عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

يعد الذوق من المفاهيم المحورية في التجربة الروحية في الاسلام، فهو ليس مجرد حس جمالي شكلي، بل هو ملكة باطنية تمكن السالك من إدراك الحقائق الخفية والمعاني العميقة الكامنة وراء الظواهر. وقد أولى الشيوخ الكمل من اهل التصوف عناية فائقة لتربية هذا الذوق لدى مريديهم، معتبرين إياه مفتاحا للوصول إلى مراتب سامية من المعرفة والمشاهدة. ومن أبرز هؤلاء الشيوخ الذين تجلت في أعمالهم هذه التربية، العارف بالله سيدي محمد الحراق المتوفى سنة 1845 م، والذي اشتهر بتائيته البديعة أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

و تحسبها غيرا و غيرك ليست، وبمنهجه في التربية بالطرب و السماع كما سماه الدكتور محمد التهامي الحراق.

تعد اللغة الرمزية والإشارية قوام الشعر الصوفي، حيث تتجاوز الكلمات دلالاتها الظاهرية لتشير إلى معان روحية عميقة. وفي تائية الحراق، يبرز هذا التوظيف الرمزي بوضوح في مطلعها الشهير:

أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

وتحسبها غيرا وغيرك ليست

هنا في هذا البيت الشعري الجميل، لا تمثل ليلى المحبوبة البشرية بالمعنى الحسي المباشر، بل هي رمز للروح او النفخة الإلهية الكامنة في الجسد الإنساني والتي يدرك بها العارف الذات الإلهية.

إنها إشارة إلى الحقيقة الكونية بأن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وأنه متجل في كل ذرة من الوجود، وفي ذات السالك لطريق القوم نفسه. هذا البيت الشعري يدعو المريد إلى تجاوز البحث عن الحق خارج ذاته، فالحقيقة متجلية فيه، وليست غيرا منفصلا عنه. ومن خلال هذا التفكيك للرمز، يتدرب السالك على تنمية حسه التأويلي، ليتمكن من قراءة الإشارات والرموز الكونية والقرآنية، وإدراك المعاني العميقة التي تتجاوز القشور الظاهرية.

إن هذا التوجه يعمق فهم السالك بأن جمال المخلوق هو انعكاس لجمال الخالق، وأن العشق للكيان المادي المقيد هو في الأصل عشق للروح الأزلية المقدسة التي تسكنه.

وبالتالي، فإن ليلى في شعر الحراق تتحول إلى جسر فني للعبور إلى مقام العشق المقدس للحضرة الإلهية، مما يرتقي بالمحبة من مستواها الحسي إلى مستوى روحي مطلق.

***

د. محمد غاني

إنَّ التطلع إلى الخلود واحدةٌ من الأفكار التي استحوذت على تفكير الإنسان، فسعى عبر أزمانٍ متواصلة إلى تحقيق هذه الفكرة، ولعلَّ ملحمة كلكامش (2700–2000 قبل الميلاد) واحدةٌ من أبرز وأقدم القصص الملحمية التي تناولت رحلة البحث عن الخلود وجسّدت الصراع الأبدي بين الإنسان والموت. وظلت هذه الفكرة مصدر إلهام وبحث للعديد من الفلاسفة والعلماء، وكذلك الأدباء الذين اختاروا موضوعات ترمز إلى الخلود التاريخي ومن بينهم الروائي التشيكي (ميلان كونديرا 1929–2023)، الذي اتخذ "الخلود" عنوانًا لواحدة من أهم رواياته التي عالجت فكرة الخلود من زاوية رمزية وهي أن يظل الإنسان حيًا في الذاكرة والتاريخ عبر أسماء مثل نابليون بونابرت ولودفيغ فان بيتهوفن وإرنست همنغواي وكان يرمز بها إلى الخلود التاريخي لا الخلود الجسدي. وكذلك الروائي البرتغالي (أندريه أوليفيرا) كتب رواية (ماراثون الخلود)، التي تتبّع فيها حياة عدّاء رياضي وحلمه بحياة أفضل من خلال كفاحه للفوز بالماراثون الأولمبي، لكن الموت يقف حائلًا أمام تحقيق أمنيته.

أما العلماء، فقد سخّروا أفكارهم وكرسوا تجاربهم لتحقيق الخلود الجسدي، وكان من أبرزهم عالم الفيزياء الأمريكي روبرت إيتينجر (1918–2011)، الملقب بـ"أبو علم التجميد"، الذي طرح في كتابه (آفاق الخلود) الصادر عام 1962 فكرة تجميد جثث الموتى علميًا على أمل إحيائهم مستقبلاً بفضل التطور العلمي، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، قام بتأسيس "معهد التجميد"، حيث تم تجميد جثث أفراد عائلته بعد وفاتهم أملًا في تحقيق الخلود، وسرعان ما تلقفت السينما هذه الفكرة، فقامت بترجمتها في فيلم سينمائي بعنوان "الغيبة الطويلة"، شاهدته في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ويحكي قصة حب بين شابين. تتعرض فيه الحبيبة إلى مرض غريب، يتفق الأطباء على أنه يمكن التوصل إلى علاج للمرض بعد 25 عامًا من التجارب. ولشدة تعلق الشاب بحبيبته، واستعداده للتضحية بكل ما يملك من أجل إنقاذ حياتها، يتم الاتفاق مع الفريق الطبي المشرف على علاجها على تجميدها لحين حلول الموعد المتوقع، وبعد انقضاء المدة، ينجح الفريق الأطباء في التوصل إلى العلاج ويتمكنون من شفائها، فتعود الحبيبة إلى الحياة وهي ما تزال شابة، محتفظة بنضارتها وحيويتها كما كانت عليه هيئتها عند تجميدها، إذ إن النمو قد توقف ولم تتأثر بعامل الزمن بفعل التجميد، غير أن الصدمة تقع حين يحضر حبيبها لمقابلتها فلا تتمكن من التعرف عليه بسبب التغيرات التي طرأت على شكله، وذهاب جانبٍ من ألق شبابه، ليصبح الفارق بينهما في العمر كبيرًا، ففكرة الفيلم تقول: حتى لو انتصر العلم على الموت، لكنه يستحيل الانتصار على الزمن.

مساكين العلماء..  كانوا يأملون في "هزيمة الموت" بإعادة الجثث المجمدة إلى الحياة، ولكن الزمن كان القوة القاهرة التي هزمت الحب وانقضّت عليه، فالموت ليس وحده هو الخصم انما هناك الزمن الذي يؤثر في بنية الكائنات ويعمل على اختلال العلاقات وتدهور العاطفة.

***

ثامر الحاج أمين

شهد العالم خلال الحرب العالمية الثانية تجربتين قاسيتين شكّلتا منعطفًا تاريخيًا في مسار الصراعات الدولية، وأصبحتا نموذجين متباينين في كيفية نهاية الحروب الكبرى.

التجربة الأولى تمثلت في استسلام اليابان بعد الضربات النووية التي استهدفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي. هذا الحدث المأساوي، رغم فداحته الإنسانية، أدى إلى إنهاء الحرب سريعًا، وفتح الباب أمام مرحلة إعادة البناء والتحول الاقتصادي والسياسي، لتتحول اليابان لاحقًا إلى واحدة من أقوى الدول في العالم.

أما التجربة الثانية، فقد تجسدت في ألمانيا النازية، التي واصلت القتال حتى النهاية مدفوعة بعقيدة أيديولوجية متطرفة، ما أدى إلى دمار شامل طال البنية التحتية والمجتمع، وانتهى بسقوط النظام وتقسيم البلاد إلى شطرين: ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، في واحدة من أبرز نتائج الإصرار على المواجهة دون أفق للحلول.

هاتان التجربتان تبرزان بوضوح أن طبيعة الأنظمة السياسية والأيديولوجيات التي تتبناها تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصير الشعوب خلال الأزمات. فالأنظمة التي تنغلق على أفكار متشددة وتغلق أبواب الحوار، قد تقود بلدانها إلى سيناريوهات مدمّرة، في حين أن المرونة والواقعية السياسية قد تفتح طريقًا لتقليل الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إن استحضار هذه الدروس التاريخية لا ينبغي أن يكون بهدف إسقاطات حادة أو الترويج لسيناريوهات كارثية، بل لفهم أن الحروب لا تترك رابحًا حقيقيًا، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر. من هنا، تبرز أهمية الحلول الدبلوماسية، وتغليب لغة العقل، والابتعاد عن التصعيد الذي قد يقود إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها.

في النهاية، يبقى التاريخ مرآة للحاضر، لكنه لا يفرض مسارًا حتميًا للمستقبل، بل يقدّم دروسًا يمكن الاستفادة منها لتجنّب تكرار المآسي وبناء عالم أكثر استقرارًا وسلامًا.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد

هل سيندم المطربون على أغانيهم التي قدموها قبل سنين؟

هل الذائقة الفنية تتغير مع تقدم العمر؟

أستمع لأغاني أم كلثوم التي كنت متعلقا بها . وأجدها لا تستحق ذلك الإهتمام والذوبان في كلماتها، وألحانها رغم روعتها وتميزها، فالملحنون الذين صاغوا أغانيها من العباقرة الأفذاذ، وهذا ربما يعني أن لكل حالة عمر ذوقي معين وقدرة على المواكبة الزمنية ولكن إلى حين.

القول ببلوغ قمة الشيئ وهم بعيد المنال، فالتفاعل مع الحياة بميادينها المتنوعة أشبه بمطاردة سراب، وتداعيات أخيلة تعصف في أركان الوعي والإدراك.

لا توجد عطاءات بشرية أبدية الطباع، بل مرحلية المواصفات، ولا يجوز طغيان ما جرى في مرحلة على ما بعدها.

"وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم..."، وعندما نُخرج الآية من المفاهيم التي حاوطتها على مر القرون، نكتشف أن فيها إشارة إلى أن لكل حالة زمنها، ومثلما للحي عمر فكذلك للناجم عنه عمر قد يطول أو يقصر، لكن القول بالأبدية لما ينطلق من الحي، موضوع لا أساس له من الواقع ولا يتوافق مع إرادة الأكوان ونواميسها الفاعلة فيما فوق التراب.

أجيال القرن الحادي والعشرين لا تتذوق الأغاني الطويلة، ولا تعرف عمالقة الفن الطربي في القرن العشرين، وهم يتراقصون على وقع الأنغام السريعة الضاجة بالأصوات العالية، ولو حدّثتهم عن الألحان والموسيقى العربية الأصيلة التي تألقت بإبداعات الملحنين الكبار لما إستأنسوا بما تقول، ومهما حاولت أن تخبرهم عن محمد عبد الوهاب، والموجي، والسنباطي وبليغ حمدي وغيرهم ما تفاعلوا مع الكلام، وحسبوك قادم من زمان مجهول في غياهب النسيان، فأمواج الأجيال تتطامى، ولاحقها يزيح سابقها، وتلك الأيام يتم مداولتها بين الخلق أجمعين.

أجيال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين يتمتعون بمميزات تكنولوجية وتواصلية ذات إيقاع خاطف، وتوالد لحظي المواصفات، وأكثرهم يتمتع بما لا يخطر على بال من الرؤى والتصورات المنبثقة من ثورات الإبداع المتجدد.

بنا دارتْ وما عَرفتْ مُنانا

بها نَمْضي إلى وجعٍ حَدانا

هيَ الدنيا تُباغِتنا بفِعلٍ

يُغيِّرُ في زمانٍ مُحْتوانا

إذا الأجيالُ ما نَهَضتْ بعقلٍ

تَمَلّكها هوانٌ لا يُدانى

***

د. صادق السامرائي

حين أسّس حسن البنا حركته في مصر عام 1928، لم يكن مصطلح "النظام العالمي الجديد" قد وُلد بعد، لكن البنية التي سينبثق عنها هذا المفهوم كانت تتشكّل بالفعل. العالم الخارج من الحرب العالمية الأولى كان يتجه نحو إعادة تنظيم دولي تقوده القوى الاستعمارية، قبل أن يترسخ لاحقًا بعد الحرب الباردة في صورة نظام دولي أكثر وضوحًا. في هذا السياق، يظهر فكر البنا كاستجابة مبكرة، بل واعتراض تأسيسي، على المسار الذي سيقود إلى النظام العالمي بصيغته الحديثة.

البنا لم يكن مجرد داعية ديني، بل كان صاحب مشروع سياسي-حضاري يرى أن الخلل في العالم الإسلامي ليس داخليًا فقط، بل هو نتيجة اندماجه القسري في نظام دولي تهيمن عليه قوى خارجية. لذلك، فإن طرحه لمفهوم "شمولية الإسلام" لم يكن وعظًا روحيًا بقدر ما كان محاولة لبناء إطار بديل للنظام الدولي القائم. في مقابل عالم يتجه إلى تكريس الدولة القومية كفاعل أساسي، كان البنا يستدعي مفهوم "الأمة" ككيان عابر للحدود، يتجاوز التقسيمات التي فرضها الاستعمار.

هذا التباين ليس شكليًا، بل يمس جوهر الرؤية السياسية. فالنظام العالمي، كما تبلور عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة، يقوم على مبدأ السيادة الوطنية والتوازن بين الدول، حتى وإن كان هذا التوازن مختلًا لصالح القوى الكبرى. أما عند البنا، فالدولة ليست غاية نهائية، بل مرحلة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية دينية. هنا يتجلى التناقض: نظام دولي يسعى إلى إدارة الاختلاف، مقابل مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريفه من الأساس.

الأهم من ذلك أن البنا قرأ مبكرًا مسألة الهيمنة، وإن بلغة عصره. فقد رأى أن الغرب لا يفرض سيطرته فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا عبر الثقافة والاقتصاد وأنماط الحكم. وهذه القراءة تتقاطع مع تحليلات لاحقة للنظام العالمي، لكنها تختلف في الاستنتاج: فبينما يدعو النظام الدولي إلى الاندماج في منظومته، يدعو البنا إلى الانفصال عنها وبناء بديل مستقل.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مشروع البنا بقي نظريًا جزئيًا في علاقته بالنظام الدولي. فهو لم يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية إدارة علاقات دولية معقدة في عالم متعدد القوى، بقدر ما ركّز على إعادة بناء الداخل كمدخل للتغيير الخارجي. وهذا ما يجعل الفارق بينه وبين النظام العالمي ليس فقط في الأهداف، بل في مستوى الاشتغال: البنا يتحرك في حقل الفكرة والتعبئة، بينما يتحرك النظام العالمي في حقل المصالح والتوازنات.

اليوم، وبعد تحولات كبرى وصعود قوى مثل الصين وروسيا، لم يعد النظام العالمي أحاديًا كما كان، لكن جوهره لم يتغير: ما زال قائمًا على الدولة، السيادة، والمصالح. في المقابل، تستمر أفكار البنا بأشكال مختلفة في تمثيل تيار يرفض هذا الأساس من جذوره، لا من تفاصيله.

في الخلاصة، العلاقة بين حسن البنا والنظام العالمي ليست علاقة تفاعل مباشر، بل علاقة "اختلاف بنيوي". إنه اختلاف بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تنظيم العالم كما هو، والآخر يسعى إلى إعادة تعريفه كما ينبغي أن يكون.

***

محمد البغدادي

في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح مكانة خاصة في وجدان أجيال من العراقيين. فمنذ بداياته، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى موقع في السلطة، بل كان، في أحد أبرز وجوهه، تعبيرًا عن نزعة أخلاقية ووطنية رأت الإنسان قيمة عليا، ورأت العدالة شرطًا لازمًا لكرامة المجتمع، لذلك لم يقتصر حضوره على البيانات والشعارات، بل تجلّى في المعلم والعامل والكاتب والطالب، وفي تلك النماذج البشرية التي منحت السياسة معنى أنظف، وربطت الوطنية بالسلوك اليومي لا بالادعاء الخطابي.

ولعل ما ميّز الشيوعي العراقي، في الذاكرة العامة، أنه لم يكن مجرد حامل لفكرة أيديولوجية، بل كان غالبًا حاملًا لخلق مدني رفيع، كثيرون ممن لم ينتموا إليه، تعلّموا على أيدي شيوعيين أولى معاني احترام الإنسان، وحب الوطن، والانحياز إلى الفقراء، والإيمان بأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع بل شريكًا كامل الكرامة، وأن التنوع القومي والديني ليس لعنة على العراق، بل إحدى حقائقه الكبرى التي لا تستقيم الدولة من دون الاعتراف بها وإنصافها.

ومن بين أكثر المواقف التي تُحسب لهذا الحزب، موقفه الإنساني والوطني المتقدم من القضية الكردية، في زمنٍ كان فيه كثيرون ينكرون على الكرد حتى حقهم في الاعتراف والإنصاف، يوم رفع شعاره المعروف: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، لم يكن يطلق عبارة دعائية عابرة، بل كان يعبّر عن فهم مبكر لطبيعة العراق بوصفه وطنًا متعدد القوميات والمكونات، لا يستقر بالقهر ولا يُدار بالإنكار، ومن هذه الزاوية أيضًا، انفتح خطابه على بقية المكونات العرقية والدينية، مؤمنًا بأن المواطنة الحقة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا استثنت قومية أو دينًا أو لغة.    لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثمانًا باهظة من دمهم وحريتهم وسمعتهم الاجتماعية، سجونًا ومطاردات ومنافي وتشويهًا وتكفيرًا، لكنهم ظلوا، في صور كثيرة، مثالًا لنظافة اليد، ونبل السلوك، والإخلاص لفكرة الوطن العادل، ولهذا بقيت صورتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له، أوسع من حدود التنظيم، وأرسخ من حملات التخوين والإقصاء.

صحيح أننا لسنا شيوعيين، وربما نختلف معهم في بعض الأفكار والمبادئ والرؤى، لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح إن هذا الخلاف لا يلغي كونهم، في جانب كبير من تاريخهم، مدرسة وطنية عراقية رفيعة، بسلوكها المدني، ونظافة انتمائها، وسموّ مواطنتها، وإخلاصها الصادق للفقراء والمظلومين، واحترامها لحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية، ولذلك فإن التحية في ذكرى تأسيسهم لا تُهدى إلى حزب فقط، بل إلى تقليد نضالي وأخلاقي علّم العراقيين أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة، ولا تصان بالشعارات، بل بالخلق والوفاء والتضحية.

***

كفاح محمود

 

بعد مرور أكثر من شهرٍ على الصراع المسلح في إيران، شهد العالم تفاقمًا ملحوظًا في أزمة نقص النفط الخام، مما يهدد بتحوّل هذه المشكلة إلى نقصٍ شامل ليس فقط في الوقود، ولكن في مجموعة واسعة من المنتجات الأساسية.

تؤكد البيانات الحالية أن النزاع الدائر في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع كبير في تدفقات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو ما تسبّب بدوره في انخفاض الإمدادات العالمية بنسبة تُقدّر بخُمس الإنتاج العالمي من هذه الموارد الحيوية.

هذا الانخفاض في الإمدادات لم يقتصر تأثيره على ارتفاع أسعار الوقود فقط، بل أثّر بشكل عميق على توفر المواد البتروكيماوية الضرورية لتصنيع عدد كبير من السلع اليومية، مثل الملابس، والأحذية، والأكياس البلاستيكية.

وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا مع تصاعد الأسعار المرتبطة بالمواد الأولية مثل البلاستيك والمطاط والبوليستر، الأمر الذي فرض ضغوطًا إضافية على الأسواق الاستهلاكية، خاصة في آسيا، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي وتعتمد بشكل أساسي على الواردات النفطية والبتروكيماوية.

1-  في كوريا الجنوبية، شهدت الفترات الأخيرة ذعرًا بين المواطنين الذين اندفعوا لشراء أكياس القمامة بسبب مخاوف متنامية من نفادها. في مواجهة هذه الأزمة، سعت الحكومة الكورية إلى تقليل استهلاك المواد ذات الاستخدام الواحد.

الحكومة الكورية سارعت إلى استغلال قرار تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على المنتجات النفطية القادمة من روسيا، إذ استوردت أولى شحناتها من النافثا الروسية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وفي إطار مواجهة الأزمة الداخلية للإمدادات النفطية، فرضت الحكومة الكورية حظرًا على تصدير النافثا للحفاظ على المخزون المحلي.

2-  وعلى صعيد مشابه، أعلنت - تايوان - إطلاق خط ساخن للمصانع المتضررة من شح المواد البلاستيكية، بينما أعرب مزارعون محليون عن احتمالية رفع أسعار الأرز نتيجة لعدم توفر الأكياس المخصصة لتعبئته.

3-  أما في اليابان، فقد أثارت أزمة النفط مخاوف جدّية بشأن إمكانية حصول مرضى الفشل الكلوي المزمن على العلاج اللازم، حيث عانت البلاد من نقص في الأنابيب البلاستيكية المستخدمة في عمليات غسيل الكلى.

4-  وفي ماليزيا، تواجه شركات تصنيع القفازات الطبية أزمة تهدد الإمدادات العالمية بسبب نقص أحد مشتقات البترول الضرورية لإنتاج مطاط اللاتكس.

على الصعيد الأوسع، يُظهر تحليل أجرته (شركة ديزان شيرا ) وشركاه أنّ الأزمة تفاقمت لتؤثر على مجموعة متنوعة من الصناعات، بدءًا من المواد الغذائية مثل البيرة ورقائق البطاطس ووصولاً إلى مستحضرات التجميل.

والسبب يكمن في النقص الحاد بالمواد المستخدمة في التعبئة والتغليف كالأغطية البلاستيكية والصناديق والعبوات. هذا الوضع يعكس تحول التداعيات الاقتصادية بسرعة من اضطراب قطاع النفط والشحن إلى تأثيرات أعمق طالت الصناعات الاستهلاكية والبتروكيماويات.

وقد دفع هذا التدهور السريع إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمي، حيث يواجه المصنعون تكاليف أكبر للطاقة والمواد الخام، ما يضعف هامش أرباحهم ويرفع الأسعار على المستهلكين النهائيين.

في الوقت نفسه، يتسبب ارتفاع أسعار الوقود في اضطرابات كبيرة لقطاعي النقل والخدمات اللوجستية، لا سيما مع نقص إضافي ملحوظ في مواد قادمة من الشرق الأوسط مثل الأسمدة والهيليوم، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والإلكترونيات. كما أشار صندوق النقد الدولي مؤخرًا إلى أن هذه الأزمة متعددة الجوانب تأتي في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات من محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. وبيّن أن هذه التداعيات تؤدي بشكل حتمي إلى ارتفاع الأسعار والتأثير السلبي على معدلات النمو الاقتصادي.

في ظل هذه الأوضاع المقلقة، لجأت العديد من الدول إلى إطلاق كميات قياسية من النفط المخزن ضمن احتياطاتها الاستراتيجية لتخفيف حدة الأزمة. ومع ذلك، يُعد النقص الملحوظ في النافثا، وهو أحد المشتقات الأساسية للبترول المستخدمة في إنتاج المواد الاصطناعية، أحد أبرز المشكلات التي تؤثر على الإمدادات العالمية. وأدى هذا النقص إلى اضطرار بعض الشركات البتروكيماوية في آسيا إلى تقليل معدلات إنتاجها أو حتى إعلان حالة القوة القاهرة بسبب العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نتيجة انعدام البدائل للنافثا.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

منذ إنتهاء الدولة العثمانية في (3\3\1924) والمسلمون يطاردون سراب تصورات دولة الخلافة، وأهملوا مقومات الحياة والقوة والإقتدار.

فما أطعموا أنفسهم ولا صنعوا، ولا وضعوا أسسا لتنامي قوتهم، بل تحوّلوا إلى أعداء بعضهم، وأدوات لتدمير ذاتهم وموضوعهم، وهم للطامعين فيهم صاغرين.

من موائد الغير يأكلون، ولبعضهم يقتلون، والدنيا تتقدم وهم يتأخرون، وبالأجداث ينبشون.

ما أن إنتهت الخلافة في إستانبول حتى إنطلقت فكرة إعادتها، وتأسست الأحزاب المؤدينة لتحقيق تلك الغاية الوهمية وإعادة الزمن إلى الوراء.

فتأسس حزب الإخوان المسلمين في (22\3\1928) بواسطة حسن البنا (1906 - 1949)، الذي أسسه وهو في عمر (22)!!

ومن رحم هذا الحزب وفكرته في إستعادة الخلافة، ولدت أحزاب ذات مواصفات دينية، تطارد خيوط دخان، وتسفك الدماء وتدمر الإنسان، وتحسب ما تقوم به قرابين تديّن وإيمان.

الأرض تدور وللتغيير حضور، وما بقيت الرواتع والقصور، والبعض على كله يثور، وفوق التراب تتدحرج العصور، كأنها الهباء المنثور، فلماذا التخندق بالقبور، وبالعبث المسجور، والأجيال من غيها تخور.

وكل من عليها فان، وله في كل يوم شان، فلماذا التواصي بالتجاهل والإمتهان؟

أحزاب تأكل أحزابا، ومجتمعات تقطّع أربابا، والأعداء أصبحو أصحابا، وكلهم صاروا مفكرين وفلاسفة وعارفين وكتّابا، وحصيدهم أضحى خيابا، فكيف تكون الأمة بعد أن هجرت الكتابا؟

هيا إلى شر العمل، نداؤها الذي فعل، وأصمت الأمل، وترنم بالأجل.

