المطر بقحط برق من بُخل رعد قاحل، أرضي جدبة الفرح، تنبت ثمار حزني في حقول أنسابك، طالما مؤودة العمر في غمرات أحداقك، أنا ضراوة يُتم آجل.. عاجل، أنا لقيطة ملاذ مستترفي عباءة السلع، أنسية لم يعطرها نثيث العشق يوما منذ خفقات الطلق، أنا القاصر لست زلة مطر، بل من فرط الضياء مزن سماء، لو تتمهل لأنهل من منحل نضوجي، أنا القاصر بما أطعت رهينة.

***

إنعام كمونة

  2/8/2025

 

(مجموعةُ نصوص وومضات أدبيّة)

-نومُ العَوافي هبّهَا يَا رّبَّي!.

وَشارعكِ وحدي أمشيه ليلاُ في غُربتي

أدسُّ يدي في جيبيَّ وأمضي سائرًا...

ومَا المُضيّ؟ سوى خطوةٍ!

فأنَا كُلِّمَا تسكعتُ بِي إليكِ واستنشقتُ هواء درُبُونتكِ...

أتطلعُ  تَارةً إلى مَظانكِ..واستودعكِ أحلامي..

وتَارةً أُخرى إلى السّماءِ بِالدعاءِ :

هبّها يَا رّبّي نوم الهنا والعوافي!.

**

لعلَّ جمرة فيها تعيد الوجِد إليها..

لو نفحتُ في نارِها لانارت…

لكنّني سأنفخُ فِيمَا تبقى مِن رمادِها...

فلّعلَّ جمرة فيها تُشعِّلُ حطبها

وتعيد الوجِد إليها!

عساها تَتسخَى عليَّ

فتعيدُ تَسخِين دلّة قهوتها

فتقرأ لي فنجان حظها

وتفصح ليَّ عمّا مكنونٌ في داخلها.

وبهذا أكونَ قد أخذتُ بيدها

وأغدو دالّتها على ضالتِها.

**

بلادي وبوصلةُ شَعرها

أما زلتِ تُسرّحينَ شَعركِ

على صخرةٍ قبالة أمواج الشواطئِ؟َ

فقط دعيه حُرًّا.. طليقًا..

سَرحًا.. مُسدلاً على كتفيكِ..

عسى كُلّمَا حركتهُ الرّيح...

يكونَ دليلّيّ نحوكِ

فأعرفُ الدربَ إليْكِ!.

**

وفيَّ متسعٌ لِناركِ

يَا دجلة الفرات... أغيثيني مِنكِ

أنا يوسفُ إبن ذلكَ الرجل النبيل

أبي؛  الذي انتقل إلى الضّفةِ الأخرى مِنَ الحياةِ

في الثّمانيّةِ والأربعينَ شبابًا

ولمْ يعد حتّى الآن -عليه كُلّ المراحمِ-

ربّما طابت لهُ الحياةَ في دارِ البقاءِ مع الأبرارِ والصدّيقينَ.

وأمّي أمدَّ الله في عمرِها

رغم أنّها ارضعتني حليبّا بغداديًّا كثف الدّسامة

غيرَ أنّي لمْ أنجُ مِن هشاشةِ العظام في غربتي!.

فعلامَ كُلّمَا مشيتُ بِي إلَيْكِ مُتعبًا

وجدتُكِ معتصمةً بحبلِ الهودجِ الّذي يربطكِ بي…

ولماذا كلّما حذرتكِ مِني بِالقولِ احذريني …

تجيبني بحرفِ (الهاء) (ها ها..)

تنبيهًا أو أستفهامًا!

ولكن هذه المرّة سأنتصرُ لكِ وأتركني وديعةًعندكِ

عسى اللاّ تسيئينَ الظنَ بِي!.

فمن يدري عساكِ تكونينَ مُنصّرةً ليَّ

وتكونينَ لي وطنًا في منفًى!.

ولكن تذكّري في داخلي اغترابٌ يحترقُ

فيه متسعٌ لناركِ…

لعلّ حرائقكِ تشعُ أضواءها في ظلامي

وما الغريبُ في الأمرِ

أوَلستُ  المشتعلُ بكِ منذ أمدٍ!.

