عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

وسام العبيدي: بين الخوئي والصدر..

قراءة في الإرث العلمي للشيخ محمد إسحاق الفياض

برحيل الشيخ محمد إسحاق الفياض، لا يُطوى اسم فقيه من أعلام الحوزة فحسب، بل تُستعاد، في مستوى أعمق، أسئلة بنيوية تتعلق بطبيعة تشكّل المرجعية الشيعية الحديثة، وبكيفية إنتاج الشرعية العلمية داخل الحقل الحوزوي، وبحدود العلاقة بين “المدرسة” و“التاريخ” و“التحول المعرفي”. فالأسماء الكبرى في هذا السياق لا تُقرأ بوصفها سِيَراً فردية، بل بوصفها علامات على مسارات طويلة من التكوين والتراكم والتنازع الهادئ بين أنماط مختلفة من إنتاج المعرفة الدينية.

في هذا الأفق، يغدو الشيخ الفياض أكثر من مجرد امتداد لمدرسة السيد أبي القاسم الخوئي؛ إنه علامة على لحظة تاريخية حاولت فيها الحوزة النجفية أن تحافظ على بنيتها الكلاسيكية، وفي الوقت نفسه أن تتعامل مع الأسئلة الجديدة التي فرضها التحول الفكري الذي مثّله مشروع المفكر الإسلامي الرائد السيد الشهيد محمد باقر الصدر. بين هذين القطبين تتحدد ملامح تجربة لا يمكن اختزالها في الانتماء المدرسي، بل ينبغي قراءتها ضمن دينامية أوسع تتعلق بـ“اقتصاد الاعتراف العلمي” داخل الحقل الديني.

لقد تشكل وعي الشيخ الفياض العلمي داخل فضاء المدرسة الخوئية، وهي مدرسة لم تكن مجرد اتجاه فقهي، بل بنية معرفية متكاملة أعادت تنظيم العلاقة بين النص والعقل، وبين الاستدلال واليقين، وبين الفقه بوصفه ممارسة يومية والفقه بوصفه نسقاً معرفياً صارماً. وفي هذا السياق، لا يظهر الفياض بوصفه متلقياً سلبياً، بل بوصفه أحد الفاعلين الذين أعادوا إنتاج هذه البنية من داخلها، حتى غدا جزءاً من امتدادها التاريخي الطبيعي.

وتكشف الشهادة المنسوبة إلى السيد الخوئي في تقريظه لكتاب «محاضرات في أصول الفقه»، حيث وصفه بـ«قرة عيني العلامة المدقق الفاضل»*، عن أكثر من مجرد علاقة أستاذ بتلميذ. إنها، في عمقها، لحظة اعتراف داخلية في بنية المدرسة نفسها، حيث لا تُمنح الشرعية بوصفها امتيازاً اجتماعياً، بل تُنتج بوصفها نتيجة لمسار طويل من الاختبار العلمي داخل الدرس الحوزوي. إن هذه العبارة، بما تحمله من كثافة رمزية، تعكس انتقال التلميذ من موقع التلقي إلى موقع المشاركة في إنتاج النسق نفسه.

غير أن هذا النسق لم يبقَ مغلقاً على ذاته. فالحوزة، بوصفها حقل معرفة، لا تتحرك خارج التاريخ، بل تتشكل داخله. ومع بروز مشروع السيد محمد باقر الصدر، دخل علم الأصول في لحظة مراجعة عميقة، لم تقتصر على الأدوات، بل مست البنية المفهومية ذاتها. فقد أعاد الصدر طرح سؤال المعرفة الأصولية من داخلها، وأدخل مفاهيم جديدة أعادت تشكيل أفق التفكير الفقهي، ولو جزئياً.

في هذا السياق، يمكن فهم موقع الشيخ الفياض بوصفه موقعاً وسيطاً لا يقوم على القطيعة ولا على الذوبان. إنه موقع إعادة التوازن داخل حقل متحرك: من جهة، وفاء واضح للمنهج الخوئي في صرامته التحليلية وبنيته الاستدلالية؛ ومن جهة أخرى، انفتاح محسوب على الأسئلة التي أثارها المشروع الصدري، من دون الدخول في إعادة تأسيس جذرية للمباني الأصولية. هذا النمط من التوسط لا ينبغي فهمه بوصفه تردداً، بل بوصفه شكلاً من أشكال إدارة التحول داخل بنية معرفية تقليدية شديدة التعقيد.

ولعل ما يزيد هذه الصورة تعقيداً هو أن الشرعية العلمية في الحوزة لا تُبنى فقط من الأعلى (الأستاذ)، بل أيضاً من تفاعل الحقول المختلفة داخل الوسط العلمي نفسه. وفي هذا السياق، تشير بعض المعطيات المتداولة في الأوساط الحوزوية إلى أن السيد محمد محمد صادق الصدر لم يتعامل مع الشيخ الفياض بوصفه حالة إشكالية، بل بوصفه أحد الفقهاء الذين تتوفر فيهم شروط الاعتبار العلمي والاجتهاد، وهو ما يعكس درجة من القبول العابر للاتجاهات، حتى داخل سياقات فكرية مختلفة منهجياً. وهذه الإشارة، في بعدها الرمزي، تُقرأ بوصفها اعترافاً ضمنياً بسلامة البناء العلمي للشيخ الفياض، حتى داخل سياق فكري مختلف عنه منهجياً.