مَن أطلق فكرة الأحزاب الدينية، وضلل الناس بأنهم في أسوأ الأحوال لأن دولة الخلافة إنتهت، وعليهم إعادتها لتحيا الأمة من جديد.

الأمة غابت ورحلت إلى غياهب المجهول، وما فات مات، وعلينا بما هو آت، لنصنع الحياة.

الإتحاد قوة، فهل إتحد أبناء أمة بلا إرادة جامعة؟

مَضى زمنٌ بهِ الأزمانُ قاستْ

إلى زمن ٍ يُدين بما أقامَتْ

تواصلتِ الخطوبُ على شُعوبٍ

مُشرْذمةٍ بما مَلكتْ تهاوتْ

فلا نفعتْ بها دولُ اخْتيالٍ

وكلُّ صَنيعةٍ ذهَبتْ تلاشتْ

أ تُعقلُ عودةً لديارِ كانوا

وهلْ بقيتْ مَناقبهمْ ودامَتْ

خيالاتٌ بها الأذهانُ جادَتْ

فهلْ فعلوا إذا حَقّتْ ورانَتْ

بآونَةٍ تبرْعَمَ مُحْتواها

وإنّ لحيْنها بشرٌ تواصَتْ

***

د. صادق السامرائي

يمر الإنسان في حياته بمحطات يشعر فيها بأن صدره قد ضاق، وأن الأشياء من حوله لم تعد كما كانت، وأن المعاني في الحياة ورونقها التي كان يستند إليها بدأت تهتز أو تبتعد. في تلك اللحظات، لا يكون الضيق مجرد شعور عابر ومؤقت، بل تجربة عميقة تمس الفكر والمشاعر والروح معاً. إنه حالة يعيشها الإنسان بكليته وتتفاعل معها جميع مكنوناته ودواخل نفسه، تتداخل فيها ضغوط الحياة مع صراعاته الداخلية، وتكشف له جانباً من ذاته ربما لم يكن يراه من قبل.

الضيق ليس ضعفاً كما يظن البعض، وليس دليلاً على الانهيار والإنكسار، بل هو في كثير من الأحيان علامة على وعيٍ يتشكل، أو سؤال يبحث عن إجابة، أو معنى لم يكتمل بعد. فالإنسان الذي يشعر بالضيق هو إنسان حي، يتفاعل مع ما حوله، ويتأثر، ويحزن ويفرح ، ويبحث، ويجتهد في فهم ذاته والعالم من حوله. ولهذا، فإن الضيق قد يكون بداية تحول مهمة، لا نهاية طريق.

حين يضيق الإنسان، فإن أول ما يتأثر هو داخل ذاته؛ أفكاره تتزاحم وتتناثر، ومشاعره تثقل وتتشعب ما بين خوف وحزن وإحباط، وقد يشعر وكأن كل شيء قد فقد توازنه. لكنه في الحقيقة يكون أمام فرصة لإعادة ترتيب هذا الداخل الذي هو بحاجه إلى تنظيمه وإعادة صياغته وتشكيله بصورة أكثر قوة وتحصين نفسي وروحي، لإعادة النظر في طريقة تفكيره، وفي تفسيره لما يحدث حوله. فالحدث نفسه قد لا يتغير، لكن طريقة رؤيته له يمكن أن تتغير وتصبح أكثر وعياً وإحاطة بالظروف والأحداث بشكل أكثر منطقية، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي في النظرة والرؤية الإيجابية ذات النفع والقائدة المرجوة له.

كثير من الضيق الذي نعيشه لا يأتي فقط من الواقع الذي نعيشه، بل من الطريقة التي نحمله بها داخلنا. من تضخيم بعض الأمور دون الحاجة لذلك، بل هي مجرد وهم وتفسير زائد للحدث أو الموقف، أو من جلد الذات وإشعارها بالتقصير والضعف والهوان، أو من توقعات غير واقعية، أو من رغبتنا في أن تسير الحياة وفق ما نريد تماماً وبمثالية زادة عن الحد. وعندما لا يحدث ذلك، نشعر بالاختناق وتتغير أحوالنا ، ونبدأ بتفاعل معها بشكل سلبي بدل الهدوء والانضباط عندما نتعرض لها، وكأن العالم قد ضاق بنا، وإنسدت الآفاق فينا، بينما الحقيقة أن المساحة الداخلية هي التي تحتاج إلى إعادة اتساع وصبر وثبات.

وفي خضم هذا الضيق، يبحث الإنسان عن مخرج، عن شيء يعيد له توازنه وطمأنينته. " وفي ضوء هذا الفهم التكاملي، تتجلى أهمية النظر إلى الضيق النفسي بوصفه تجربةً يمكن إدارتها والتعامل معها بآليات تجمع بين البعدين الروحي والعلمي. ففي الوقت الذي يوجه فيه القرآن الكريم الإنسان إلى ممارساتٍ كالذكر والصلاة والتسبيح والدعاء والتوكل على الله؛ نجد في (التفسير المنير) توضيحاً لذلك، حيث سلى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97]، أي: نعلم يا محمد أن سخرية المشركين تسبب لك الضيق والانقباض، فلا يمنعك ذلك من إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك، والجأ إليه لزوال هذا الضيق. ثم أمره سبحانه بالتسبيح والعبادة بقوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 98-99]، أي: داوم على ذكر الله وتسبيحه وعبادته عبر الصلاة حتى يأتيك اليقين، وهو الموت الذي لا مفر منه".1

وأن البعض قد يجده في الحديث مع شخص قريب، والبعض في العزلة المؤقتة، والبعض في التأمل أو الدعاء أو إعادة ترتيب حياته. وكل هذه الطرق، مهما اختلفت، تشترك في أنها تعيد الإنسان إلى ذاته وتجدد حياته، وتمنحه فرصة ليهدأ، ويرى الأمور بوضوح أكبر.

ومن أهم ما يساعد الإنسان في هذه اللحظات أن يدرك أن الضيق لا يدوم، وأن ما يشعر به الآن ليس حكماً نهائياً على حياته. فكم من لحظة ضيق كانت بداية لفهم جديد وتغير سديد وناجح، وكم من أزمة فتحت باباً لم يكن ليفتح لولاها والظروف التي احاطت بها. الضيق قد يكون قاسياً ومؤلماً، لكنه أحياناً يحمل في طياته بذور التغيير والخير والنفع والسمو والرفعة والمكانة.

كما أن وجود الآخرين في حياة الإنسان يلعب دوراً كبيراً في تخفيف هذا الشعور وتسليته وحمل جماعي وتحد مشترك له. فالكلمة الطيبة، والاستماع الصادق، والدعم الحقيقي، يمكن أن يخفف الكثير من ثقل الضيق وهموم المرحلة. الإنسان لا يعيش وحده وليس بمعزل عن الآخرين ، هو في الحقيقة كائن اجتماعي يتفاعل ويأنس بغيره وهم بجواره ومحيطه، ومشاركته لما يشعر به قد تكون خطوة مهمة نحو التعافي والدعم والمساندة.

ومع ذلك، يبقى الجزء الأهم هو العلاقة التي يبنيها الإنسان مع نفسه. كيف يتحدث معها؟ كيف يفسر ما يمر به؟ هل يقسو عليها أم يحتويها؟ هل يراها ضعيفة أم يراها في طريقها للنمو؟ هذه الأسئلة تصنع الفارق الحقيقي بين أنسان وعى ففهم واستفاد من تجربته وآخر قد يرى نفسه ضائقاً به صدره لا يتحمل ولا يقوى على المواجهة والهم الذي يلازمه وينخص عليه حياته، فيتلاشى ويضعف رويداً رويداً حتى تذبل حياته وينتعد عن المشهد وينعزل عن واقعه ويثقل بالهموم. فالإنسان الذي يتعامل مع نفسه برفق ووعي، يكون أقدر على عبور الضيق، وتحويله إلى تجربة تعلم ونضج.

إن الضيق، رغم صعوبته، يحمل رسالة. رسالة تدعونا للتوقف، للتفكير والتأمل، لإعادة التوازن، وربما لتغيير بعض المسارات والمسلكيات. هو ليس دائماً شيئاً يجب الهروب منه، بل أحياناً يحتاج إلى مواجهته وأن نقترب منه، نفهمه، ونستمع لما يحمله لنا من الخير والنفع وتقوية الذات والأواصر بين الناس.

وفي النهاية، حين يمر الإنسان بتجربة الضيق ويتعامل معها بوعي وادراك، فإنه لا يخرج منها كما دخل. يخرج أكثر فهماً لنفسه، أكثر قدرة على التكيف والتوافق مع الناس والمستجدات واكتساب الخبرات، وأكثر نضجاً وتماسكاً ومنعة وقوة في نظرته للحياة ولمن حوله. قد لا تختفي التحديات، لكن طريقته في التعامل معها تتغير ويكون لديه رصيد كاف من القدرة على مواجته والصمود أمامه، وهذا هو الفرق الحقيقي. فالضيق قد يضيق بالقلب لحظة، لكنه قد يوسع الإنسان عمراً كاملاً ويكسبه قوة التحمل والصلابة والثبات في مواقف الحياة وشدتها.

***

د. أكرم عثمان

5-4-2026

......................

  - https://islamonline.net/137458

تسلك مدن الخليج العربي سلوك الأخوات الغيورات؛ فالتأنيث في أسماء هذه المدن ليس مجرد مصادفة لغوية، بل يكاد يبدو علامة سيميولوجية على أن المدينة أمٌّ لا أب، امرأة لا رجل. وبينما تجمع هذه المدن روابط التاريخ والعِرق والدم، فإنها تتنافس في الوقت نفسه على أدوار القيادة السياسية والاقتصادية، وعلى عرش السياحة بكل أشكالها: الثقافية، والتاريخية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والرياضية. عدى عن مكة والمدينة كمدن دائمة للسياحة الدينية والمكتسبة من الحج والعمرة.

هذا العرش الفخري في العادة لا يُقسم بين مدينتين. إنه لقب يكاد يكون فرديًا وحصريًا، من يصل إليه يتربع عليه وحده، ومن يفقده يفسح المجال لمدينة أخرى لتصعد.

في الثمانينات كانت الكويت هي تلك المدينة. كانت نافذة الخليج على العالم ودرة مدنه. لم تكن هناك مدينة خليجية تنافسها في التقدم المعرفي والثقافي والحضري. أما في الجانب الإنشائي والخدمي والترفيهي والإعلامي، فقد تجاوزت في حضورها وتأثيرها عواصم عربية كبرى أنهكتها الحروب مثل بغداد والقاهرة وبيروت.

ربما ساهم الرخاء الاقتصادي الذي عاشته الكويت آنذاك، مقابل الحروب التي ضربت تلك العواصم في السبعينات والثمانينات، في هذا التحول. فقد سحبت تلك الحروب رونق مدن عربية كانت يومًا على الخارطة السياحية والثقافية العالمية. وهكذا تدفقت العمالة والخبرات من تلك المدن نحو الكويت، تلك البقعة الصغيرة التي نهضت بسرعة مذهلة من الرمال.

في تلك المرحلة كانت الكويت مدينة منفتحة نسبيًا مقارنة بمعظم مدن الخليج. ازدهرت الصحافة والفنون، وقادت مؤسسات ثقافية بارزة المشهد الفكري العربي مثل مجلة العربي والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

أما على الصعيد السياحي والترفيهي، فقد امتلكت الكويت معالم كانت مقصداً للزوار من مختلف دول الخليج، مثل منتزه الشعب الترفيهي، وأبراج الكويت، والجزيرة الخضراء، إضافة إلى مشاريع التسوق المطلة على البحر مثل سوق شرق. وحتى طبيعتها البحرية امتدت إلى جزر هادئة مثل جزيرة بوبيان التي تمثل أكبر الجزر الكويتية وإحدى أهم بيئاتها الطبيعية.

في المقابل، كانت دبي في تلك الفترة مدينة تجارية صاعدة، لكنها لم تكن بعد الوجهة العالمية التي نعرفها اليوم. كان اقتصادها يعتمد أساسًا على التجارة والموانئ مثل ميناء جبل علي وخور دبي. ولم تكن المدينة تضم ناطحات السحاب أو المنتجعات الفاخرة التي أصبحت لاحقًا جزءًا من صورتها العالمية.

غير أن لحظة مفصلية غيرت مسار التاريخ. فقرار سياسي وعسكري اتخذه صدام حسين أدى إلى اختفاء الكويت مؤقتًا من الخارطة السياسية حين غزاها العراق عام 1990. فجأة وجدت دولة كاملة نفسها خارج المعادلة، بل كادت تختفي حتى من الخريطة الدولية التي يمثلها علمها في مبنى الأمم المتحدة كدولة مثلها مثل الصين وفرنسا والولايات المتحدة على سبيل المثال. خرجت الكويت من الحرب محررة، لكنها خرجت أيضًا مثقلة بآثار الصدمة. ورغم التعويضات الضخمة التي حصلت عليها عن الأضرار المادية والمعنوية، فإن ذلك لم يعِد لها بسهولة البريق الذي تمتعت به قبل الحرب. فقد تعطلت الحياة السياحية لسنوات، وتضررت البنية التحتية، وانشغلت الدولة بمرحلة طويلة من إعادة البناء.

في تلك الأثناء كانت دبي تتحرك بسرعة في الاتجاه المعاكس. فقد استغلت الاستقرار النسبي لتسريع مشاريعها الاقتصادية والسياحية، وبدأت منذ التسعينات رحلة تحول طموحة نحو العالمية. ومع مطلع الألفية الجديدة ظهرت مشاريع غيرت صورتها بالكامل مثل برج خليفة ونخلة جميرا. بمرور الوقت لم يعد اسم دبي مجرد اسم مدينة، بل تحول إلى علامة تجارية عالمية. مثل المدن الكبرى كـ باريس ولندن، صار الناس يقصدونها لاسمها قبل أي شيء آخر. حتى أسماء أحيائها أصبحت تُستعار في مشاريع عقارية حول العالم، مثل اسم جميرا الذي تحول إلى رمز عالمي للفخامة الساحلية.

لقد بنت دبي صورتها على معادلة واضحة: السياحة الدولية، المشاريع المعمارية الفريدة، كسر الأرقام القياسية في البناء والترفيه، والأهم من ذلك الاستقرار والأمان اللذان يجذبان رؤوس الأموال العالمية.. لكن التاريخ يعلمنا أن مكانة المدن ليست أبدية. فكما صعدت الكويت في مرحلة معينة من تاريخ الخليج ثم تراجع حضورها بفعل الأحداث الكبرى، صعدت دبي بسرعة مذهلة لتحتل موقعًا متقدمًا في الخريطة العالمية.

الحقيقة البسيطة التي يؤكدها التاريخ هي أن المدن لا تُبنى بالأبراج وحدها، بل بالاستقرار والثقة الدولية والاستمرار في الابتكار.وفي منطقة لا تهدأ فيها الجغرافيا السياسية، تبقى دورة الصعود والهبوط مفتوحة دائمًا. فكل مدينة تصعد قد تترك خلفها مدينة أخرى تخفت أضواؤها.

ويبقى السؤال الذي لا يجيب عنه التاريخ إلا بعد حين:

أي مدينة خليجية ستكون التالية في هذا السباق؟

هل هي الرياض؟ المدينة التي تصر على تغيير ثقافتها المحلية وتعويضها بثقافة عولمة في نسخ مقارب لمدن آسيوية معروفة مثل كوالالمبور وغيرها، وتصر على تسكين المقرات الإقليمية التابعة للشركات العالمية فيها كشرط أساسي للعمل في المملكة العربية السعودية.

ربما الحروب كوارث في موقع وثمار مالية ولوجستية في موقع مقابل ينتظر دوره في عجلة التجارة والاستثمار العالمي.

***

ياسين غالب

حين بدأ النبي محمد (ص) بنشر رسالته، هل كان يحمل مشروعًا سياسيًا؟ هل كان يخطط للتوسع والحروب؟ وهل كان يتوقع أن يتشظّى الإسلام إلى مذاهب وطوائف، بل وتتفرع عنه قراءات متباينة تصل حدّ التنازع؟

لست هنا أتحدث نيابة عن النبي، حاشا لله. فقد سبقني إلى ذلك كثير من الشيوخ والفقهاء ورجال الدين الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله والنبي والأئمة، فاحتكروا التفسير والفقه، وطوّعوا النصوص وفق قناعاتهم أو مصالحهم، وغالبًا ما كانت مصالح سياسية.

وهنا يبرز الوجه الأكثر إشكالية: الإسلام السياسي. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع صعود هذا المصطلح، اختلطت الحدود بين الروحي والمادي، ونشأ صراع بين من يرى الدين مشروعًا سياسيًا يُنظّم الدولة والمجتمع، ومن يراه طريقًا داخليًا للإصلاح الأخلاقي والسمو الروحي. وبين هذين الاتجاهين، دار صراع طويل على احتكار "التمثيل الشرعي" للإسلام.

وُلد الإسلام السياسي من رحم الأزمات الحديثة: انهيار الدولة الإسلامية التي امتد سلطانها قرونًا، ثم الاستعمار وما تبعه من تقسيم وتهميش سياسي وثقافي. فرفع هذا التيار شعار استعادة "المجد الإسلامي" عبر تطبيق الشريعة. غير أنّ الأفكار، ما إن تحوّلت إلى أيديولوجيات وأحزاب، حتى تراجع البعد الروحي، وانساق الناس خلف هذا الحزب أو ذاك الزعيم. ولم يقتصر الأمر على النخب، بل امتد إلى قطاعات واسعة من البسطاء الذين اتبعوا زعماءهم في خياراتهم السياسية بلا مساءلة، في مشهد أعاد إنتاج التعصّب القبلي وصنمية الولاء التي جاء الإسلام أساسًا ليقوّضها.

وما نشهده اليوم من حكومات تقوم على أساس ديني أو طائفي، ومن انتخابات يتصدرها زعماء يرفعون راية الدفاع عن الدين، ليس إلا طعنة في جوهر الرسالة، إذ يُستَخدم الدين غطاءً للصراع على السلطة، فتُشوَّه الحقيقة ويُفرَّغ المعنى.

والحقيقة أن الإسلام لا يحتاج إلى من يثبّته بالقوة، فالإيمان علاقة بين الإنسان وربه، لا تُفرض بالسيف ولا تُصان بالشعارات. أما أحلام استعادة أنماط حكم تاريخية، فقد أثبت الواقع أنها أوهام سرعان ما تتبدد. فالتاريخ دورات متعاقبة، إمبراطوريات كبرى كروما وأثينا أفلت، لكن شعوبها لم ترتهن للماضي، بل تقبّلت حاضرها وسعت إلى تطويره.

فمتى يكفّ المتحدثون باسم الدين عن توظيفه في مشاريعهم السلطوية؟ ومتى يُصارحون الناس بأن ما يختبئ خلف الشعارات ليس سوى طموح إلى الهيمنة، مهما تجمّل بعبارات مدنية؟

ربما تكمن الحكمة اليوم في استعادة التوازن: أن يبقى الإسلام قوة أخلاقية تُنير الحياة العامة دون أن يُختزل في صراع على السلطة. فحين يغيب البعد الروحي، يتحول الدين إلى أداة هيمنة، وحين ينفصل عن الواقع، يصبح عزلة لا تُغيّر شيئًا. الإسلام الأصيل ليس سياسيًا ولا روحانيًا فحسب، بل هو توازن بين الحق والرحمة، بين العقل والروح، بين الإنسان وربّه.

***

بشرى الهلالي

"في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة"

يا راحلًا وما ارتحل، ويا حاضرًا وإنْ غاب في الأجل، يا من نسج من الحنين وترًا، ومن الأرض وطنًا، ومن الجفرا نبضًا لا يُختزل.

سلامٌ على روحك إذ تعلو ولا تأفل، وعلى حروفك إذ تفيض ولا تنفصل، وعلى خطاك إذ عبرت بنا من جرحٍ إلى أمل، ومن غيمٍ إلى مطرٍ لا يملّ الهطول ولا يملّ.

أما بعد…

في الرحيل الخامس نعلم جميعا بأنّ الفقد يُقاس بما يخلّفه من صدى، وما يورثه من وجعٍ جميل، يشبه ابتسامةً في عيون الذاكرة.

يقف عز الدين المناصرة حاضرا ثابتا كأنّه يعيد ترتيب حضوره فينا مرّةً أخرى على هيئة قصيدة.

كان المناصرة وطناً يمشي على قدمين، يحمل في قلبه خرائط القرى، ويخبّئ في صوته حنين الزيتون، ويترك في كل بيتٍ من أبياته نافذةً تطل على فلسطين.

كان إذا كتب اشتعلت اللغة قمحًا، وإذا أنشد سالت الجفرا في الشرايين كأنها وعدٌ لا يخون.

في حضرة كلمات عز الدين المناصرة نقرأ الشعر وطنًا يتكلّم، ونُصغي إلى ذاكرةٍ تُغنّي كي تبقى متوهّجة.

تتقدّم قصيدته مثل خبز الأمهات دافئةً، مفعمةً برائحة الأرض، متشبّعةً بملح الحكايات، لتتسلّل من التفاصيل اليومية إلى أفق الأسطورة في لحظةٍ واحدة.

وفي “الجفرا” التي أعاد إشعالها في الوجدان يتردّد صوته كأنّه نشيدٌ أبديّ ولازمةٌ تتّسع لعشق الأرض والإنسان، وترفع القلب نحو فسحةٍ من ضوءٍ لا يخبو.

تمضي كلماته جسورًا بين الحنين والمستقبل، وتغدو مرآةً لروحٍ تُقاوم النسيان وتُصِرّ على الإزهار في كل الفصول، فتتجاور الفجيعة مع الجمال، ويتعانق الحزن مع الأمل في نسيجٍ لغويٍّ نابض.

فجأة يصير الشعر فعل نجاةٍ جماعي تُرمَّم به الأرواح كما تُرمَّم البيوت، وتُضاء به الطرقات كما تُضاء النوافذ في ليالي الانتظار.

تخرج من بين سطورِه الأغنية مضمّخةً بالتراب والزعتر، وتنهض الحكاية على إيقاع خطى العائدين، وتُكتب الذاكرة على هيئة قمحٍ لا ينحني.

وفي كل مقطعٍ تتجلّى لافتته الأجمل بأنّ الكلمة الصادقة تُبقي الوطن حيًّا، وتمنح القلب قدرةً على العبور، وتفتح للروح دروبًا من ضياء مهما تعاقبت مسافات الرحيل.

وفي مساحاتٍ أخرى من شعر عز الدين المناصرة تتوهّج نصوصه بنبرةٍ أكثر تأمّلًا وعمقًا، فتمتزج الأسطورة بالتاريخ، وتنهض الذاكرة على أكتاف الكنعانيّين كأنها شجرةٌ ضاربةٌ في البدء.

يُصغي الشاعر إلى أصداء الحضارات، ويستدعي رموزًا موغلةً في القدم ليصوغ منها حاضرًا نابضًا، فتغدو القصيدة فضاءً تتعانق فيه الأزمنة، وتتحاور فيه الأرواح.

في ديوانه “كنعانياذا” تتجلّى هذه الرؤية بوصفها ملحمةً لغويةً تنسج الهوية من خيوط الميثولوجيا والتجربة المعاصرة، وتفتح للمعنى أبوابًا على اتساع الذاكرة الجمعية.

كما تتألق في نصوصه نبرة الحبّ الإنسانيّ الصافي، إذْ تتلوّن اللغة برهافةٍ شفيفة، وتنساب العاطفة كجدولٍ يروي تفاصيل الروح، فتغدو المرأة رمزًا للأرض، ويغدو العشق مرادفًا للبقاء.

وفي قصائد أخرى تتخذ اللغة طابعًا حواريًا حيًّا، ويكأنّ الشاعر يخاطب ذاته والعالم في آنٍ واحد، ويزرع الأسئلة في جسد النص، ويتركها تنمو كأغصانٍ تبحث عن سماءٍ أوسع.

تتراءى المدن في شعره ككائناتٍ حيّة، تنبض بالحزن والرجاء، وتتحوّل الأمكنة إلى مرايا للروح تتكسّر فيها الغربة وتتشظّى، ثم تعود فتلتئم على هيئة أملٍ عنيد.

ومن بين هذا كلّه تتصاعد إشاراتٌ دقيقة إلى قضايا الإنسان الكبرى المتمثلة في الحرية، والكرامة، والانتماء، فتكتسب قصيدته بُعدًا كونيًا يجاوز حدود الجغرافيا دون أنْ يغادرها.

بهذا الامتداد الفني يقدّم المناصرة تجربةً شعريةً متفرّدة تتلاقى فيها اللغة مع الرؤيا، ويتحوّل النص إلى كيانٍ حيٍّ يتنفّس، ويكتب القارئ بقدر ما يقرأه، ويترك في القلب أثرًا يمتدّ كضوءٍ لا ينطفئ يرافق الخطى، ويعيد تشكيل العالم بكلماتٍ تنبض بالحياة.

في الرحيل الخامس نعيد قراءة الغياب كأنّه حضورٌ آخر، ونبحث عنه في الأغاني التي ما زالت تحفظ نبرته في القصائد التي لم تجفّ، وفي الكلمات التي لم تنحنِ رغم ثقل الفقد.

كأنّ الموت أمامه استراحة شاعر يتهيّأ بعدها لصعودٍ أعلى في سماء الذاكرة.