**

بعد أن همدَ لهيبُ النّيرانِ

ليلٌ موحشٌ والأجواءُ حولي مُملّة رتيّبةٌ بعض الشيءِ

والطّريقّ فارغّة إلّا مِنّي!

هُناكَ سألتُ نفسي:

أ أمضي في رحابِها أمْ لا؟

فجأةً.. وجدتُ ظلّاَ لكائنٍ آخر يتعقّبني

وتناءى إلى مسمعي صوتًا:

يَا صاح... يَا صاحَ...

كُلّمَا ناديتُ إيّاكَ أجدني أُناديني..

فمَا الأمرُ؟!.

مددتُ رأسي متلّفّتًا في الفضاءِ والعتمةِ

محاولاً الاصغاء واقتفاء أثر الصوتِ لعلّيَّ أعي مَا تبقى مِنْ صدى...

ومَا يترددُ مِنْ كلماتٍ.

وإذا بِها بنيرانٍ تُلقي نظرةً على رمادِهِا الأخير!.

**

أنَا والشّامُ قصّةُ حُبٍّ لم تكتملْ

مَا مِنْ مرَّةٍ جاءتني العواجل فِي التّلفاز عن الشّامِ

إلاّ واتضورُ ألمًا وأتسألُ:

عن حالِ جرمانا ...معرّة صيدنايا

باب توما... والقصاع ...مشروع دمر... وألخ.

فتسألني:

أينَ كاهنٌ عراقيٌّ كانَ يُصلي ويكتبُ هُنا. وتزيد:

مَا الذي فيَّ فيكَ مَا زالَ حيًّا فيكَ؟!.

**

مقطوعةٌ صوفيّةٌ

يَا رّبُّ...

وجئتُ أرنمُ لكَ

أَوَليسَ بعض الترنيم شعرًا؟!.

وقصدتُكَ مُصليًّا في ليلٍ أهيمٍ..

أوَليسَ بِالشِّعرِ يقولُ المرءُ ويُصلي  مَا يريد

وبلغةٍ معبّرةٍ ومختلفةٍ؟!.

**

حرير رموشكِ

في زُكامٍ صيفيٍّ ومغصِ أمعاءٍ

دعيني أدربُ العينَ..

كيفَ تغمضُ الأحداق عليكِ؟!.

وكيفَ أسنُّ مِن رموشكِ وأنسجُ

طورًا مشطًا... أُسرّحُ فيهِ شِعركِ

وطورًا آخر شال حريرٍ لكِ!.

**

مقطوعةٌ شِعريّةٌ/ دائمًا هُنالكَ شيءٌ جديدٌ

وأنَا أجوبُ بالقلمِ المدنَ الأمريكيّة في اغترابي

سأختارُ المرور بِهذا الشّارعِ العتيقِ البلاطِ والكتابة فيه!.

بِه مناظرٌ آخاذة منكِ وتآسرني!

أجل ساجلسُ في مقهًى  قبالته  وأكتبُ...

فأنَا كُلّمَا آتيه أو أزوخُ مِن مشاغلي في أزقةِ الغُربةِ

أجدُني أحتسيها في مقاهيها الأدبيّة وطبيعتها الخلاّبة

رشفةً... رشفةً.. تأمّلاً تأمّلاً...

أجلسُ قُبالة قلمي أتدارسُ أمرها..

ربّما لأنّها الظلُّ الآخر لكلمتي

أمْ لأنَّ كتاباتي مَقضْومة بِشفاهِها!.

**

وبقى عطرُ الهيل

لقد زاروا المكانَ الّذي أحبّهُ…

فكم مِنْ مَرَّةٍ وَمرّةٍ كنتُ ارتادهُ للكتابةِ والتّرويح عَنَ النّفسِ.

هُنالكَ استمعوا إلى موسيقى لطالما استمعتُ إليها بِصحبتهم…

وأحتسوا قهوةً عربية بالشّكرِ وفتحوا الفنجان في غيابي!

هذا مَا كانَ باديًّا للعيانِ فِيمَا راسلوني بِه كتابةً وصورًا.

لقد عادوا في الغروبِ إلى  ادراجِهم

وبقى عطرُ هيل قهوتهم في فمِ الصورِ!.

***

الأب يوسف جزراوي/ أمريكا

 

تعي موتي ولا تستلُّ سيفًا؟

ولا تُذكي هياجًا أو حَراكا؟!

