أقلام حرة
أكرم عثمان: قيمة الذات: من الصورة الذهنية إلى الأثر في الحياة
عندما تتجلى قيمتك في نظر نفسك، وتحرص على احترامها وتقديرها، وتسعى بوعي وإدراك إلى البحث عن السبل الكفيلة بإسعادها ونجاحها، فإنك لا تبني مجرد شعور داخلي مؤقت وعابر، بل تؤسس لنمط حياة متكامل قائم على الوعي والاتزان والثقة. وعندها ستدرك، عاجلاً أم آجلاً، أن هذه القيمة التي زرعتها في داخلك قد انعكست بوضوح في عقول وقلوب الناس من حولك، فأصبحت ترى في كلماتك، وتلمس في أفعالك، وتحترم في حضورك وغيابك. إن قيمة الإنسان لا تفرض على الآخرين جبراً وعنوة، بل تبنى داخلياً وتؤسس ثم تترجم خارجياً.
إن المتأمل في مسيرة الأفراد الناجحين يجد أن نقطة التحول الحقيقية في حياتهم لم تكن مرتبطة بظروف خارجية بعيدة عنهم بقدر ما كانت مرتبطة بتحول عميق في نظرتهم إلى أنفسهم وتطلعهم لها. فالقيمة الحقيقية للمرء تكمن أساساً في صورته الذهنية قبل أن تكون في واقعه الملموس والمعاش. هذه الصورة الذهنية هي العدسة والمجهر الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم من حوله، وهي التي تحدد مستوى طموحه، ورؤيته لنفسه ونوعية قراراته، وحدود ما يقبله أو يرفضه في حياته الشخصية والمهنية.
حين يرى الإنسان نفسه ذا قيمة، فإنه يتصرف على هذا الأساس؛ يختار ما يليق به، ويرفض ما ينتقص منه ويقلل من شأنه، ويضع لنفسه معايير واضحة لا يتنازل عنها بسهولة. لا يسمح لنفسه أن تكون رهينة لآراء الآخرين أو تقلباتهم المزاجية رضوا عنه أم رفضوه، ولا يقبل أن يساوم على كرامته مقابل مكاسب مؤقتة. بل يدرك أن كل تنازل غير واع هو خصم من رصيده الذاتي، وأن كل موقف يحافظ فيه على قيمته هو استثمار طويل الأمد في ذاته ومكسب له على المدى القريب والبعيد.
وفي المقابل، فإن التقليل من قيمة الذات لا يحدث بشكل فجائي، بل يتسلل بهدوء عبر ممارسات يومية قد تبدو بسيطة، لكنها مع التكرار تحدث أثراً عميقاً في نفسه وحياته؛ كأن يقبل الإنسان بوضع لا يليق به، أو يسكت عن حقه، أو يتنازل عن مبادئه لإرضاء الآخرين، أو يستسلم لصوت داخلي ناقد يضعف ثقته بنفسه ويحجم مدارها ومسرتها وتطلعاتها. ومع مرور الوقت، تتشكل صورة ذهنية سلبية، تقيد إمكاناته وتُكبّل حركته ونشاطه، وتحد من جرأته، وتجعله يعيش دون مستوى قدراته الحقيقية.
إن العدالة مع الذات هي حجر الأساس في بناء القيمة الحقيقية؛ فليست العدالة أن نقسو على أنفسنا فنجلدها عند كل خطأ ونحاسبها على كل هفوة أو همسة، ولا أن نبالغ في تقديرها فنغفل عن تقصيرها ونعيش في عالم مليء بالعجب ونرجسية الذات وعشقها، بل أن نمنحها التقييم المتوازن الذي يجمع بين الاعتراف بالإنجاز والسعي المستمر للتطوير والنمو والازدهار. أن نكافئ أنفسنا عندما ننجح، ونتعلم منها عندما نخطئ، ونهذبها عند انزلاقها وخروجها عن القواعد والضوابط والممارسات الخاطئة، وأن نعاملها ككيان يستحق الرعاية والاهتمام والتقدير.
إن قيمة الذات لا تعني الغرور أو التعالي على الآخرين والتكبر عليهم، بل على العكس، هي الوعي الحقيقي بالقدرات والإمكانات، وتوظيفها بما يخدم رسالة الإنسان في الحياة وعمارته للأرض ومهمته فيها؛ فالشخص الذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى إثبات نفسه بطريقة مبالغ فيها، ولا يسعى إلى التقليل من الآخرين ليشعر بالأهمية ولفت الانتباه وحب الظهور، بل يتحرك بثقة هادئة، ويترك أثره من خلال أفعاله لا ادعاءاته أو كلماته التي لا يكون لها ترجمة في السلوك والممارسات.
تتجلى قيمة الذات في بيئة العمل من خلال مستوى الأداء والانضباط والالتزام؛ فالموظف الذي يقدر ذاته يحرص على جودة عمله، ويسعى لتطوير مهاراته، ويتعامل مع زملائه باحترام، طامحاً لأن يكون إضافة حقيقية لمؤسسته لا مجرد رقمٍ عابر. وعلى الصعيد الاجتماعي، يحسن الفرد الذي يدرك قيمته اختيار علاقاته، ويضع حدوداً صحية تضمن عطاءه دون استنزاف، ويحب دون أن يفقد هويته أو يغفل عن رسالته.
وعند مواجهة الأزمات، تصبح قيمة الذات الفيصل في طريقة التعاطي مع التحديات؛ فإما الاستسلام للإحباط، أو إعادة ترتيب النفس والانطلاق مجدداً متجاوزاً عثرات الماضي. وهنا تبرز سمات الصبر، والمثابرة، والتعلم من الأخطاء كعوامل جوهرية للنهوض، فغالباً ما تكون الأزمات منعطفاً نحو وعيٍ جديد ونضج أعمق. إن الحفاظ على قيمة الذات هو رحلة مستمرة وسلوك يومي يتجدد في كل موقف وقرار، بدءاً من حوار الذات ووصولاً إلى المواقف الكبرى؛ فكلما زاد وعي المرء بهذه القيمة، تعززت قدرته على حمايتها وتنميتها.
ختاماً، تذكر أن قيمتك ليست رهينة بظروفك، ولا مرتبطة برضا من حولك، بل هي قرار داخلي تجسده أفعالك يومياً. إن القوة الكامنة فيك هي التي تمنحك القدرة على النهوض بعد كل عثرة، والاستمرار بعد كل توقف. لذا، احرص على ألا تبخس قيمتك، ولا تستهن بوزن شخصيتك وقدراتك وما اكتسبته من خبرات طوال مسيرتك المهنية والاجتماعية، ولا تسمح للممارسات العابرة أن تنتقص منها أو تحرف بوصلتها. كن عادلاً مع ذاتك، رفيقاً بها، حازماً في حمايتها، وواعياً في تطويرها. ارتقِ بفكرك وسلوكك ووجدانك، لترتقي بك مكانة وأثراً، وتسمو بها أمام نفسك أولاً، ثم تكبر ويعلو شأنها في أعين الآخرين.
***
د. أكرم عثمان
3-4-2026