أيها الكنعانيّ الذي لم يغادر، يا صاحب الجفرا التي صارت نشيدًا يتوارثه العشّاق، كيف استطعت أنْ تجعل الرحيل معنىً لا يُخيف؟

وكيف تركت لنا من نورك ما يكفي لنرى الطريق حتى في العتمة؟

في هذا الرحيل الخامس لا نبكيك كما يُبكى الراحلون، إنما نكتبك كما تُكتب البدايات، ونزرع اسمك في القصيدة، فنحصدك في القلب.

سنعزف قصيدك، ونترك المسرح لكلماتك لتتآلف كما لو أنّها تعودُ إلى أصلها الأول، ويمتزجُ الشعرُ بالأرض، ويغدو الصوتُ ظلًّا للذاكرةِ لا يزول، فيا كنعانيَّ الحرفِ الذي يفيضُ فينا كالنهر، تمضي وتبقى في القصائد نبضَ أرضٍ لا يشيخ ولا يذبل، زرعتَ في الكلمات روحًا فاستفاق الحلم قمحًا وازدهر، وغدت “جفرا” في المدى وعدًا يردده الهوى ويصونه وتر السحر، تمشي القصيدة في خطاك كأنها ظلّ يضيء ولا ينحسر، وتظل فينا كلما نادى الحنين نشيد قلب لا يمل ولا يفتر.

اسمك في وجداننا شجرٌ يعانق السماء فيثمر أغنيات المطر، والروح تحمل من ضيائك قبسًا يبقي الحكاية حيّةً فينا، وتمضي بنا نحو المعنى الأجمل الذي لا ينكسر.

نهمس: لم يمت من جعل الأرض قصيدة، ولم يغب من علّم الريح أن تنطق باسم الوطن.

سنردّد قصيدك ليبلغ عنان السماء: "لفلسطينَ الخضراءَ، أغنّي

لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ السجنِ، أُغنّي

لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ القبرِ، أُغنّي

جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي".

سلامٌ عليك في خامس الغياب، وفي كل حضورٍ يتجدّد.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الذين لا يزرعون لا يأكلون، فالمجتمعات التي طلقت الزراعة بالثلاث، تحولت إلى عالة على غيرها، حتى صارت الصين والهند تطعمها، رغم كثرتها البشرية.

لا يوجد جائع في الصين، ويوجد ما لا يحصى من الجياع في بلاد العُرب أوطاني.

لماذا تنكرتم للزراعة، ونفرتم من إرادة الأنهار، وأهملتموها، وهدرتم مياهها، وبددتم مياه الأمظار، وإستغثتم منها، وخاصمتم الأرض وأنفتم من رعايتها والعناية بترابها المعطاء، فداهمتها الأملاح والأدغال.

أين أنتم من أراضيكم الفيحاء، ومن ثرواتكم الحيوانية وخيرات البلاد التي تجهلون مهارات إستثمارها وتطويرها، وتحويلها إلى مصادر للإقتصاد العامر الوفير.

دول كانت تصدر المحاصيل الزراعية بأنواعها، تحولت إلى مستورد حتى للبصل، وتعتمد على غيرها في توفير طعامها، ولولا النفط وعائداته لأصابتها المجاعات وقضت عليها بالجملة.

لا بد من يقظة زراعية، وهبّة نهضوية للتفاعل مع الأرض بحب وإخلاص، وأمل بعطاء وفير، فما أروع أن يساهم المواطن بإطعام نفسه وغيره، فلا بد من إستغلال أية بقعة جرداء ومنحها روح اللون الأخضر.

من عجائب السلوك الباباني أنهم يزرعون ويزرعون، وحتى في السنادين داخل البيوت وعلى الشرفات يزرعون ما يؤكل، ولا توجد بقعة جرداء حول منزل أو في أي مكان تصل إليه يد البشر.

إنهم يزرعون ويصنعون، ويأكلون ويطعمون الآخرين الذين أوهنهم الكسل وعطلهم الإمعان بإجترار الغابرات.

فهل لنا أن نزرع لنأكل؟!!

سُلِقْنا في تَجاهلِنا ودُمْنا

نريدُ الغيرَ يُطعمنا لأنّا

تَركنا أرضنا بورا وعِشْنا

على أمَلٍ يُناهضُ ما لديْنا

إذا الأقوامُ ما غنمتْ بخَيرٍ

فإنّ الشرَّ من شممٍ تَدّنى

***

د. صادق السامرائي

منذ الصغر كان يطلّ علينا هذا الذي ينتخي به والدي (انا اخو عبد)، حين تجرحه الليالي، أو ينهمر عليه الحزن، حين يقاوم فقدان شقيقه الوحيد (حنون) الذي مات شاباً بسبب مرض السرطان، ولم يحضر مجلس عزائه، لانه مثقل بحكم غيابي بعشرات السنين بعد انقلاب شباط ٦٣ وهروبه من سجن الكوت.

اتذكرك ياعم، في كل آذار، وفي كل مساء جريح، لأنك كنت تختصر لنا الدروب، وتطرزها بالأمل، أتذكر وجهك كالقمر يبزغ في الظلام، لا أنسى حكاياتك، حينما كنت تقتسم مع صنو روحك (حسن) خبز الحياة، كنتما شريكين في الأمنيات، منذ الصبا، أي نموذج للرفقة و(الخوّة) الصادقة الصافية قدمتما لأبنائكما، ولتلامذتكم؟؟

ما سر ذلك الفرح الذي غمر معلمي الدواية؟ غير إيمان بعدالة قضية، ونظام اعتقدوا انه أسلوب الحياة الوحيد، ويقين صادق وعميق بالأفكار ..المعلمون القادمون من الشطرة (عبد چياد، حسن العتّابي، جواد كاظم الجويد، عبد الحسن عيسى) وجدوا في الدواية منذ منتصف اربعينيات القرن المنصرم عالماً يتّسع لأحلامهم، كانوا يعتقدون أن التغيير يبدأ من الدواية، والدواية، كل ما يحيط بها يوحي بالأنين والاسى، أعواد من القصب والبردي المتيبس، مسكونة بالطيور والأسماك، بيوتها من طين، حين ينزل عليها المساء، تغطّ بالظلام والنوم، وأبخرة الدخان الراكد يلفّ أجمات التبن ليحيل الجدران الى سخام أسود..

العالم يعيش عصر تحولات كبيرة، اندحار الفاشية وهزيمة النازية، معلمو الدواية مأخوذون ببهجة هلامية، ومنحازون بالطبع لتلك التحولات، يخاطبني عبد كما روى بعد سنين: هنيئا لك جمال، ستعيش في عصر الاشتراكية! - كان يعيش هذا الوهم بالتأكيد-! بعد عقدين من الزمن يزورني الوالد ورفيق دربه أبو ليلى، في معتقل شرطة الكاظمية، عام 62 وأنا مازلت طالباً في الاعدادية، وقد علت وجهه ابتسامة خفيفة، ومن خلف القضبان، يخاطبني (عمي) بأسى: هنيئاً لك ولدي، أنت تعيش عصر الإشتراكية حقاً!

يبدو عبد چياد الأكثر مرحا وسخرية من الواقع، واكثر تدفقاً من بين رفاقه، وفي سنوات لاحقة، كانت تسعفه هذه الروح من الإفلات من سطوة الإستبداد والأحكام الجائرة في المجالس العرفية، كان ساخراً، يمتاز برهافة الاحساس والاكتفاء بالقليل من متاع الدنيا، كلماته تنساب بلا ضجيج، واراؤه رصينة، وهي سمات المناضل الحقيقي الناكر لذاته والمضحّي المخلص،

كنت تسخر من جلاديك ياعم، لا أنسى أبداً وقفتك الشامخة في قفص الاتهام في المجلس العرفي الثاني وأنت تسخر من رئيسه العقيد شاكر مدحت السعود، حين اتهمك انك كسبت شقيقك الاصغر هادي الى الحزب الشيوعي، يومها كان هادي الضابط المتخرج تواً من الكلية العسكرية قدنجا من قطار الموت وزجّ به في سجن نقرة السلمان، لم يجد عناءً في الرد، ولا وقتاً يسعفه، سىوى ضحكة دوّت وسط القاعة أطلقها بوجه السعود، واجابة، استفاق بعدها (الحاكم) ليعيد ترتيب أسئلته من جديد، قال : صحيح أنا كسبت هادي شيوعياً! لكن شقيقي الآخر سمير يعاني من مرض مزمن، هل كنت السبب في حالته المرضية ؟؟

عاد السعود، وهو الغارق حدّ أذنيه في وهم العجرفة والصلف ليسأل (ابو ليلى): أنت ياعبد كنت تجبر الفلاحين بتقديم (الطليان) لك كهدايا!!

كيف تصدق هذه الرواية يا حضرة(الحاكم)؟ وأنت (الفاهم) في الأمور ! أجاب عبد بكل برود وهدوء: هل يصح لي وانا بهذا الطول والعرض أن أقبل هدايا صغيرة مثل (الطليان)، هذه تهمة باطلة، والشهود زوروا الحقيقة، أنا يا رئيس المجلس لا أقبل بغير (البعران).

ها نحن يا عم نقتفي أثرك اسمح لنا أن نضع وردة حمراء فوق صورتك التي ماتزال معلّقة في قلوبنا في ذكرى ميلاد حزبك، ها أنا أراك في عيون الفراشات، تمنح تلامذتك في الدّواية حبات التمر لأنهم يتضورن جوعا في الدرس، وفي كل عيد تكسو اجسادهم النحيلة بدشاديش جديدة، ها أنا أكتب إليك وفاءً ياعم.

***

جمال العتابي

لا شك أن ميناء الوصول لا يشيده في الحقيقة الا عطاء العبور، كيف ذلك يا ترى؟

فليست الحياة مسرحا نمر عليه عابرين، بل هي حقل ممتد على مساحة أعمارنا، كل حركة نخطوها فيه ما هي في حقيقة الأمر إلا بمثابة عملية بذر وإن كانت غير مرئية. في حياتنا هذه فهي مرئية ببصر من حديد في الحياة الأخرى.

إن المبدأ الذي يحكم هذا الوجود من ضمن قوانين لا تعد ولا تحصى، هو قانون العود؛ فكل ما يخرج من كينونة الإنسان من فكر، أو شعور، أو مادة، يطوف في فلك الحياة ليعود إلى نقطة انطلاقه في الوقت والمكان المناسبين.

 إننا حين نقرأ مثلا قوله تعالى: "وما أَنفقتم من شيء فهو يخلفه" سبأ، 39، نجد أن الآية وضعت كلمة شَيء كقاعدة عامة تشمل كل مدركات الوجود. إن الخلف الرباني ليس عملية حسابية مادية جافة، بل هو نظام كوني يعيد صياغة ما قدمته للآخرين ليصب في آنيتك الشخصية. لذلك يردد الصوفي العارف بالله في هذا المعنى:

شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني انا الشارب المشروب

و يقول الآخر وهو الحسن الششتري في ديوانه:

 يدنو ويفهم سر المعاني

مني عليا دارت كؤوسي

كاس المعاني حلو المذاق

من بعد موتي تراني حي

رقت خمور في الاصطباح

وشمسي شرقت على الملاح

نمرح ونسقي لاهل الملاح

ولا نحب إِلا من أصاح

ومن فهم معنى الاصطباحح

يبقى منعم من شرب الراح

مني عليا دارت كؤوسي

من بعد موتي تراني حي

إنك في الحقيقة حين تمنح الآخرين ذلك الأمان النفسي وتكون مرفأ لآلامهم، فإنك تبني دون أن تشعر شبكة خفية من السكينة ستحيط بك في أوقاتك الصعبة.

لا غرو إن زكاة العلم نشره،، فالعلم يزكو الإنفاق، وكلما أنفق الإنسان من علمه ليرفع جهل غيره، وجد آفاقا جديدة من الفهم تفتح أمامه، وكأن المعرفة التي خرجت عادت إليه بصيرة أعمق.

 أضف الى ما سبق انك حين تقتطع من وقتك لخدمة قضية نبيلة أو مساعدة محتاج، فإن هذا الوقت لا يضيع، بل يخلفه الله لك في بركة تلمسها في إنجازاتك الشخصية وسلاسة يومك.

لا تعمل الحياة كمرآة دقيقة فقط، حيث لا تكتفي بعكس صورتك فقط، بل تعكس أثرك. فالمحيط الذي نعيش فيه يتشكل وفقا لما نضخه فيه من طاقات. فمن يزرع التيسير في حياة الناس، يجد طرق حياته ممهدة باللطف الخفي، ومن يزرع العسر والضيق، يجد الجدران تحيط به من حيث لا يدري.

من خلال ما سبق:

إن السر الكامن في قوله تعالى "فهو يخلفه" يتجاوز لدى كل ذي لب المعنى الحسابي البسيط، ليدخل في نطاق ما يمكن أن نسميه كيمياء الوجود المعنوي تلك العملية الروحية التي تحول ذرات العطاء المحدودة إلى مجرات من النماء اللامتناهي. حين تخرج المنفعة من يدك سواء كانت فكرة تنير عقلا، أو عاطفة تجبر كسرا، أو مالا يرفع ضيقا، فإنها لا تغادر عالمك البتة، بل تمر بتفاعل رباني يعيد صياغتها لتصبح جنتك المعنوية التي تحيا فيها قبل أن تصل إليها.

إن محيطك ليس في حقيقة الامر إلا بمثابة مختبر كبير؛ ما تضخه فيه من نبل يعود إليك نضوجا في روحك وتيسيرا في شأنك. فالعطاء ليس نقيضا من الموارد، بل هو الشرط الوحيد لاتساعها. وكما لا يمكن للنهر أن يظل عذبا إلا إذا استمر في الجريان والمنح، لا يمكن لروح الإنسان أن تزهر إلا إذا بذلت من مائها للآخرين. فكن على يقين أن كل بذرة حب أو علم أو وقت تغرسها في حقل محيطك اليوم، هي في الحقيقة أكسجين غدك، والنماء الذي سيحيطك حين تحتاج إلى الظل. أنت لا تعطي لتفقد، بل تعطي لتمتد، وتلك هي أسمى صور التجارة مع الغني ذي الجلال والاكرام جل وعلا.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

عندما يركض لاعبو المنتخب العراقي فوق المستطيل الأخضر، لا يركضون وحدهم؛ يركض معهم وطنٌ بأكمله. في تلك اللحظات، تتلاشى الحدود غير المرئية التي رسمتها السياسة، وتسقط الحواجز التي تراكمت عبر سنوات من الخلافات. هدفٌ واحد كفيل بأن يُسمِع صدى الفرح من البصرة إلى الموصل، ومن أربيل إلى بغداد، فتختلط الهتافات وتتوحد القلوب، وكأن العراق يستعيد ذاته التي يعرفها أبناؤه في أعماقهم.

حين يتأهل المنتخب، لا يسأل أحد عن دين الآخر، ولا عن طائفته أو قوميته. الشارع العراقي يتحول إلى لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تُعبّر عن وحدة حقيقية لا تحتاج إلى شعارات. الأعلام تُرفع في كل مكان، والأهازيج تنطلق بلهجات متعددة لكنها تحمل معنى واحداً: نحن هنا، معاً. في تلك اللحظة، يصبح الانتماء الأول هو للعراق، لا لغيره.

لكن، وعلى النقيض من هذا المشهد النقي، تقف الأحزاب السياسية في زاوية أخرى من الواقع. فبدل أن تستثمر هذه اللحظات الجامعة لتعزيز الوحدة الوطنية، تستمر في خطابها الذي يغذي الانقسام، ويعمّق الفجوات بين أبناء الشعب الواحد. تتعدد الأسماء والبرامج، لكن النتيجة واحدة: شروخ في النسيج الاجتماعي، وانقسامات تُضعف ما تبقى من الروابط المشتركة.

المفارقة مؤلمة؛ ففريق كرة قدم، بإمكانات محدودة، يستطيع أن يحقق ما عجزت عنه قوى سياسية تملك السلطة والموارد. لاعبون شباب يوحدون الملايين بعرقهم وإصرارهم، بينما تعجز النخب السياسية عن إنتاج خطاب جامع يُعيد الثقة بين الناس.

إن ما يقدمه المنتخب العراقي ليس مجرد انتصار رياضي، بل درسٌ بليغ في معنى الوطنية. هو تذكير بأن الوحدة ليست حلماً مستحيلاً، بل واقعاً يمكن أن يتحقق حين تتوفر الإرادة الصادقة. وإذا كان هدفٌ في مباراة قادراً على جمع العراقيين، فكم من الممكن أن يتحقق لو أن العمل السياسي اتجه نحو بناء الجسور بدل تعميق الهوة؟

يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا يستطيع الرياضيون أن يوحدوا ما تفرقه السياسة؟ وربما الإجابة تكمن في النية؛ فهناك من يلعب من أجل الوطن، وهناك من يتاجر به.

***

جورج منصور

تحنيط الإبداع وتسليع المشاعر

لعل من البديهي الاشارة إلى الإبداع، لم يعد حكرا على التجربة الإنسانية المتفردة، كما كان الحال عليه قبل الثورة الرقمية، بعد ان أصبح الابداع االيوم، قابلاً للتوليد، وإعادة الإنتاج اليا في اللحظة، بضغطة زر، اذ نحن اليوم، أمام حالة تحنيط للابداع في قوالب رقمية جامدة. اذ لاشك أن الذكاء الاصطناعي قد اتاح امكانات غير مسبوقة لصناعة النصوص، وانتاج الصور، والموسيقى، حيث بات بالإمكان إنتاج أعمال إبداعية، عند الطلب، خلال ثوانٍ معدودة.

 ولا ريب أن هذا التسارع المذهل، في التطور الحاصل في تقنيات الذكاء الإصطناعي، يحمل في طياته تداعيات كبيرة تتمثل في تفريغ الإبداع من جوهره الإنساني، فالإبداع في أصله وكما هو معروف، انعكاس للتجربة الذاتية، وللصراع الداخلي، في حين أنه عندما يختزل إلى أنماط ٱلية قابلة للتكرار، فإنه يتحول إلى منتج الي معلب، يفتقر للروح المتوهجة، والحس المرهف، فيغدو عندئذ، محنطا في هيئة ثابتة، خالية من النبص الحقيقي.

وهكذا، تصبح الأعمال المتولدة بالذكاء الاصطناعي، نسخا محسنة تقنيا، لكنها تفتقر إلى العفوية، والتلقائية، وإلى الومضة المتوهجة في اللحظة، والتي تميز العمل الإنساني الأصيل، عن غيره من الأعمال الآلية المصطنعة، التي تعجز عن ملامسة العمق الوجداني للمبدع، والمتلقي، على حد سواء.

ويتجلى تسليع المشاعر كأحد أبرز آثار هذا التحول، في تحنيطها، بحيث باتت الأحاسيس، تنتج وفقا لذائقة الجمهور، بشكل اساسي، وليس تلبية لصدق حس المبدع، واستحابة لعمق تجربته الوجدانية، حتى أصبحت القصائد تنظم لتثير الحزن، لا لأنها نابعة منه، وترسم اللوحات لتبهر العين، لا لتعكس رؤية داخلية للفنان، الأمر الذي جعل المشاعر تتحول إلى سلعة، تقاس قيمتها بعدد الإعجابات، والمشاركات، لا بعمق تأثيرها في وجدان المتلقي، ورسوخها في أعماق ذاته.

وهكذا بات الأمر يتطلب الانتباه إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي اداة محايدة، وملهمة في العملية الإبداعية، وليس بديلا عنها. ولذلك فان التحدي الحقيقي، يكمن في الحفاظ على التوازن بين التقنية، والإنسان، وبين السرعة، والتأمل، وبين الٱلية، والصدق.

فالإبداع ليس مجرد نتاج، وحسب، بل هو تجربة، داخل أعماق الذات، وبالتالي فإنه إذا ما فقد الابداع هذه الأبعاد، فإنه سيتحول عندئذ، إلى مجرد محتوى ٱلي، في فضاء لا يعرف إلا التلقي، والإستهلاك.

***

نايف عبوش

معظم دولنا فيها نسبة عالية من التصحر، وما فكرنا في إستثمارها والتفاعل معها بعقول معاصرة وبقدرات إستثمارية تسساهم في دعم الإقتصاد، وبناء المشاريع التي تحد من البطالة، وتمنحنا الشعور بالقدرة على إنجاز ما نريد.

الصحراء وجدت في الأرض لغاية مهمة، فهي غنية بالمعادن، والموارد الطبيعية، ويمكن أن تكون مصادر لإنتاج الطاقة، فلو تعلمنا كيفيات إستصلاحها كما يفعل الصينيون، وخبرنا وسائل إنشاء البحيرات الإصطناعية فيها، وأوصلنا مياه الأنهار إليها، لجنينا منها خيرا وفيرا.

في مصر نهر النيل تحيطه الصحارى، وما فكر أحدٌ بوصلها بالنهر عن طريق الأنابيب العملاقة أو شق الترع والأنهر المغذية لها.

لا يوجد في الأرض بقعة وجدت عبثا، بل لكل ذرة تراب رسالة ودور بيئي يساهم في ديمومة الحياة وتأكيد البقاء.

الصحارى من التحديات البيئية التي تستدعي تفعيل العقول لا تجديبها، وإخماد طاقاتها، وتدمير كينونة مجتمعاتها، فعقول الآخرين أخذت تستثمر في صحاراها وتوفر القدرات الكفيلة بتحويلها إلى واحات خضراء، بعد أن توفرت القدرات التكنولوجية العالية اللازمة لإنشاء الكيانات الحصارية المعاصرة في أية بقعة أرضية، مهما كانت قسوتها وتحدياتها.

إن التفاعل مع الصحارى بإستسلامية تعبير عن الإنهزامية والقنوط، وتجسيد للكسل والتراخي والإنكسار الخسراني المبيد.

فلنتواصى بتأهيل الصحارى وتحويلها إلى منشآت ذات ربحية عالية وإستثمارات إقتصادية مجزية.

تَصحّرتِ العقولُ بما اعْتراها

وألغتْ فعلها ورمَتْ عَصاها

مُقيّدةٌ بما جَهلتْ وسابَتْ

تُباركُ رَقدةً أكَلتْ جُناها

بها الصحراءُ مُنطلقُ ارْتقاءٍ

وتأهيلٌ لما مَلكَتْ ثَراها

***

د. صادق السامرائي

عندما تتجلى قيمتك في نظر نفسك، وتحرص على احترامها وتقديرها، وتسعى بوعي وإدراك إلى البحث عن السبل الكفيلة بإسعادها ونجاحها، فإنك لا تبني مجرد شعور داخلي مؤقت وعابر، بل تؤسس لنمط حياة متكامل قائم على الوعي والاتزان والثقة. وعندها ستدرك، عاجلاً أم آجلاً، أن هذه القيمة التي زرعتها في داخلك قد انعكست بوضوح في عقول وقلوب الناس من حولك، فأصبحت ترى في كلماتك، وتلمس في أفعالك، وتحترم في حضورك وغيابك. إن قيمة الإنسان لا تفرض على الآخرين جبراً وعنوة، بل تبنى داخلياً وتؤسس ثم تترجم خارجياً.

إن المتأمل في مسيرة الأفراد الناجحين يجد أن نقطة التحول الحقيقية في حياتهم لم تكن مرتبطة بظروف خارجية بعيدة عنهم بقدر ما كانت مرتبطة بتحول عميق في نظرتهم إلى أنفسهم وتطلعهم لها. فالقيمة الحقيقية للمرء تكمن أساساً في صورته الذهنية قبل أن تكون في واقعه الملموس والمعاش. هذه الصورة الذهنية هي العدسة والمجهر الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم من حوله، وهي التي تحدد مستوى طموحه، ورؤيته لنفسه ونوعية قراراته، وحدود ما يقبله أو يرفضه في حياته الشخصية والمهنية.

حين يرى الإنسان نفسه ذا قيمة، فإنه يتصرف على هذا الأساس؛ يختار ما يليق به، ويرفض ما ينتقص منه ويقلل من شأنه، ويضع لنفسه معايير واضحة لا يتنازل عنها بسهولة. لا يسمح لنفسه أن تكون رهينة لآراء الآخرين أو تقلباتهم المزاجية رضوا عنه أم رفضوه، ولا يقبل أن يساوم على كرامته مقابل مكاسب مؤقتة. بل يدرك أن كل تنازل غير واع هو خصم من رصيده الذاتي، وأن كل موقف يحافظ فيه على قيمته هو استثمار طويل الأمد في ذاته ومكسب له على المدى القريب والبعيد.

وفي المقابل، فإن التقليل من قيمة الذات لا يحدث بشكل فجائي، بل يتسلل بهدوء عبر ممارسات يومية قد تبدو بسيطة، لكنها مع التكرار تحدث أثراً عميقاً في نفسه وحياته؛ كأن يقبل الإنسان بوضع لا يليق به، أو يسكت عن حقه، أو يتنازل عن مبادئه لإرضاء الآخرين، أو يستسلم لصوت داخلي ناقد يضعف ثقته بنفسه ويحجم مدارها ومسرتها وتطلعاتها. ومع مرور الوقت، تتشكل صورة ذهنية سلبية، تقيد إمكاناته وتُكبّل حركته ونشاطه، وتحد من جرأته، وتجعله يعيش دون مستوى قدراته الحقيقية.