*

ومِن طُرُقاتِ بيْتكَ مرَّ جُوعي

الذي يقْتاتُ يأسًا من ثَراكا

*

ومن يدري؟ أما كانَ انكفى لو

سمَحْتَ لهُ بشيءٍ من حَساكا؟!

*

ومُنشغلًا و مُنفعلًا أراكا

بما لمْ يُرْدِ في الدُّنيا عَداكا

*

ومُبتذلًا و مُنحنيًا ليصفوْ

زمانٌ مدّ إذ مدُّوا عِداكا

**

ومُغتربًا ومُتّبِعًا ليعفوْ

غروبٌ لا يرى خصمًا سِواكا

*

ومُشتغلًا ومُجتهدًا ليهدا

جليبٌ أمْنُهُ يعْني فَناكا

*

أيا ذاتَ الدّمِ الجاري بنَفْسي

مَن المجروحُ إذْ هدَروا دِماكا؟

*

أيا حدّ الرّجا من دونِ ربّي

مَن المرجوُّ إذ هدَموا رَجاكا

*

أيا باسًا به اسْتَقْوَتْ قُوايا

مَن الإعصارُ إذْ خارتْ قُواكا

*

أيا صوتًا به يعلو ندائي

مَن الرعّادُ إذ كتَموا نِداكا

*

أيا نورًا بهِ يُجْلى طريقي

مَن البرّاقُ إذ أخبَوا سَناكا

*

أخيْ في اللهِ و الإعْرابِ جُوعي

ترعْرَعَ في حِمى نهَمٍ دَهاكا

*

وغمّي أصلُهُ غمٌّ سَباكا

و موتي أصلُهُ موتٌ طَواكا

*

أخي في الأرضِ والتّاريخِ صوْتي

تخلّقَ في صدى صمتٍ عَلاكا

*

وسهْمي عُذْرُه سهمٌ رماكا

وردِّي أمْسهُ ردٌّ رَداكا

*

أخي صدّقتَ أنّي ما أرادوا

بجوعٍ عينُهُ تَرعىْ حَشاكا

*

أخي صدّقتَ أنّي ما أرادوا

بنارٍ دخْنُها يُخفي سَماكا؟!

*

وأنّ مدايَ ما يرجونَهُ في

رسومٍ عرضُها يُلغيْ مَداكا

*

وقد صدّقتَ أنّ دمي سيُغني

وُحوشًا في دَمي ذاقتْ دِماكا؟!

*

وأنّ مَنيّتي تعْني بقاكا

وأنّ خصاصَتي تعْني ثَراكا

*

أخيْ أنا لسْتُ غزّيا إذا ما

المعاني أسْقَطتْ كوني أَخاكا

*

أنا الخيلُ التي حمَّلْتَها ما

بهِ صارتْ يدَ الدّنيا يَداكا

*

تركْتَ الخيلَ في الأصقاعِ قالتْ

دميْ في اللهِ يابن أبي فِداكا

*

أنا البيْتُ الّذي أنْشَدْتَهُ لل

دُّنى فغدا هوى الدُّنيا هَواكا

*

عزلْتَ البيتَ عن دُنياهُ  غنّى

أسايَ أساكَ والمرْجوْ هَناكا

*

أنا الهدْيُ الذي علَّمْتَهُ لل

ورى فغدا بهِ يخْطوْ خُطاكا

*

جعلْتَ الغيّ من ذا الهدْي صلّى

ليُرفعَ عنكَ ما أعيا هُداكا

*

أنا الأيديْ التي سَبَقتْ سواها

مُلَبّيةً لكي تُعلي بُناكا

*

وحينَ علا البناءُ غَدا بَقاها

بِداركَ عائقًا يُبطي رَخاكا!!

*

فما اعْتَرَضتْ ولا انْتقَدَتْ ولكنْ

بخيرٍ لم تزلْ  تروِيْ سَخاكا

*

ألبّيك التي لم نحيَ إلا

بها هذي أمِ الموتُ اشْتَراكا

*

أفي لبّيكَ تخشاها الدُّنى أم

بأخرى تحتها ذلٌّ أراكا

*

"فلا أخزاك في الدّارين ربّي"

دعائي فادّكرْ واقبَلْ أخاكا

***

أسامة محمد صالح زامل

 

أركض..