ومن زاوية أوسع، وفي سياق التحولات التي شهدها العراق بعد عام 2003، لا بد من الإشارة إلى أن موقع الشيخ الفياض داخل الحقل المرجعي اتسم بدرجة ملحوظة من التحفظ تجاه الانخراط المباشر في المجال السياسي، وهو ما لا ينبغي قراءته بوصفه موقفاً سلبياً أو غياباً عن الشأن العام، بقدر ما يُفهم ضمن نمط محدد من أنماط اشتغال المرجعية النجفية، القائم على التمييز بين وظيفة الفقيه بوصفه منتجاً للمعرفة الشرعية، وبين موقعه بوصفه فاعلاً سياسياً مباشراً. ففي حين اتجهت بعض المرجعيات إلى توسيع مساحة التفاعل مع المجال السياسي الجديد بكل تعقيداته، حافظ الشيخ الفياض على مسافة محسوبة من هذا المجال، مفضلاً إبقاء مركز الثقل في الدرس الفقهي والأصولي بوصفه مصدر الشرعية الأول. ويمكن قراءة هذا الخيار ضمن ما يمكن تسميته بـ“التحفظ المؤسسي للمرجعية التقليدية”، الذي يسعى إلى حماية استقلال الحقل الديني من التداخل الحاد مع ديناميات السلطة، دون أن يعني ذلك الانسحاب من المجال العام أو تعطيل وظيفة التوجيه الديني والاجتماعي. وبذلك يندرج هذا الموقف ضمن تعددية داخلية في بنية المرجعية الشيعية المعاصرة، لا تنفي أحد أنماطها، بل تكشف عن اختلاف في تصور حدود العلاقة بين العلم الديني ومجال الدولة الحديثة.

ومن ثم فإن اجتماع شهادتين من هذا النوع - تقريظ السيد الخوئي من جهة، والقبول النسبي داخل الامتداد الصدري من جهة أخرى - يُنتج دلالة مزدوجة مهمة: الأولى تتعلق بشرعية التكوين العلمي داخل المدرسة الأم، والثانية تتعلق بقدرة هذا التكوين على العبور بين الحساسيات المدرسية المختلفة دون أن يفقد اعتباره العلمي.

ومن زاوية أوسع، يمكن النظر إلى الشيخ الفياض بوصفه أحد نماذج الاستمرارية المركّبة في الحوزة النجفية، حيث تتقاطع المحافظة المنهجية مع قابلية محدودة للتجديد، ضمن إطار لا ينفصل عن البنية الكلاسيكية للدرس الأصولي، ولا ينخرط بالكامل في مشاريع إعادة التأسيس.

إن ما تكشفه هذه القراءة ليس سيرة فقيه فحسب، بل بنية كاملة لإنتاج الشرعية داخل مؤسسة معرفية تقليدية لا تزال قادرة على إعادة إنتاج نفسها عبر التوازن بين الثبات والحركة. وفي هذا المعنى، فإن دراسة الشيخ الفياض ليست دراسة في الفرد، بل في كيفية اشتغال الحقل الحوزوي نفسه: كيف يحفظ تماسكه، وكيف يستوعب اختلافاته، وكيف يعيد تعريف ذاته عبر الزمن دون أن يقطع جذوره.

لقد رحل الشيخ محمد إسحاق الفياض، لكن السؤال الذي يتركه خلفه لا يتعلق بشخصه، بل بالبنية التي أنتجته: كيف يمكن لحقل معرفي تقليدي أن يستمر في إنتاج شرعيته في ظل تحولات فكرية عميقة؟ وكيف يمكن للمدرسة أن تبقى مدرسة، وفي الوقت نفسه أن تستجيب لتاريخ لا يتوقف عن مساءلتها؟ في هذا التوتر تحديداً، بين المدرسة بوصفها تراثاً والمدرسة بوصفها سؤالاً مفتوحاً، تتجلى القيمة الأعمق لهذه التجربة، وتتحدد دلالتها بوصفها جزءاً من تاريخ أوسع لا يزال يتشكل داخل الحوزة النجفية المعاصرة، بين الخوئي والصدر، وبين الاستمرار وإمكان التجديد.

***

د. وسام حسين العبيدي

.....................

* اعتاد أساطين علماء الفقه والأصول في حوزة النجف وقم أن يكتبوا تصديرا لأبرز تلاميذهم الذين حضروا أبحاثهم وقرروا مبانيهم على مدار تلك الدورة، فبعد اطلاعهم يكتبون هذا التصدير الذي يعد شهادة بحق ذلك التلميذ تدلل على مدى استيعابه تلك الدروس وحسن صياغته لأفكار أستاذه، وبعضهم لا يكتفي بتقرير درس أستاذه، بل يحاول مناقشة ما ورد في تلك الدروس التي حضرها تفنيدًا لبعض الأفكار أو تعميقا لها وتفريعًا، بما يكشف عن ذهنية واسعة لذلك التلميذ وألمعية تميزه عن مجايليه ممن حضر واكتفى إما بالاستماع أو بتقرير ما سمعه ووعاه، وكلمة زعيم الحوزة آنذاك السيد أبي القاسم الخوئي، تدلل على إعجاب منقطع النظير بتلميذه الشيخ الفياض، وهي تكشف من وجهٍ آخر على شهادة الأستاذ باجتهاد تلميذه. والسياق الذي ورد فيه وصفه أعلاه، هو قوله: (فإني أحمد الله تعالى على ما أولاني به من تربية نفرٍ من ذوي الكفاءة واللياقة حتى بلغ الواحد منهم تلو الآخر درجة رفيعة من العلم والفضل وممن وُفِّقتُ لرعايته وحضر أبحاثي العالية في الفقه والأصول هو قرة عيني العلامة المدقق الفاضل الشيخ محمد إسحاق الفياض دامت تأييداته وقد عرضَ عليّ الجزء الأولل من كتابه "المحاضرات في أصول الفقه" الذي كتبه تقريرا لأبحاثي باسلوب بليغ وإلمام جدير بالإشادة والإعجاب).