 إن العدالة مع الذات هي حجر الأساس في بناء القيمة الحقيقية؛ فليست العدالة أن نقسو على أنفسنا فنجلدها عند كل خطأ ونحاسبها على كل هفوة أو همسة، ولا أن نبالغ في تقديرها فنغفل عن تقصيرها ونعيش في عالم مليء بالعجب ونرجسية الذات وعشقها، بل أن نمنحها التقييم المتوازن الذي يجمع بين الاعتراف بالإنجاز والسعي المستمر للتطوير والنمو والازدهار. أن نكافئ أنفسنا عندما ننجح، ونتعلم منها عندما نخطئ، ونهذبها عند انزلاقها وخروجها عن القواعد والضوابط والممارسات الخاطئة، وأن نعاملها ككيان يستحق الرعاية والاهتمام والتقدير.

 إن قيمة الذات لا تعني الغرور أو التعالي على الآخرين والتكبر عليهم، بل على العكس، هي الوعي الحقيقي بالقدرات والإمكانات، وتوظيفها بما يخدم رسالة الإنسان في الحياة وعمارته للأرض ومهمته فيها؛ فالشخص الذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى إثبات نفسه بطريقة مبالغ فيها، ولا يسعى إلى التقليل من الآخرين ليشعر بالأهمية ولفت الانتباه وحب الظهور، بل يتحرك بثقة هادئة، ويترك أثره من خلال أفعاله لا ادعاءاته أو كلماته التي لا يكون لها ترجمة في السلوك والممارسات.

تتجلى قيمة الذات في بيئة العمل من خلال مستوى الأداء والانضباط والالتزام؛ فالموظف الذي يقدر ذاته يحرص على جودة عمله، ويسعى لتطوير مهاراته، ويتعامل مع زملائه باحترام، طامحاً لأن يكون إضافة حقيقية لمؤسسته لا مجرد رقمٍ عابر. وعلى الصعيد الاجتماعي، يحسن الفرد الذي يدرك قيمته اختيار علاقاته، ويضع حدوداً صحية تضمن عطاءه دون استنزاف، ويحب دون أن يفقد هويته أو يغفل عن رسالته.

وعند مواجهة الأزمات، تصبح قيمة الذات الفيصل في طريقة التعاطي مع التحديات؛ فإما الاستسلام للإحباط، أو إعادة ترتيب النفس والانطلاق مجدداً متجاوزاً عثرات الماضي. وهنا تبرز سمات الصبر، والمثابرة، والتعلم من الأخطاء كعوامل جوهرية للنهوض، فغالباً ما تكون الأزمات منعطفاً نحو وعيٍ جديد ونضج أعمق. إن الحفاظ على قيمة الذات هو رحلة مستمرة وسلوك يومي يتجدد في كل موقف وقرار، بدءاً من حوار الذات ووصولاً إلى المواقف الكبرى؛ فكلما زاد وعي المرء بهذه القيمة، تعززت قدرته على حمايتها وتنميتها.

ختاماً، تذكر أن قيمتك ليست رهينة بظروفك، ولا مرتبطة برضا من حولك، بل هي قرار داخلي تجسده أفعالك يومياً. إن القوة الكامنة فيك هي التي تمنحك القدرة على النهوض بعد كل عثرة، والاستمرار بعد كل توقف. لذا، احرص على ألا تبخس قيمتك، ولا تستهن بوزن شخصيتك وقدراتك وما اكتسبته من خبرات طوال مسيرتك المهنية والاجتماعية، ولا تسمح للممارسات العابرة أن تنتقص منها أو تحرف بوصلتها. كن عادلاً مع ذاتك، رفيقاً بها، حازماً في حمايتها، وواعياً في تطويرها. ارتقِ بفكرك وسلوكك ووجدانك، لترتقي بك مكانة وأثراً، وتسمو بها أمام نفسك أولاً، ثم تكبر ويعلو شأنها في أعين الآخرين.

***

د. أكرم عثمان

3-4-2026

ليس من السهل أن نكتب عن رجلٍ جمع بين صرامة الفكر وحرارة الالتزام، بين عمق المعرفة ونبل الموقف، كما فعل الأستاذ عبد الغني أبو العزم. فبرحيله، لا نفقد مجرد أستاذ جامعي أو كاتب سيرة ذاتية، بل نفقد صوتًا من الأصوات التي آمنت بأن المعرفة مسؤولية، وأن اللغة ليست أداةً فحسب، بل قدرٌ يُعاش.

لقد انتمى الراحل إلى جيلٍ لم يكن يفصل بين الثقافة والنضال، بين الفكرة والفعل. كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يقف على الهامش، بل ينخرط في قضايا عصره، يعيد مساءلتها، ويمنحها أفقًا جديدًا للفهم. لذلك، لم تكن مسيرته الأكاديمية معزولة عن انشغالاته المجتمعية، بل كانت امتدادًا لها، وتعميقًا لأسئلتها.

في قاعة الدرس، لم يكن الأستاذ عبد الغني أبو العزم مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل كان صانعًا للأسئلة. كان يفتح أمام طلبته أبواب التفكير، ويحرّضهم على الشكّ الإيجابي، وعلى إعادة النظر في المسلّمات. كان يعلّمهم أن المعرفة ليست تكديسًا للمعلومات، بل هي موقف من العالم، وطريقة في رؤيته وتأويله. لذلك، ظل أثره حيًّا في ذاكرة أجيالٍ من الطلبة الذين وجدوا فيه أستاذًا وموجّهًا، وربما أبًا روحيًا.

أما في مجال الكتابة، فقد اختار لنفسه طريقًا صعبًا: طريق السيرة الذاتية. لكنه لم يسلكه من باب الاعتراف أو التباهي، بل من باب المساءلة والتفكيك. لقد كتب ذاته كما لو كان يكتب زمنًا بكامله، فجعل من تجربته الشخصية مدخلًا لفهم تحولات المجتمع، وتقلبات الفكر، وانكسارات الحلم. كان صادقًا إلى حدّ القسوة أحيانًا، لكنه صدقٌ ضروري، يضيء مناطق العتمة في الذات وفي العالم.

غير أن الوجه الأبرز في مسيرته، والذي سيخلّد اسمه طويلًا، هو عمله المعجمي الرائد. فقد كان الراحل معجميًا من طراز خاص، أدرك أن اللغة كائن حي، وأنها في حاجة دائمة إلى من يُصغي إلى نبضها، ويتابع تحوّلاتها. ومن هنا جاء مشروعه الكبير معجم الغني، الذي لم يكن مجرد تجميعٍ للألفاظ، بل رؤية متكاملة للغة في حركتها وتجدّدها.

تميّز هذا المعجم بسعيه إلى تجاوز الطابع التقليدي للمعاجم، من خلال تقديم معجمٍ حديثٍ يراعي الاستعمال، ويقارب اللغة في سياقها الحيّ، لا في عزلتها القاموسية. لقد كان عبد الغني أبو العزم واعيًا بأن اللغة لا تُحفظ في الرفوف، بل تُصان في التداول، وأن المعجم الحقيقي هو الذي يواكب حياة الناس، ويستجيب لحاجاتهم التعبيرية. وهكذا، أسهم في تقريب اللغة من مستعمليها، وجعلها أكثر مرونةً وانفتاحًا على العصر.

إن الجمع بين السيرة الذاتية والعمل المعجمي ليس أمرًا عارضًا في مسار هذا الرجل، بل هو تعبير عن رؤية عميقة: فكما كتب ذاته ليحفظ تجربته من النسيان، كتب اللغة ليحفظها من الجمود. في الحالتين، كان يواجه الفناء بطريقته الخاصة: مرةً بالكتابة عن الذات، ومرةً بالكتابة للغة.

وفي نضاله، ظل وفيًّا لقيمه، بعيدًا عن الضجيج والشعارات الجوفاء. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُسمَعوا، بل من الذين يتركون أثرهم ليُحَسّ. كان يؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من ألف خطاب. لذلك، كان حضوره هادئًا، لكنه عميق، كجذورٍ تمتد في الأرض دون أن تُرى، لكنها تمنح الشجرة حياتها.

اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.

لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.

رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه. اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.

لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.

رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه.

***

حسن لمين

 

(.. نصف التاريخ مجازر بشرية فلو ضربت قلبه لتفجرت منه بحار من دم)... احد الحكماء

والحرب ظاهرة رافقت البشرية منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا وستبقى الى وقت غير معروف ترافقه كظله حيث عرفت كرتنا الارضية (١٤) الف حرب وصراع مسلح منذ ان وجد الانسان وقد طورا اسلحته من الاسلحة الحجرية الى المعدنية ثم إلى الطائرات الصواريخ والطائرات المسيرة وقد ذهب ضحية هذه الحروب الملايين من البشر بالاضافة إلى تدمير البنى التحتية.

اسماء والقاب بعض الحروب عبر العصور

1 - حروب ما قبل الميلاد: الحروب الفارسية - اليونانية – الحروب الفارسية - الرومانية - الحروب البونية - حروب البيلوبونيز - الحروب الميدية وتعد الحرب الفارسية - الرومانية نموجاً لحروب ما قبل الميلاد.

 الحرب الفارسية - الرومانية: دارت رطى هذه الحرب عام (٥3) قبل الميلاد عندما تمكن الرومان من احتلال بلاد الشام وشمال العراق بعد سقوط اليونانين وكانت اسباب الحرب المنافسة بين الفرس والرومان حول السيطرة على طرق التجارة وخاصة (تدمر) و(البحر الابيض المتوسط) الذي كان يسمى (بحر الروم) فكانت معركة (حران) التي انتصر فيها الفرس وابادو الجيش الروماني عن بكرة ابيه تلتها معركة (نصيبين) التي أفشلت خطط الرومان في احتلال فارس وانهت الحرب بين الطرفين

2 - حروب العصور الوسطى: الحروب الاسلامية - حروب المغول - الحروب الصليبية - حرب الوردتين

حرب الوردتين: ٤5٢ - ١٤٨٥م نشبت هذه الحرب بين اسرتين في انكلترا: اسرة لا نكستر واسرة يورك

وكان شعار لانكستر الوردة الحمراء وشعار يورك الوردة البيضاء وسبب الحرب التي استمرت اكثر من ثلاثين عاماً هو نزاع حول وراثة الحكم ومن سيخلف الملك المريض بعد مماته لانه لم ينجب وريثاً وهكذا وقعت سلسلة من الحروب انتهت بانتصار الوردة الحمراء وتنصيب (هنري تيودور) ملكاً على الكلترا .

3 - حروب العصر الحديث: حرب الافيون - الحرب المنسية - الحرب العالمية الاولى والثانية - حروب نابليون - الحرب القذرة . - حرب فيتنام - الحرب النفسية - الحرب العربية - الاسرائيلية.

 حرب الافيون: ١٨٤٠ - ١٨٤٢م - اندلعت هذه الحرب بين الصين وبريطانيا وسببها رغبة بريطانيا بتقليص نفوذ الصين على التبادل التجاري بينها وبين الدول الأخرى ، انتهت بتوقيع الصين معاهدة مع بريطانيا - وسميت هذه الحرب بهذا التسمية لانها بدأت بقيام الجمهور الصيني اطراق سلع صدرتها بريطانيا الى الهند وتبين انها مؤلفة من مادة الافيون .

الحرب المنسية: وهي الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بسبب ضرب بريطانيا سفينتين امريكيتين بالاضافة الى كراهية الامريكان بريطانيا حيث أخذ الكونغرس الأمريكي يدعو للحرب ضد بريطانيا غير ان بريطانيا حاولت تجنب الحرب لانها كانت تعاني من ازمة اقتصادية الا ان الحرب اندلعت عام ١٨١٢ وقد اطلق الامريكان عليها اسم (حرب الاستقلال الثانية)، وقد انتهت الحرب بمعاهدة بين الطرفين ، اما لماذا سميت بالحرب المنسية فيعود ذلك الى ان كثير من المصادر التأريخية التي كتبت عنها تعرضت للتلف وقد اكتنفها الكثير من الغموض

الحرب القذرة: وقعت هذه الحرب في عام ١٩٨٢ م بين بريطانيا والارجنتين في جزر الفوكلاند التي تقع في جنوب المحيط الاطلس ولها أهمية من الناحية الاستراتيجية اما الصراع بين بريطانيا والارجنتين حول هذه الجزر فقديم وذلك لان بريطانيا ومنذ القرن الخامس عشر تقلدت الدور القيادي في الثورة الصناعية وكانت بحاجة إلى المواد الاولية والايدي العاملة والاسواق لتصريف منتجاتها الصناعية لذلك قامت بريطانيا باحتلالها وقد صادف في عام ١٩٨٢ مرور ١٥٠ عاماً على احتلال بريطانيا هذه الجزر التي كانت تحت سيادة الارجنتين فقررت الارجنتين استرجاع سيادتها على الجزر بالقوة المسلحة فوقعت الحرب التي هزمت فيها الارجنتين - اما سبب تسميتها بالحرب القذرة فيعود إلى استخدام الارجنتين إلى الهجمات السريعة والانسحاب السريع فضلاً عن كون الحرب كان صراعاً سياسياً لإنقاذ النظام الدكتاتوري في الارجنتين من السقوط

4 - الحروب الاهلية: الحرب الاهلية الامريكية - الحرب الاهلية الروسية الحرب الاهلية الاسبانية - الحرب الأهلية اللبنانية الحرب الأهلية السودانية.

الحرب الأهلية اللبنانية: 1975 م – 1990 م

حدثت هذه الحرب في لبنان وقد ادت إلى سقوط آلاف اللبنانين بين قتيل وجريح وتشريد الآلاف من منازلهم اما اسباب الحرب فهي عديدة منها أن النظام اللبناني نظاماً طائفياً وقد اختل توازنه بالاضافة الى انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان ومقتل عدد من الفلسطينين بعد اطلاق النار عليهم فضلا عن التنافس السياسي بين الاحزاب اللبنانية ولم تتوقف الا بعد التدخل السوري .

5 - حروب بالارقام: حرب المئة سنة - حرب الاسابيع السبعة - حرب السبع سنوات - حرب الثلاثين سنة - حرب الايام السنة - حرب الثماني سنوات .

حرب الايام الستة: ١٩٦٧م - هي الحرب التي وقعت بين اسرائيل وكل من مصر - سوريا - العراق - الاردن وسبب الحرب هو اعلان الرئيس المصري جمال عبد الناصر اغلاق مضايق (تيران) بوجه الملاحة الاسرائيلية ومنع السفن من تزويد اسرائيل بالسلع والبضائع واستمرت الحرب سنة ايام حيث اعلن مجلس الامن الدولي وقف اطلاق النار وقد انتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية واحتلال اسرائيل الضفة الغربية لنهر الاردن وسيناء وهضبة الجولان لذلك اعتبرت نكسة جديدة في تاريخ العرب .

6 - اسماء والقاب اخرى للحروب: الحرب النفسية - الحرب الجرثومية - حرب كوريا - حرب الاسعار - الحرب الباردة - حرب النجوم - حرب التحرير - الحرب العرضية – حرب القرم - حرب البوير - الحرب الخاطفة - حرب البسوس .

7 - اقصر حرب في التاريخ: ان اقصر حرب في التاريخ هي الحرب التي اندلعت بين بريطانيا وزنجبار عام ١٨٩٦م واستمرت (٤٥) دقيقة انتهت باستسلام زنجبار – فيا لها من حرب ضروس.

***

غريب دوحي

حذق: تعلّم، عرف معرفة كاملة.

تحذّق: تكلف الحذق وتظاهر به. أي إدّعى المعرفة وهو الجاهل بما يرى ويقول.

التحاذق سلوك يطغى على العديد من المدونات التي وردت إلينا من السالفين، خصوصا عندما يُطرح سؤال على الذين يحسبون أنفسهم من العارفين، فيتمنطقون بعبارات غريبة ليثبتوا للسائل بأنهم يعرفون، وما تجد موطنا لعبارة لا أعرف في تفاعلاتهم مع معاصريهم.

هذه التحاذقية شوّهت الحقائق، ودونت التصورات والتوهمات وما نطقت بصدق وأمانة، فكيف يدّعي المعرفة مَن لا يعرف؟

وفي بعض المجتمعات الخائبة تجد التحاذقية سائدة ومؤثرة في الواقع اليومي، ومحكومة بقانون لا يدري ويدري أنه يدري، وتلك مأساة مدلهمة، تضرب في أرجاء وجودٍ يتآكل، ويندثر في غياهب الغابرات.

فالواقع البشري يؤكد أن الشخص يعرف شيئا وتغيب عنه أشياء وأشياء، لكنه يتقوقع في ما يتوهم درايته وينكر غيره، أي أن وهم المعرفة يهيمن على وعيه، ويخرجه عن سواء السبيل.

"من قال أنا عالم فهو جاهل"

"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

"فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً...حفظت شيئا وغابت عنك أشياء"

"إني أعرف شيئا واحدا، وهو أني لا أعرف"

"يجب أن تتعلم كثيرا لكي تفقه قليلا"

كلّها تدري وتدري كلّها

ضاعَ علمٌ في ثنايا جَهلها

زمنٌ فاقَ قروناً سَبقتْ

وتَعالى مُسْتبيحاً وعْيَها

أطلقَ الإدراكَ في أفلاكِها

وبهِ الأكوانُ ألقتْ حِمْلها

***

د. صادق السامرائي

 

يشكّل الذكاء الاصطناعي امتدادًا متقدمًا للعقل الهندسي البشري، غير أنه في الآن ذاته راكم قدرات نوعية أعادت تشكيل قواعد إنتاج المعرفة، وأثّرت بشكل عميق في نماذج التكوين والمهن الهندسية. ولم تعد الهندسة، في صيغتها التقليدية، قادرة على الاستجابة لتحولات عالم يتجه بسرعة نحو هيمنة الخوارزميات وتوسّع مجالات الأتمتة والإبداع الآلي. نحن، إذن، أمام واقع جديد تتقاطع فيه الفرص الكبرى مع تحديات غير مسبوقة، يضع المغرب، باعتباره بلدًا صاعدًا، في قلب رهانات ثورة الذكاء الاصطناعي.

لقد بدأ العالم يودّع أنماط الهندسة الكلاسيكية، بمختلف تخصصاتها وآليات اشتغالها، لصالح ما يمكن تسميته بـ"الهندسة الذكية"، التي تقوم على التفاعل الخلاق بين الإنسان والآلة. ولم يعد مهندس الغد مطالبًا فقط بإتقان الأدوات التقنية، بل أصبح مدعوًا إلى ابتكار صيغ جديدة تدمج بين القدرات البشرية وقوة الذكاء الاصطناعي، بما يتيح إنتاج حلول مركّبة وفعّالة. ويُعدّ هذا التحول مدخلًا أساسيًا لتعزيز السيادة التكنولوجية، باعتبارها ركيزة مكمّلة للسيادة الوطنية، وشرطًا ضروريًا للاندماج الفعّال في اقتصاد المعرفة.

وفي هذا السياق، لا يمكن للمغرب أن يضمن تموقعه ضمن التحولات العالمية الكبرى، إلا من خلال الارتقاء بالمنظومة الهندسية على المستوى المؤسسي، عبر تطوير منظومات التكوين، وتنمية مهارات جديدة عابرة للتخصصات، وتمكين الكفاءات الوطنية من ولوج المواقع المتقدمة داخل سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية. فالهندسة لم تعد مجرد وظيفة تقنية، بل أصبحت رافعة استراتيجية لإنتاج الثروة وصياغة السياسات العمومية.

إن الدولة اليوم في حاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لدور المهندس، ليس فقط كفاعل تقني، بل كشريك في صناعة القرار العمومي. فمستقبل التدبير الترابي - من خلال المدن الذكية، والبنيات التحتية المتصلة، والتحول الرقمي للإدارة ... - لن يستقيم دون إدماج فعلي للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تأطير استعمالاته بإطار تشريعي وأخلاقي متين. كما أن بروز ريادة أعمال هندسية موجّهة للسياسات العمومية يفتح آفاقًا جديدة لإعادة تشكيل سوق الشغل، حيث ستندثر بعض المهن، وتظهر أخرى، وتتغير طبيعة العمل بشكل جذري.

إن التحولات المتسارعة التي أفرزتها الثورة الرقمية، والتي بدأت تُربك توازنات النسيج الاقتصادي الوطني، جعلت من الذكاء الاصطناعي محددًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. وفي قلب هذه الدينامية، يتموقع قطاع الهندسة، سواء من حيث تطوير الحلول الذكية، أو من خلال إعادة تعريف أدوار المهندس، أو عبر الإسهام في إنتاج سياسات عمومية مبتكرة.

وأمام هذه التحولات، يصبح من الضروري أن يطرح المغرب، دولةً ومجتمعًا، أسئلة جوهرية حول مدى جاهزية منظومته الهندسية لمواكبة هذه الدينامية، وقدرتها على الإسهام في تحقيق تنمية مستدامة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وتقليص الفجوة الرقمية.

وعليه، تبرز الإشكالية المحورية التالية:

كيف يمكن للهندسة بالمغرب أن تتأقلم مع تحولات الذكاء الاصطناعي، وأن تتحول من مجرد أداة تقنية إلى رافعة استراتيجية للتنمية وصنع القرار؟

***

الحسين  بوخرطة

 

منذ ظهور الأرقام في مهد الحضارات في وادي الرافدين تعاملت الأمم مع الأرقام ليس كرموز حسابية فقط بل أضفت عليها معاني روحية ومعتقدات غيبية تتعلق بالكون والخلق. وقد تشابهت الشعوب رغم اختلاف أديانها وثقافاتها في تقديس أرقام معينة حتى أصبحت جزءًا من هويتها الدينية والثقافية ورمزا لتقاليد معينة. تقديس الأرقام ليس مسألة خرافية بل هو انعكاس لطريقة الإنسان في فهم الكون. الأرقام لغة رمزية مشتركة بين الشعوب رغم اختلاف معتقداتها وهي تكشف عن حاجة الإنسان الدائمة إلى النظام والارتباط.

أسباب تقديس الأرقام: تقديس الأرقام يرتبط بعدة عوامل: الارتباط بالظواهر الكونية عدد أيام الأسبوع والشهر والسنة، الفصول الأربعة، الاتجاهات الأربعة ودورات الشمس والقمر. هذه الظواهر ربطت بعض الأرقام بنظام الكون الطبيعي فاعتبرتها البشرية مقدسة. الرموز الدينية الأديان استخدمت الأرقام في عدد الصلوات، عدد أيام العبادة كالصيام، عدد الملائكة أو عدد السماوات. الكتب المقدسة عندما تذكر ارقام معينة بكثرة في كتاب مقدس تكتسب معنى خاصا وتكتسب القداسة. طبيعة الانسان النفسية الإنسان يميل إلى البحث عن أنماط معينة ليتمكن من تصنيف ما حوله من ظواهر، فيرى في الأرقام رسائل أو إشارات ذات دلالات معينة.

الأرقام المقدسة في الأديان الإبراهيمية: الرقم 1 مقدس في الإسلام واليهودية. الرقم 3 مقدس في المسيحية وبعض الطقوس اليهودية. الرقم 4 يرمز إلى الجهات الأربع الفصول الأربعة العناصر الأربعة (نار، ماء، هواء، تراب) مقدس في اليهودية. الرقم 7 أشهر الأرقام المقدسة على الإطلاق. في الإسلام السماوات السبع الطواف سبع مرات السعي سبع مرات أبواب جهنم سبعة آيات سورة الفاتحة سبع آيات. في اليهودية السبت اليوم السابع وسبع سنوات للراحة الزراعية. في المسيحية سبع فضائل سبع خطايا. سبب قدسيته يرمز إلى الكمال والتمام، لأنه ناتج عن اتحاد الرقمين 3 (الروح) و4 (المادة).

الرقم 12 يرمز إلى التنظيم الكوني في الأديان، 12 سبطًا لبني إسرائيل 12 حواريًا للمسيح 12شهرًا في السنة 12 إمامًا عند الشيعة وعند الصوفية الابدال 12. الرقم 40 يرمز إلى الامتحان والابتلاء. في الإسلام بلوغ النبوة عند الأربعين، مكث موسى 40 ليلة ، الطوفان 40 يومًا. في المسيحية صيام المسيح 40 يومًا واليهودية التيه 40 سنة.

الأرقام المقدسة في الديانات الشرقية: في الهندوسية الرقم 108 مقدس جدًا عدد حبات المسبحة عدد الآلهة الثانوية عدد الطاقات الروحية. في البوذية الرقم 8 يمثل الطريق النبيل الثماني. الرقم 108 تمثل عدد الرغبات البشرية التي يجب التحرر منها.

الأرقام المقدسة في الحضارات القديمة الكبرى مثل الحضارة المصرية، البابلية، اليونانية، والهندية، التي نقلت رمزية الأرقام إلى العالم. في الحضارة المصرية القديمة يرمز رقم 3 الى الحياة والموت والبعث كما يرمز الرقم 9 إلى تاسوع الآلهة، اما الرقم 42 يرمز الى قضاة محكمة الموتى. في الحضارة البابلية الرقم 60 أساس نظامهم العددي الرقم 7 مرتبط بالكواكب السبعة المرئية. في الحضارة اليونانية يرمز الرقم 4 الى العناصر الأربعة ويرمز الرقم 10 للكمال عند فيثاغورس. في الحضارة الصينية يرمز رقم 8 الى الحظ والازدهار ويرمز الرقم 9 الى الإمبراطور والرقم 4 يرمز الى النحس لأنه يشبه كلمة موت.