وفي عيوني تذوب ملامحك

مع أول عاصفة..

فتجدني أجمع شظايا القلب

أصغي لصوت الزجاج..

وفي البال واحة غناء

أضناها النحيب،

كلما اقتربت..

تبددت في زفرة الرمال

والظل الممدود على الطريق

كان وشما لحلم لم يولد بعد..

أناديك،

ولكن لم يكن سوى رجع صدى

تنحت اسمك على مرايا الغياب

أجلس على حافة البكاء

هناك كوب مكسور

ما زال يحتفظ

بطعم قهوتك الأخيرة..

فلمحت ابتسامة المنتصر

وتركت الهزيمة خلف ظهري..

لم تكن سوى قناع أنيق

لأنني كنت المسرح..

وها أنا ذا أخلع ظلالك من ذاكرتي

وعلى الشفاه كلماتي تختنق

كي تلد دمعة.. أغسل بها وجهي

فكنت بطلا في مسرحية الشوق

لكن النص مكتوب بمداد الخديعة.

***

د. وليد خالدي/ الجزائر

 

وَلَـيْـتَ الـصَّـحْنَ كَـانَ مِـنَ الْـفَلَافِلْ

لَـجَـنَّـبَنَا الْـكَـثِـيرَ مِـــنَ الْـمَـشَاكِلْ

*

وَلَـــمْ نَـلْـجَـأْ إِلَـــى الـتَّـرْقِيعِ حَــلًّا

وَنَـقْضِي الْـوَقْتَ فِـي هَـرْجٍ نُـجَادِلْ

*

رَجَــــاءً يَـــــا أَكَــابِــرَنَـا رَجَــــاءً

ضَـعُـوا حَــدًّا لِأَصْــحَـابِ الْـمَـهَازِلْ

*

إِذَا مَـــا الْــغِـرُّ ظَـــلَّ بِـغَـيْـرِ لَــجْـمٍ

سَـيَـقْـصِـفُـنَـا بِـــــآلَافِ الْــقَـنَـابِـلْ

*

وَنُــصْــبِـحُ مِـــثْــلَ دَلَّالٍ بِـــسُــوقٍ

يُـعَـلِّـقُ فِـــي فَـضَـائِحِهِ الـجَـلَاجِلْ

*

هَـبَـنَّـقَةُ الَّـــذِي يَــرْعَـى شِـيَـاهًـا

يُــغَـذِّي لِـلـسِّـمَانِ عَـــدَا الْـهَـزَائِلْ

*

فـأَضْـحَـى الــرَّأْيُ لِـلـرَّاعِي هَــوَاهُ

يُــقَـدِّمُـهُ عَــلَــى كُــــلِّ الــدَّلَائِـلْ

*

أُعَــــزِّي كُــــلَّ أُمٍّ فِــــي بِــــلَادِي

وَكُــــلَّ حَـلِـيـلَـةٍ فَــقَــدَتْ مُـقَـاتِـلْ

*

وَكُـــــلُّ يَـتِـيـمَـةٍ تَــبْـكِـي أَبَــاهَــا

وَمَــنْ كَـانَـتْ تُـصَـفِّدُهُ الـسَّـلَاسِلْ

*

فَـــلَا نَــرْضَـى، يُـمَـثِّـلُهُمْ، نَـطِـيـحٌ

بِــلَا خَـجَـلٍ، عَـلَى دَمِـهِمْ يُـجَامِلْ

*

فَـــإِنْ يَــهْـذِي الْأُحَـيْـمِـقُ بِـافْـتِرَاءٍ

تَــحَــرَّكَ خَــلْـفَـهُ مِـلْـيُـونُ هَــامِـلْ

*

وإِنْ نَـطَـقَ الْـحَـكِيمُ بِـصَـوْتِ حَـقٍّ

يُــقَــابَـلُ بِـالـشـتـائم والـتـجـاهـلْ

*

فَــهَـذَا عَــصْـرُ تَـحْـطِـيمِ الْـمَـعَالِي

وَتَـقْـدِيـسِ الْـقَـبِـيحِ مِــنَ الـرَّذَائِـلْ

*

وَصَـارَ الـنُّصْحُ تُـهْـمَةَ مَــنْ يُـؤَدِّي

وَأَمْسَى الْغَدْرُ مِنْ أَحْلَى الشَّمَائِلْ

*

وَأَصْـحَـابُ الْـجَـهَـالَةِ فِــي صُـعُـودٍ

عَــلَــى أَكْــتَـافِ أبــنـاء الْـحَـمَـائِلْ

*

وَصِــرْنَــا أُمَّــةً تَـخْـشَـى سُـــؤَالًا

وَتَـفْـزَعُ مِــنْ حَـقِـيقَاتِ الْـمَـسَائِلْ

*

فَــيَــا تَــارِيــخُ سَــجِّـلْ مَـــا تَـــرَاهُ

لَــعَـلَّ الــذِّكْـرَ يَـنْـفَـعُ مَــنْ يُـقَـابِلْ

*

وَدَوِّنْ أَنَّـــنَـــا جِـــيـــلُ الــتَّـخَـلِّـي

عَــنِ الْـحَـقِّ الْـمُـبِينِ بِــلَا مُـقَـابلْ

*

وَعَـــنْ مَــجْـدٍ تَـلِـيـدٍ قَـــدْ أَضَـعْـنَـا

لِـكَـيْ يَــرْضَـوْا مَـخَـانِـيثَ الْأَرَاذِلْ

*

وَأَحْـــلَامُ الـشَّـبَـابِ غَــدَتْ سَـرَابًـا

كَـــزَرْعٍ بَـــاتَ تَـحْصِـدُهُ الْـمَـنَـاجِلْ

*

وَلَـكِـنْ رَغْــمَ أَنْــفِ الْـحِـقْدِ نَـبْـقَى

أُسُــــودًا عَـــنْ مَـبَـادِئِـهَا تُـنَـاضِـلْ

*

فَـصَـبْـرًا يَـا رَفِـيـقَ الـدَّرْبِ صَبْـرًا

مَـصِـيرُ الـزَّيْـفِ فِـي الـتَّارِيخِ زَائِـلْ

*

فَـــلَا تَــيْــأَسْ فَـــإِنَّ الْـحَــقَّ يَــأْتِـي

كَــفَـجْـرٍ بَــــازِغٍ رَغْــــمَ الْــحَـوَائِـلْ

***

عبد الناصر عليوي العبيدي

 

تُعاتبُ ظِلَّهُ لَمَّا جَفاهُ

لِماذا لَمْ يَعُدْ يُحصي خُطاهُ

*

لِماذا غابَ في وَقْتٍ عَصيبٍ

لِماذا شَحَّ في جَدْبٍ نَداهُ

*

أما تَدري بِقَلْبٍ قَدْ هَواهُ

وَرُوحٍ عِشْقُها ما قَدْ سَلاهُ

*

أَلا يَدري بِجَمْرِ الشَّوْقِ يَكْوي

حَنايا صَدْرِ عمر قَدْ رَعاهُ؟

*

فَقَدْ غابَ الرَّبيعُ وَجَفَّ نَبْعٌ

وَطالَ اللَّيْلُ في جفنٍ بِكاهُ

*

وَصوتُ الأمِّ يَرْنو كُلَّ آنٍ

الى بابٍ تُسائل عن خطاه

*

أَيا وَلَدي فَقَدْ جَفَّتْ عُيوني

وَدَمْعي في غِيابِكَ قَدْ كَواهُ

*

فَمَنْ لِلقَلْبِ يَشْكُو بَعْدَ هَجْرٍ؟

وَمَنْ لِلرُّوحِ يَشْفِي ما عَراه؟

*

وَمِنْ لِلصُّبْحِ يَأتي في ضياءٍ؟

إِذِ الْآهاتُ تَطْغَى ما عشاه

*

وَلا أَحَدٌ سِوَى الْبَارِي يَرَاهُ،

وَيَكْشِفُ سِرَّهُ فِي مُنْتَهَاهُ

*

فَمَا عَادَتْ تَرى فِي الْكَونِ فَجْرًا

وَلَا رِيحًا تُبَشِّرُ عَنْ رُؤاهُ

*

لِوَحْدَتِها تَئِنُّ بِصَمْتِ دَمْعٍ

وَتَحْضُنُ طَيْفَ مَنْ كَانَتْ مُناهُ

*

فَيا قَبْرًا ضَمَمْتَ الْيَوْمَ رُوحِي

أَمَا حَنَّتْ عَلَى أمٍّ يَدَاهُ؟

*

فَما زالَتْ تُنَاجِي الرِّيحَ شَوْقًا

عَسَى مِنْ طَيْفِهِ يَحْظَى نِداهُ

***

د. جاسم الخالدي

 