التفسير النفسي والاجتماعي لتقديس الأرقام: الأرقام تمنح الإنسان شعورًا بالسيطرة في عالم مليء بالفوضى تمنح الأرقام معنى ونظامًا. الأرقام تسهل حفظ التعاليم مثل 7، 12،40 والأرقام تُستخدم كرموز تختصر مفاهيم روحية معقدة. الأرقام تُعطي طابعًا قدسيًا للطقوس كلما كان الرقم ثابتًا، زادت قوة الطقس.

الرقم 1 في الفلسفة اليونانية القديمة: فيثاغورس والواحد اعتبر فيثاغورس أن الرقم 1 هو أصل الأعداد كلها ومبدأ الوجود ورمز الوحدة الكونية. كان يرى أن الواحد هو النقطة الأولى التي تنبثق منها الخطوط والأشكال، وبالتالي الكون. أفلاطون والأرقام في فلسفة أفلاطون الواحد هو عالم المثل هو الخير الأسمى هو مصدر كل وجود. أرسطو اعتبر أن الواحد هو مبدأ الهوية والشرط الأول للمعرفة.

الرقم 1 في الحضارات القديمة: الحضارة المصرية القديمة بداية الخلق وحدة الملك (الفرعون الواحد). الحضارة البابلية رغم نظامهم الستيني، اعتبر البابليون الرقم رمزًا للبدء رمزًا للإله الأعلى مردوخ. الحضارة الصينية في كتاب التاو تي تشينغ الواحد يولد الاثنين، والاثنان يولدان الثلاثة، والثلاثة تولد كل الأشياء الواحد هنا هو الطاو، أصل الكون.

الرقم 1 في التصوف الإسلامي: وحدة الوجود: عند ابن عربي والواحد هو الوجود الحق كل شيء آخر تجلٍّ لهذا الواحد. وحدة الشهود: عند الصوفية رؤية الله في كل شيء إدراك أن الكثرة مجرد مظاهر للوحدة. الدلالات الرمزية للرقم1 البداية أول يوم أول خطوة أول حرف. التفرد: الواحد لا يتكرر، لذلك يرمز إلى الأصالة الهوية الذات الوحدة: يرمز إلى وحدة الخالق وحدة الكون وحدة الإنسان مع ذاته. الاستقامة: الرقم 1 خط مستقيم، لذلك يرمز إلى الحق الصدق الطريق المستقيم. اكتسب الرقم 1 قدسية عالمية لأنه أصل الأعداد كل الأرقام الأخرى مضاعفات للواحد لأنه يمثل البساطة والكمال لا يحتاج إلى غيره لأنه يعكس فكرة الإله الواحد في معظم الديانات التوحيدية ولأنه رمز فلسفي للوجود الوجود واحد والكثرة مجرد مظاهر.

***

احمد المغير

 

في يوم الأرض الخالد

يتهادى الكلام في مطالع الحكاية على نبرٍ رخيم كأنّه مقامٌ ينساب من عودٍ قديم، وتولد الأرض في اللغة نغمةً أولى، وتستقر في القلب إيقاعًا لا يخبو، فتتعانق الحروف كما تتعانق السنابل في مواسم الامتلاء، ويغدو اللفظ مرآةً لسرٍّ عميق يسكن التراب ويصعد منه نورًا يتوزّع على المعاني.

يا أرضُ، يا نغمةً تتردّد في مقام الصبا عندما يشتد الشوق، ويا وترًا يعلو في مقام البيات عندما يفيض الدفء.

فيكِ تستقيم الجملة، وتعتدل القافية، ويجد الحرف طريقه نحو اكتماله.

فيكِ تتآلف المقامات من حجاز يفيض حنينًا، ورستٌ يرسو على اليقين، إلى نهوندٌ يبوح بما يختلج في الصدر من أسرار.

على ثراك تتشكّل اللغة كما تتشكّل الأغنية، فتبدأ همسًا، ثم تعلو رويدًا حتى تبلغ ذروة الإحساس، ثم تعود لتستقر في قرارٍ عميق يشبه استقرار الجذور في باطن التراب.

كلّ كلمةٍ تمشي على إيقاعٍ داخلي، وكلّ جملةٍ تنحني كما ينحني العود بين يدي العازف، فتغدو الكتابة طقسًا من طقوس الانتماء.

في حضرة الأرض يصفو اللسان، ويزدان البيان، وتغدو العبارة كأنها جملة موسيقية تتوزع بين مدٍّ وجزر، وبين ارتفاعٍ وانخفاض حتى تكتمل في أذن السامع صورةً سمعيةً وبصريةً في آنٍ واحد.

هكذا تُفتتح الحكاية مقامًا يفيض عذوبة، ونصًا يتوشّح الإيقاع، وقلبًا يجد في الأرض لحنه الأول والأخير.

في الثلاثين من آذار تتسع الذاكرة حتى تصير سماءً كاملة، وتنهض الأرض من عمقها كأمٍّ تنفض عن كتفيها غبار السنين، وتستقبل أبناءها بنداءٍ يعرفونه كما يعرفون أسماءهم.

خمسون عامًا تمضي منذ لحظة اشتعال الوعي في الجليل، وما زالت الحكاية تتجدد كنبعٍ يتدفّق من صخرٍ صلب يروي العطش المتوارث جيلًا بعد جيل.

في عام 1976 انفتح المشهدٍ المشحون بالحياة، وتحوّل التراب إلى معنى، وصارت الحقول بيانًا مفتوحًا يعلن قداسة العلاقة بين الإنسان وأرضه.

ستة شهداء ارتقوا كأغنيةٍ عالية حفرت حضورها في الوجدان، والعشرات من الجرحى كتبوا بأجسادهم نصًّا حيًّا، والمئات من المعتقلين حملوا الحكاية إلى الزنازين فصارت الجدران دفاتر تحفظ صدى الأصوات الأولى.

لم تكن بقعة صغيرة، فقد كانت واحد وعشرين ألف دونم من الجليل حملت آنذاك عبق المواسم، وعرق الفلاحين، وحكايات البيوت التي تتكئ على سفوح التلال، إذْ تمتد أشجار الزيتون كقصائد صامتة، ويتجلّى المعنى في أبسط تفاصيله: حفنة تراب، وظل شجرة، ورائحة خبز، وطفولة تركض بين السنابل. تلك المساحات تحوّلت إلى مرآةٍ تعكس هويةً كاملة، فغدا الدفاع عنها دفاعًا عن الذاكرة، وعن المستقبل الذي ينمو في رحم الحكاية.

ومن هذه اللحظة المفصلية انبثقت في الشعر الفلسطيني طاقةٌ إبداعية هائلة جعلت من الأرض محورًا تدور حوله الكلمات، ومن التراب نغمةً أساسية في سيمفونية المقاومة.

هنا يطلّ محمود درويش حاملًا الأرض في قصائده كما يحمل القلب نبضه، فتأتي قصيدته “سجّل أنا عربي” كصرخةٍ مشبعة بالكرامة، وتتحوّل الأرض في نصوصه إلى أمٍّ، وإلى معشوقةٍ، وإلى ذاكرةٍ حيّة تنبض في تفاصيل اللغة.

تصير الأرض في شعره أكثر من مكان، وتصبح كيانًا يكتب الإنسان من خلاله ذاته، ويستعيد عبره ملامحه الأولى.

وبالقرب من هذا الصوت يقف سميح القاسم الذي صاغ من الأرض نشيدًا لا يخبو، وجعل من الصمود قصيدةً تمشي على قدمين.

يتجلى التراب في كلماته كقوةٍ دافعة تحمل الإنسان نحو الثبات، وتمنحه القدرة على تحويل الألم إلى فعلٍ خلاق. فالأرض في شعره تتزيّن بالكبرياء، وتغدو رمزًا للكرامة التي تنمو كما تنمو السنابل في مواسم الخير.

ويأتي توفيق زياد ليكتب الأرض بلهجة الناس البسطاء، ويجعل من تفاصيل الحياة اليومية مادةً شعرية نابضة.

ففي قصيدته “هنا باقون” تتحوّل الأرض إلى وعدٍ دائم، وإلى حضورٍ متجذر في الوجدان، فالكلمات تشبه الحجارة في صلابتها، وتشبه الزهور في رقتها عندما تتفتح على الأمل.

أما فدوى طوقان فتنسج من الأرض حكايةً مفعمة بالعاطفة والحنين، وتكتبها بصوتٍ أنثويٍّ يفيض بالصدق والدفء.

في شعرها تتجلّى الأرض كحضنٍ واسع، يحتضن الألم والأمل معًا، ويمنح الروح مساحةً للتحليق رغم ثقل الواقع. كلماتها تنساب كجدولٍ رقراق يحمل بين ضفتيه وجعًا شفيفًا، وإصرارًا عميقًا على البقاء.

وفي هذا السياق تتواصل الأصوات فيحضر معين بسيسو الذي جعل من الأرض ساحةً للثورة الشعرية، ومن الكلمة أداةً للفعل والتغيير.

تتّقد قصائده بطاقةٍ مشتعلة، وتجعل القارئ يعيش لحظة المواجهة بكل تفاصيلها، فالأرض تنبض بالحياة، وتدعو أبناءها إلى الانتماء الفاعل.

هكذا يتكامل المشهد بين الحدث والتعبير، فيوم الأرض لحظة تاريخية، والشعر ذاكرة حية تحفظ تلك اللحظة وتعيد إنتاجها في كل زمن.

تغدو الكلمات هنا فعل حضور يربط الإنسان بأرضه عبر خيوطٍ من المعنى العميق.

ففي الذكرى الخمسين تتجلّى هذه الأصوات كجوقةٍ واحدة تغنّي للأرض بلغاتٍ متعددة، وتكتبها بصيغٍ شتى، ومع ذلك تلتقي جميعها عند جوهرٍ واحد، فالأرض روحٌ تسكن الإنسان، وهويةٌ تنمو في أعماقه، وقصةٌ تستمر في التشكل مع كل شروقٍ جديد.

ومهما عتت الرياح تبقى الأرض نصًا مفتوحًا يكتبه الشعراء بمداد القلب، ويقرؤه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، فتغدو الحكاية أوسع من زمنها، وأعمق من حدودها، وتظلّ نابضةً بما يحمله الإنسان في داخله من حبٍّ وانتماء.

وفي الشعر الفلسطيني يتخذ عنوان “الأرض” هيئة كونٍ كامل يتجاوز حدود الموضوع ليغدو جوهر التجربة، ومنبع اللغة، وسرّ النبرة التي تتردّد بين الحنين واليقين.

فالأرض ليست مفردةً ضمن قاموس، فهي مركز الدائرة التي تتشكل حولها الرؤية، فتنبثق منها الصور، وتتوالد منها المعاني، وتتشابك عندها الأزمنة.

ومنذ البدايات ارتبطت الأرض في الوعي الشعري الفلسطيني بحضورٍ عضويّ، إذْ تتماهى مع الجسد، وتتمازج مع الروح، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية كما يدخل الضوء إلى البيوت.

ولنا في ذلك صولات وجولات مع شعراء المقاومة الفلسطينية، فلو عدنا مجدّدا إلى درويش وحدّقنا في قصائده سنرى الأرض تتجلّى ككائنٍ حيّ يبادل الإنسان الشعور، ويشاركه الذاكرة، فتتحول إلى أمٍّ حينًا، وإلى حبيبةٍ حينًا آخر، وإلى مرآةٍ يرى فيها الشاعر ذاته.

وتتكثف الرموز في لغته، فيصير الزيتون ذاكرةً، والقمح وعدًا، والبحر أفقًا مفتوحًا على الحلم.

أما عند سميح القاسم فتغدو الأرض عنوانًا للكرامة المتجذرة، وتتخذ القصيدة شكل موقفٍ صلب يفيض بالحياة.

ففي نصوصه تتقدم الأرض بوصفها قيمةً عليا تحمل في طياتها معاني الثبات، وتُغذّي الروح بطاقةٍ لا تنضب. وكلماته تشبه خطى الفلاح في حقله، واثقة راسخة تنتمي إلى المكان كما ينتمي النبض إلى القلب.

وفي شعر توفيق زياد تتجسد الأرض في أبسط صورها وأكثرها صفاءً، وتتماهى مع تفاصيل الحياة اليومية: البيت، والشجرة، والحجر، والطريق.

هذه البساطة تمنح الأرض عمقًا إنسانيًا يجعلها قريبة من وجدان الناس، ويحوّلها إلى رمزٍ مشترك يلتقي عنده الجميع.

فالأرض وعدٌ بالاستمرار، ونغمةٌ جماعية تنبض في صوت الجماهير.

وتأتي فدوى طوقان لتمنح الأرض بعدًا وجدانيًا رقيقًا، لتنسج منها حكايةً مشبعة بالعاطفة.

وفي قصائدها تتفتح الأرض كحديقةٍ من المشاعر، وتجمع بين الألم والرجاء، كما تعبّر عن علاقةٍ عميقة تتجاوز المادي إلى الروحي.

وحضورها في النص يشبه حضنًا دافئًا يختزن الذكريات، ويمنح الشاعر مساحةً للتأمل والبقاء.

ويتوسع العنوان أكثر في شعر معين بسيسو، وتتحول الأرض إلى ساحةٍ للفعل والحركة، وإلى رمزٍ للثورة المتواصلة.

فاللغة عنده مشتعلة، والإيقاع متسارع، ويكأنّ القصيدة تتحرك على أرضٍ تهتز بالحياة، ويغدو العنوان طاقةً دافعة تدفع بالكلمات نحو التغيير، وتمنحها بعدًا جماهيريًا.

ومن خلال هذا التنوع يتضح أنّ “الأرض” في الشعر الفلسطيني عنوانٌ متعدد الطبقات يحمل أبعادًا متداخلة، فهو ذاكرةٌ جماعية تختزن الماضي، وهويةٌ حاضرة تتشكل في الآن، وأفقٌ مستقبليّ يتطلع إلى الامتداد.

وهو في الوقت ذاته صورةٌ حسية ملموسة، ورمزٌ معنويّ عميق يجمع بين البساطة والتعقيد في آنٍ واحد.

تتكرر مفردات الأرض في القصائد: من الزيتون، فالتراب، فالسنابل، فالحقول، إلى الجبال، فتغدو هذه العناصر علاماتٍ لغوية تشير إلى منظومةٍ كاملة من المعاني.

ومع التكرار تكتسب هذه المفردات طاقةً رمزية تجعلها قادرة على حمل التجربة بكل ثقلها وخفّتها، وبكل ألمها وأملها.

وفي الذكرى الخمسين ليوم الأرض يتجدد هذا العنوان في القصيدة الفلسطينية، فيكتسب أبعادًا جديدة دون أن يفقد جذوره الأولى.

فالشعراء يواصلون كتابة الأرض بمدادٍ متجدد يواكب التحولات، ويحتفظ في الوقت ذاته بروح البدايات.

وهكذا يظل العنوان مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي، وقادرًا على استيعاب التجربة بكل تنوعها وثرائها.

إنّ الأرض في هذا الشعر نصٌّ حيّ يتنفس مع الإنسان، وينمو معه، ويعيد تشكيل ذاته في كل قراءة.

إنها ليست موضوعًا يُكتب عنه، إنما كيانٌ يُكتب من خلاله، وحضورٌ يضيء اللغة من الداخل، فيمنحها صدقها وعمقها واستمرارها.

في ختام النشيد يهدأ الإيقاع ليصير عمقًا، وتستقر النغمة على قرارٍ راسخ، وتقوم الأرض مقامًا لا يزول، وتنهض في الروح وعدًا يتجدّد مع كل شروق حتى تتآلف المقامات في لحنٍ أخير، هو رستٌ يرسو على الثبات، وحجازٌ يسكب الشجن نورًا، وبياتٌ يحتضن الدفء في قلب الحكاية.

فيا أرضُ، يا وترًا مشدودًا بين الصبر والبقاء، فيكِ تمضي الخطى على ميزانٍ لا يختل، وفيكِ تنبت الحروف كما تنبت السنابل في موسم الامتلاء.

إنّ كلّ جذرٍ فيكِ قصيدة، وكلّ حجرٍ رواية، وكلّ نسمةٍ مقامٌ يعلّم القلب كيف يستقيم على نغمة الصمود، ليمتد اللحن، ويتصاعد، ثم يعلو حتى يبلغ ذروة اليقين، فتتجلّى الحكاية في أكمل صورها، في حضور دائم، وانتماء يزهر في كل حين، ونبض يتوارثه الأبناء كما تتوارث الأغاني أصداءها.

في هذا المقام الأخير تتوحّد الأصوات، وتصفو العبارة، وتغدو النهاية بدايةً أخرى تكتبها الأرض بمداد الحياة، ويستقر النشيد في ذاكرة الزمان مقامًا خالدًا، ولحنًا يتردّد في الأعماق، ويحمل سرّ البقاء، ويعلن أنّ الأرض تعرف أهلها، وأن الإيقاع مستمر، وأنّ الحكاية تمضي مقامًا بعد مقام حتى يكتمل اللحن في أفقٍ من صمودٍ لا ينفد، وبقاءٍ يتجدّد كالفجر في كلّ يوم. سنردّد يومًا ما نشيد الأرض، وستعلو حناجرنا بالقصيد:

يا أرضُ يا نغماً يُقيمُ مقامَهُ

بينَ القلوبِ ويستفيقُ بيانُ

فيكِ ابتدأنا والسنابلُ شهقةٌ

خضراءُ يكتبُ ظلَّها الإنسانُ

نمضي وفي وترِ الترابِ قصيدةٌ

عذراءُ يعزفُ لحنَها الإيمانُ

تبقينَ ما دامتْ على شرفاتِنا

شمسٌ وما في صدرِنا وجدانُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الحياة ليست شيئاً واحداً، وليست مجرد خط مستقيم من الرخاء أو نهر متدفق من السعادة والهناء الدائم؛ إنها موج يتناوب فيه المد والجزر، والشدة واللين، والضوء والعتمة. في أوقات السعة، ينشغل الإنسان بنجاحاته وتستغرقه الحركة والإنجاز، فيظن للحظات أن الدنيا استقرت له وخضعت لإرادته. لكن ما إن تضيق الأحوال وتشتد الأزمات والكروب، حتى ينكفئ على نفسه ليبدأ بحسابات مرهقة تثقل كاهله، كأنما انقلب العالم عليه فجأة دون سابق إنذار.

المشكلة ليست في تقلب الحياة، فهو من سننها، بل في أن يسمح الإنسان لتقلبها أن ينفذ إلى قلبه ويتسلل الهوان والضعف فيه، فيضعف ثقته ويزرع فيه الهم والغم، ويثقل روحه بالحزن والكآبة. حينئذ لا تكون الأزمة خارجية فحسب، بل تصبح داخلية أيضاً تنال منه ومن قواه ونفسه، فتصيبه في مقتل، وتضاعف أثرها وتسرق منه توازنه وحكمته وأجمل ما فيه.

الإنسان الواعي يدرك أن للحياة وجهين لا ينفصلان: رخاء ونجاحات وهناء وسعادة يختبر فيه بالشكر والامتنان للمنعم والنعمة التي حصل عليها، وضيق قد يحاصره وتضييق به الدنيا يختبر فيه بالصبر والاحتساب والثبات في مواجهة العواصف والأزمات. وما بينهما تتشكل شخصيته وتصاغ قوته وتماسكه وصلابته. فإذا أحسن في زمن السعة والرخاء، فجعل حياته قائمة على حساب وإدارة لوقته وعمره وماله، واستثمر نعمته في الطاعة والتقرب والعمل دون أن ينسى شكر ربه، كان أقدر على الثبات والاستمرار دون معاناة حين تضيق به الدنيا وتتزلزل أركانها وكياناتها. وإذا نزلت به الشدائد، لم ينسَ نفسه، ولم يسلم قلبه للهزيمة والضعف والانكسار، بل تذكر أن ما يمر به مرحلة ستنتهي وتنقضي ساعاتها وأيامها، وما يبقى هو الحضور والقوة بعد صبر وثبات.

أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان في خضم الأزمات والصراعات والحروب ليس الخسارة المادية ولا تعثر الطريق أو فقدان ما امتلكه المرء وجناه، بل أن يخسر نفسه؛ أن يفقد بوصلته، ويستسلم لفكرة الضعف والهوان والهزيمة، ويسلم قياده لليأس والإحباط والسكون. هنا يتحول الألم من تجربة عابرة إلى حالة دائمة تثقله ويتآكل به كيانه ووجوده. أما من يحفظ قلبه، فيبقى-رغم الألم- متماسكاً جلداً قوياً لا تهزه ولا تهزمه مصائب أو خسارات، يرى في المحنة أمل ومنحة ومعنى وقيمة يستحق أن يعيش لأجلها، وفي الضيق درساً وعبرة وعظة، وفي الصبر طريقاً للعبور والخلاص والنجاة.

إن القوة الحقيقية ليست في غياب الضعف، فهذا ممكن وطبيعي للبشر أن ينال منهم ذلك، بل في القدرة على منعه من الوصول إلى القلب والوجدان. أن تتعب نعم، أن تقلق نعم، أن تحزن نعم، لكن أن تظل من الداخل ثابتاً، متماسكاً، مؤمناً بأن بعد الضيق سعة، وبعد العسر يسراً وفرجاً يزيل الهموم والغموم والكربات. هذه هي المعادلة التي تصنع الإنسان الصلب: وعي بطبيعة المرحلة والحياة برمتها وطبيعتها، وثقة بالله عز وجل أن يزيلها ويفرج عن كرباتها، وإرادة لا تنكسر مهما نال منها الزمن والأحداث ومجريات الأمور. " وكما جاء في الحديث - عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ : كنتُ رِدفَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فالتفتَ إليَّ فقالَ : يا غلامُ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ ، تَعرَّف إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ ، يَعرِفْكَ في الشِّدَّةِ قد جفَّ القلَمُ بما هوَ كائنٌ ، فلَو أنَّ الخلقَ كُلَّهُم جميعًا أَرادوا أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ لَكَ ، لَم يَقدِروا عليهِ ، أو أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ علَيكَ ، لَم يقدِروا علَيهِ … واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ ، واعلَم أنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ ، وأنَّ معَ العُسرِ يُسرًا. أخرجه الترمذي وأحمد

نافلة الأمر عندما تضيق الدنيا، لا تضعف فكرياً ولا ذهنياً وتنهزم روحك ونفسيتك عن مواجهة ظروفك وأحوالك وما ألم بك وبمن حولك؛ بل قاتل من أجل هذه اللحظة والفرصة المتاحة، اعمد إلى ما تملكه من قوارب النجاة من ثقة بالله سبحانه وتعالى أن يفرج الكرب، ومن ثم ركز فيما تجيده وتبحر به سفينتك للنجاة والعبور مهما أشتد بك الخطب أو الحال حتى تخرج منها معافى في بدنك ونفسك، ومع من تحبهم ومن أجلهم. لا تسلم قلبك لليأس، كي لا تهزم روحك وتعاني من جراء ضعفك وهوانك. واجه التحديات بما لديك من قيم ومبادئ راسخة، واستدع إيمانك ومعتقداتك، وسخر طاقتك ومهاراتك وخبرتك للتكيف والنهوض مجدداً، رغم الألم والشدة والخسارة التي قد تحدث. فالحياة لا تمنحنا دائماً ما نرغب، لكنها تمنحنا فرصة لنكون أقوى وأشد بأساً مما كنا عليه. وفي المحصلة، الانتصار الحقيقي ليس في تجنب الأزمات، بل في الخروج منها بأقل التكاليف دون أن تفقد ذاتك وقوتك وعزيمتك.

***

د. أكرم عثمان

31-3-2026

* من أبشع التناقضات الفكرية عند الإنسان "تَمثُّل" "معيار نظام الحق والخير والجمال" و"ضربه" أو الإخلال به، في آن واحد، وفي الموضوع الواحد! في مستوى التجريد والمفاهيم المجردة وفي مستوى العيني والمصاديق والأشكال والتطبيقات المعينة! فيكون التناقض خالطا، وخادعا بسبب هذا الخلط بين الإلتزام والإخلال! خاصة في الموضوعات المركبة المعقدة، حيث يَخفى التناقض بشكل أكبر وأخبث! وبما أن هذا المعيار والنظام أصل وأساس للتفكير، يترتب على هذا الخلل أخطاء وأضرر كبيرة وخطيرة في العلم والعمل، وذلك ما نراه في الواقع، أو أن النتيجة السيئة هو هذا الواقع السيء بكل عناصره ومجالاته!

* التحرير، تحرير أي شيء، الأوطان أو غيرها، يعني في الحقيقة، تطهيره من استعمال وتوظيف الجهلة والطغاة له، لأغراض سيئة! وكل "تحرير" لا يلتزم هذا المعنى الشريف أو لا يحققه، هو تحرير كاذب وخادع ومختل!  

* "الصراع" هو اسم خاطئ وخادع وركيك ل"التغالب"!

"التغالب" هو محاولة كل طرف، تثبيت أو تغيير امتلاك شيء ما مادي أو معنوي. وقد يتحقق ذلك في بعض الحالات بما يسمى "فرض الإرادة"!

* هناك نوعان من الإرادة، إرادة حق وخير وإرادة باطل وشر!

حيث أن الإرادة مثل غيرها، عنصر وجودي أو حياتي محايد في الأصل! لكن ينتمي لاحقا إلى الحق والخير أو الباطل والشر، بفعل بشري، أو ممارسة بشرية!

* مبدأ" الزائد الضار كالناقص الضار" من المبادئ الشريفة الأساسية التي أهملها المسلمون قديماً وحديثاً في العلم والعمل، وفي كل مجالات الحياة، وسبب لهم ولثقافتهم ضرراً كبيرا، وهذا الإهمال سبب أساسي من أسباب حالنا أو واقعنا السيء الذي نعيشه وإخلال بمبدأ أساسي من مبادئ "فقه الواقعية"!

* لا توجد "حرب عادلة" إلا نادرا جدا وبشكل نسبي أو مرحلي مؤقت، لأن الحرب مثل الشيطان ومثل الواقع أيضا، بارعة في تزوير الحقائق وخلط الأمور بشكل خبيث وتغليب الباطل والشر على الحق والخير، بشتى الطرق والأشكال!

* لماذا الشر غالب على الخير في الواقع، لأن الأشرار غالبا، أكثر فهما وصدقا وجرأءة وواقعية من الأخيار الذين هم أشباه أخيار، غالبا، لأن الشر يتحقق بلا كلفة أو جهد، بمجرد نزوع النفس أو الواقع، وببعض العوامل أو الشروط المتوفرة، بينما الخير يحتاج إلى كلفة وتكلف معنوي ومادي كبير، وشروط شديدة ليتحقق في الواقع! بل إن الأخيار وأشباه الاخيار قد يكونون عوائق أمام الخير وتحققه في الواقع!

* المشكلة ليست في الشيطان، بقدر ما هي في الإنسان الذي يكون مرة إنسانا ومرة شيطانا، بحيث يخدع نفسه وغيره بهذا التحول من حال إلى حال! حيث "الباطل والشر" الصريح أو المباشر أو البسيط، ولو كان صاخبا أو عنيفا أو كبيرا أو كثيرا، هو عادةً، أهون وأقل سوءا وضررا من الباطل والشر الخفي أو المستتر أو المقنَّع أو المركب "المعقد"!

* ما نعرفه بشكل غامض أو ناقص أو مختل أو قاصر يعيقنا عن الحقيقة مثل الجهل.

* بكيفية ملائمة أو مناسبة، مبادئ الوجود والطبيعة والواقع هي مبادئ العقل والفكر.

* "الحق والخير والجمال" هو "النظام - المعيار" الذي نلتزم به بشكل واع  أو غير واع ونخالفه بشكل واع أو غير واع، في تناقض كبير وخطير ومتكرر.

* الطغيان يصنعه الخوفُ والطمع الخاطئان، عند الحاكم الطاغي والمحكوم الخاضع.

* الشكل الزائف من الموجودات خاصة الأساسية الفعالة، ربما يضرب الحقيقي منه ويضره أكثر من ضده؛ فالحق الزائف ربما يضرب الحق أو يضرّه أكثر من الباطل، وهكذا الخير والعدالة والحرية وباقي الموجودات أو المفاهيم.

* تصحيح الخطأ بالخطأ أسوأ وأخطر من الخطأ، لأنه يعمي الإنسان بشدة عن النتيجة الخاطئة.

* (أحياناً) هو التسمية الساذجة العامية (للحالات الملائمة) التي يصدق عليها الحكم العقلي.

* الصوابات العاقلة والأخطاء العاقلة تتعاون من أجل االخير والإبداع والنجاح.

* يوجد فرق حقيقي بين الحقيقة والمعنى، الحقيقة هي المعنى الحقيقي للشيء بينما المعنى هو معناه عند الكائن (العاني) أو ما يتصوره المتصور. الحقيقة لا تكون خاطئة بينما المعنى قد يكون خاطئاً. الحقيقة حقيقة بينما المعنى فكرة.

* الأخطاء العاقلة التي يتعامل معها الإنسان بحكمة أفضل من الصوابات التي يتعامل معها بحماقة؛ حيث أن العبرة بالإستعمال الصحيح والنتيجة النافعة.

* من مساوئ وأضرار "حرية الرأي" مثل أية حرية خالطة منفلتة عن معيار نظام الحق والخير والجمال، أنها غالباً ما تُبرِّر للآرأء السخيفة الضارة، قمعَها للآرأء الشريفة النافعة.

* الإستعمال الجيد للأشياء أفضل من الإمتلاك غير الجيد لها.

* الناس السيّئون هم بدرجة كبيرة وباعتبار ملائم، خَطأُ الناس الجيدين.

***

جميل شيخو

30 / 3 / 2026

في زمنٍ اختلطت فيه كل شيء، صار الوجه قناعًا، وصار القناع حقيقة.

العقل يمشي على عكاز الشك، والروح تُساق إلى أسواق الضجيج، حيث تُباع المعاني (الحقائق) بثمنٍ بخس، ويُشترى الفراغ بوصفه حرية.

العبثية اليوم ليست فكرةً عابرة في كتابٍ أصفر، ولا تأملًا حزينًا في ليل الفلاسفة، بل هي كائنٌ هلامي، يتكاثر في الظلال، يتسلل عبر الشاشات، وينام في تفاصيل اللغة.

تراه في الضحكة التي لا سبب لها، وفي الحزن الذي بلا جذور، وفي إنسانٍ يمشي طويلًا دون أن يعرف إلى أين.

إنها ريحٌ سوداء، لا تُسقط الجدران، بل تُفرغها من أسمنتها وحديدها وكذلك المعنى من الألفاظ الكبرى والكلمات الدالة على الحياة، حتى تقف المدن قائمةً كقبورٍ مفتوحة، يسكنها أحياءٌ فقدوا سرّ الحياة.

لم تعد العبثية تبحث عن معنى، بل صارت تصنع اللامعنى وتروّجه.

ترتدي وجوهًا كثيرة: وجه المثقف الذي يقدّس الشك حتى يكفر بالبديهيات، ووجه السياسي الذي يحوّل الوطن إلى رقعة شطرنج، ووجه الإعلامي الذي يبيع الضجيج على أنه وعي.

وفي العمق، يقف كائنٌ غامض، يشبه الإنسان، لكنه بلا جذور، بلا ذاكرة، بلا قبلة

إنه الإنسان المعلّق بين السماء والأرض، لا هو طائرٌ فيحلق، ولا هو حجرٌ فيستقر.

مقولات كالرصاص الصامت ليست أخطر ما في العبثية صراخها، بل همسها

تلك الجمل التي تتسلل إلى القلب كالدخان.

لا معنى لشيء......

فتتحول الحياة إلى انتظارٍ بلا موعد.....

كل شيء نسبي.....

فيصير الحق باطلاً، والباطل وجهة نظر....

الانتماء وهم......

فيغدو الإنسان غريبًا حتى عن اسمه.....

إنها ليست أفكارًا، بل شقوقٌ في جدار الروح، يتسرّب منها الليل.

حين تصير الأوطان زجاج مكسورة

انظر إلى الخرائط ليست خطوطًا وحدودًا، بل جراحٌ مفتوحة

مدنٌ كانت تغني، صارت تبكي....

أنهارٌ كانت تعكس السماء، صارت تعكس الدخان.....

أطفالٌ كانوا يرسمون الشمس، صاروا يرسمون الدبابات ......

في مشهدٍ سرياليٍّ فادح :

رجلٌ يحمل وطنه في حقيبة، امرأةٌ تخيط قريتها بدموعها، وطفلٌ يسأل: أين بيتي؟

ولا أحد يجيب .

هكذا تعمل العبثية :

لا تهدم الحجر فقط، بل تمحو السؤال .

العقل المستلب: حين يُنفى الإنسان من داخله

أخطر ما فعلته العبثية أنها لم تحتل الأرض، بل احتلت الرأس جعلت الإنسان يشك في بداهته، ويسخر من جذوره، ويخجل من انتمائه....

صار العقل كغرفةٍ بلا نوافذ، يدور فيها صاحبه حول نفسه، حتى يتعب، فيجلس على أرض الشك، ويعلن استسلامه للفراغ...

وهنا لا يعود الإنسان عبدًا لسلطةٍ خارجية، بل سجينًا لفوضاه الداخلية.....

قلت تعالوا لنحرّر العقل لكن ليس ليتيه، بل ليهتدي......

حرّروه من سلاسل العبثية، من عبادة الشك، من تقديس اللايقين، ليعود إلى فطرته الأولى، حيث النور لا يُجادَل، والحق لا يُساوَم.

لنحرر العقل ليرجع إلى الله تعالى،

فإن العقل إذا انفصل عن السماء، صار أداة هدم، وإذا اتصل بها، صار مصباح هداية.....

لنحرر العقل من العبثية، ليسير في درب الأنبياء، حيث الطريق واضح، وإن طال، وحيث المعنى عميق، وإن خفي، وحيث الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يعرف.....

لسنا أمام خيارٍ بسيط، بل أمام مفترق وجودي: إما أن نستمر في عبادة الفراغ، أو نعيد اكتشاف المعنى.....

البذرة ما زالت فينا في ذاكرة الأرض، في صوت الأذان، في دمعة الأم، في كتابٍ لم يُقرأ بعد

نحتاج فقط أن نحرث هذا الركام، أن نعيد للعقل وضوحه، وللقلب يقينه، وللروح وجهتها ليست العبثية قدرًا، بل غفلة

وليست نهاية، بل انحراف في الطريق....

وحين يعود الإنسان إلى نفسه... إلى ربه.. إلى معنى وجوده....…

تسقط الأقنعة، وتنطفئ الضوضاء، ويبدأ العالم من جديد لا كفوضى، بل كآية.

***

بقلم: بلحمدي رابح - الجزائر

كثيرة هي المعايير التي ولدت خارج الأنظمة، ثم ما لبثت أن اندمجت فيها، حتى غدت جزءٍ من بنيتها، ولعل " البربرية" من أبرز هذه المفاهيم التي شهدت هذا التحول. في أصلها التاريخي، كان اليونان يطلقون صفة " البربري" على كل من لا يتقن اللغة الإغريقية، ثم اتسعت الدلالة لتشمل كل من يقف خارج أسوار المدينة، وخارج نظامها وقوانينها، لم يكن البربري انذاك توصيفاً أخلاقياً بقدر ما كان حدا فاصلا بين" نحن" و" الاخر" .

غير أن التداول اللاحق للمفهوم حمله بعداُ قيميا، فصار البربري هو ذاك الذي يمارس العنف والهمجية، ويقع خارج المعايير الإنسانية والأخلاقية، وهنا استقر المعنى في الوعي العام: البربري كائن بدائي، لا ينتمي إلى المدينة، ولا يتناغم مع مفاهيم الإنسان الحديث المشبعة بشعارات الحق والقانون والإنسانوية.

لكن ماذا لو انقلبت الدلالة؟

لم يعد السؤال اليوم: من هو البربري؟ بل: أين تسكن البربرية؟

الواقع الراهن يضعنا أمام أزمة عميقة في ضبط المفاهيم، فمصطلحات مثل السلام، والحقوق، والحرب، والإعلام، لم تعد تشير إلى معان مستقرة، بل أصبحت قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق والسلطة. في هذا الاضطراب، لم تعد البربرية استثناء، بل صارت جزء من هذا الانزلاق المفهومي العام.

لم تعد البربرية تقف خارج الأسوار، بل انزاحت نحو مركز المدينة.

نجدها اليوم في قلب العلم، وفي بنية التكنولوجيا، وفي آليات القرار السياسي، لم تعد تشير إلى من هو اقل انسانية، بل إلى من يتحكم في تعريف الإنسانية ذاتها.

فقد اقترنت البربرية بالسلطة، ووجدت في الأنظمة الرأسمالية مجالا لإعادة انتاجها، لم تعد مرفوضة كما في السابق، بل أُعيد تشكيلها وتهجينها داخل نظام جديد، يرفع شعارات الحقوق، والمؤسسات، والإنتاجية. وهكذا لم تختف البربرية، بل تغير شكلها: من عنف فوضوي إلى عنف منظم، من قسوة مكشوفة إلى قسوة ممأسسة.

إن البربري اليوم لا يعيش خارج الحضارة، بل في عمقها.

يمارس سلوكا بدائيا، لكن بأدوات متقدمة، وينتج عنفه داخل منظومة تدعي العقلانية.

وهنا تكمن المفارقة:

لم نعد ننتظر البرابرة.. بل أصبحنا نعيش زمنا تعاد فيه صياغة البربرية بوصفها أحد أشكال الحضارة.

***

زهراء ماجد

 

منذ أكثر من عام، استيقظَ في صدري ساكنٌ جديد. ليس قلباً آخر، ولا روحاً إضافية، بل حارسٌ صغير للنبض. قال الطبيب حيدر نزار الأعرجي يومها بلهجةٍ هادئة، كما لو كان يصف قطعةً من أثاث منزل:

عمو: لديك مشكلة في كهربائية القلب، أوضّح أكثر، يقول حيدر : يعني عدم انتظام ضرباته، يقتضي الحال زرع بطارية صغيرة تساعد القلب على تنظيم وضبط ايقاعه. كان الأمر بالنسبة له إجراءً طبياً روتينياً، بعد سلسلة مراجعات وفحوصات، استمرت لعدّة أسابيع. لكنني أدركت منذ تلك اللحظة، أن حياتي ستدخل تجربةً غريبة. أن يصبح في صدري جهاز صغير، يسهر في العتمة، كي لا يتعثر القلب في طريقه.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أفكر بالبطارية، بوصفها قطعة معدنٍ بارد. صرتُ أتخيلها

كائناً يقيم بين أضلعي، حارساً صامتاً يراقب النبض، كما يراقب حارس الفنار حركة البحر في الليل. اعتدت أن أراجع الطبيب في كل ثلاثة أشهر، كي يطمئن على ما فعلت يداه.

في إحدى الليالي، كان السكون يملأ البيت، يكاد  المرء يسمع  همس الدم في العروق .

وضعت يدي على صدري وخاطبت تلك التي يسمونها في المصطلح الطبي pacemaker heart:

ـ أيتها الصغيرة المختبئة في أضلاعي.. هل تسمعينني؟ لم يصلني صوت، لكنني شعرت بانتظامٍ دقيق في النبض. كأنها قالت: أنا لا أسمع…أنا أوقّت الحياة فقط.

قلت:

لكن قلبي كان يعرف الطريق وحده، كان يخفق حين يرى وجهاً يحبه، ويرتبك حين تقترب الذكريات، ويبطئ حين يجلس إلى حافّة الحزن. كان قلباً حراً مثل طائرٍ بري

يحلّق بلا أسلاك. هل ما يزال قلبي نفسه، العضلة التي ولدت بها؟ أم أنه أصبح ساعةً كهربائية تديرها إشارات خفية؟

ساد صمتٌ قصير. ثم جاء النبض أكثر هدوءاً، وأدقّ انتظاماً. كأن البطارية

ابتسمت في الظلام، فأجابت:

ـ لا تقلق يا صديقي. أنا لا أصنع الحب، ولا أعرف الشوق. أنا لا أكتب القصائد، لكنني أترك القلب حياً كي يكتبها. لا أفهم لماذا ترتجف القلوب حين يمر اسمٌ قديم في الذاكرة. أنا مجرد شرارة صغيرة كي لا ينطفئ المصباح.

قلت لها متأملاً:

ـ لكن حياتي الآن معلقة بكِ. نبضي بيدك، وخطوتي محسوبة بإيقاعك. أمشي، وأكتب، وأفكر، وأحلم بإيعازٍ خفي منك. أليس في هذا شيء من المفارقة؟ أن يصبح القلب الذي يمنح الإنسان الحياة، مرتبطاً بأسلاكٍ وبرامج؟

أجابت البطارية بهدوء الحكيم:

ـ أنت تنظر إلى الأمر من زاوية واحدة. أنا لا أقيّد القلب. إنما أحرسه فقط.. لا أقرر متى يحب، ولا متى يحزن، ولا متى يشتعل بالحنين. أنا أمدّ الزمن قليلاً كي يستطيع قلبك أن يفعل كل ذلك.

تأملت ما قالت طويلاً: ما أغرب هذا الزمن. الإنسان الذي يخشى الآلة، ليس بمقدوره الآن أن يفلت من سطوتها. قطعة إلكترونية صغيرة تقف بين الإنسان والموت مثل جندي صامت على بوابة الحياة.

قلت:

ـ وماذا عن الحب؟ هل بمقدور القلب الذي صار نبضه مبرمجاً، أن يحبّ كما كان يهفو للجمال؟

ـ الحب لا يسكن النبض وحده. أجابت: الحب يسكن الذاكرة. ويسكن الروح. مهمتي ضبط الإيقاع، لا تذهب بعيداً! أنا لا أخلق العاطفة. إنما أحرس الطريق، الذي يمشي فيه القلب.

قلت: إذن أنتِ لا تغيّرين شيئاً في الإنسان؟

ـ لا أغيّر الإنسان. نعم، عليك أن تدرك ذلك، ثم تابعت القول: أمنحه وقتاً إضافياً، كي يواصل إنسانيته.

سكتُّ طويلاً..

تذكرت الوجوه التي أحببتها، والأصدقاء الذين مرّوا في حياتي، المدن التي عبرتها، والكتب التي أصدرتها، الكلمات التي لم أكتبها بعد. كل ذلك كان يسكن هذا القلب.

هناك في الداخل تقيم حارسة صغيرة من معدنٍ وأسلاك.. القلب ما زال يعرف طريقه القديم. ما زال يرتجف حين يمر طيف حب. القلب وحده يعرف لماذا يخفق.

إذن نحن شريكان؟ أيتها الصغيرة المختبئة في صدري. هل تسمعينني؟ قلت لها.

ـ نعم. أجابت البطارية: أنا أضبط النبض، وأنت تملأ الحياة بالمعنى. أمدّ الزمن قليلاً، ولا أمدّه عبثاً، كي ترى الأشياء بوضوح أكبر:

لا تعد إلى أحلام الماضي وأوهامه البعيدة، لا تغرق في خيباتك القديمة، لا تفتش عن الرّماد في شرارة انطفأت منذ زمن. لا تكتب عن آمالك في مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. اكتفِ بهذا القدر! فالعالم اليوم تقوده قوى رأسمالية متوحشة.

ـ لولاكِ يا حارسة القلب، ما امتد هذا الليل كي أصغي إلى نبضي، ابقي ملاصقة له، احرسي خطاه كي يستمر.

***

جمال العتّابي

ليست النكبات مجرد أحداث عابرة في حياة الإنسان، بل هي لحظات فاصلة تكشف عمق النفس وقوتها وصلابتها أو هشاشتها وضعفها، وتظهر حقيقة الإيمان، وتختبر قدرة القلب على الصمود ومواصلة المشوار. ففي خضم الأزمات وأتونها، حين تتراكم الضغوط والتوترات وتشتد وطأة الحياة وقسوتها ألماً وإيلاماً، تتكاثر الجروح النفسية وتتعاظم الأنات البشرية، ويثقل الصدر بالآهات، ويجد الإنسان نفسه أمام سؤال وجودي صعب: هل ينهار تحت ثقل الألم وضعف النفس والروح، أم ينهض بقوة الإيمان وصلابته؟

إن الناس في مواجهة النكبات ليسوا سواء؛ فمنهم من تتكاثر عليه الهموم حتى تثقل كاهله ويرهقه الحزن، فيرى نفسه ضعيفاً متهالكاً أمام العاصفة، كعصفور في مهب الريح العاتية، تتنازعه المخاوف والهموم ويثقله القلق، فيستسلم لمشاعر العجز والانكسار والإنحدار النفسي. هذا الصنف يفسر الألم على أنه نهاية، ويرى في الأزمة ظلاماً دامساً ممتداً بلا أفق أو نهاية، فتتسلل إليه الضعف والهوان والكآبة، ويغيب عنه معنى الحكمة من الابتلاء والاختبار الذي وضع فيه.

وفي المقابل، هناك من يصوغ من الألم قوة، ومن المعاناة يقيناً، فيقف أمام النكبة بثبات المؤمن، لا لأنه لا يتألم، بل لأنه يعرف كيف يوجه ألمه ويحوله إلى أمل مشرق ودروس يتعلم منها. هذا الإنسان يستمد طاقته من إيمانه بالله، ويجد في الذكر سلوى، وفي القرآن عزاء، فيردد قول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ سورة الرعد: 28. فيشعر أن قلبه، رغم الجراح، ما زال متماسكاً وقادراً على السكينة والهدوء والطمأنينة. ويستحضر وعد الله الذي لا يخلفله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾  سورة الشرح: 5–6. فيوقن أن العسر ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لفرج قريب مزدوج، وأن الألم يحمل في طياته أبواباً من التيسير والخير والمنة لا يراها إلا من أحسن الظن بالله. يقيناً وعلماً راسخاً، وقد عبر النبي ﷺ عن هذا المعنى العميق بقوله: "لن يغلب عسرٌ يُسرين" رواه البيهقي. وهو توجيه نبوي يرسخ في النفس والروح أن الفرج ليس احتمالاً ضعيفاً، بل حقيقة موعودة وبشرى من المولى سبحانه وتعالى للمؤمنين، وأن التيسير مضاعف أمام كل عسر يمر به الإنسان.

إن الابتلاء في جوهره ليس عقوبة بقدر ما هو تمحيص واختبار وابتلاء يكشف فيه المعادن النفسية من القلوب الصدئة، يميز الله به بين من يستسلم ومن يثبت، بين من ينهار ويتلاشى ظله ووجوده ومن ينهض ويكمل سيره وحركة حياته ومهمته. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — سورة العنكبوت: 2. فالنكبات ليست نهاية الحكاية، بل هي جزء من بناء الإنسان وتمحيصه، وصناعة وعيه، وتقوية عزيمته وإرادته. إنها المدرسة التي يتعلم فيها الصبر الحقيقي، والإيمان الصادق، والثقة التي لا تتزعزع أو تضعف.

وفي عمق التجربة الإنسانية، يكتشف الإنسان أن الجروح ليست كلها ضعفاً، بل قد تكون بداية لقوة جديدة، وأن الألم ليس دائماً خسارة أو دمار، بل قد يكون طريقاً للنضج والارتقاء والسمو والعلياء. فكم من إنسان خرج من محنته أكثر حكمة وأجلد صبراً وقوة، وأكثر قرباً وصلة مع الله، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة ونكباتها وأزماتها.

إن الخروج من النكبات لا يكون بإنكار الألم، بل بفهمه واستيعابه ومعرفه كنهه ومآله، ولا يكون بالهروب من الواقع، بل بمواجهته بثقة ويقين وقلب راسخ لا يتضعضع. فحين يتسلح الإنسان بالإيمان والحكمة والصبر، ويتكئ على ربه، ويستحضر وعده، تتحول المحنة إلى منحة، والألم إلى أمل والضعف إلى قوة، والقلق إلى سكينة وراحة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: كم كانت النكبة قاسية؟  بل: كيف خرجت منها؟ فإما أن تخرج منها مكسوراً تتلاشى روحك عن بدنك ونفسك عن عقلك ووجدانك، أو أن تخرج منها أقوى… وأجدر أن تتقلد القيادة والرياسة وسياسة الحياة ودروبها ومنعطفاتها وتلك هي الحكاية التي يكتبها إيمانك، لا ظروفك.

***

د. أكرم عثمان

28-3-2026

قوة الصمت تصدمنا جميعا في عدة مواقف ولو بالارتكاز على عكاز شيخ هرم، قَصْد تَلافي صيحات الجهر بالصوت الصدامي القاهر للحدود الاجتماعية بالتلف، وإعلان الحروب المفتوحة والمغلقة. خاصية الصمت لا نمتلكها نحن بالتساوي العادل، بل هي خاصية تتميز بتنوع السعة، واختلاف القُدرات النفسية التي تتحكم في مفرقعات أصوات بيان الاكراهات الذاتية والخارجية، والمفضوحات الكامنة. إن الصمت القوي بحق شعور بالعمق والاحتواء.

لا أحد مِنَّا جميعا يعرف ماذا قد يلحق به من تداعيات الصمت القوي؟ وماذا يفعل في حياته الاعتيادية بدون امتلاك ميزة الصمت، والتحكم في الذات الصامتة، والتزام سياسية الأبكم بحديث الإشارات؟ قوة الصمت تصنع الفارق البيني، وتُقاوم الصدمات الارتدادية من ثرثرة الكلام المباح، وعالم التجريح، وتفاهة البلاهة. قوة الصمت، تخلق لهيبا داخليا حارقا في ذات النفس المتمردة على الظلم والحكرة، ولكنها ليست

 بصيغة الصمت السلبي. ويبقى الصمت أشد مضاضة من سهام الكلام التصادمي، ومن تفريغ الذات من ضجيجها بالحرب الحارقة بحب روما.

قد نقول: (الصمت من ذهب، والكلام من فضة)، لكن نزيد عنها أن (ستر عيوب الآخرين ذهب خالص)!!! وهي ميزة من التَّرفعِ عن استعراضات العيوب التواصلية السيئة. فيما قد نجد في روحانية الصمت، كمال للعقل المتوازن، ودلالة سائدة طيعة، تعتمد القدرة في السيطرة على النفس وإشاراتها المتنوعة بين الهدوء والثورة العمياء.

قد لا نميز الصمت عن الإنصات ووحدة الاستماع بسجية تلقي الرسالة وتفكيك شفراتها العالية الدقة، بل نميز الصمت في المواقف الصعبة والتصادمية، والتي قد لا تزيد بنزينا على نار لهيب مشتعلة تقضي على مقومات العلاقات الإنسانية والاجتماعية المفتوحة على كلا الاتجاهين.

قد نقول: أن العاقل دائما ما يمارس تزكية ذاته من خلال عمليات التكيف والتطهر، والوقوف على عدة توليفات تغيير ذاته، ولما لا حتى عالمه كي ينال ثناء غيره، ومديح التنويه. قد نقول: بأن الأحمق الصامت بابتسامة بلهاء وغباء فطري، وفيها نوعيات من الازدراء على عالم المتكلمين والثرثارين، قد يمتلك بنية التكامل الداخلي، ويعمل على تحويلها من ذاته الخفية المتوترة نحو عالم المتكلمين، بهدف تغيير مظاهر عالم العقلاء، وسلوكياتهم اللئيمة والسادية والمستهترة بتفحم الأنا العلوية، والتي تبيت نمطية المظاهر عند مجموعة من الشرائح الاجتماعية المتصارعة بالتهالك.

الصمت القوي، ليس نقص في الانتباه والتركيز، بل هو الانتباه في حد ذاته، والعمل على خلخلة النسقية كقيمة اعتدالية تعمل على تهدئة الأفكار المضطربة بالتدافع، والتفحم الحارق. وحتى لا يبيت الصمت القوي يستنسخ فقط الفوضى والتشتت والتبعثر والتقويض (غياب النسقية). من تم فالصمت القوي حرب غير معلنة بالمدمرات الشاملة على عالم الذات ومحيطها، بل هو حرب سلم ومسالمة، لكسب رهانات تنمية الوعي الذاتي تجاه الذات والآخر والعالم، ولما لا محو التوتر وتعزيز الثقة والابداع والتسامح.

حقيقة واحدة فقد تُصادفنا في حياتنا أنواع بشرية تُلازم الصمت، لكنها ليست بالسلبية كما يبدو لنا عند الوهلة الأولى، وإنما الأمر فيه نوع من تنمية مهارات الاستماع والانصات، والتي لا نُتقن منها حتى نسبة حدها الأدنى. لذا قد نُعطي للصمت القوة الثالثة بعد الانسان وسلاح الدمار الشامل. قوة ثالثة للصمت القوي لا توازي العالم الثالث في ثرثرته البدائية، بل تُماثل القوى الجبارة في ترشيد عملها واقعيا، بدل ممارسة ثرثرة الغرور. هنا نقول: بأن الإخلاص لقوى الصمت هو ببساطة اعتقاد اجتماعي عادل، يُماثل ارتداء الملابس وعدم قتل الناس بالمنغصات المفرطة في رداءة الكلام المباح.

***

محسن الاكرمين

 

"يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض، بينما الحقيقة تلبس حذاءها" مارك توين

كائن خفيف الوزن، لا تحتمل حماقته وخفته. قد يكون نكرة في الأحوال العادية، ولا اعتبار له في أوساط المثقفين والساسة وأهل الرأي، لكنه يبادر فور اندلاع ثورة أو احتجاج لقيادة الجمع الثائر وتصويب خطاه!

لا يلزمه إطار ثقافي يتحرك داخله للتعبير عن نفسه، ولا تعنيه رصانة الفكرة أو عمق الخطاب، لأن المنسوب الفكري للجماهير لحظة الغضب والعنف ينخفض ويتراجع، فلا تحتمل المحاججة العقلية بقدر ما تستجيب للتهييج وإطلاق الغرائز. إنه دجال الثورة الذي لا يعنيه سوى جني المكاسب قبل أن تفيق الجماهير من سكرة الحدة والانفعال، ولا يريد منك سوى أن تطفئ سراج عقلك وتتبعه!

بداية لا بد من الإشارة إلى الفروق الواضحة بين دجال الثورة، والقيادة الكاريزمية التي تعمد إلى تغذية أسباب النزاع الداخلي، بناء على اختلاف الآراء والمواقف مع من هم في سدة الحكم وصنع القرار. ذلك أن هذه القيادات تملك شرعية الحضور في المشهد السياسي، بناء على مواقفها تجاه صناع القرار. وتتعرض لأشكال الإيذاء والتضييق خاصة في النظم القمعية، مما يحقق لها شعبية واصطفافا جماهيريا، يزكي حضورها عند حدوث توترات سياسية. أما دجال الثورة فلا يملك من هذه المواصفات ما يتيح له الحضور في المشهد العام قبل تفجر البركان.

يحيلنا المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (الآراء والمعتقدات) على بعض العوامل التي تُكسب النفسية الفردية صفة الجماعة، وتهيء الأرضية المناسبة لبروز دجال الثورة على نحو غير مستساغ. فالعدوى النفسية وسط الجموع الثائرة تتيح انتشار أقواله وخطبه، دون الالتفات لقيمتها العقلية، لأنه خطاب موجه للاشعور ولا دخل للعقل فيه. بل إن العدوى قد تكون مؤثرة حتى على بعض أرباب العلم والقلم الذين ينحازون، كما يقول لوبون، إلى أكثر المعتقدات والآراء والمواقف شؤما ومخالفة للصواب! أما الإعلام كعامل ثان، فلا يقل ضراوة في التأثير وتزكية حتى المخبول، مادام الإيقاع الثوري لا يسمح بغير التأليب والتجييش، والتشكيل الفوري للقناعات اللازمة. لذا سرعان ما يتحول دجال الثورة إلى قبلة للمنابر الإعلامية، وصانع للحدث الذي يجري تضخيمه وتلميعه. ولعل المواكبة الإعلامية لما بات يُعرف بالربيع العربي، قد سلطت الضوء على دور بعض وسائل الإعلام في تنصيب دجالين للثورة، بغية خفض سقف المطالب الاجتماعية، والتلاعب بمطامح وآمال الجمع الثائر.

تثور الشعوب لتصحيح المسار ورفع الظلم، لكن غياب مشروع حضاري يمكن الالتفاف حوله يلقي بمرحلة ما بعد الثورة في كنف المجهول. نعم، يكون المد الثوري هادرا وكاسحا إلى حين فرار الطاغية، أوحل الحكومة الضعيفة وبرلمانها المهزوز. بعدها يشرع الثائرون في البحث عمن يواصل كنس المشهد وتأثيثه بخطاب جديد، ورؤية تحقق أهداف الثورة.

وغالبا ما يكون البديل إما قيادة حظيت بالثقة قبل الحراك، وإما ذوات هي أقرب إلى النبت الشيطاني؛ تماهت مع السخط العارم، وادعت أنها بنت شرعية للثورة، وبإمكانها الاستجابة لكل التطلعات، ودفن العاهد البائد إلى غير رجعة. وفي كلتا الحالتين يُطرح السؤال الممض حول عجز الشعوب عن استكمال ثورتها، ووقوعها في فخ دجال الثورة الذي لن يتورع عن إجهاض مسلسل التحرر، والانعتاق من الظلم والاستبداد والجوع.

يقدم هاشم صالح (1) تفسيرا لهذا النكوص مفاده: أن الإنسان المستعبد لردح طويل من الزمن يختل توازنه إذا ما أعطيته الحرية فجأة، ويلزمه وقت طويل ليستعيد هذا التوازن، ويستسيغ طعم الحرية. ينضاف إلى ذلك أن كون الحرية مسؤولية والعبودية راحة، يحمله على أن يلقي بالمسؤولية على كاهل الأب أو الشيخ أو الزعيم، أو حتى الدجال الذي يفكر نيابة عنه.

أما الدكتور نبيل راغب (2) فيرد الأمر إلى الالتباس الحاصل في العقل العربي بين مصطلحي الثورة والتنمية، وتوهم الشعوب –العربية تحديدا – أن الثورة خطوة أولى في مسلسل تنمية، تستكمله النخب البديلة.

بيد أن مالم يدركه هذا العقل الذي عانى من غيبوبة مزمنة، هو أن التنمية مصطلح علمي اقتصادي ومنهجي، يعتمد على دراسات الجدوى والحساب الدقيق، لا على العوامل الثورية. وأن الثورة التي تحدث تغييرا مفاجئا في الأوضاع السياسية والاجتماعية، لا يمكنها أن تحقق التنمية، نظرا لارتباطها بمقدمات التحول التاريخي من مجتمع تقليدي بتكويناته ونظمه وعصبياته، إلى مجتمع حديث، يُدار وفق آليات المجتمع المدني القابل للتطور إلى نظام ديموقراطي.

من أين يأتي دجال الثورة؟

أو بالأحرى، ما هي البيئة التي تشكلت لديه فيها محفزات الانضمام للجماعة الساخطة المتذمرة، وادعاء تمثيل المقهورين؟

سؤال حاول كرين برنتون (3) الإجابة عنه، عبر استخلاص الأنماط الثورية من التراجم المتاحة لعدد من الثوريين، سواء كانوا زعماء أو أفرادا أقل شأنا. وباستعراض النماذج والأمثلة التي ساقها الباحث يمكن الوقوف على عدد من المنافذ، قد يمرق منها دجال الثورة ليسرق الشعلة ويحقق أهدافه الخاصة.

فقد يكون دجال الثورة من طبقة بارزة في المجتمع، لكنه يشترك في الثورة لسبب خسيس هو الحفاظ على ثروته ومكانته، والحصول على نفوذ سياسي يستعصي عليه نيله في الأوقات العادية. وهذا النمط لا يؤمن في العادة بالأفكار المجردة التي تدغدغ مشاعر الثوريين، كالعدالة والمساواة وغيرها.

وقد يكون من الفاشلين في تحقيق طموحه، ولا يملك من المواهب والألقاب الأكاديمية ما يتيح له التموقع في دائرة الضوء؛ فيتولد لديه حقد على النماذج الأكثر شعبية وحضورا في المشهد العام.

وقد يكون من المنحرفين ذوي الميول الإجرامية، فيجد في الثورة مجالا رحبا لارتكاب أبشع الجرائم باسمها. وكم من مذابح ومآسي ارتكبت باسم الثورة، واتخذت فيها القسوة مبدأ وشعار، دون اكتراث للتداعيات اللاحقة. ولو أنها ارتكبت في مجتمع مستقر، لما كان الثوري سوى مظهر زائف للمجرم والسفاح.

وقد يكون من هواة الجدال الفظ والمنازعات، والشذوذ عن القاعدة في كل شيء. غير أن جداله المستمر لا ينم عن فكر مخالف للسائد، بقدر ما يعكس حقدا ومرارة ورغبة مجنونة في التحطيم، تجد ملاذها عند اندلاع ثورة.

سواء كان من الفاشلين في الأوقات العادية، أو من المخبولين والمنحرفين الذين يستعصي فهمهم دون مساعدة من علم الإجرام وعلم نفس الشواذ، أو حتى من رجال العصابات وممثلي القسوة الإنسانية، يظل دجال الثورة تجليا لحقيقة، تعصف بالبعد الرومانسي والمثالي الذي لا يزال جم غفير من الناس يصدقه؛ حقيقة أن الثورة ليست بالضرورة تكتلا من الطيبين والعقلاء يتصدى للطغمة الفاسدة!

***

حميد بن خيبش

............................

(1) هاشم صالح: الانتفاضات العربية في ضوء فلسفة التاريخ. دار الساقي 2013 . ص137

(2) د. نبيل راغب: الغيبوبة العربية. دار غريب 2006. ص 283

(3) كرين برنتون: دراسات تحليلية للثورات. الهيئة العامة لقصور الثقافة. مصر 2010.ص113 وما بعدها

الإنسان المصري.. عجيب هذا الإنسان! تراه في المسجد ساجدًا باكيًا، لا يهمس إلا لله، ولا يرجو إلا من الله. وفي لحظة أخرى تجده يهتف: «يا حسين! يا ست! يا فاطمة!» فينسى من حوله أن التوحيد الخالص معناه ألا تدعو مع الله أحدًا. لكن… هل نسي المصريون توحيدهم؟ أم أن في أعماق النفس البشرية سرًّا لا يفقهه المتشددون؟

دعني أبدأ معك من البداية.

جاء الإسلام ليقرر كلمة واضحة محددة كالشمس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. لا وساطة بين العبد وربه، ولا كهنوت، ولا قداسة لأحد دون الخالق. هذه هي العقيدة، صافية كالبلور، لا شوائب فيها. غير أن هذا الإنسان الذي خلقه الله جعله يحب الوسائط. يحب أن يتوسط له الشفعاء، وأن يدله المحبوبون على الطريق، وأن يشعر بأن في السماء من يسمع صوته ويحمل حاجته إلى العرش.

أليس المؤمنون كلهم يتوسلون إلى الله بحب نبيهم؟ أليسوا يقولون: «اللهم بحب نبيك اغفر لي»؟ هذا هو التوسل بعينه، غير أن بعضهم يجعل المحبوب وسيلة، وبعضهم يجعله هو المقصود. والأول هو الذي يفعله المصريون.

إذن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا يحب المصريون آل البيت إلى هذا الحد؟ لماذا يرون في الحسين ستارًا يلوذون به؟ لماذا تلجأ المرأة المصرية البسيطة إلى السيدة زينب قبل أن تلجأ إلى الله مباشرة؟

دعني أخبرك السر.

المصريون عرفوا الظلم وخبروه، وعاشوا الاضطهاد قرونًا طويلة. من الفراعنة إلى الرومان تعرضوا للقهر والظلم، وحتي الدولة الأموية ظلمت آل البيت، والعباسيون ظلموهم أيضًا. والمصريون، منذ أن دخلوا الإسلام، اتخذوا من آل البيت رمزًا للبراءة التي تقتل، والحق الذي يغتصب، والضعيف الذي يُداس.

لما قُتل الحسين في كربلاء بكى المصريون ألف عام. لم ينسوا، وما زالوا يبكون كل عام في العاشر من محرم، ليس لأنهم يريدون إحياء الخلاف القديم، ولكن لأنهم قوم لا يحتملون الظلم، وكأنهم يقولون للتاريخ نحن مع المظلومين، نحن مع الحسين، نحن مع الحق وإن كان مقتولًا!

هذه هي القضية، قضية إنسانية؛ قضية قلب ينزف مع كل مظلوم وينحاز إلى كل ضعيف. وليست قضية تشيع ولا سنية!

السيدة زينب.. أم العواجز

في مدينتي الصغيرة بالمنيا، كانت البقرة التي تدير الساقية تسقط أحيانًا في البئر، فتعلو الصرخة: «يا الله! يا محمد! يا حسين! يا علي! يا أم العواجز يا ست!»

لاحظ معي أنهم يبدأون بالله، ثم بالنبي، ثم بآل البيت. إنهم لا يشركون بالله شيئًا، لكنهم يذكرون أحباء الله؛ لعل محبتهم تكون شفيعًا لهم عند الله.

«يا أم العواجز»… هذه الكلمة وحدها تفسر كل شيء. "العواجز" هم الضعفاء، من لا سند لهم، أو من انقطعت بهم السبل. والمصريون يشعرون أن السيدة زينب هي أم كل عاجز، هي التي تفهم معنى الضعف، لأنها رأت أخاها الحسين مذبوحًا في كربلاء، ورأت العيال والأطفال يتامى، ورأت الظلم بعينيها.

إنها ليست إلهة ولا ندًّا لله، لكنها في الوجدان الشعبي امرأة عظيمة جمعت بين الألم والصبر، والفقد والعزة، والعجز والقوة. فكأن المصريين حين يستغيثون بها يقولون: «يا من عرفتِ معنى الضعف، اشفعي لنا عند من لا يرد سائلًا».

في طفولتنا، كنا إذا أضعنا شيئًا وفتشنا عنه فلم نجده، قلنا: «يا فاطمة يا أختي، نوريني وعلى مكان حاجتي دليني». أليست هذه دعوة لغير الله؟ قد يقول المتشدد: نعم، هذا شرك.

لكن دعني أسألك هل يعقل أن تكون البنت الصغيرة التي تخاطب فاطمة كأنها أختها الكبرى، وهي تعلم أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ماتت منذ ألف وأربعمائة سنة، هل يعقل أن تكون مشركة بالله؟ إنها تعلم أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يهديها إلى ضالتها، لكنها بحبها البسيط الطفولي تحب أن تقول اسم فاطمة، كأنها تتبرك به، وكأنها تستجمع قواها الروحية بذكر من تحب. إنها تقول: «يا فاطمة…» ثم تنتظر أن يلهمها الله. لم تطلب من فاطمة أن تفعل شيئًا، لكنها طلبت منها أن تضيء لها الطريق، أي أن تكون سببًا في إلهام الله لها. هذا هو التوسل، وهذا هو التبرك.

مريم العذراء في وجدان المصريين

ليس المسلمون وحدهم من يفعلون هذا. فالمسيحيون المصريون يلجؤون إلى السيدة مريم العذراء، يتوسلون بها، ويستغيثون بها في الشدائد. وكثير من المسلمين يفعلون نفس الشيء، خاصة في كنائسها الشهيرة مثل كنيسة العذراء بالزيتون.

لماذا؟

لأن السيدة مريم العذراء في الوجدان المصري هي رمز للأمومة الحانية التي تحمي طفلها في أصعب الظروف. هي التي حمت ابنها النبي عيسى عليه السلام من كيد أعدائه، وهي التي ساندته بحنان لا مثيل له.

وهنا يلتقي الوجدان المصري مع ذاكرته الفرعونية القديمة. فمصر القديمة كانت تقدس «إيزيس»، الإلهة الأم التي أنجبت ابنها «حورس» بطريقة روحية (وليست جسدية)، وحمته حتى كبر وانتقم لأبيه من إله الشر «ست».

لاحظ التشابه.. إيزيس تنجب حورس، وتحميه، وتجعله رمزًا للوراثة الشرعية للعرش. ومريم تنجب المسيح، وتحفظه، وتجعله نبيًا عظيمًا.

هذا التشابه ليس مصادفة. إنه استمرار للوجدان المصري القديم الذي لا يموت. فالمصريون، مسلمين ومسيحيين، وجدوا في السيدة مريم العذراء امتدادًا لما كانوا يعتقدونه في إيزيس. ليس بمعنى أنهم يخلطون بين الأديان، لكن بمعنى أن العقل الجمعي المصري يختار الرموز التي تعبر عن أعمق حاجاته النفسية: الأم الحامية، المرأة القوية، الرمز الذي يمنح الأمل.

المصريون والتاريخ

لماذا كل هذا التعاطف مع آل البيت؟ ولماذا لا نجد هذا التعاطف نفسه مع سائر الصحابة؟

المصريون لهم ذاكرة تاريخية طويلة. يتذكرون أن الدولة الأموية التي حكمت من دمشق قتلت الحسين، ونكلت بآل بيته، وجعلت الخلافة ملكًا وراثيًا.

ف«الطلقاء» هم الذين أسلموا بعد فتح مكة، وكانوا من أشد أعداء الإسلام. ثم أصبحوا حكامًا، وقلبوا الخلافة إلى ملك عضوض.

آل البيت كانوا الضحية. وكان المصريون الذين دخلوا الإسلام محبين للنبي وآله، مع الضحية. ليس تشيعًا، إنما تأثرًا بمأساة إنسانية كبيرة. وهذا هو مفتاح فهم الظاهرة، أن المصريين لم يتعلقوا بآل البيت لأنهم يعتقدون فيهم الألوهية أو العصمة المطلقة، بل لأنهم رأوا فيهم المظلومين فانحازوا إليهم.

المذهب المصري..

المصريون، أو الغالبية العظمى منهم، سنة. يصلون صلاة السنة، ويصومون رمضان، ويؤدون المناسك على مذهب الإمام الشافعي أو أبي حنيفة. لكنهم مع ذلك يحبون آل البيت حبًّا شديدًا، ويكرمونهم، ويتوسلون بهم.

هل هذا تناقض؟

لا، ليس تناقضًا. إنها الطبعة المصرية من الإسلام. إسلام يحتفظ بأصول العقيدة، لكنه يضيف إليها روح المحبة والتصوف والتبرك بالأولياء.

هذا المزيج الذي يراه المتشددون بدعًا وشركًا، هو في الحقيقة تعبير عن عبقرية المصريين في التوفيق بين العقيدة والوجدان، والدين والتراث، والتوحيد وحب آل البيت.

لماذا إذن يحتاج الإنسان إلى وسائط؟

من منظور علم النفس، الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بلا وسائط. حتى في علاقته بالله، يحتاج إلى من يشعره بالقرب، وإلى من يفهم همومه، وإلى من يكون جسرًا بينه وبين العرش.

هذه الحاجة، في رأيي، ليست ضعفًا في الإيمان، إنها جزء طبيعي من التركيبة البشرية. الدين الرسمي يقول: الله قريب، يجيب دعوة الداع إذا دعاني. لكن النفس البشرية تقول: أريد من أراه، أريد من ألمسه، أريد من يفهم لغتي.

القديسون والأولياء والصالحون في جميع الثقافات والأديان يقومون بهذا الدور. هم نماذج بشرية وصلت إلى درجة من القرب من الله، فأصبحت في اعتقاد الناس قادرة على الشفاعة والتوسط.

الشيخ وصلاة العيد؟

قبل أيام، أثار خطيب صلاة العيد جدلًا حين توسل بآل البيت في دعائه. قال المتشددون: هذا شرك. وقال آخرون: هذا من محبة آل البيت.

من جانبي، أرى أن الشيخ لم يخطئ. لأنه لم يدع آل البيت من دون الله، لكنه توسل بحبهم، وذكرهم في دعائه، وطلب من الله بحرمتهم ومكانتهم.

هذا هو الإسلام الوسطي الذي عرفناه في مصر منذ ألف عام. إسلام لا ينكر محبة آل البيت، ولا يمنع التوسل بهم، ولا يرى في ذلك خروجًا عن التوحيد.

بين الروح والجسد في العبادة

الدين في جوهره روح. والروح لا تقبل القيود الجامدة، ولا تكتفي بالشعائر الجافة. الإنسان المصري بحسه الجمالي، وإحساسه العميق بالتاريخ، وتعلقه برموزه، يجعل من عبادته مزيجًا بين العقيدة والوجدان، والفقه والحب، والنص والروح.

محبة آل البيت ليست بدعة، بل هي ميراث حضاري. والتوسل بهم ليس شركًا، بل هو تعبير عن عمق العلاقة بين الإنسان ورموزه الروحية.

لن يغير المتشددون من طبيعة المصريين شيئًا. فالذاكرة الحضارية أقوى من أي فتوى، والمحبة في القلب لا تُقتلع بقول قاله أحد. سيظل المصريون، مسلمين ومسيحيين، يحبون آل البيت، ويتوسلون بالعذراء، ويلجؤون إلى القديسين، ليس لأنهم يشركون بالله، بل لأنهم يعرفون أن الله هو الملاذ الأول والأخير، وأن هؤلاء هم أحباؤه، وأن محبتهم تقربهم منه. وهكذا يمشي المصريون في طريقهم إلى الله، حاملين معهم تراثهم الفرعوني، وإيمانهم السماوي، ومحبتهم التي لا تنضب لآل بيت نبيهم.

وكل ما يقال من تشدد أو تكفير أو تبديع… يمر كالغيم، وتبقى مصر، وتبقى محبة آل البيت في قلب المصري، وتبقى هذه الروح الفريدة التي تميز إسلام هذا البلد عن غيره.

***

د. عبد السلام فاروق

المتعارف عليه في السلوك البشري أن أي مجتمع أو شعب في بقعة معينة يتعرض للعدوان الهادف إلى تدميره والإستحواذ على ثرواته، يتصدى له بإرادة رجل واحد، أي يتماسك ويزداد تلاحما وتكاتفا، إلا في بعض المجتمعات الغريبة الأطوار التي تتحول إلى شظايا متناحرة أمام أي قوة تريد إبتلاعها.

مما يعني أن هذه المجتمعات مصابة بخلل تفاعلي، ولديها من أسباب تمزقها وإنهيارها العديد من العناصر والمفردات الجرثومية المستوطنة فيها.

الطبيعة السلوكية الخلقية تؤكد أن مهاجمة أي تجمع تدعو إلى تماسكه، فالقطيع في الغابة عندما تصول عليه الأسود، يتكاتف ويتحول إلى كتلة واحدة ذات قدرة على صد الهجوم وإفشاله، ولا تستطيع الأسود المهاجمة إلا أن تستولي عن الذي تفرد وغادر سبيكة القطيع.

والعجيب في مجتمعاتنا ودولها أنها تتفرق أمام الهجوم عليها، بل وتتخذ مواقف معادية لبعضها، ويكون قسما منها مع المفترس وأخرى تتناطح فيما بينها، لحيل بعضها إلى فرائس طازجة للطامعين بها، وبهذا تهون قدراتها وتُصادَر ثرواتها، وتتحول إلى عجلات تدوّرها أعداؤها لسحق مواطنيها، وتخنيع دولها وتقديمها لقمة سائغة على موائد الذين يكتفون بغيرهم لتحقيق أهدافهم.

فهل وجدتم أسدا يوفر الحماية للظباء، أو ذئبا يحرس قطيع أغنام؟

وفي تراثنا قال أحدهم لأولاده عندما أشرف على الموت:

"كونوا جميعا يا بني إذا اعترى

خطب ولا تفرقوا آحادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت أفرادا"

ومما تجدر الإشارة إليه، إننا لم نحترم أوطننا، ولم تلد مجتمعاتنا قادة بحجمها، وذات رؤية مستقبلية وتفاعلات تراكمية نافعة للأجيال ومعززة لتكاتفها وتفاعلها الإيجابي البناء، بل هي أمواج تُغرق بعضها، وتمحق آثار سابقها، ولاحقها له مصير إندثاري معلوم.

فأجيالنا تتنافر وأجيالهم تتلاحم، وتلك عاهة مقيمة في ديارنا المنكوبة بنا!!

عَجائبُنا أحالتْ مُحْتوانا

إلى عَهَنٍ تولّى ما اعْترانا

فما وَصَلتْ مَساعينا لمَجْدٍ

ولا وَضعتْ خرائطَ مُرْتقانا

توابعُ قوةٍ ذاتُ افْتراسٍ

تُجنّدُنا كما تَهوى عِدانا

***

د. صادق السامرائي

اولا لنمتثل لقول ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ (سورة الأحزاب، وقوله عز وجل أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (سورة البقرة:83 وقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة الإسراء:53 وكذلك وصية رسولنا الكريم لأمته حينما قال صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة

خاطبوا الناس على قدر عقولهم، ما من أحد يمكنه أن يقول إن التحدث بلباقة ولياقة وبطريقة ممتعة أمر سهل، فمنذ ما يزيد على 100 عام اعترف الكاتب والشاعر الأميركي "جماليل برادفورد" قائلًا "بطريقة ما وجدت أن التحدث يبعث على الاستياء الشديد، إنني لا أقول إطلاقًا الأشياء التي قصدت قولها، وبعد ذلك تؤرقني الأشياء التي كان ينبغي أن أقولها ولم أستطع قولها. أيبدو ذلك منطقيًّا؟

الحديث هو موهبة من الله تعالى كما أنه ميزة من ميزات الإنسان يستطيع بها إيصال الآراء والأفكار، وإتقان صفقة رابحة، أو بذر كلمة مشجعة ومنشطة تكون بمنزلة وقود لإنسان محبط أو يائس مثلًا، والدفاع عن حق وعدالة، وخير، ووطن

اللباقة هي توفر الاحترام رغم الاختلاف في الرأي، هي الإنصات للمتحدث وانتظار نهاية لحديث قبل إبداء الرأي، اللياقة التركيز على الموضوع في المناقشات وليس على الأشخاص، اللباقة في بيئة العمل هي احترام العقود والأنظمة وزملاء العمل بصرف النظر عن المستوى الوظيفي أو الاختلاف في الرأي، من حق المدير أن يوجه ويقيم ويكلف الموظفين بالمهام ولكن ليس من حقه أن يهين كرامة الإنسان، اللباقة في إدارة الاجتماع أو الحوار هي احترام الاختلاف في الرأي، ليس من اللباقة أن يتولى مدير الحوار رأيا معينا ثم يطلب من المشارك -وإن بطريقة غير مباشرة- أن يتفق معه في الرأي وإن لم يفعل فسوف يقاطعه، وليس من اللباقة في إدارة الاجتماع مقاطعة من يطرح رأيا مخالفا لرأي مدير الاجتماع. مفهوم الاجتماع هو الاستماع لآراء ومقترحات جميع المشاركين ثم التوصل إلى توصية أو قرار أو مقترح في إطار مهامه ووفق آلية عمل الاجتماع النظامية. اللباقة في إدارة مقابلة التوظيف احترام المتقدم للوظيفة والتركيز على الجوانب المهنية وليس على أمور شخصية لا علاقة لها بمهام الوظيفة

اللباقة داخل الأسرة تتطلب الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، الصغير يحترم الكبير، والكبير يتعامل مع الأطفال والشباب بمبدأ القدوة.. الأسرة هي مدرسة اللباقة لأنها أساس التربية.

يمكن القول إن اللباقة في العلاقات الإنسانية هي السلوك السائد وليس الحالات الشاذة، وهذا رأي ينطبق على موضوع الذوق العام بشموليته ومنها المظهر والمحافظة على الممتلكات العامة وعلى البيئة بشكل عام وأسلوب التخاطب مع الآخرين واحترام الإنسان دون تمييز.

***

نهاد الحديثي

ليس من السهل الكتابة عن العراق دون الوقوع في قخّ التكرار أو المُجاملة أو اليأس. لكنَّ الأصعب هو السكوت، بينما يُدار بلدٌ كامل بمنطق الغنيمة، وتُختزل فكرة الوطن إلى موازنات وصفقات وتوازنات طائفية هشَّة.

متى يستقرالعراق، أرضُ الحضارات والتنُّوع الغني، وهو يواجه تحديات جسيمة في بناء دولة متماسكة؟ يُطرح السؤال نفسه منذ أكثر من عقدين، وهو في جوهره سؤال مضلٍّل، فالاستقرار لا يُقاس بعدد الأيام الهادئة أو غياب القذائف، بل بوجود دولة تحمي مواطنيها وتخضع نفسها للقانون.

العراق أغنى من أن يُحصَر في هويات فرعية متصارعة. مستقبله يكمن في قوة مواطنيه، المتساوين في الحقوق والواجبات. تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في مواجهة ثقافة التعصُّب، واستثماراً في الأجيال القادمة التي تحلم بعراق موحّد ومزدهر.

ولتحقيق الاستقرار الدائم، يجب أن يعلو شعار المواطنة فوق أي انتماء فرعي أو مذهبي أو قومي، فهي ليست شعاراً فحسب، بل عقداً اجتماعياً جديداً يضمن لكل عراقي الكرامة والأمان والفرصة، ويقابله التزام بالولاء للوطن فوق كل ولاء. هذا هو الطريق الوحيد نحو عراق قوي يمكنه النهوض مرة أخرى كمركز إشعاع حضاري في المنطقة.

ما جرى بعد 2003 لم يكن بناءَ نظام ديمقراطي، بل إنشاء لترتيب سياسي هش قائم على المحاصصة، برعاية خارجية وتواطؤ نخب محلية رأت في السلطة فرصة تعويض تاريخي، لا مسؤولية وطنية.

حُلَّت مؤسسات الدولة باسم التغيير، لكن لم تُبنَ بدائل حقيقية. جرى استبدال الدولة بالحزب، والمؤسسة بالولاء، والقانون بالتوافق. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: "من يحكم؟"، بل: "من ينهب أكثر، ومن يوفّر غطاءً طائفياً أفضل؟".

روّجت الطبقة السياسية للمحاصصة باعتبارها ضمانة للسلم الأهلي، لكنها كانت في الواقع آلية لتوزيع الفشل والفساد بالتساوي. فحين يكون الجميع في السلطة، لا يعود أحد مسؤولاً. عطّلت المحاصصة الدولة بثلاث طرق خطيرة: ألغت الكفاءة لصالح الانتماء، وشلَّّت الرقابة والمحاسبة، وكرّست الانقسام المجتمعي كأداة حكم.

وهكذا تحولت الدولة إلى جسد مشلول، يتحرك فقط عند تمرير الموازنات أو اقتسام العقود.

لم يعد الفساد في العراق استثناءً أو انحرافاً، بل أصبح لغة الحكم اليومية. فالعشرات من ملفات الكهرباء والإعمار والتسليح والبطاقات التموينية مرَّت بلا محاسبة حقيقية.

المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة. فالقضاء محاصر، والهيئات الرقابية مُفرغة، والإعلام في معظمه ممول سياسياً. والنتيجة أن المواطن يُطالب بالصبر، بينما تُهرَّب الثروات بلا خجل.

عندما خرج الشباب في تشرين، كسروا المعادلة الطائفية لأول مرة. لم يطالبوا بحصة، بل بدولة. لم يرفعوا صور زعماء، بل أسماء شهدائهم.

وكان الرد واضحاً: الرصاص أولاً، ثم النسيان. أُغلقت الملفات، وأُعيد تدوير السلطة، وبقيت الأسئلة بلا أجوبة. أثبتت تلك اللحظة أن النظام السياسي مستعد للتنازل عن كل شيء إلا عن سلطته.

تُعدّ المواطنة الركيزة الأساسية لأي دولة حديثة، فهي الإطار الذي تُبنى فيه العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية. لكن مفهوم المواطنة في العراق ظل تاريخياً وواقعياً مفهوماً ملتبساً ومتنازعاً عليه، بفعل تراكمات سياسية واجتماعية تفاقمت بعد عام 2003 مع صعود النزعات القومية والمذهبية إلى واجهة الحياة السياسية.

ينص الدستور العراقي بوضوح على مبدأ المساواة بين المواطنين ويكفل الحقوق الأساسية، لكن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص، بل في الفجوة الواسعة بين الدستور والتطبيق. فالقوانين غالباً ما تُفرغ من مضمونها بفعل المحاصصة وضعف المؤسسات، وتغليب الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة.

العراق بلد متعدّد القوميات، وكان يمكن لهذه التعددية أن تكون مصدر غنى حضاري. إلا أن تحويل القومية من هوية ثقافية إلى مشروع سياسي إقصائي أدت إلى توترات عميقة. ففي كثير من الأحيان، عوملت الدولة كأداة لخدمة قومية بعينها أو إقليم معيَّن، لا كإطار جامع لكل المواطنين. ونتيجة لذلك، تراجعت فكرة "المواطن الفرد" لصالح "المواطن المنتمي"، الذي تُقاس حقوقه وامتيازاته بمدى قربه من الجماعة المسيطرة سياسياً.

هذا الواقع أضعف الثقة بالدولة ورسّخ الشعور بالغبن والتهميش لدى شرائح واسعة، وساهم في إعادة إنتاج الصراع بدلاّ من حلّه.

أما المذهبية فقد ضربت في الصميم. فبعد 2003، تحوّلت الطائفية من واقع اجتماعي محدود التأثير إلى نظام سياسي غير معلن تُدار من خلاله السلطة والثروة والوظائف. فأصبحت الهوية المذهبية في كثير من الأحيان شرطًا غير مكتوب للحصول على الحقوق أو على الأقل لضمان الحماية.

لم يعد المواطن يشعر بأن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، بل بوصفه عضواً في طائفة لها ممثلون في السلطة. أدى ذلك إلى: تسييس الدين والمذهب وإضعاف القانون لصالح "التوازنات الطائفية"، وشرعنة التمييز غير المباشر، وتفكك الهوية الوطنية الجامعة.

وتحت ضغط القومية والمذهبية، تضررت حقوق المواطنة بشكل ملموس، وتجلَّى ذلك في: عدم تكافؤ الفرص في الوظائف العامة، وضعف العدالة القضائية بسبب التدخلات السياسية، وتقييد الحريات بأسم حماية المكوّن أو العقيدة، وتآكل مفهوم المسؤولية الفردية لصالح الحماية الجماعية.

وهكذا تحوّلت المواطنة من حق طبيعي إلى امتياز سياسي أو اجتماعي.

إن استعادة مفهوم المواطنة في العراق لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل تتطلب: بناء دولة مؤسسات حقيقية، وفصل الدين عن الصراع السياسي، وإصلاح النظام الانتخابي، وتعزيز التربية المدنية في التعليم والإعلام، وإعادة تعريف الهوية العراقية كهوية جامعة تنظّم التعددية ولا تلغيها.

 أزمة المواطنة في العراق ليست أزمة قانونية بقدر ما هي أزمة وعي وإرادة سياسية. فالدولة التي تُدار بمنطق القومية أو المذهب لا يمكن أن تنتج مواطناً حراً ومتساوياً، بل جماعات متنافسة تبحث عن الحماية لا عن الحقوق.

ولا يمكن للعراق أن يستعيد عافيته ما لم تُعاد المواطنة إلى موقعها الطبيعي: أساساً للعلاقة بين الفرد والدولة، وجسراً للعبور من الانقسام إلى الشراكة الوطنية.

هل يمكن للعراق أن بستقر؟

نعم، يمكن. لكن ليس بهذا الشكل، ولا بهذه القواعد. لا استقرار مع سلاح خارج الدولة، ولا تنمية مع اقتصاد ريعي فاسد، ولا عدالة مع قضاء انتقائي. الاستقرار الحقيقي يبدأ حين يُفهم أن الطائفة لا تبني دولة، والنفط لا يصنع عدالة، والانتخابات بلا إصلاح ليست حلاً.

العراق لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية. يحتاج إلى الاعتراف بأن المحاصصة قد فشلت، وأن استمرارها جريمة بحق المستقبل.

***

جورج منصور

خبراء النفس بتنوع درجاتهم وإختصاصاتهم متواجدين في مفاصل المجتمعات المعاصرة من رياض الأطفال حتى أعلى دائرة تتخذ القرارات الوطنية، ووسائل الإعلام كافة موادها وآليات بثها مبنية على نظريات وقوانين نفسية، فالعلوم النفسية بجوهرها سياسية لأنها تتصل بالسلوك البشري.

تناول أي موضوع يتصل بالمجتمع يتم وصفه بالسياسي وكأن ذلك سبة والحقيقة أنه توصيف دقيق، لأن الحياة تؤكد ذلك وتعززه بمعطيات سلوكية واضحة.

إذا إفترضنا وجود سياسة في دولنا، فلا بد أن يكون للعلوم النفسية دورها، والحقيقة القاسية أن دول الأمة تفتقد للسياسة، ولهذا تهمل العلوم النفسية وتتجاهلها، فلكي تكون سياسيا يجب أن تمتلك إسنادا نفسيا وبوصلة سلوك مبنية على قوانين ونطريات نفسية خالصة.

وكلما كان للعلوم النفسية مكانتها وتأثيرها في المجتمع تيقنّا بوجود سياسة وسياسيين، وبغير ذلك فالثريد وفير حول صحون الويلات والتداعيات.

  في مقابلة تلفازية قديمة سأل المحاور المرحوم يوسف إدريس عن رأيه في السياسة العربية، فكان جوابه بما معناه أين هي السياسة في دولنا، لا توجد سياسة عندنا!!

وبقي جوابه عالقا في مخيلتي، حتى أدركت أن غياب التفاعل الجاد مع العلوم النفسية، من أهم أسباب إنعدام السياسة في سلوك أنظمة حكمنا، التي تقرر بإنفعالية وإندفاعية آنية غير مدروسة، ومجردة من الحلم والحكمة، والقدرة على تأمين المصالح الوطنية، وتعزيز قيمة المواطن وسلوك المواطنة.

إن إبتعاد المتخصصون بالعلوم النفسية عن أية خطوة أو قرار، يساهم في الفشل والخسران وخيبة الآمال، وتراكم التداعيات وتكرار النكبات والهزائم والويلات.

وستكون عندنا سياسة حينما يتحقق لعلماء النفس حضورا وتأثيرا في تعبيد طريق القيادة الواعي الرشيد.

أمّةُ النفسِ ونفسُ الأمةِ

إنّها إنّا ورمزُ القوّةِ

يا علومَ النفسِ يا صوتَ العُلى

داؤها النفسُ أساسُ العلةِ

قمرٌ شعَّ وفِكرٌ ساطعٌ

وعقولٌ في رحابِ الفِكرةِ

بَعضُنا جَمعٌ منيرٌ واعِدٌ

أيقظَ الأجيالَ رغمَ الغفلةِ

***

د. صادق السامرائي

بديع: مدهش، رائع، أصيل لا مثيل له، والذي يأتي بأشياء لا على مثال سابق يسمى مبدعا.

حسب منحنى الإنتشار الطبيعي، فأن في كل جيل بديع زمان في مجال ما، فلا يخلو جيل من طوابير بديع الزمان، لكن المشكلة تكمن في أن أنظمة الحكم القابضة على مصيرهم هي التي تلغي وجودهم، وتنفي تفاعلاتهم الحرة مع الحياة، فكل بديع زمان في عصرنا المنكوب بنا يموت غدرا وقهرا، ويتحقق حلم أعداء الأمة بتوجيه أنظارها نحو كل بديع زمان في بطون الغابرات وتحويله إلى موجود لا يمكن تكراره والوصول إلى مقامه، لترسيخ شعور الأمة بالعجز والقنوط.

وفي تراثنا "بديع الزمان الهمذاني"، (969 - 1007) ميلادية، وهو كاتب وأديب وشاعر وراوية حديث مشهور، ولقب ببديع الزمان لنبوغه في الأدب واللغة العربية، ولسرعة بديهيته وقدرته العالية على الحفظ.، وأهم ما تركه مقاماته الغارقة بالسجع والبيان، فهو الذي وضع أسس هذا الفن وبرع فيه، ولديه رسائل متنوعة ذات أصالة خالصة.

تُرى كم بديع زمان مغفول في ديارنا؟

المطلوب من زماننا أن يكون مجردا من البديع والعطاء الأصيل، وكل متميز تطارده مسيَّرة وتحاوطه جمهرة من الغادرين الساعين للقضاء عليه، ولهذا تم تصفية مبدعينا وتحطيم قدراتنا، وتأهيل الكراسي للنيل من جوهر قدرتنا وتبديد طاقاتنا، وإستنزافها بتفاعلات تآكلية تضر بمصالحنا، وتقتلع أركان قوتنا وعزتنا.

الأمة فيها ما لا يُحصى من الموصوفين ببديع الزمان، لكن توجهات الحد من قدرهم ودورهم ومقامهم يتكرر في وسائل الإعلام، وفي خطابات الكراسي المترجمة لإرادة العدوان على جوهر الأمة ونسغها الحضاري الصاعد.

كلوا واشربوا من نفطكم ولا تعزّوا عقولكم، بل عطلوها وبلدوها، وحوّلوها إلى متحجرات وفقا لمعتقدات وأضاليل ذات دجل وبهتان متوالدٍ مقيم.

فإعمال العقل بدعة، والتفكير خروج عن سكة الملة، فكونوا يا أبناء أمتي روبوتات مبرمجة بنظام السمع والطاعة والخنوع السعيد!!

بديعُ زمانِنا يُسقى وَجيعا

إرادةُ غيْرنا قتلتْ بَديعا

جَهابذةٌ لهمْ باعٌ طويلٌ

بما خَبَروا وقد كسَبوا فَظيعا

تُحاربهمْ سُراةُ القوم دوماً

وكمْ صَنعتْ لهمْ سداً مَنيعا

***

د. صادق السامرائي

كلما يحين السفر بالطائرة يدخل المرء بحالة استنفار والأكثر تأثراً البشر من ضعفاء القلوب. هذا ما يسمى حمى السفر لكني بعد اكثر من نصف قرن من السفر والترحال لم اعد اهتمّ لتلك الأمور. يقول المثل العراقي (المبلل ما يخاف من المطر).

اليوم شاهدت مجموعة من الشباب من السويديين والمشاركين في مخيمات الألعاب الرياضية التي تقام في المدينة بمجموعاتهم يتنزهون فرحين وسط المدينة. الجدير بالذكر بان من الملاحظ ان معظمهم من أصول مهاجرة ولكنهم يهتفون محبة باسم وطنهم أ لسويد. لان السويد هويتهم الوطنية الوحيدة وربما بينهم من لا يعرف كلمة من لغة أبويه لكنهم رفعوا علم السويد .  يفتخرون بوجود هذا العلم مطبوع على قمصانهم. في حين هناك ذئاب مسعورة تهددهم يوميا من على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام بطردهم و"رميهم في البحر " وأخرجهم عنوة من البلاد. هم  أعضاء في البرلمان ويمثلون اليوم ثاني اكبر حزب في البلاد ومؤازرين في الظل لحكومة اليمينية الائتلافية التي يقودها السيد أؤلّف كريسترسون اقصد هنا وبالتحديد (حزب ديمقراطيي السويد) ذو الأصول القادمة من النازية الاوربية الجديدة.هذآ التناقض ليس بجديد في معظم الدول الاوربية مع تزايد الهجمة من قبل حملة الأفكار القومية العنصرية والسلبية المتطرفة. لا ريب ان بعض أعضاء تلك الأحزاب هم انفسهم من أصول مهاجرة ولكنهم لسبب ما جاحدون ناقمين على قومهم واخيرًا سياتي النار إلى عقر دارهم فتراهم خارج الحدود.

بعد أشهر سيبدأ حملة الانتخابات النيابية في السويد والتي ستجري في أيلول لاختيار أعضاء البرلمان ومجالس المدن ومن تجربتي الشخصية من خلال مشاركتي الفعلية في أربع دورات انتخابية وفوزي مقعدا في مجلس مدينتي أتمكن القول بان معظم الأحزاب سيبدءون الحملة لترويج برامجهم الانتخابية. بالتأكيد سوف يكون سياسة الهجرة والمهاجرين احد النقاط المهمة في تلك البرامج. تصور احد المرشحين من قبل هذا الحزب هو بنفسه من أصول مهاجرة ويروج برنامجا قد يكون سببا لطرده هو واهله من البلاد.

أليس هذا صورة سريالية قاتمة؟

ليس من المعقول ان يقوم احد بنشر كتاب كاتبه في اعلى سلطة قضائية في البلاد ضد دين يتجاوز المؤمنين به اكثر من مليارد مسلم. ان حرية الرأي والتعبير مقدسة ولكن ليس في العبادات و"كل قوم بما لديهم فرحون" قد تعبد النار او البقرة او نصا معينا فأنت حر في عبادتك وإيمانك. الكتاب الموسوم " الكفار" من تأليف السيد ريكارد يومسهوف وغير لقبه عدد من المرات واخيراً استقر اختياره على لقب زوجته ( Richard Johannes Jomshof, tidigare Johansson och Lohikoski)، وهو خريج من جامعة لوند العريقة في جنوب البلاد أستاذ وشخصية سياسية برلمانية وعضو في لجنة العدل التابعة للبرلمان السويدي. الناشر طبعا دار نشر خاص يملكه رئيس الحزب السيد جيمي اوكاسون. وربما الكاتب بنفسه كذلك من أصول مهاجرة إذا لاحظنا لقبه الأول قبل عملية التبديل.

أعود إلى هؤلاء الشباب من ابناء المهاجرين والقادمين من مدينة فيستراوس القريبة من العاصمة السويدية ستوكهولم واللذين يهتفون فرحين باسم وطنهم السويد  في هذا المنتجع السياحي البديع ، برج الطاحونة، وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما قد يواجهوه يوما ما ، لا قدر ولا سامح الله ، ان يسيروا في الطرق الإجرامية. لان قائلا سيقول بان تلك الأحزاب العنصرية تدعوا فقط لطرد المجرمين من البلاد ويبقى من هم من نسل الملائكة في البلاد وتغلق السجون.

لكني أتساءل فقط أليس بين أعضاء تلك الأحزاب من لهم ماضي إجرامي؟ ومن يقول بان جميع الناس هم من الملائكة لا يخطئون في حياتهم ولو لمرة واحدة؟

" وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»" (يو 7:8).

هذه الصورة القاتمة لمستقبل الشباب ذو الأصول المهاجرة واقعية وهذا لا يعني بأنهم أنفسهم من المهاجرين بل بان احد من أجدادهم كانوا من المهاجرين وهم أنفسهم من مواليد البلاد. الصورة لا تدعوا أبداً للتفاؤل في بلاد لم تعيش اجواء حرب قرابة اكثر من قرنين من الزمان. وصلت الطائرة متأخرة للمطار والغريب انها اختارت طريقا جديدا لم أعهده من قبل فبعد ان تركنا أجواء باريس عرج إلى لندن ومن هناك إلى الدنمارك والغريب ان كابتن الطيارة طلب من المسافرين إغلاق التلفون وإطفاء جميع الأجهزة. بعد ان كان احد الركاب الجالس خلفي يعلق على الصغيرة والكبيرة كأنه خبير ملاحة جوية فقد توازنه بالكامل واذا به يبقى صامتا دون ان يفتح فمه بكلمة، ولله الحمد.

هبطت الطائرة أخيرا بسلام في المطار وهرعت راكضا كي أصل إلى محطة الباص الذي سوف يقلني إلى مدينتي لكن رجال الجمارك كانوا لي بالمرصاد ورصدوني من بعيد ليكتشفوا الكنوز ربما قالو في نفسهم هذا (صيد ثمين) وأعادوني إلى الوراء لمكتبهم وربما اشتبهوا لأني كنت اركض كي الحق الباص وبعد ان أتم الكلب البوليسي المحترم شم حقيبتي الصغيرة أؤم برأسه كانّه يؤشر على اللون الأخضر ويقول فشلته بعض الملابس للأطفال وشيء من الحلويات. أعطوني الإذن بالخروج ولكن باصي كان قد ترك المحطة وعلي الانتظار في المطار في هذا الليل الداجي والبارد.

هاتفت بسرعة زوجتي لأخبرها بالنبأ السعيد وان علي اما البقاء هنا في بيت احد الأصدقاء او الفندق في المطار والمجيء غدا صباحا او احتمالات اخرى. هل اطلب من أولادي ان ياتون في الليل لاصطحابي إلى البيت وهي مسافة ليست بقليلة ام الرقود هنا؟

تمكنت اخيرا من شراء بطاقة باص ومن حسن الحظ وجدت آخر باص متجة صوب العاصمة قبل منتصف الليل… وهكذا كل سياحة مغامرة لا تنتهي قطعا كما خطط لها. كما قالت زوجتي كل شيء يمكن حله مادمت وصلت بالسلامة والى كتابة اخرى فوق السحاب.

على متن طائرة الخطوط الجوية النرويجية القادمة من الأندلس

2026

***

  د. توفيق رفيق آلتونچي

.......................

https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/985364-% https://www.qoraish.com/2025/10/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8 https://elaph.com/Web/AsdaElaph/2009/7/461212.htm