أنا السيدة. أنا الكوكب. كنتُ مع صوتي كفارسة تعتلي صهوة جوادها الأثير، وعندما ننطلق في عدونا المهيب، كان كل ما حولنا يسكن إجلالًا، لكني أمضيتُ العقود الأخيرة من حياتي وأنا أغني بهشيم صوت، فكنتُ أنتفض على المسرح وأنا أعصر نفسي عصرًا للحصول على بعض صفاء الرحيق الأول. الآهات التي ندَّت عني وطرب لها الجمهور كانت صرخات لوعتي وألمي. وحدهم من حضروا حفلاتي الأولى كان بوسعهم اختبار ذلك التجلِّي. شيء يشبه السحر كان يحدث، يسلب الناس مفاتيح التحكم بمشاعرهم ويسلمني إياها. كان بعضهم يجهش بالبكاء، والبعض الآخر يقفز ويرقص، بينما يصمت قسم ثالث كأن على رأسه الطير.

عندما تركت الريف وانتقلت إلى المدينة ذات العوالم العجيبة الصاخبة، كانت أولى مغامراتي فيها حضور عروض المطربات اللاتي كن حديث الناس في ذلك العصر. أبهرتني أشكالهن وملابسهن المزركشة اللامعة، فوجدت نفسي بين خيارين: محاولة محكومة بالفشل للتمثُّل بهن، أو الانقلاب عليهن وتأسيس مدرسة خاصة بي، ملمحها الأبرز الاحتشام والجديّة. لم تكن هناك موهبة تقارن بموهبتي، ولا قدرات صوتية تنافس قدراتي سوى موهبة وقدرات الحسناء ذات الأصول النبيلة التي قيل انها هدّدت تربعي على عرش الغناء. ميزة صوتها الأبرز كانت إنه صوت ذو كبرياء، ملكي الجرس، مرهف ومُعطَّر.

أعترف انها كانت تعاملني بتوقير كبير وتقر بفضلي عليها، فما كانت لتحقق ما حققته لولا قيامي بتمهيد الطريق أمامها وأمام سواها من المطربات، لكني كنت أعاملها بودٍّ وعطف باردين حتى إذا اختليت بنفسي، كنت أنصتُ لغنائها والحزن يعتصر قلبي لعجزي عن بلوغ الرفعة التي وسمت أداءها بلا تظاهر أو مجهود. حاولت انتقاء ألحان واعتماد تقنيات تجعل غنائي يبدو أكثر سموًّا، لكن كل ما استطعت فعله هو الاقتراب من الوهج، دون اكتسابه. انهمرت دموعي غزيرة عند سماعي خبر رحيلها المبكر، لكن شعوري بالفجيعة تلاه احساس بالارتياح. نمت بعمق ليلتها، وعندما استيقظت تناولت فطوري بنهم غير معتاد، فقد صمت إلى الأبد ذلك الصوت الفريد.

انجازي الشخصي الأكبر كان انتصاري على الطبقة التي عاملتني باحتقار عندما بدأت بإحياء حفلاتي في المدينة. بريق المجوهرات الماسية التي تزيَّنت بها نساء الأسر الثرية كان أول ما يطالعني عندما تُفتح ستارة المسرح. كن يأتين إلى حفلاتي بدافع التسلية والفضول لمشاهدة الفتاة الريفية التي بدأ نجمها بالصعود. تعابير وجوههن المشمئزة، هزات رؤوسهن، همساتهن وضحكاتهن على مظهري كانت تقع على نفسي كالسياط. كنت أتحامل على ألمي بالغناء، فيتغير كل شيء ويأفل كل بريق أمام سطوع صوتي. أياديهن الناعمة كانت تتسلل إلى حقائبهن الصغيرة بحثا عن مناديل يكفكفن بها دموعهن، ثم تلتهب أكفهن بالتصفيق عند انتهاء وصلتي ويسارعن بالتوجه إلى غرفتي للسلام عليَّ ودعوتي إلى قصورهن، بل إن بعضهن كن يخلعن عقودهن وأساورهن وخواتمهن ويضعنها بين يديَّ ويلححن عليَّ لقبولها. شعرت حينها بأني امتلكت العالم بأسره، لكن جوادي بدأ بالتململ مني والتمرُّد علي في منتصف الطريق، فالاضطراب الذي يشهده جسم المرأة مع تقدمها في السن رافقته تغيرات في صوتي بدت طفيفة في بدايتها، لكنها أفزعتني وقرعت جرس الإنذار لصعوبة القادم من الرحلة. كماء عذب عكره الطين، راح شدوي يفقد شيئًا فشيئًا صفاءه ومرونته.

لا أستطيع وصف احساسي بالمهانة كلما اضطررت إلى الاتصال بأحدهم عبر الهاتف، فيظنني المجيب رجلًا لا امرأة، ويتلعثم من فرط الارتباك عندما يعلم هويتي. لتفادي الموقف البشع، صارت مساعدتي تطلب الرقم عوضًا عني وتبلغ صاحبه أني أود محادثته، ثم تناولني السماعة. كم تمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني عندما كانت الخيبة ترتسم على وجوه الملحنين لعجزي عن بلوغ المناطق المرتجاة، فيقترحون إجراء تعديلات تجعل غنائي مستوفيًا للحد الأدنى من اللياقة. كنت أومئ بالقبول وأنا أجاهد لمنع دموعي من التساقط أمامهم.

التحدي الآخر الذي كان عليَّ مواجهته هو أن بعض الجهلة اعتبروا فني رديفًا لمساوئ القيادات التي اصطففت معها. وهكذا، بعد أن كنت رمزًا للثورات، تحولتُ إلى رمز للهزيمة، بضاعة مُزجاة وصوت حنين لدى الآباء والأجداد، ثم ظهرت على الساحة المطربة ذات الأغاني القصيرة التي لا تُسمن ولا تغني من جوع والالحان وطريقة الأداء إفرنجية الطابع. أجج صعود نجمها في داخلي غضبا عظيما وأشعرني بأنها تهدف إلى تقويض إنجازي والحط من شأني بأغانيها ذات الدقائق المعدودة التي جعلت الشباب ينصرفون عن وصلاتي الممتدة ويرونها هدرًا للوقت. أيضا، جمودها على المسرح وتفاعلها شبه المعدوم مع الجمهور رخَّصا من تجاوبي مع صيحات الإعجاب بإعادة المقاطع مرات ومرات، فصرتُ كمن تستجدي الهتاف والتصفيق، بينما تترفَّع هي عن الطلب. التزامها الصارم بالطبقات والنوتات المدوَّنة استحوذ على إعجاب النخب المتأثرة بموسيقى الغرب التي كانت تعتبر ارتجالي وتجويدي لكل سطر وآهة وانقياد العازفين لي فوضى تليق بعروض جوقات الغجر في الشوارع، لا حفلات المسارح المرموقة، حتى تقنية غنائها التي توحي للسامعين بأن صوتها قادم من بئر عميق جعلت صرخاتي الملتاعة تبدو كضوضاء الباعة المتجولين.

لجأت مضطرّة إلى المعزوفات المطوَّلة وتكرار المقاطع التي كان بوسعي تأديتها بشكل سليم، فالموسيقى كانت عكَّازي الذي توكأت عليه لإيصال المعاني التي عجز صوتي عن إيصالها. التخلي عنها وعن الإعادة كان سيكشف ستري ويعري ضعفي أمام الناس، ولذلك أمضيت أيامي الأخيرة في مناجاة السماء. شكوتُ إليها ضعفي وتعبي. سألتها عن الحكمة في أن تعطيني ما لم تمنحه لبشر، وترفعني في المقام حتى بلغتُ أعالي الذُرى، ثم تتآمر مع جسمي كي تسلبني أجمل ما فيَّ وتتركني أعيش القهر والهوان. توسَّلتُ إليها أن تجمعني بصوتي الأول، حتى لو اقتضى الأمر أن أموت، فأجابت السماء طلبي، لكن الإجابة جاءت مع غصَّة ...

***

علي شاكر

...................

*النص مقتطع من فصل "المطربة" من كتاب غرف سماوية: رواية؟ لعلي شاكر الصادر حديثا عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة