عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

للشاعر يحيى السماوي.

نص الومضة:

من خمرة دمي

وخضرة عشب عيني

وبياض قلبي

وزرقة جنوني

وشحوب وجهي

سأرسم قوس قزح للأطفال

قوس قزح يخلو من اللون الأسود

فأطفال وطني يفزعهم السواد

سواد ضمائر وقلوب الساسة

تتأسس هذه الومضة الشعرية على مفارقة شعورية مكثّفة، تنتقل فيها الذات الشاعرة من الاحتراق الداخلي إلى محاولة الخلق والتكوين من رماد التجربة. إنّه خطاب شعري موجّه من الداخل المجروح إلى الخارج المأمول، حيث يمتزج الألم الشخصي بالهمّ الجمعي، ويتحول النص إلى مرآة للطفولة المغتصبة، وللبراءة المنتهَكة في وطنٍ لم يعُد يَسَع الحلم.

يفتتح الشاعر السماوي نصه باستعارات ذات طابع جسدي وروحي عميق:

فهو هنا، لا يستدعي أدواته من الواقع البارد، بل من صميم ذاته: دمه، قلبه، جنونه، وجهه. إنها لغة تنطلق من التجربة الوجودية المباشرة، تُحيل على أن الكتابة ليست ترفًا ولا وصفًا، بل هي معاناة تتخثّر في صورة. فالخمرة ليست متعة، بل وجع مختمر؛ والبياض رمز الصفاء ، والوجه – ذلك المرآة الخارجية – يبوح بشحوبه عن ليلٍ طويل من الإنهاك.

هذه المقدمة المرهفة تُؤسِّس للذروة التي تأتي بعدها:

"سأرسم قوس قزح للأطفال"

الفعل هنا فعل خلق، لا هدم. في عالم مأزوم، يختار الشاعر أن يستجيب لا بالقسوة، بل بالفنّ. لكن هذا "القوس" الذي يعد به، ليس بريئًا تمامًا. إذ إنه قوس قزح ينقصه اللون الأسود، وكأن الشاعر يُعيد بناء صورة الطفولة، لكن بما يناسب براءتها، خاليًا من الخوف.

يكتسب اللون الأسود في هذه الومضة وظيفة رمزية كثيفة. فهو ليس فقط اللون البصري الذي يرتبط بالحزن والموت، بل هو أيضًا التمثيل الأخلاقي لانحدار السلطة السياسية. فحين يقول:

"فأطفال وطني يفزعهم السواد / سواد ضمائر وقلوب الساسة"

فهو لا يتحدث عن فزع بصري، بل عن رعب قيمي وأخلاقي. الأطفال – رمز الطهارة – صاروا يخشون العالم بسبب ظلمة الداخل، بسبب سواد لا يُرى بالعين المجردة، بل يُحسّ في السلوك والمصير. إنه نقد ناعم وعميق في آنٍ معًا، يُدين الطبقة السياسية لا من باب الممارسات، بل من باب ما تتركه في أرواح الصغار من أثر لا يُمحى.

وفي هذا السياق، يصبح حذف "الأسود" من قوس قزح فعل مقاومة فنية، لا مجرد حركة تشكيلية. إن الشاعر يحاول أن يعيد تشكيل العالم برمزية جديدة، يكون فيها الأسود رمزًا للمسؤولية، لا للطبيعة؛

 نتيجة لفعل الإنسان لا قدرًا.

لقد تميّزت الومضة بقدرتها على الإيحاء عبر الاختزال. كل سطر فيها يعمل كشظية، لا تعتمد على التوسع السردي بل على التوتر الداخلي بين الصور. فاستطاع الشاعر السماوي، من خلال عشرة أسطر فقط، أن يُكوّن بنية شعرية مشحونة بالإحساس، متماسكة في نَفَسها ومتصاعدة في بُعدها الدرامي، مما يمنح النص قيمة تأملية لا تعتمد على البلاغة الزائدة، بل على صدق العاطفة وحدة الرؤية.

اذن ...نحن أمام ومضة شعرية مكثفة تمزج بين شعرية الألم وفنّ الأمل. لا تكتفي بإدانة السواد، . بل تسعى إلى تجاوزه ، بالبراءة، بالطفولة. وهي بهذا تكتب سيرة وطنٍ من خلال ريشة شاعر، وسيرة جيلٍ من خلال وجوه أطفاله.

ومضات كهذه، وإن بدت قصيرة، تحمل في طياتها صرخة كاملة بحجم وجع أمة.

***

قراءة/  عبد العزيز الناصري

 

رحلة الوعي بين قسوة الواقع ونداء التّحرّر

مقدّمة: روح الشّعر في نصّ نثريّ:

في عوالم الكلمة السّاحرة، حيث تتراقص الحروف على إيقاع الرّوح، وتُنسَجُ المعاني من خيوط الفكر، يبرز نصّ "أغنية المجنون" للشّاعر الإماراتي عادل خزام؛ كتحفة أدبيّة تتجاوز المألوف.

هو نصّ نثري شاعريّ بامتياز، تتجلّى فيه روح الشّعر في أبهى صورها، وإن تحرّرت من قيود الوزن والقافية التّقليديّة، إذ ينساب النّص بسلاسة، حاملا في طيّاته إيقاعا داخليّا متفرّدا، ينبع من تدفّق الأفكار المتتابعة، والصّور الفنّيّة المتلاحقة والعاطفة الجيّاشة.

إنّه نصّ شعريّ في روحه وجوهره، لا يندرج تحت القصّة القصيرة أو المقالة النّثريّة، بل يمثّل نوعا أدبيّا مختلفا، يجمع بين حرّيّة النّثر وروح الشّعر، مانحا إيّاه مرونة كبيرة في التّعبير عن أغوار النّفس الإنسانيّة ومكنوناتها الفلسفيّة، مرتكزا على اللّغة المكثّفة والرّمزيّة العميقة والتّكثيف الدّلاليّ.

يأخذنا خزام في رحلة استكشافيّة جريئة، تبدأ بنفيٍّ قاطع لكلّ أشكال الخضوع، تتوالى فصولها في بحث دائم عن الهويّة والمعنى، وتصطدم بصرامة الواقع وتناقضاته، وتنتهي بدعوة جريئة إلى التّحرّر من قيود الفكر والوعيّ الجمعيّ، حتّى لو كان ثمن ذلك هو لقب "الجنون".

أنشودة الذّات، وتحليل لصرخة الوجود:

يبدأ عادل خزام نصّه بنفيّ قاطع لأيّ تاريخ من الخضوع، ليؤكّد على فرديّته واستقلاليّته منذ البداية. يقول: "لم تطأ قدمي حافيا في لعبة النّار، ولا استرسلتُ يوما في الرّكض نحو الهاوية، ولا طالت رقبتي أمام أبٍ أو جدّ".

هذا الافتتاح القويّ، يمهّد لخوض الشّاعر في رحلة عميقة لاستكشاف الذّات، مؤكّدا رفضه للقيود المجتمعيّة والوراثيّة، ومعلنا عن طريق خاصّ به في الحياة.

هي رحلة ميلاد مستمرّ، يصف نفسه فيها قائلا: "وُلِدتُ لأنتمي للدّهشةِ زاحفا على أسفلتٍ ورملٍ حتّى اسودّتْ ركبتاي".

هذا التّعبير يجسّد الصّراع الباكر مع الواقع، والجهد المبذول في التّكيّف، ثمّ التّحوّل من الزّحف إلى المشيّ المتعرّج، وصولا إلى الانتصار على الضّعف والوهن.

هذا التّحوّل الرّمزيّ يعكس رحلة نمو الوعي وتطوّر الشّخصيّة، فكلّ سقوط هو خطوة نحو النّهوض، وكلّ تحدٍّ يضيف طبقة جديدة من الإدراك. إنّها استعارة بليغة لتكيّف الإنسان مع مصاعب الحياة، وتحويل التّجارب القاسية إلى وقود للارتقاء.

يظهر دور الأمّ هنا ليس بصفتها المانعة، بل كصوّت داخليّ حكيم، فيكتب: "سَمِعتُها في انكسارات اللّيل تُبجِّل الشّمعة".

هذه الشّمعة ليست سوى رمز للأمل، والدّليل الحيّ وسط ظلمات اللّيل، والوعيّ الّذي يحرس الشّاعر في مواجهة "ذئاب اللّيل" المحتملة، تحت حماية "ظلاله" الخاصّة، أيّ وعيه وكيانه الدّاخليّ.

ينتقل النّصّ بعد ذلك إلى طرح سؤال الهويّة الأساسيّ: "من أنا؟"؛ ليقدّم إجابات إبداعيّة غير تقليديّة، تفارق المألوف وتعزّز نظرته الفلسفيّة للحياة، فالشّجرة تصبح "أمّي الثّانية" في إشارة إلى الارتباط العميق بالطّبيعة والأصالة، بينما "عمود الإنارة" يغدو "قمري في ليل المدينة"، مجسّدا التماس الضّوء والهداية في بيئة حضريّة قد تكون قاسية ومظلمة، وتتحوّل الذّكريات الّتي يفترض أنّها ماضٍ ثابت، إلى "سلالم صعودٍ لمن أغوته ثمرة الحياة" و "سلالمُ هبوطٍ للجبان"، في رؤية مبتكرة تؤكّد أنّ الماضي ليس حدثا عابرا، بل أداة يمكن استغلالها للنّهوض أو التّراجع حسب إرادة الإنسان. هذه الصّورة تكشف عن نظرة الشّاعر العميقة للتّفاعل بين الذّات والزّمن، وكيف يمكن للوعيّ أن يحدّد مسار الفرد.

تتجلّى قوّة الذّات المتخيّلة لدى الشّاعر في تصويره لقدرته على التّحكّم في عناصر الطّبيعة: "لو أضع كفّي في كفّ مجدافٍ، يصير البحرُ عبدي، لو أضع ساقي في حذاء المسافة، تتلوّى تحت خطوتي الأرض".

هذه الجمل الاستعاريّة، تعكس ثقة مطلقة في القدرة الكامنة، وكأنّ العوالم الخارجيّة تنصاع لإرادته الدّاخليّة، بل ويذهب أبعد من ذلك، إذ يقول: "وقد أُسابِقُ دورانَها فتختلطُ البداية بالنّهاية حين أقف"، في إشارة إلى تجاوز الزّمن والمكان، والوصول إلى نقطة اللّاتناهي أو الوعيّ المطلق.

يمارس الشّاعر هنا نقدا لاذعا للمنطق السّطحيّ، فيصف "رجلا واهما يركض للأمام، لكنّه في الحقيقة عائد للخلف"، مما يعكس رؤيته للتّناقضات الظّاهريّة في السّعيّ البشريّ، وكيف أنّ المظاهر قد تكون خادعة، وأنّ التّقدّم المزعوم قد يكون في جوهره تراجعا.

تتجلّى أوج هذه التّناقضات في تخيّله لموقف الاصطدام بـ "حشد عقلاء" في اللّيل، حيث صرخته "أنا نقيضكم"، لا تستدعي سوى الطّرد من "جنّة الشّطط"، ممّا يؤكّد على عمق الفجوة بين رؤية "المجنون" الحقيقيّة وواقع "العقلاء" الزّائف.

يواصل خزام بحثه المستمرّ عن "الأنا" الحقيقيّة، معترفا أنّه لم يجد بعد أغنيته، على الرّغم من اطّلاعه على العديد من الكتب تحت المطر، في دلالة على استمراريّة البحث والتّشبّع بالمعرفة والقراءة، دون الوصول إلى اكتمال الذّات.

إنّ الشّاعر، على الرّغم من تبحّره في المعارف وعميق قراءاته وسعة اطّلاعه، لا يزال يقرّ بأنّه طالب علم دائم، وأنّ رحلة المعرفة لا تبلغ منتهاها، فمن يعتقد أنّه قد أكمل العلم واكتمل، فهو في الحقيقة أوقف نبض فكره، وأغلق أبواب بصيرته، وأعلن عن جمود روحه في بحر لا ساحل له من التّساؤلات والاكتشافات، وهذا ما يؤكّد على أنّ الهويّة رحلة وليست وجهة ثابتة.

يتعمّق خزام في صورة فنّيّة أخرى تقول: "الّذي ولدوه بفمٍ مغلق، يصيرُ حين يكبرُ عمودَ إنارةٍ على رصيفٍ مهجور"، وهي صورة مؤثّرة، تعكس شعورا بالعزلة وعدم القدرة على التّعبير الكامل عن الذّات في عالم متخبّط.

تتشكّل مرارة هذا الصّراع في محاولاته اليائسة لإحداث فرق في العالم الخارجيّ؛ فـ"عملةَ الحظّ" الّتي يرميها للفقير تسقط "في يد الغنيّ"، و"قُبلة الحبّ الّتي يرسلها مع طائرِ الحرّيّة، يرتطم بزجاج النّوافذ ويموت، ممّا يبرز شعورا بالعجز أمام الظّلم الاجتماعيّ وقيود الواقع.

في الفقرة الأخيرة، يضعنا النّص أمام حوارين رمزيّين يبلوران رؤية "المجنون" للعالم. الأوّل مع "شاعرٍ هشٍّ" يرى قصائده "أوراق يانصيب" والحياة "حفلة مقامرة". يرفض الشّاعر هذه الرّؤية الانهزاميّة السّلبيّة، ويصفه بأنّه "أسطوانة الخسران" الّتي ستظلّ تدور حتّى تنكسر وتؤذيه.

أمّا الحوار الثّاني، فهو مع "الفيلسوف" الّذي يتساءل: "هل هناك عطلة للزّمن؟" هذا السّؤال العميق يدفع الشّاعر إلى إدراك ثقله رغم خفّته، وارتباطه بالأرض رغم "أجنحته الكثيرة"، يشعر بمسؤوليّته تجاه كلّ "فتنة ضامرة"، ويدعو هنا إلى تحرير الوعيّ، والتّحرّر من القيود الفكريّة بفتح الأقفاص الفارغة؛ كيّ يحرّر الرّيح من كلّ أفكارها. هذا الفعل الرّمزيّ هو دعوة إلى التّفكير الحرّ، والتّحرّر من الأوهام والقيود المعرفيّة، حتّى لو كان الثّمن هو أن يلقّبوه بـ "المجنون الّذي لا يعي هذيانه أحد".

إنّ "جنون" الشّاعر هنا ليس عجزا، بل هو شكل من أشكال التمرّد على السّائد، ورؤية مختلفة للعالم، تمنحه القدرة على كشف زيف "العقلاء" والبحث عن الحقيقة المطلقة.

"الجنون في الأدب".. تجاوز العقل إلى فضاء الوعيّ:

يتّضح مفهوم "الجنون" في هذا النّصّ كبعد فلسفيّ عميق، يتجاوز دلالته الشّائعة الّتي تعني الخلل العقليّ؛ ليحضر بوصفه حالة من الوعيّ المتفرّد والتّمرّد الفكريّ. هذه النّظرة ليست جديدة في الفضاء الأدبيّ والفلسفيّ، فلطالما كان "المجنون" في تراثنا الإنسانيّ، شرقا وغربا، رمزا للحكيم المتنوّر أو النّبيّ الّذي يرى ما لا يراه غيره، أو الفيلسوف الّذي يتحدّى المنطق السّائد والقوالب الجامدة.

في الأدب العربيّ، نجد شخصيّات مثل "مجنون ليلى" الّذي تجاوز عشقه حدود العقل المتعارف عليه؛ ليصبح رمزا للحبّ المطلق، فيرى في ليلى كلّ الوجود. وفي الفلسفة الصّوفيّة، غالبا ما يشار إلى السّكرِ أو الجنون بمعنى الخروج عن المألوف، والذّوبان في الحقيقة الإلهيّة، وهو ما لا يستوعبه العقل البشريّ المحدود.

أمّا في الفلسفة الغربية، فقد جسّد العديد من الفلاسفة والمفكّرين، على مرّ العصور هذا الجنون التمرّديّ، حيث قادهم اختلافهم عن التّيّار العامّ إلى نظرات ثاقبة، كشفت زيف الواقع وقصوره.

يعيد عادل خزام تعريف هذا المفهوم ببراعة، فيجعل "الجنون" ليس نقصا أو عجزا، بل هو سبيل لإدراك الحقائق الّتي تعجز العقول عن استيعابها. هذه العقول المنشغلة بالمادّيّات، أو الخاضعة لقوالب المجتمع وأعرافه، تفقد القدرة على الرّؤية الشّاملة والعميقة، فـ"المجنون" في هذا السّياق هو من يرى الصّورة كاملة، ويكشف التّناقضات والزّيف، ويتحرّر من القيود الفكريّة الّتي تغلّ الآخرين.

إنّها الثّورة على المألوف، والبحث عن الحرّيّة في فضاءات الفكر المطلقة، حتّى وإن كان ثمن ذلك هو وصمة "الجنون" في أعين من لا يستطيعون فهم هذيانه النّيّر. هذا الجنون هو فعل مقاومة ضدّ الرّتابة والنّمطيّة، وهو البوّابة نحو إدراك الذّات في أعمق صورها وأكثرها تحرّرا.

صراع الرّوح، بين قسوة المدينة وأصالة الطّبيعة:

يخلق عادل خزام في نصّه تضادّا حادّا بين عالمين متناقضين: قسوة المدينة وصخبها، وأصالة الطّبيعة ورمزيّتها. هذا التّوظيف المكثّف، "المدينة" و"الطّبيعة" يمثّل صراعا وجوديّا عميقا يواجهه الإنسان الحديث، فعلى الرّغم من "الإسفلت والرّمل" اللّذين يسودان بداية حياة الشّاعر، ويتركان أثرا قاسيا "حتّى اسودّت ركبتايّ"، إلّا أنّ الرّوح لا تستسلم لجمود هذه البيئة.

تظهر "المدينة" في النّصّ بوصفها فضاءً للوحدة والبحث، حيث يصبح عمود الإنارة قمريّ في ليل المدينة. هذا العمود الّذي هو نتاج بشريّ صلب، يتحوّل إلى مصدر نور وهداية في ظلمة الوجود الحضريّ.

إنّها محاولة لاستخلاص الجمال والمعنى من قلب القبح أو التّجاهل، وعلى النّقيض، تحضر "الشّجرة" كـ"أمّي الثّانية"، لتصوّر رمزا للأصالة والجذور والانتماء للطّبيعة البكر، الّتي تمثّل مصدرا للنّمو والحماية الرّوحيّة.

إنّ "المجنون" لا يرفض المدينة بالكليّة، بل يحاول ترويضها؛ ليجد فيها بصيص ضوء خاصّ به، وهو لا يغوص في غياهبها، بل يرى فيها إضاءته الخاصّة. هذا الصّراع بين "الأصالة والحداثة"، يصبح دعوة للتّأمّل في كيفيّة تفاعل الفرد مع عالمه المعاصر، فهل يذوب فيه، أم يحافظ على جذوره الرّوحيّة والطّبيعيّة؟ وهل يمكن للإنسان أن يخلق مأواه الرّوحيّ حتّى في أكثر الأماكن قسوة واغترابا؟

هذا التّوظيف لعنصريّ المدينة والطّبيعة، يمنح النّصّ بعدا فلسفيّا حول مكانة الإنسان في الوجود، وكيف يسعى للحفاظ على روحه وفرادته رغم كلّ التّحدّيات.

اللّغة كأداة للتّحرّر والتّمرّد والمقاومة:

إنّ المتعمّق في هذا النّصّ يدرك أنّ اللّغة فيه لا تحمل المعنى فقط، بل هي فعل تمرّد بحدّ ذاته، فالشّاعر يكسر القيود الشّعريّة التّقليديّة من وزن وقافية، ليؤكّد أنّ التّمرّد ليس مقتصرا على الأفكار، بل يمتدّ ليشمل شكل التّعبير ذاته. هذا الانطلاق في البناء اللّغويّ، يعطيه مرونة استثنائيّة، ويتيح تدفّق الأفكار بوعي دون عوائق، واتّخاذ الكلمة الحرّة كأداة لتحرير الفكر.

كما يكسر النّصّ القواعد الأسلوبيّة المألوفة، يستخدم مفردات عاديّة بتركيبات غير عاديّة، يحوّلها إلى صور استعاريّة، تخلق دهشة جماليّة وفكريّة.

على سبيل المثال، عبارة: "تتلوّى تحت خطوتي الأرض"، وهي استخدام غير مألوف للفعل "تتلوّى" مع "الأرض"، ما يمنح الجملة قوّة وحيويّة ويجسّد قوّة الذّات المتخيّلة. كذلك، استخدام الأفعال المضارعة مثل: تطأ، يكبر، يرتطم، ينكسر، تُبجِّلُ، يمتطي، أضعُ، تختلطُ، وغيرها، ممّا يضفي على النّص إحساسا بالحركة المستمرّة والدّيناميكيّة الجامعة.

هذه الأفعال لا تصف حالة ثابتة، بل تصوّر عمليّة بحث دائمة، وصراعا متواصلا وتجدّدا في الوعي، ممّا يعكس طبيعة رحلة "المجنون" الّتي لا تتوقّف.

هكذا، تغدو لغة النّصّ شهادة بليغة على الابتكار الخلّاق، ففي رحابها يبرز التّمرّد فعلا جماليّا وجوديّا، وما حداثة الشّكل الشّعريّ والنّثريّ وما يحمله من تجريب، ليست سوى مرآة صافية لوعيّ متجدّد يتوق إلى الانعتاق من كلّ قيد. لذا، يصبح التّجريب هنا ضرورة ملحّة، لا لإيجاد صياغة فكريّة وجماليّة مختلفة فحسب، بل لخلق دهشة مغايرة، وكسر قوالب الكتابة النّثريّة التّقليديّة السّائدة. وفي الحقيقة، دائما ما تحمل نصوص عادل خزام هذا التّميّز والابداع، فكلّ كلمة تنساب بسلاسة على إيقاع خاصّ، وكلّ جملة تنسج عالما فريدا ينبض بالجديد، يغوص في عوالم لم تُطرَق بعد، ويتجاوز بنصوصه حدود المألوف، ليقدّم رؤية فنّيّة مختلفة، تعيد تعريف مفهوم الجمال في الكلمة والمعنى.

 

الأبعاد النّفسية العميقة.. صدى الاغتراب وقلق الوجود:

يتجاوز هذا النّصّ حدود التّحليل الأدبيّ السّطحيّ؛ ليلامس أبعادا نفسيّة عميقة لشخصية "المجنون"، مصوّرا بذلك صدى لقلق وجوديّ يعتري الإنسان المعاصر.

تتعمّق هذه الأجواء النّفسيّة مع صورة مؤثّرة: " وكأنّما الّذي ولدوه بفمٍ مغلقٍ، يصيرُ حين يكبرُ عمودَ إنارةٍ على رصيفٍ مهجور". هذه العبارة تكثّف رمزيّة القمع، وقمع الذّات منذ البداية.

إنّ "الفم المغلق" يوحي بحالة من عدم القدرة على التّعبير الحرّ أو الكبت، ربّما بسبب ظروف النّشأة أو الضّغوط المجتمعيّة الّتي تحاول قوّلبة الفرد. هذا الكبت الأوّليّ، يقود إلى الشّعور بالعزلة والجمود، كـ"عمود إنارة على رصيف مهجور"، حيث يصبح الفرد موجودا، لكنّه منعزل، يضيء دون أن يجد من يستضيء بنوره الحقيقيّ أو يفهم ماهيّته.

إنّها تساؤلات حول تطوّر الفرد تحت وطأة القيود، وكيف يمكن لعدم القدرة على التّعبير أن يشكّل شخصيّة تعاني من شعور عميق بالوحدة وعدم الانتماء، حتّى لو كانت قادرة على الإضاءة للآخرين. 

رسالة الأمل.. خيط النّور في غياهب اليأس الظّاهريّ:

رغم ما قد يبدو عليه النّصّ من نبرة مريرة في بعض جوانبه، لا سيما في تصوير محاولات الشّاعر لإحداث فرق في العالم، إلّا أنّه لا يخلو من خيط خفيّ من الأمل.

قد يبدو للوهلة الأولى أنّ "عملة الحظّ" تهبط دائما في جيب الغنيّ، وأنّ "قبلة الحبّ" لا تبلغ مرادها، ممّا قد يزرع بذور اليأس في النّفوس ويوحي باستحالة التّغيير. لكن، في جوهر هذا الواقع، يكمن تعميق لرؤية الإنسان المعذّب، ودَفعٌ قويٌّ له نحو استكشاف سبل جديدة للانعتاق، فاليأس هنا ليس يأسا مطلقا أو استسلاما للقدر، بل هو نقطة انطلاق لوعي جديد ومحاولة أخرى لا تتوقّف، يتّضح هذا الأمل في دعوة الشّاعر الحاسمة: "من واجبي أن أفتح الأقفاصَ الفارغة كي أحرّرَ الرّيح من كلّ أفكارها".

هذه دعوة مجازيّة ورؤية فلسفيّة عميقة للحرّيّة، فالأقفاص "الفارغة" تشير إلى القيود غير المرئيّة، الأفكار البالية والمعتقدات الجامدة الّتي تحبس الأرواح، وتحرير "الرّيح" يعني إطلاق العنان للفكر، للتّغيير وللقوة الدّافعة الكامنة في الوجود، وهذه الدّعوة تمثّل قمّة الأمل في النّصّ، وتؤكّد على أنّ الحلّ لا يكمن في التّكيّف مع الواقع السّلبيّ، بل في تحطيم قيوده الفكريّة والنّفسيّة.

إنّ "المجنون" لا ييأس، بل يرى في الرّفض بداية لحياة جديدة، حتّى لو كلّفه ذلك أن يُنظر إليه على أنّه خارج عن المألوف. وهذا هو جوهر رسالة النّصّ، الّتي تدعونا إلى البحث عن النّور حتّى في أشدّ اللّحظات ظلمة.

كم مرّة تراءى لنا شخص في ساحة الحياة، أو غاص في أعماق فكرنا، فوسمناه بختم "الجنون" لغرابة أطواره أو شطط آرائه؟ وما درينا أنّ وراء ذلك السّتار الرقيق، تختبئ عبقريةٌ فذّة ورؤيةٌ ثاقبة تتجاوز حدود إدراكنا القاصر. إنّ ما نظنه اختلافا، ليس في حقيقته سوى وميض لذهن سبّاق، يرى أبعادا وزوايا خفيّة، ويكشف عن حقائق عميقة تعجز الأعين العاديّة عن استيعابها. وكم من فكرة عظيمة بدأت شرارتها في عقل "مجنون" رفض الانسياق خلف القطيع، وكم من إنجاز كان ثمرة بصيرة نافذة لم تخشَ التمرّد على المألوف، ليثبت الزّمن أنّ ما ظننّاه جنونا، لم يكن سوى نبوغ سابق لعصره، وبعد نظر فتح آفاقا جديدة للعالم.

الخاتمة.. صدى الحكمة في صرخة التّحرّر:

هكذا، تسدل "أغنية المجنون" ستارها، لا على نهاية، بل على بداية تأمّل عميق في ذواتنا والعالم من حولنا.

لقد خاض الشّاعر غمار البحث عن "الأنا" الحقيقيّة، مدركا أنّ هويّته لم تكتمل بعد، وأنّ "أغنيته" لا تزال تنتظر أن تكتمل نغماتها، وكما أشار في نصّه، هي ليست إلّا دعوة إلى "تحرير الرّيح من كلّ أفكارها"، دعوة للانطلاق من الأقفاص الفارغة الّتي قد نبنيها لأنفسنا، أو تلك الّتي يفرضها علينا المجتمع. فـ"جنون" الشّاعر الّذي قد يبدو هذيانا في أعين "العقلاء"، ليس سوى بصيرة نافذة ترفض الانسياق الأعمى، وتدعونا إلى احتضان رؤية مختلفة، تمنحنا القدرة على كشف زيف السّائد والبحث عن الحقيقة المطلقة، ففي كلّ "مجنون" يصدح بحرّيّته، تكمن حكمة قد تغيّر وجه العالم.

ختاما.. يجدر بنا التّنويه إلى قامة أدبيّة كعادل خزام؛ فهو شاعر وإعلاميّ وكاتب إماراتي، ولد في دبيّ عام 1964م، صدر له العديد من المؤلّفات الأدبيّة المتنوّعة، وقد تُوّجَت مسيرته بجوائز أدبيّة مرموقة. ولمن لم يتسنّ له بعد أن يغوص في أعماق عالمه الشّعريّ والفلسفيّ والنّثريّ، أضع بين أيديكم نصّ "أغنية المجنون" لتستشعروا جماله:

أغنية المجنون.. عادل خزام:

لم تطأْ قدمي حافيًا في لعبة النّار، ولا استرسلتُ يومًا في الرّكض نحو الهاوية، ولا طالتْ رقبتي أمام أبٍ أو جدّ.

وُلِدتُ لأنتمي للدّهشةِ زاحفًا على أسفلتٍ ورملٍ حتّى اسودّتْ ركبتايّ. ثمّ حين مشيتُ، سقطتُ، ثم مشيتُ مترنحًّا، ثمّ اتكأتُ على وهني وانتصبتُ منتصرًا على آفة الضّعف. لم تقُلْ أمّي: تمهّلْ وإلا سيصطادك النّدم، لكنّي سمعتُها في انكسارات اللّيل تُبجِّل الشّمعة، لعلّها تصير دليلي حين أخرج للمنحدرات وحدي، محاطًا بذئاب اللّيل ولكن تحرسني ظلالي.

من أنا؟ حين أقول إنّ الشّجرة أمّي الثّانية، وعمود الإنارة قمريّ في ليل المدينة، والذّكريات، وقد راكمتُها على رفوف العمر، هي سلالمُ صعودٍ لمن أغوته ثمرة الحياة، ورأى أنّه الأحقُّ بقطفها في نضجها، وهي أيضًا سلالمُ هبوطٍ للجبان، عندما تدلّى أمامه الحبل فظنّه الأفعى، وعندما صفّرتْ له الرّيح من شقوق النّوافذ والأبواب كي يمتطي خيلها، لكنّه أسدل لحافه عليه، وقرّر أن يغرق في النّسيان.

لو أضعْ كفّي في كفّ مجدافٍ، يصير البحرُ عبدي. لو أضعْ ساقي في حذاء المسافة، تتلوّى تحت خطوتي الأرض، وقد أُسابِقُ دورانَها فتختلطُ البداية بالنّهاية حين أقف، وقد أُصادف رجلاً واهمًا يركض للأمام، لكنّه في الحقيقة عائدٌ للخلف. وربما لو أدخل على حشد عقلاء ليلًا وأصرخ فيهم: أنا نقيضكم! لا أُثيرُ سوى ضحكاتهم، وربما ركلوني خارجَ جنّةِ الشّطط الّتي ينعمون بها.

أنا فردٌ يبحثُ عن فردٍ هو الأنا. فتحتُ كتبًا كثيرة تحت المطر ولم أجد بعدُ أغنيتي. وكأنّما الّذي ولدوه بفمٍ مغلقٍ، يصيرُ حين يكبرُ عمودَ إنارةٍ على رصيفٍ مهجور. ها أنا مُغمِضُ العينين أرمي للفقيرِ عملةَ الحظّ لكنّها تسقط في يد الغنيّ، وها أنا أرسلُ قُبلةَ الحبّ مع طائرِ الحرّيّة، لكنّه يرتطم بزجاج النّوافذ، ويسقط ويموت.

قال لي شاعرٌ هشٌّ: قصائدي أوراقُ يانصيب، والحياةُ حفلةُ مقامرة. قلتُ له: أنت أُسطوانةُ الخسران، وستظلُّ تدور وتدور إلى أن تنكسر الإبرة وتطعنك في الوجدان والخاصرة.

قال لي الفيلسوف: هل هناك عطلةٌ للزّمن؟ وحينها شعرتُ بثقلي وأنا الأخفُّ، وبقيدِ ارتباطي بالأرض رغم أجنحتي الكثيرة، وبأنّني السّببُ الوحيد لكلّ فتنةٍ ضامرة، ومن واجبي أن أفتح الأقفاصَ الفارغة كيّ أحرّرَ الرّيحَ من كلّ أفكارها. ولا يهمّ بعد ذلك لو لقبّوني بالمجنون الّذي لا يعي هذيانه أحد.

***

صباح بشير.. روائيّة وناقدة

21.06.2025

 

قبل الاستقلال كان الشعر هو الجنس الأدبي المنتشر في المغرب، وهو الذي كان يعبر عـن هموم الشعب المغربي وقضاياه الاقتصادية والاجتماعية، وكان هو سيف الأدباء في مواجهة المستعمر، وفـي استنهـاض همم الشـعب للتحدي والمواجـهة، وكان الشعر يـعبر أصدق تعــبير عن الواقع المعيش.

أما الرواية فقد تأخرت نشأتها في الأدب المغربي كثيرا، بالمقارنة مـع الأدب الأوربي الذي قطع شوطا كبيرا في الإبداع الروائي، ومــقارنة مع المشرق الـعربي وخاصة مـصر التي عرفت الفن الروائي مبكرا مع رواد كبار.

إن الأدب المغربي لم يعرف ظهور جنس الرواية إلا في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، هذه المرحلة التي يمكن اعتبارها " أهم نقطة لتوقيت البداية "(1)، وقد عرفت هذه المرحلة ميلاد نص "في الطفولة" للكاتب عبد المجيد بن جلون الذي كان بمثابة أول نــص روائي يتكون في الأدب المغربي حيث أجمع النقاد المغاربة على اعتباره تأسيسا للــكتابة الروائية المغربية. وقد نالت" في الطفولة " إعجاب النقاد وعكست قدرة عبد المجيد بن جلون الفنية، وبراعته في التصوير والتحليل والتعبير. وعلى الرغم من كون هذا العمل في الواقع ما هو إلا قصة يحكي فيها الكاتب عن نشأته وطفولته وصباه ورحلاته ما بين المغرب وإنجلترا فإن " ماأسبغه عليها من ظلال سحرية وما رسمه فيها من انطباعات فطرية جعلها تفيض بالحيوية وتبلغ حد الإبداع، وبذلك طارت شهرته كقصصي ممتاز فغلبت على ما له من مواهب أخرى في الشعر والنثر " (2). وفي الحقيقة أن عبد المجيد بن جلون بتملكه ناصية الفن القصصي وإمساكه بزمامه فإنه يعد الروائي الأول في الأدب المغربي الحديث.

ويمكن القول إن الرواية المغربية في أواخر الستينيات من القرن الماضي قد بدأت تفرض نفسها وتنتشر انتشارا واسعا في الحركة الأدبية، ولعبت دورا كبيرا في التعبير عن همومنا ومشاكلنا الثقافية والاجتماعية. وبعبارة أخرى استطاعت أن تجسد الواقع المغربي في عهد الاستقلال، ورغم هذه المهمة الإيجابية التي أنجزتها الرواية المغربية فإنها لم تسر دائما في نفس السياق على اعتبار أن هناك بعض الروايات لم تكن مخلصة للواقع وحقائقه الموضوعية بل كانت مخلصة لنوايا مؤلفيها ونزواتهم الذاتية.

كما أن الرواية المغربية عبرت عن طبقة اجتماعية متميزة وهي الطبقة البورجوازية، إذ أنها عبرت عن تصوراتها وجسدت أفكارها وآراءها، وهذا مادفع النقاد إلى الربط بين البورجوازية ونشأة الرواية فقد " عدوا الرواية نوعا أدبيا نشأ أساسا للتعبير عن وعي هذه الطبقة " (3). ولعل النتيجة التي أسفر عنها هذا الربط بين نشأة الرواية المغربية والطبقة البورجوازية الوسطى على الخصوص، هي أن النقاد المغاربة ذهبوا إلى اعتبار ظروف ومشاكل البورجوازي الصغير محور أغلب الإبداعات الروائية، وقد انتشر هذا الحكم بين أغلب النقاد، إذ أنهم اعتبروا أن الركيزة الفكرية لجل الخطابات الروائية هي " الذهنية الطبقية التي كونها المثقف البورجوازي الصغير عن ظروف واقعه المادي وممارسته الاجتماعية، في خضم عملية بحثه عن معنى وجودة وقضايا تطلعاته " (4).

لقد كانت الإبداعات الروائية المغربية التي ظهرت في أواخر الستينيات من القرن الماضي تمثل بشكل فني القوى الاجتماعية التي تعيش في صراع يشتعل حينا وينطفئ حينا آخر، وقد كان لذلك كله انعكاس على الحقل الأدبي والفكري في المغرب. وإذا كانت هناك خصوصية تطبع هذه المرحلة في المغرب فهي الإخفاقات التي فجع بها اليسار، على أن هذا الانكسار في صفوف الحركة التقدمية لا ينهض وحده كسبب رئيسي لظهور روايات تعزف نغمة الرفض والاحتجاج وتهتم بالطبقة المسحوقة في المجتمع طالما أن السبب الرئيسي لنشاط الحركة الأدبية يعود أساسا إلى الصراع المادي بين الجماعات الاجتماعية التي تمثلها القوى الأساسية المتواجدة على الساحة الاجتماعية.

وإذا تأملنا الظروف التي عاشها المغرب خلال هذه الفترة التاريخية يمكن أن نقول بأنها تشبه إلى حد ما الظروف " التي عاشتها أوربا في القرن 19، وهذا ما يؤكد شيئا واحدا وهو أن الرواية عندنا لا تعود في حقيقتها أن تكون جزءا من جملة موروثنا عن الغرب البورجوازي " (5).

ولما كانت معظم الأعمال الروائية المغربية تمثل الطبقة البورجوازية الوسطى والصغرى فإن الذين أبدعوها ظلوا متشبثين بأوهام البورجوازية مما جعل الضباب القومي يطغى على رواياتهم، وجعلها عاجزة عن التعبير الصريح عن الطبقات المسحوقة، وهذا العجز "ليس ناتجا بالضرورة عن غياب التقاليد والأعراف الفنية الروائية في أدبنا المغربي فحسب بل هو ناتج أساسا عن افتقار رؤية روائيينا هؤلاء إلى الفهم الصحيح لجدلية الصراع الدائمة التي تحرك العلاقات الاجتماعية، وتسيرها بحتمية تاريخية نحو مصيرها النهائي " (6). وهذه السلبية هي التي جعلت الرواية المغربية في هذه المرحلة تفقد نكهتها الواقعية، حيث أصبحت بذلك خالية من البعد الثوري، وبقيت سجينة أفق بورجوازي ضيق، وهذا ما جعل أيضا بعض الروايات تطغى عليها النزعة الذاتية، ويبالغ مؤلفوها بسرد الأمور التافهة، ويعبرون عن خواطرهم ومشاكلهم الشخصية متجاهلين وضعية الإنسان المغربي ومستقبله، إنهم بحكم تكوينهم وانتمائهم الاجتماعي غير قادرين على احتضان السياق الراهن لهذه المرحلة التاريخية الحرجة، أو حمل تصور واضح على أفق المستقبل. وهذا القصور في الفهم والتفسير لا يمكن إدراك عوامله البعيدة إلا من خلال تحليل ارتباط الشكل الروائي كما ظهر عند الغربيين بالواقع الاجتماعي الذي أنتجه والمواقف التي اتخذها كتابنا لعكس وبلورة هذه العلاقة عبر رؤية معينة للواقع وعلاقات الإنتاج ودور كل جماعة اجتماعية. ولقد كان من المنتظر، وارتكازا على التقييم المخلص للواقع، وللقوى الاجتماعية المتواجدة فيه أن تظهر الرواية في المغرب بالمفهوم والشكل اللذين عرفت بهما في أوربا، ابتداء من الثلث الأخير للقرن الثامن عشر، لا كمجرد ترف ذهني وثقافي بل وفي المقام الأول كتعبير عن قوات وعلاقات تسود الساحة الاجتماعية وتحتل بحكم تفوقها المواقع الأمامية في الحركة الثقافية.

فالبورجوازية التي قادت معركة الاستقلال تمكنت من الاستمرار في الهيمنة- رغم انقسامها- على المستويين المادي والثقافي كما استطاعت الصمود والتحدي. وفي مقابل هذا الوضع تمكنت البورجوازية الصغرى من إغناء المسار الأدبي، وفرض نموذجها الذي لم يكتف برصد الهزائم التي لحقت بها. واستغلالها كخلفية إيديولوجية تغني العمل الفني، بل جاء ليكتشف طبيعة هذه القوة الاجتماعية الصاعدة.

لقد كان الصراع شديدا بين هذه القوى وكان على كل فئة أن تعطي ما عندها في المجال الثقافي، وكأنها " تبتغي العطاء أن يكون وسيلة من وسائل إثبات وجودها... ويعزز موقعها كطبقة تريد أن تستقطب أكبر عدد من المثقفين، وكان من الطبيعي كذلك أن تختار كل مجموعة لمصادرها والينابيع التي تعتبرها مواد خام صالحة تستقي منها مضامينها الملائمة وأفكارها المعبرة عن أمجادها التليدة، أو عن مطامحها القريبة أو البعيدة "(7).

وهكذ انصب اهتمام مثقفي الطبقة الصغرى على الواقع المعيش حيث راح هؤلاء ينتقدونه ويستغلونه استغلالا فنيا في أعمالهم الأدبية، وصوروا أبطالها من نماذج بشرية مغلوبة على أمرها، إذن فليس بدعا أن يحتل الإنسان البسيط المعدم مركز الصدارة في أعمال هؤلاء المبدعين لهذه الطبقة النامية التي خرجت من أحشاء البورجوازية وأصبحت تدعي أنها صاحبة المصلحة الحقيقية للبلاد.

ومن هنا ستظهر النزعة الواقعية في الرواية المغربية، هذه النزعة التي أصبحت تسير فيها أغلب الروايات، وأصبحت الواقعية هي هاجس معظم الروائيين الذين ألحوا على ارتباط الرواية بالواقع، واعتبروا أن وظيفتها الأساسية هي تصوير الحياة الواقعية، ومن بين هؤلاء عبد المجيد بن جلون الذي قال في بعض أحاديثه بأن " الغرض من القصة أن تصور في عين القارئ حياة واقعية بكل ما في هذه الحياة الواقعية من غنى وأصالة "(8).

وقد انصبت آراء بعض الروائيين المغاربة على علاقة الرواية بالواقع، وتميزت بتركيزها على التجربة الإبداعية كمعاناة ذاتية يحاول المبدع صياغتها كي تكتسي طابعا موضوعيا، ويرى حميد لحميداني في كتابه الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي أن "الرواية هي تلك التي تتجاوز في رؤيتها ماهو موجود في الواقع، من أجل البحث عن قيم أصيلة غير موجودة في الواقع"(9). كما أن أي عمل روائي لا يظهر إلا عندما يكون هناك استياء من القيم السائدة في المجتمع وطموح نحو قيم جديدة ومغايرة، ومن أجل هذا عرف الناقد البنيوي التكويني لوسيان غولدمان الرواية بأنها " تاريخ بحث عن قيم حقيقية في عالم متدهور، ويتميز هذا التدهور فيما يخص البطل الروائي بالتوسط، وبانتقال القيم الحقيقية إلى المستوى الضمني واختفائها كحقائق ظاهرة " (10).

ومن هنا يتجلى سر القيمة الإنسانية والفنية لأي عمل إبداعي. على اعتبار أنه ليس عملا ثانويا في حياة الإنسان، بل هو يساهم في تأسيس المستقبل الإنساني، ولهذا فالرواية كنتاج فكري ليس ترفا، أو شيئا ثانويا بقدر ماهي تعمل ضمن المساهمة الفوقية لحياة المجتمع الروحية فتمارس بذلك تأثيرها على الواقع في حدود إمكانياتها الخاصة.

وبعد هذا الاستعراض لنشأة الرواية والظروف السياسية والاجتماعية التي نشأت فيها والنزعة الطاغية عليها، لابد أن نتحدث باختصار عن المواضيع التي تطرقت لها الرواية المغربية خلال الأشواط والمراحل التي مرت منها.

لقد صورت الرواية المغربية منذ نشأتها مجموعة من القضايا الوطنية والاجتماعية، ولعل أولها كان هو النضال الوطني والنقابي، وهو الذي تمثل في روايات عبد الكريم غلاب وخاصة في "دفنا الماضي" و "المعلم علي" و "سبعة أبواب"، وهي روايات تعالج كلها الفترة السابقة عن استقلال المغرب، وسجلت حقبة تاريخية ماضية مليئة بالنضال، ولم تسجل هذه الروايات أي تصور للمستقبل، ولهذا يقول لحميداني حميد " إن النقطة النهائية التي تقف عندها روايات عبد الكريم غلاب هي تلك اللحظة السعيدة، ولذلك فهي لم تعكس أي بعد مستقبلي " (11).

أما التيمة الثانية التي عالجتها الرواية المغربية فهي صراع الأجيال، وتعكسه لنا رواية "جيل الظمأ" لمحمد عزيز الحبابي، وهي بعكس روايات عبد الكريم غلاب فهي تسجل فترة الاستقلال وتصور لنا " الجيل الجديد في حالة انتصار حاسم على الجيل القديم ومخلفاته"(12).

كما تناولت الرواية المغربية قضية هزيمة الأمة العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، ونستشف ذلك من خلال رواية مبارك ربيع "رفقة السلاح والقمر"، وكذلك أعمال الكاتبة خناثة بنونة "النار والاختيار" و "الغد والغضب".

***

حسن لمين

.......................

هوامش

(1) إدريس الناقوري. المصطلح المشترك. دار النشر المغربية. الدار البيضاء. الطبعة الثانية. الصفحة 22.

(2) عبد الله كنون. أحاديث عن الأدب المغربي الحديث. دار الثقافة. الدار البيضاء. الطبعة الثالثة. 1981. الصفحة 125.

(3) فاطمة الزهراء أزرويل. مفاهيم نقد الرواية بالمغرب. نشر الفنك. الدار البيضاء. 1989.

الصفحة 90.

(4) عبد القادر الشاوي. سلطة الواقعية. اتحاد كتاب المغرب. دمشق. 1981. الصفحة200 .

(5) المصطلح المشترك. مرجع سابق. الصفحة 26.

(6) نفسه. الصفحة 26.

(7) نفسه. الصفحة 25.

(8) مفاهيم نقد الرواية بالمغرب. مرجع سابق. الصفحة 117

(9) لحميداني حميد. الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي. دار الثقافة. الدار البيضاء.

الطبعة الأولى. 1985 .

(10) مفاهيم نقد الرواية بالمغرب. مرجع مذكور. الصفحة 76.

(11) الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي. مرجع مذكور. الصفحة 195.

(12) نفسه. الصفحة 204.

قراءة في المجموعة الشعرية (مطرٌ على خدِ الطين) للشاعر حسين السياب

حين تبوح اللغة بقلق الإنسان:

الأدب ليس ترفًا لغويًا، بل فعل وجودي يعبّر عن قلق الإنسان وتساؤله عن المعنى، والعدم، والزمن. في النص الأدبي، تتحوّل اللغة إلى أداة كشف، وتصبح الكلمة مرآةً للذات، تُضيء عتمات النفس وتعيد تشكيل علاقتها بالعالم. أما الشعر، فهو التجلي الأعمق لهذا القلق؛ لغة تتجاوز الظاهر لتغوص في صميم التجربة الإنسانية. وكأن كل قصيدة هي محاولة للقبض على لحظة وعي أو لصياغة سؤال لا جواب له. وكما قال المتنبي:

"وما كنتُ ممن يدخل العشقُ قلبهُ، ولكن من يبصر جفونك يعشقُ".. فالعشق هنا ليس عاطفة سطحية، بل توق أنطولوجي نحو المطلق ويؤكد سارتر:

"أن الوجود يسبق الجوهر، والإنسان مشروع مستمر للخلق"..

فالكتابة عند الإنسان ليست تعبيرًا عن كينونة مكتملة، بل عن صيرورة دائمة تبحث عن المعنى وسط الخراب. ومن هذا المنطلق، هل يمكننا أن نقرأ ديوان (مطرٌ على خدِ الطين) للشاعر حسين السياب، كرحلة وجودية تتشابك فيها اللغة مع الطين، ويتحوّل المطر إلى استعارة كونية تمثل الخلق والانبعاث والتلاشي في آنٍ واحد؟.. وإلى أي حدّ تستطيع هذه الكتابة الشعرية أن تعيد تشكيل ذاتنا في مواجهة الموت والفقد والغياب؟1594 alsayab

1- الشعر أداة لكشف الكينونة:

يتجلى الشعر عند حسين السياب كأداة ميتافيزيقية تتجاوز حدود اللغة الاعتيادية، لتمارس دورها في الكشف الوجودي عن الذات والكون معًا. لا يتعامل السياب مع اللغة بوصفها وسيلة للتواصل فقط، بل بوصفها كيانًا حيًّا يملك قدرة على خرق الصمت وكشف المخفي وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والعالم. الشعر لا يجيب عن أسئلة الوجود، بل يعيد تشكيلها في هيئة رموز وصور وانزياحات، تخلق توترًا دائمًا بين المعنى واللامعنى، بين الذات والعالم.

"أُعيد ترتيب الحكاية

دون انتصاف الليل"

"أجمع الأضداد بمحبرةٍ سيرياليةٍ تتدلى منها جماجمُ عارية الأوصاف"

هذا التكوين الشعري ينطلق من نقطة محايدة بين الحلم والفقد، بين اللغة والصمت، حيث تصبح القصيدة ضربًا من الفلسفة الكاشفة، لا لأنها تنظّر، بل لأنها تضيء المعتم في وجود الكائن الشعري.

2- اللغة الشعرية: أفق للتشظي والتحول:

ليست اللغة عند السياب مجرد وعاء شكلي لجماليات القصيدة، بل هي أداة هدم وبناء. في مفرداته، تتداعى الصور وتتراكب لتخلق عوالم تنفتح على التشظي

والاحتمال. تتحول اللغة إلى مكان صراع داخلي، وتتحطم التراكيب التقليدية تحت ضغط الذات الممزقة. القصيدة هنا لا تُروى بل تتفجر، والكلمات لا تصف بل تعيش وتتناسل.

"كأنني أبتلع طوفانًا من الصمت الأزلي"

"على عصا اللقاء المنتظر أتوكأ"

إن هذا الانغمار في اللغة هو انغمار في الذات بوصفها كينونة تتكوّن باستمرار، في فضاء مفتوح على الفقد والتحول. يتحدث السياب هنا من قلب الانهيار، وفي كل بيت، يعيد تشكيل وعيه بالزمن، بالعالم، وبذاته.

3- الطين والمطر: جدل الثبات والتحول:

ينبثق الطين في ديوان حسين السياب بوصفه رمزًا للتجذر، للثقل الأرضي، للجسد، وللمحدودية. بينما يمثّل المطر حركة خارجية، تأتي من السماء لتزلزل هذا الثبات، وتكسر الانغلاق. العلاقة بينهما ليست علاقة ضدين، بل علاقة تفاعل وجدليّة وجودية. المطر لا يغسل الطين فحسب، بل يعيد تشكيله، يفكك حدوده، ويبعث فيه معنى جديدًا.

"تعالي كنرجسة تمنح المطر رفاهية الانهيار على خد الطين"

هكذا تُعاد كتابة علاقة الإنسان بالمادة، بالجسد، بالهوية. لا يعود الطين مجرّد استعارة ترابية، بل يتحول إلى موقع للكتابة والخلق، حيث يُعاد فيه تأليف الوجود في كل مرة تمسّه قطرة مطر.

4- المطر: عمل وجودي وجمال مهدد:

في نصوص حسين السياب، المطر ليس ثيمة طبيعية أو زخرفية. إنه لحظة وجودية مكتملة، قوة خارجة عن السيطرة، تفرض على الذات مواجهة ذاتها. إنه الجمال حين يتحول إلى صدمة، إلى دهشة هايدغرية، توقظ الكائن من رتابته، وتدفعه إلى إعادة تأمل مصيره الهش.

"الأفكار توقد رأسي

وتُشعلني كسيلٍ

يُخيفني تفجرها..."

بهذا التصور، لا يتعامل السياب مع المطر بوصفه نعمة، بل بوصفه فوضى، حدثًا يتقاطع فيه الشعري بالميتافيزيقي، ويولد من خلاله فعل الخلق في أقسى تجلياته. إنه الماء الذي لا يروي، بل يهدم ويعيد البناء.

5- المنفى: طرد مزدوج من الجغرافيا والذات:

لا يُصوّر السياب المنفى كفقد مكاني فقط، بل كتمزّق أنطولوجي. المنفى عنده هو حالة طرد مزدوج: من الوطن، ومن الذات. إنه تجربة غربة مضاعفة، حيث تتحول الأماكن إلى أطياف، ويغدو الجسد نفسه غريبًا عن رغباته وألمه.

"ولا أُمسك ظلك

المسافر عبر حقول الأقحوان"

"أتعرى من كل المدن

التي لا تعود لي"

تعبّر هذه الصورة عن شوق يائس، وعن إدراك عميق بأن الانتماء لم يعد ممكنًا، لا خارجيًا ولا داخليًا. الذات المهاجرة تتفتت، وتلجأ إلى القصيدة كي تعيد رسم حدودها، ولو بشكل مؤقت.

6- الموت: من الفناء إلى فعل الكتابة:

الموت ليس غيابًا سلبيًا عند السياب، بل هو شرط للكتابة. هو النقطة التي تنبثق منها القصيدة بوصفها مقاومة للعدم. يعيد الشاعر تشكيل الموت ضمن اللغة، ليمنحه إمكانية جديدة: أن يكون بداية لا نهاية.

"أطرز كفنًا ناصع البياض للأمنيات"

"تسحبني بئر مهجورة

ولا أعرف كيف أنجو منكِ"

الموت لا يُلغى، بل يتحول إلى سؤال شعري مفتوح، وإلى مادة لغوية تُنتج المعنى. هكذا يتقاطع السياب مع كامو، حيث يصبح الاعتراف بعبثية الفناء شرطًا لتحرّر الوعي وصحوة الجمال.

7- اللغة والرمز: بين التمزق والتجاوز:

الرمز عند السياب لا يُستخدم لتزيين النص، بل لتفكيكه. إنه وسيلة هروب من المباشر إلى العميق، ومن السطحي إلى المتأزم. يتكئ الشاعر على رموز متعددة: من الأسطورة، من الدين، من الطقس، من الجسد، ليعيد بناء ذات تتكلم من داخله وتتشكل في لحظة الكتابة.

"في مهرجان الملائكة والشياطين

تتشظى قصائد مصابة بلعنة الماء"

هذا التوتر بين التطهير والانهيار، بين القداسة والانكشاف، يجعل من الرمز قناعًا شفافًا، ومن اللغة بؤرة مقاومة، تكتب الذات لا كما هي، بل كما يمكن أن تكون.

8- الحنين والألم: من رماد الفقد إلى شرارة المعنى:

الحنين عند السياب ليس عاطفة خافتة، بل قوة كامنة في كل بيت. إنه ألم داخلي يتحرك من الذاكرة إلى اللغة، ومن التجربة إلى المعنى. يتحول الحنين إلى مرآة تُعيد للذات ملامحها المفقودة، وتُحفّزها على الخلق.

"أغرس في تربة قلبك قصائد الخريف"

تلك سنابلك تحمل رائحة الشمس"

لا يعود الألم مجرد كرب شخصي، بل أداة كونية لصياغة المعنى. كما يرى نيتشه، فإن المعاناة تُنبت الفكر، والسياب يجسّد ذلك في كل شطر، حين يجعل من الوجع مدخلًا إلى التجاوز.

السياب والفلاسفة الوجوديون: مقاربة أنطولوجية في العمق

في ديوان (مطر على خد الطين): تتقاطع التجربة الشعرية لحسين السياب مع مسارات الفكر الوجودي، لا على مستوى التنظير المباشر، بل من خلال ما يمكن تسميته انفعالًا فلسفيًا ضمنيًا يتخلل اللغة والصورة والبنية. ففي عوالمه المتشظية، تتردد أصداء أساسية لأربعة من أبرز أعلام الفلسفة الوجودية: هايدغر، سارتر، كامو، ونيتشه، مما يجعل من قصائد حسين السياب مساحة مفتوحة لحوار غير معلن بين الشعر والفلسفة.

1- هايدغر والسياب: القلق كشرط أنطولوجي للكشف:

يرى مارتن هايدغر أن الإنسان يُلقى في العالم ليكون "كائنًا -  هنا" (Dasein)، يعيش في القلق بوصفه الحالة الأصلية التي تكشف له عن معناه. هذا القلق لا ينشأ من شيء خارجي، بل من تماس الذات مع هشاشتها، مع فراغها، مع نهايتها الممكنة. في شعر السياب، يتردد هذا القلق كنبض داخلي:

"مرآةٌ خرساء تصرخ فيّ"

"تطحنني أرصفةُ الغياب

تسكبني في فمِ الحياة"

ها هنا، لا يظهر القلق كاضطراب نفسي، بل ككثافة أنطولوجية تدفع الذات نحو مواجهة مصيرها. العالم ليس مكانًا للسكينة، بل فضاء لتكشّف الوجود من خلال الهشاشة والصراع. كما عند هايدغر، القلق ليس شيئًا ينبغي التخلص منه، بل هو بوابة للانكشاف، لإدراك الذات في لحظة الصدق العميقة مع مصيرها.

2- سارتر والسياب: الحرية بوصفها مشروعًا مستمرًا للخلق

في فلسفة جان بول سارتر، لا يولد الإنسان بذات جاهزة، بل هو مشروع حرية مستمر. الوجود يسبق الجوهر، والذات تُبنى عبر الفعل، لا تُعطى سلفًا. حسين السياب يتقاطع مع هذه الفكرة حين يُظهر الذات الشعرية في حالة من المقاومة المتواصلة، وكأنها تنهض من رماد الهزائم لتعيد تشكيل نفسها ضد القدر وضد الحتمية.

"لم أرتّب الليلَ قداسًا للفجيعة،

لن أستسلم للمتاهاتِ التي ترسلها الأقدار”

هنا تتجلى فكرة الحرية الوجودية لا بوصفها امتيازًا، بل مسؤولية مرهقة. فالذات، عند السياب، لا تبحث عن معنى جاهز، بل تبتكره، ترسمه من خلال الألم، وتكتبه في مواجهة التلاشي. إنها ذات سارترية بامتياز: مُدانة بالحرية، ومطالبة بالخلق.

3- كامو والسياب: العبث وتمرد الجمال:

يرى ألبير كامو أن مواجهة العبث لا تعني الاستسلام له، بل أن نتمرد عليه من خلال الجمال، من خلال التمسك بالحياة بالرغم من خوائها. في ديوان السياب، يتحول هذا التمرد إلى فعل شعري، لا يُنكر العدم، بل يجعله خلفية تزداد فيها الصور توهجًا.

"هذا البحرُ لي وحدي…

غريقٌ في أعماقه…

لا أريدُ النجاة"

إنها تجربة عبثية واعية، يرفض فيها السياب الإنقاذ السهل، ويرتمي بإرادته في لجة المعنى المراوغ. كما في منطق كامو، يصبح الموت نفسه مادة للخلق، وتتحول الحياة إلى رهان شعري: كل بيت هو فعل تمرد على العدم، وكل صورة هي محاولة لترسيخ الجمال في وجه الزوال.

4- نيتشه والسياب: الألم بوصفه قوة للخلق والتحول:

في فلسفة فريدريك نيتشه، الألم ليس عبئًا يجب التخلص منه، بل هو مصدر التحول الخلّاق. من المعاناة تولد الإرادة، ومن الجرح تنبثق القوة. هذا المبدأ يشكل بنية داخلية واضحة في شعر السياب، حيث تُعاد صياغة الذات من خلال لهيب الفقد والخذلان.

"أمارس غوايةَ الروحِ

في مجالس التوابين

أشتهي أن أضاجع دلالات الفرح"

لا ينفي الشاعر الألم، بل يعانقه حتى التخمة، ثم يصوغه مجازًا، ويجعله أساسًا لتكوين شعري جديد. كما في تصور نيتشه، يولد السياب من رماد ذاته، ويعيد ابتكار نفسه عبر الحنين، الخسارات، والفقدان. إنه الشاعر الذي يتجاوز هشاشته عبر القصيدة، ويجعل من كل جرح شرفة تطل على أفق جديد من المعنى.

9- ثنائية الأمل واليأس: توازن على الحافة:

يتحرك السياب بين الأمل واليأس كمن يرقص على جسر هش. لا ينهار في الحزن، ولا يطمئن تمامًا للنور. بل يجعل من هذا التوتر مبدأ للكتابة، ومن الحافة فضاء لولادة القصيدة. اليأس لا يُلغى، بل يُصاغ جمالياً.

"تلك مزامير الصيف لا أنصت لها

لأني وُلدت من ذاكرة غيمة محمّلة بماء الأوطان"

الأمل موجود، لكنه ليس يقينًا. إنه فعل مقاومة مستمر، يتجلى في الصور، في الانزياحات، في تردد الشاعر بين الحضور والغياب، بين التمسك والانفلات من الذات.

الخاتمة:

إن تجربة حسين السياب في ديوان (مطر على خد الطين) هي تجربة وجودية بامتياز. ليست الكتابة عنده فعل تعبير، بل فعل انكشاف، وتحول، وتجاوز. القصيدة عنده كائن حي، يصرخ، يئن، يتهشم، ثم ينهض من تحت الطين والمطر حاملًا لغته الخاصة، وهويته المتبدلة، وكينونته التي لا تكتمل أبدًا. لقد كتب السياب من حافة الموت، ومن هوامش الوجود، ومن فجوات الغربة؛ فجعل من الشعر بيتًا للقلق، ومن اللغة وطنًا متحركًا. فهل ما زال ممكنًا أن نرى الشعر تجربة جمالية خالصة بعد هذا العمق

الوجودي؟ أم أن علينا أن نعيد النظر في وظيفة الكلمة حين تصير بيتًا للفقد والمطر والطين؟

***

د. آمال بو حرب - ناقدة وباحثة

للشاعرة د. مرشدة جاويش

الغياب ككينونة: تمثلات الفقد في شعرية الرثاء عند مرشدة جاويش ضمن أفق ما بعد الحداثة.

ظل الرثاء في الشعر العربي تقليداً ذا طابع وجداني يركز على تمجيد الراحل والبكاء عليه، غير أن تحولات الكتابة الشعرية الحديثة، خاصة في ظل تيارات ما بعد الحداثة دفعت باتجاه مساءلة هذا النموذج التعبيري. فقد أضحت الكتابة الرثائية مجالاً لتفكيك الحدود بين الحياة والموت، اللغة والصمت، الذكرى والحضور.

تنطلق هذه القراءة من فرضية أن نص مرشدة جاويش لا يرثي الغائبة بقدر ما يعيد بناء الغياب بوصفه تجربة أنطولوجية ولغوية معقدة.

الإشكالية:

كيف تتجلى تجربة الحداد الوجودي في نص مرشدة جاويش؟ وما الملامح التي تجعل هذا النص يتجاوز الرثاء التقليدي ليندرج ضمن أفق الكتابة ما بعد الحداثية؟

من الرثاء إلى الحداد الأنطولوجي:

في هذا النص، تُبلور الشاعرة مرشدة جاويش ملامح حداد وجودي لا يشبه الرثاء التقليدي، بل يتجاوز فعل التأبين ليغدو تجربة أنطولوجية حيث يتحول الغياب إلى مرآة للكينونة، ويغدو "الفقد" فضاءً معرفياً تعاد فيه صياغة العلاقة بين الذات والآخر، وبين اللغة والذاكرة.

الكتابة كفعل وجودي:

تتجلى الكتابة في النص كفعل وجودي من خلال نفس ما بعد حداثي Postmodern يتكئ على شعرية التفاصيل الهامسة، ويتحرر من مركزية المعنى لينتج دلالات مفتوحة عبر تراكيب تراوغ الظاهر وتدفع القارئ نحو تأويل غير مستقر. إنها كتابة تحاكي الحلم بانسيابه، والتأمل ببطئه، والمناجاة بعزلتها. لا تقدم الغياب بوصفه نهاية، بل تسائل الفناء نفسه وتعيد ترتيب الأبجدية بعين فقدت النطق وبقي لها الصدى:

"كنتِ تسيرين كنسمةٍ / في فكرةٍ أخطأت تجسدها"

تصور الشاعرة الراحلة ككيان شفاف لا يحتمله الواقع؛ تجل لم يكتمل، أو فكرة روحانية رفض الجسد استيعابها. الغياب ليس انقطاعاً، بل تحول، والموت ليس سوى شكّ أنطولوجي.

اللغة كبيت للكينونة:

توظف الشاعرة صوراً بصرية ونفسية على مستوى عالٍ من التجريد:

"ترتبين الدمع كنظرية كونية للعزلة"

"لم أعد أجيد التفرقة بين ظلٍّ يَعبرني وبين طيفك الذي لا يغيب"

تتداخل الفيزياء بالعاطفة، والرمزية الوجودية بالحس الصوفي، وهو ما يحيل إلى قول هايدغر: "اللغة هي بيت الكينونة، وفي هذا البيت يسكن الإنسان". فالشاعرة لا تصف الموت، بل تقيم في اللغة، لتشيد حضوراً بديلاً للغائبة.

تفكيك الرثاء وإعادة بناء الغياب:

يتجنب النص الندب والصراخ العاطفي؛ إنه لا يعلن الموت، بل يتأمله ويقاومه بلغة النفي:

"أنا لا أرثيكِ / أنا أصدق قيامتكِ الصغرى"

هذا التحول من الرثاء إلى الاعتراف بقيامة رمزية يعيد بناء صورة الفقد على نحو يتجاوز المألوف ويضفي على النص بعداً صوفياً. كما يلتقي مع قول رولان بارت: "الكتابة تبدأ حيث تتوقف اللغة عن أن تكون وسيلة، وتصبح سؤالاً في ذاتها". فالنص لا يكتفي بالبوح، بل يقوض مفهوم الغياب، ويفتح اللغة على جوهرها الوجودي.

الخصائص البنيوية ما بعد الحداثية:

إلى جانب المحتوى الدلالي الغني يتجلى النص بوصفه بنية مفتوحة تنتمي إلى أفق الكتابة ما بعد الحداثية، سواء من حيث تقنياته الشكلية أو أنساقه التعبيرية. من أبرز سماته البنيوية:

انفلات علامات الترقيم: وهو ما ينتج إيقاعاً داخلياً غير خاضع لتقطيع نحوي أو منطقي تقليدي، فيتحرر النص من الإيقاع المنضبط ليحاكي ما يعرف في النقد البنيوي بـ"تفكيك البنية المعيارية للخطاب". هذا الانفلات لا يعد فوضى بل هو وسيلة لتقويض سلطة السرد الخطي وإنتاج "تيار وعي" لغوي أقرب إلى الهذيان التأملي، بما ينسجم مع مفاهيم جوليا كريستيفا عن "النص المفتوح" و"تعدد المعنى".

التكرار التأويلي (Interpretive Repetition): وهو تكرار لا يراكم المعنى بطريقة خطية بل يدوره، مما يعكس تشظي الذاكرة الذاتية. فكل عودة إلى الغائبة لا تعيد الحزن ذاته بل تعيد تشكيله ضمن بنية دائرية تقاوم الخاتمة أو التحديد. هذا الشكل من التكرار يندرج ضمن ما يسميه جاك دريدا بـ"الاختلاف différance"؛ حيث لا معنى نهائي بل انزلاق دائم للدلالة.

الإيقاع ما بعد الوزني (Post-rhythmic): فالإيقاع في هذا النص لا ينبثق من الوزن أو القافية، بل من توتر الصور وانزياح التراكيب، وتتابع المفارقات الدلالية. إنه إيقاع ينبع من الداخل من صدمة اللغة لا من انتظامها ويعيدنا إلى تصورات أدونيس مثلاً حول الشعر كـ"لغة ضد اللغة"، حيث تتحول الموسيقى الشعرية من شكل خارجي إلى توتر داخلي ينطوي على مقاومة للمألوف البنيوي والمعجمي.

 إن هذه الخصائص الشكلية لا تنفصل عن مضمون النص، بل تعزز وظيفته الوجودية، إذ تجسد الانهيار الداخلي للذات الشاعرة أمام الفقد وتحول النص إلى فضاء مفتوح على الصمت وعلى ما لا يمكن قوله، وهو ما يشكل جوهر الكتابة الما بعد حداثية كما تصورها رولان بارت وجيل دولوز، كتابة تقاوم المعنى النهائي وتسكن حدود اللغة لا مركزها.

إننا، في نهاية هذا النص لا نواجه رثاءً شعرياً بقدر ما نقف أمام مشروع لغوي وفلسفي يتقصى حدود الكينونة من خلال الغياب. لا تسعى الشاعرة مرشدة جاويش إلى تمجيد الراحلة أو تأبينها، بل إلى تفكيك مفهوم الغياب ذاته وبناء خطاب شعري يقاوم النفي بالصدى، والغياب بالحضور اللغوي. بهذا المعنى، فإن النص لا يرثي الموت بل يعيد مساءلته، ولا يتوسل اللغة كوسيلة بل يقيم فيها كبيت للكينونة على حد تعبير هايدغر.

تنتمي هذه الكتابة إلى أفق ما بعد حداثي يتسم بتشظي الدلالة، وتفكيك البنية، وتحرير الشعر من وزنه ومرجعيته. من هنا، فإن ما تقدمه الشاعرة مرشدة جاويش ليس فقط نصاً "ما بعد رثائي"، بل تجربة أنطولوجية تخاطب القارئ لا بوصفه شاهداً على الفقد، بل مشاركاً في إعادة إنتاج معناه.

إنّ هذه القراءة تكشف أن شعرية الرثاء المعاصر، حين تكتب من موقع الحداد الوجودي، تتحول إلى مرآة للذات وهي تعيد بناء عالمها المنكسر وتتحول الكتابة نفسها إلى فعل نجاة مفهومي ضد العدم. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للشعر أن يعوض الغياب؟ أم أن اللغة، مهما ارتقت، تظل تكتب على حافة الصمت؟

***

من إنجاز فاطمة عبد الله

...........................

أَكْثَرُ مِنْ مَوْتٍ وَاحِدٍ

(لِينُ)

الغِيابِ في ذِكْرَاها

هُنا

فَوْقَ الرُّوحِ يَتَلاشى السُّؤالُ

وتَنْطَوِي الدُّموعُ على أَسْرَارِ الرَّحِيلِ

كنتِ تَسِيرِينَ كَنَسْمَةٍ

فِي فِكْرَةٍ أَخْطَأَتْ تَجَسُّدَهَا

كُنتِ خَفْقاً زَائِداً

فِي قَلْبِ الوُجُودِ

وَلَمْ يَسْتَوْعِبْكِ المَجَازُ

كنتِ تَسِيرِينَ فِي الحُلْمِ

كَأَنَّكِ بَقَايَا سَهوٍ إِلَهِيٍّ

تَكْتُبِينَ الأَبْجَدِيَّةَ

بِصَوْتِ الفَقْدِ

وَتُرَتِّبِينَ الدَّمْعَ

كَنَظَرِيَّةٍ كَوْنِيَّةٍ لِلعُزْلَةِ

فَمَاذَا نَفْعَلُ

أَنَا لَا أَرْثِيكِ

أَنَا أُصَدِّقُ قِيَامَتَكِ الصُّغْرَى

فِي كُلِّ نَفَسٍ

أَشْعُرُ أَنَّكِ

لَمْ تَمُوتِي

بَل أَنَا الَّذِي

تَفَكَّكْتُ فِيكِ

وَلَمْ أَلْحَقْكِ بَعْد

وأنا؟

لم أَعُدْ أُجِيدُ التَّفْرِقَةَ

بَيْنَ ظِلٍّ يَعْبُرُني

وبَيْنَ طَيْفِكِ الّذي لا يَغِيب

كُلُّ شَيْءٍ يُسَاوِمُنِي عَلَيْكِ

كُلُّ مَكَانٍ يَمُدُّ لِي يَدَهُ

فَأُحِسُّ نُقْصَاناً

كَأَنَّ يَدَكِ كَانَتِ الزَّائِدَةَ الَّتِي تَكْمُلُنِي

لم أَقُلْ شيئاً

غَيْرَ أَنَّ المَطَرَ يَتَسَاقَطُ فِي دَاخِلِي

وَالعَالَمَ يُواصِلُ مَشْهَدَهُ العَابِر

كَأَنَّكِ لَمْ تَكُونِي نُوراً

أَو كَأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ كَفَصِيلَةِ مَعْنًى

بِرَحِيلِكِ

فَكوني بَعِيدَةً

كَمَا يَلِيقُ بِمَنْ

عَبَرَ هذا العَالَمَ

وَتَرَكَ خَلْفَهُ

كُلَّ ضَوْءِهِ

وَإِذَا سَأَلُوكِ عَنِ الدُّنْيَا

قُولِي لَهُمْ:

"أَتَيْتُ لأَكْتُبَهَا

فَلَمْ تَتَّسِعْ لِي"

وعنِّي

لَنْ أُطْفِئَ قَلْبِي

سَأَتْرُكُهُ يَنْبِضُ

فِي كُلِّ شَيْءٍ سِوَاي

لِيَكُونَ هُوَ الدَّلِيلَ

أَنَّكِ كُنْتِ

***

مرشدة جاويش

للشاعر الفلسطيني "محمود علي سعيد"

- الشاعر "محمود علي سعيد".. مواليد فلسطين.. الجليل الغربي.. ترشيحا.

- رئيس فرع حلب للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين.

- رئيس تحرير مجلة المقاومة.

- عضو اتحاد الكتاب العرب.

- صدر له: ثمانية وعشرون كتابا (شعر – قصة – قصة قصيرة جداً – دراسات).

- من إصداراته:

1- افتراضات مضيئة على خارطة الوطن – شعر.

2- شمس جديدة في ترشيحا –شعر.

3- الرصاصة – قصص قصيرة جداً.

4- المدفأة – قصص قصيرة جداً.

5- قراءة في واقع الثقافة العربيّة المعاصرة.

6- لي من الحقل العصافير - شعر.

7- القصة القصيرة جداً – تجليات قوس قزح.

8- ترجم نتاجه إلى عدّة لغات.

9- ينشر نتاجه في معظم صحف ومجلات الوطن العربي المتخصصة.

10 هو عضو في العديد من المؤسسات الثقافية والاتحادية مثل:

(عضو أسرة مجلة النافذة الثقافية – وعضو أسرة مجلة الكاتب الفلسطيني – عضو اتحاد التشكيليين.. الخ.).

البنية الدلاليّة والفكريّة في القصيدة:

هي حال عشاق الوطن الذين فَرَضَ عليهم من جعل من أرضهم موطناً له باسم أساطير التاريخ، أن يُشردا في كل بقاء الأرض دون رحمة أو نزعة إنسانيّة، وحتى من يدّعون بأنهم حماة حقوق الإنسان، لم يهتموا بآلام وعذابات هؤلاء المشردين الذين اقتلعوا من أرضهم ووطنهم قسرا، وغالباً برغبة وعلم حماة هذه الحقوق الإنسانيّة أنفسهم.

هذا الإحساس بألم الغربة والتشرد، نجده عند الشاعر الفلسطيني الكبير "محمود علي السعيد"، الذي شكل عنده الحنين للوطن هاجساً أو جذوة حنين لا تنطفئ نارها وهو يحلم بالعودة إلى مربى الصبا وألق الديار، وهو الذي لم تزل روحه تنزف شوقاً وحنيناً إلى أراجح الطفولة، ولم يزل يخطو إلى المجهول خطوة مدنف تتيم فيها جنوب الوطن بشماله. كما تحول الصمت عنده من ألم الفراق الطويل إلى صرخة تواقة أن يسمعها من يشتاقهم في وطنه. يقول الشاعر:

هيهاتَ يا ألقِ الديارِ يعودُ لي أفقٌ ترقرقَ خلفهُ الموالُ.

نزفتْ على الماضي أراجيحُ الصبا وأضاءَ مصباحُ النجومِ غزالُ.

أخطو إلى المجهولِ خطوةَ مدنفٍ فيها تتيمَ بالجنوبِ شمالُ.

الصمتْ أبلغُ صرخةٍ تواقةٍ لمسامعِ التوصيلِ حينَ تقالُ.

القاربُ المشتاقُ عرّشَ حولهُ من فرطِ ما اشتعلَ الهوى شلالُ.

وتطايرتْ فوقَ السطوحِ براعمٌ لتضجَ من ألمِ الفراقِ جبالُ.

الليلُ كأسٌ والنديمُ هلالُ والهمسُ في قلقِ السؤالٍ سؤالُ.

لم تكن الغربة تحقق يوماً الدفء والحنان والسعادة لمن غادر الديار مجبراً، فالجراح تظل نازفة حتى لو كانت ديار الغربة جنان، وكذلك الشوق والحنين للوطن، ونصوص الورد في ديار الغربة فكل ذلك يتحول إلى لغة مغرم، أما المزامير فتتحول إلى جراح تبكي نصالاً تنغرس في القب فتدميه.. ومسالك الغربة، تتحول كما يقول الشاعر "محمود علي السعيد" إلى غيمة تتسلقها آمال المشردين بالعودة للوطن.

أعيتْ نصوصُ الوردِ لَغْتَهَ مغرمٍ وبكتْ مزاميرَ الجراحِ نصالُ.

وغزا الصقيعُ الدفءَ في أعشاشهِ ما عاد في طبقِ الحرامِ حلالُ.

وتقطعتْ ولهاً مسالكُ غربةٍ سمقتْ على غيماتها الآمالُ.

يظل أمل العودة إلى ملاعب الصبا حلماً يداعب شغاف قلب مشردي فلسطين، ومنهم الشاعر "محمود علي سعيد" الذي يخاطب أهله وصحبه الذين شردتهم مثله الغربة ومزقهم شوق وحنين العودة قائلاً: لا تيأسوا واجعلوا آمالكم في العودة إلى الديار حقيقة، فالآمال حدائق ربيع جميل.. لن يبقى فيها القرنفل يشتكي هجر النسائم.. ثم يعود ليخاطب وطن الأصالة فلسطين ليقول له لقد هامنا الشوق إليك.. ليتك تجود علينا بقبلة لقد أورقت أصواتنا ونحن نناجيك، ولكن لا يعود لنا سوى الصدى الذي يحز في قلوبنا ويزيدنا شوقاً لك. حيث يقول:

أطلقْ جناحَ القوسِ في تسيارهِ صوبَ الحدائقِ فالربيعُ جمالُ.

ومُحالٌ أن يبقىَ القرنفلُ يشتكي هجرَ النسائمِ في الصباحِ محالُ.

وطنُ الأصالةِ لو تجودُ بقبلةٍ الصوتُ أورقَ والصدى قتّالُ.

نعم هي إرادة البقاء والعودة للوطن تظل تتفجر كبركان في داخل كل فلسطيني، فلا مساومة على الوطن ولا تخاذل ولا نسيان حتى لو أشعل العدو كل نيرانه بحق من هاجر أو ظل في الوطن يقاوم.

فهذا هو الشاعر المناضل المناضل "محمود" الذي لم يهدأ يوما ولم يخبوا صوته منذ أن أصبح يجيد الكلمة ويحولها إلى طلقة، وهو الذي قال يوما: الكلمة أشد فتكاً من الطلقة.. ها هو يقول بأعلى صوته لكل رجال فلسطين وأهلها، لا تخافوا أو تجزعوا إذا الحرائق اشتعلت وغرد الرصاص.. وإذا ضحى الرجال بأرواحهم من أجل فلسطين وتحولت دموع من يبكون على من استشهدوا إلى مياه زمزم ستطهر الأجيال القادمة.. هذه القدس منارة رغم كل ما يجري لها ولأهلها من ظلم وقهر، فكيف لا تشدّ لها الرحال، وتدق لها صدور الرجال : يقول الشاعر:

لا تعبأنّ إذا الحرائقُ أشعلتْ وهفا إلى شدوِ الرصاصِ رجالُ

وتبرجتْ في المقلتين جنازةٌ تزكو بزمزمٍ طهرها الأجيالُ

من لم يذقْ وجعَ الصبابةِ مرةً ويدقُ صدرَ فؤادهِ التجوالُ

القدسُ في نعشِ المساءِ منارةٌ إلا إليها لا تُشَدُّ رحالُ.

البنية الفنيّة والجماليّة في القصيدة:

لا شك أن البنية الفنيّة والجماليّة في القصيدة، هي مجموعة من العناصر التشكيليّة والجماليّة التي تساهم في خلق تأثير شعري مميز على المتلقي، وتساهم في إيصال المعنى والتأثير الجمالي إليه. هذا وتشمل عناصر البنية الفنيّة والجماليّة كل من الوزن، والقافية أو ما يسمى بالموسيقى، والوحدة الفنيّة، والأسلوب، واللغة، والصور البلاغية، والرمز.

اللغة في القصيدة:

تظل اللغة في القصيدة، أكثر من مجرد مجموعة كلمات، بل هي أداة للتعبير عن الأفكار والمعاني التي يريد الشاعر البوح بها بشكل فريد ومبهر. واللغة تلعب أيضاً دورًا حيويًّا في تشكيل معنى القصيدة، وإضفاء بصمات جماليّة عليها كونها تخرج عن اللغة المألوفة، وتتجاوز المعنى الحرفي للكلمات، لتثير المشاعر والأحاسيس، وتفتح آفاقًا واسعة من التفسيرات والإيحاءات.

من هذا الموقف المنهجي في رؤية جماليّة وفنيّة اللغة، نأتي إلى قصيدة الشاعر "محمود علي السعيد". (ضلعي)، فالشاعر يمتلك براعة الخلق اللغوي بسبب ما حاز عليه من خبرة طويلة قضاها في عالم الأدب بشكل عام والشعر والقصة القصيرة جداً بشكل خاص، لقد استطاع في قصيدته هذه، أن يزيل عن اللغة رتابتها، وينزع عنها برودتها، وليس ذلك بانتقاء لغة خاصة غير مألوفة، وإنما بإعادة صياغة تلك اللغة بطريقة فنيّة أعطتها بريقها، وحولت برودتها إلى توهج، فالكلمة في القصيدة جاءت لتجسد معاناة أمّة شرد وقتل مئات الآلاف من أبنائها.. لغة حملت في كل دلالاتها أصواتاً نابضةً بالحياة، فياضةً بالدلالة والحيويّة، أضفى عليها من روحه وعمق تجربته وأحاسيسه المرهفة ما جعلها كذلك، فهو يرتبط بلغته عن طريق عالقة خاصة تتجاوز المألوف.. وهذا ما جعل اللغة في القصيدة مع كل بساطتها وسهولتها وفصاحتها ورهافتها والأهم (نسيبها) المشبع بالشوق والحب والحنين، منسجمة مع السياق النفسي للشاعر، ومع تجربته الداخليّة العميقة.

لقد جاءت لغة القصيدة مشبعة بدلالات الغربة والتشرد والحنين والتحدي والألم: مثل (النصال.. بكت.. الصقيع.. الدفء..الجراح.. المشتاق.. الغربة.. الآمال.. ألم الفراق.. أراجيحُ الصبا.. المجهول.. مدنف.. أساك.. جفاك..) وغيرها من مفردات لغة القصيدة التي تكاد أن تشكل قاموساً لوصف حالات التشرد والحنين والشوق والعذاب والألم.. الخ.

الصورة في القصيدة:

تلعب الصورة الشعريّة في القصيدة دورًا أساسيًا في خلق جماليتها وإضفاء عمقٍ على المعنى. إنها ليست مجرد وصف مرئي، بل هي طريقة للتعبير عن الأفكار والمعاني بشكل إبداعي ومؤثر.. إنها تثير الخيال وتجعل النص أكثر حيويّة، ويكتسب الشعر أهميته ودوره من الصورة الشعريّة التي تعطي الألفاظ المؤلفة للغة قدرتها الإيحائيّة في الدلالة، بل تزيد من جاذبية القصيدة وتجعلها أكثر إثارة وجاذبيّة، ولا تقتصر أهميّة الصورة هنا على الشاعر والمتلقي، بل تتجاوزهما إلى الناقد الذي يتخذها معيارًا لتقويم تجربة الشاعر وبيان مدى أصالتها، والكشف عن قدرة الشاعر في تشكيلها.

من هذا المنطلق نأتي على الصورة في قصيدة الشاعر "محمود علي سعيد"، المتمكن من حرفته بسبب خبرته الطويلة، والمتميز بعمق ثقافته وشفافيّة إحساسه وانغماسه الكلي في هموم وطنه وشعبه.

إن الصورة عنده لم تأت من باب الزخرفة والتزويق في القصيدة بهدف خداع المخاطب وإيهامه، بل جاءت من كونها عمليّة تفاعل متبادل بين الشاعر والمُتلقِّي للأفكار والحواس، من خلال قدرة الشاعر على التعبير عن هذا التفاعل بلغة شعريّة تستند إلى المجاز، والاستعارة، والتشبيه؛ بهدف استثارة إحساس المُتلقِّي واستجابته. دعونا نسلط الضوء على بعض الصور التي جاءت في القصيدة لنبين قدرة الشاعر على تصوير معاناته وخلجات الروح لديه أولا، وعند عموم المواطنين الفلسطينيين ثانياً، وكل ذلك يأتي من خلال ربط هذه المعاناة بالطبيعة والحلم والأمل والغربة والتشرد واستمراريّة جذوة النضال لتحرير الوطن والمواطن. لقد جاءت الصورة بعموم النص الحسيّة منها والتخيليّة إضافة لما حققته من جمال الشكل، جاءت وسيلةً للتعبير عن بنية النص الفكريّة أيضاً.

(الليلُ كأسٌ والنديمُ هلالُ).. (والهمسُ في قلقِ السؤالٍ سؤالُ).. (أعيتْ نصوصُ الوردِ لَغْتَهَ مغرمٍ).. (وبكتْ مزاميرَ الجراحِ نصالُ).. (وغزا الصقيعُ الدفءَ في أعشاشهِ).. (وتقطعتْ ولهاً مسالكُ غربةٍ).. (وسمقتْ على غيماتها الآمالُ).. (وتطايرتْ فوقَ السطوحِ براعمٌ).. (لتضجَ من ألمِ الفراقِ جبالُ)..( وطنُ الأصالةِ لو تجودُ بقبلةٍ).. (الصوتُ أورقَ والصدى قتّالُ).. ونأتي أخيراً إلى تلك الصورة التي يشكل مضمونها عنوان نضال كل فلسطيني وعربي أصيل. (القدسُ في نعشِ المساءِ منارةٌ).. (إلا إليها لا تُشَدُّ رحالُ.).

الموسيقى والايقاع في القصيدة:

رغم وجود فرق بسيط بين وزن القصيدة المتعلق بعروضها وقافيتها، وهو ما يسمى بالموسيقى الخارجية، وبين الايقاع في القصيدة الذي يسمى بالموسيقى الداخليّة، التي تتجلى في ذلك التناغم الداخلي الحاصل في الصوت الداخلي للنص الناجم عن الحالة النفسيّة والشعوريّة للشاعر التي تتطابق وتتناغم وتنسجم مع الحروف والكلمات، ومع الوحدة الموسيقيّة العامة، إلا أن الشاعر الحديث المتمكن من حرفته يستطيع أن يلغي تلك الفروقات الطفيفة ليجعل من موسيقى قصيدته رتماً واحداً متجانساً في مكوناته.

لقد استطاعت قصيدة (ضلعي) في وزنها (البحر الكامل) ورويها (حرف اللام) وتناغم حروفها، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها، وتحقيق الترابط ما بين المعنى والمبنى، أن تحمل أهميّة كبيرة في التأثير على المتلقي، فالشاعر استطاع أن يختار الوزن المناسب لمقام أغراض القصيدة حيث جعل من القافية وحروفها، وخاصة حرف الروي (اللام)، مناسبة لهذا الجو المفعم بالشوق والغربة والحنين والألم والضياع:

القاربُ المشتاقُ عرّشَ حولهُ من فرطِ ما اشتعلَ الهوى شلالُ

وتطايرتْ فوقَ السطوحِ براعمٌ لتضجَ من ألمِ الفراقِ جبالُ

هيهاتَ يا ألقِ الديارِ يعودُ لي أفقٌ ترقرقَ خلفهُ الموالُ

نزفتْ على الماضي أراجيحُ الصبا وأضاءَ مصباحُ النجومِ غزالُ

أخطو إلى المجهولِ خطوةَ مدنفٍ فيها تتيمَ بالجنوبِ شمالُ

ففي هذه الأبيات، بل في كل أبيات القصيدة نجد موسيقـى حـزينة كئيبـة شجيّـة، وخاصة عندما أختـار القافية أو حرف الروي المناسبة لهذا الجوّ وهذا المقام، وهو حرف (اللام) المكسور المضموم، وهو حرف من حروف اللسان، فكأنّه يقول بلسانه، وبملء فيه، أنا مكسور القلب ومشتاق لوطني ولملاعب صباي وذكريات طفولتي..

أما الايقاع الداخلي للقصيدة، فقد جاء في بنية القصيدة من خلال تناغم الحروف، وبراعة اختيار الكلمات وتراكيبها وصورها.

الرمز والايحاء والاشارة في القصيدة:

إن للرمز والاشارة والايحاء في الأدب قبل كل شيء، معنىً خفيّاً، يحاول الأديب عكس ما يدور في خلده عبرهم. والرمز في الشعر العربي الحديث بشكل عام، يعتبر الوليد الشرعي لظروف القمع السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، فالأديب يصعب عليه أن يطلق أفكاره بحريّة تامة وبصورة مباشرة، لذلك يلجأ الى تقنية الرمز والقناع. وتزداد قيمة الرمز والقناع وأثرهما محل الأشياء بكونهما تعبيراً لا شعوريّاً يتجاوز الواقع الى الايحاء به أو الاشارة له، فهو قد يبدأ من الواقع ولكن لا يرسم الواقع، بل يُردُّ الى الذات، وفيها ينهار عالم المادة وعلاقاتها الطبيعيّة لتقوم على انقاضها علاقات جديدة مشروطة بالرؤية الذاتيّة لمستخدم الرمز.

بالرغم من غياب الرمز في القصيدة "ضلعي"، إلا أن حضور القناع بإيحاءاته وإشارته جاء منشراً في كل خلايا القصيدة، لعبر عن حالات من القهر والظلم والتشرد والأم، إضافة لتعبيره عن حالات وجدانية مشبعة بالحب والشوق والحنين للوطن وترابه وملاعب الصبا وكل ما يذكر به. فالقناع هنا لم يأت خوفاً من سلطة، وإنما لإبراز قدرات الشاعر الابداعيّة والجماليّة من جهة. إضافة لكونه يعني حالة باطنيّة معقّدة من أحوال النفس، وموقفا عاطفيّاً أو وجدانيّاً من جهة ثانية. وبوصفه أيضاً أكثر فاعليّةً وقدرةً على التعبير بدلالات واسعة مختلفة من جهة ثالثة.

إن عنوان القصيدة (ضلعي)، له دلالاته وإيحاءاته وإشاراته العميقة في القصيدة، فـ (الضلع)، هو أحد ركائز الصدر عند الإنسان، وهو بانحنائه يشكل قوسا تقوم عليه دعائم بوابة بيت وجمالية وطن وعمق تاريخ، وهو بانحنائه يعبر عن عاطفة حب وحنان جياشة عند الشاعر تجاه ما فقده في غربته وضياعه من مفردات وطنه. يقول الشاعر عن هذا الضلع الذي شغل كل إيحاءات وإشارات القصيدة:

وغزا الصقيعُ الدفءَ في أعشاشهِ ما عاد في طبقِ الحرامِ حلالُ

وتقطعتْ ولهاً مسالكُ غربةٍ سمقتْ على غيماتها الآمالُ

القاربُ المشتاقُ عرّشَ حولهُ من فرطِ ما اشتعلَ الهوى شلالُ

وتطايرتْ فوقَ السطوحِ براعمٌ لتضجَ من ألمِ الفراقِ جبالُ

هيهاتَ يا ألقِ الديارِ يعودُ لي أفقٌ ترقرقَ خلفهُ الموالُ

نزفتْ على الماضي أراجيحُ الصبا وأضاءَ مصباحُ النجومِ غزالُ.

ثم تأتي (القدس) في القصيدة رمزاً حسيّاً مقدساً لشعب آمن بأن القدس بالنسبة له هي سر وجوده وانتمائه الديني والاجتماعي والسياسي والثقافي.. وكيف لا تكون كذلك بالنسبة لكل فلسطيني عاش القهر والتشرد، وعرف طريق النضال والتضحية بدمه من أجلها. بل عُرف الرجالُ ذاتهم من خلال حبهم لها والتضحية من أجلها: يقول الشاعر "محمود علي سعيد":

القدسُ في نعشِ المساءِ منارةٌ إلا إليها لا تُشَدُّ رحالُ.

وعندما تشد الرحال إلى القدس فهي تُشدُّ بالضرورة لفلسطين كلها. فلسطين التي تم الايحاء بها بـ (الوطن) وهي التي عرفها الشاعر بوطن الأصالة.. ووطن الأصالة يرخص كل شيء من أجل تحريره وعودة المشردين من أهله إليه:

وطنُ الأصالةِ لو تجودُ بقبلةٍ الصوتُ أورقَ والصدى قتّالُ

أرشفْ رحيقَ العمرِ من عنقودهِ واخلعْ أساكَ إذا جفاكَ منالُ

لا تعبأنّ إذا الحرائقُ أشعلتْ وهفا إلى شدوِ الرصاصِ رجالُ

واستصرختْ قممَ النسورِ مآذنٌ وسما بأولى القبلتين بلالُ

وتبرجتْ في المقلتين جنازةٌ تزكو بزمزمٍ طهرها الأجيالُ

من لم يذقْ وجعَ الصبابةِ مرةً ويدقُ صدرَ فؤادهِ التجوالُ

إن القصيدة بعمومها شكلت لوحة فنيّة في صورها ولغتها ورمزها وإيحاءاتها ونسيبها ورتمها الموسيقي الحزين. صاغها أو رسمها شاعر عربي أصيل متمكن من حرفته وصادق في عواطفه وعشقه لوطنه. وجاء تكرار حرف (الواو) في اشتغاله على العطف في بنبة القصيدة (والنديمُ.. وبكتْ.. وغزا.. وتقطعتْ.. وتطايرتْ.. وأضاءَ.. ومُحال.. والصدى.. الخ.). ليربط كل مكونات القصيدة مع بعضها ويجعل منها لوحة فنية متكاملة في كل مفرداتها من صورة ورمز ولغة ليعطيها اسماً أو عنواناً آخر هو (جمر الحنين).

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريا.

...........................

الشاعر محمود علي السعيد

قصيدة (ضلعي).

الليلُ كأسٌ والنديمُ هلالُ والهمسُ في قلقِ السؤالٍ سؤالُ

أعيتْ نصوصُ الوردِ لَغْتَهَ مغرمٍ وبكتْ مزاميرَ الجراحِ نصالُ

وغزا الصقيعُ الدفءَ في أعشاشهِ ما عاد في طبقِ الحرامِ حلالُ

وتقطعتْ ولهاً مسالكُ غربةٍ سمقتْ على غيماتها الآمالُ

القاربُ المشتاقُ عرّشَ حولهُ من فرطِ ما اشتعلَ الهوى شلالُ

وتطايرتْ فوقَ السطوحِ براعمٌ لتضجَ من ألمِ الفراقِ جبالُ

هيهاتَ يا ألقِ الديارِ يعودُ لي أفقٌ ترقرقَ خلفهُ الموالُ

نزفتْ على الماضي أراجيحُ الصبا وأضاءَ مصباحُ النجومِ غزالُ

أخطو إلى المجهولِ خطوةَ مدنفٍ فيها تتيمَ بالجنوبِ شمالُ

الصمتْ أبلغُ صرخةٍ تواقةٍ لمسامعِ التوصيلِ حينَ تقالُ

أطلقْ جناحَ القوسِ في تسيارهِ صوبَ الحدائقِ فالربيعُ جمالُ

ومُحالٌ أن يبقىَ القرنفلُ يشتكي هجرَ النسائمِ في الصباحِ محالُ

وطنُ الأصالةِ لو تجودُ بقبلةٍ الصوتُ أورقَ والصدى قتّالُ

أرشفْ رحيقَ العمرِ من عنقودهِ واخلعْ أساكَ إذا جفاكَ منالُ

لا تعبأنّ إذا الحرائقُ أشعلتْ وهفا إلى شدوِ الرصاصِ رجالُ

واستصرختْ قممَ النسورِ مآذنٌ وسما بأولى القبلتين بلالُ

وتبرجتْ في المقلتين جنازةٌ تزكو بزمزمٍ طهرها الأجيالُ

من لم يذقْ وجعَ الصبابةِ مرةً ويدقُ صدرَ فؤادهِ التجوالُ

القدسُ في نعشِ المساءِ منارةٌ إلا إليها لا تُشَدُّ رحالُ.

 

عند الشاعر عِذاب الركابي

مقدّمة: حين يُطلّ علينا الشاعر عِذاب الركابي بكتاباته في الهايكو، فإننا لا نواجه تجربة مكتملة البنيان، بل طورًا قلقًا، متوتّرًا، يتحرك بين التأسيس والانفعال، بين الانبهار بالشكل الياباني والاحتياج إلى هوية عربية داخلية.

تجربة الركابي – بوصفها من أوائل محاولات الهايكو العربي – تشبه في كثير من سماتها مرحلة المراهقة الشعرية؛ لا على سبيل الانتقاص، بل بوصف المراهقة مرحلة من التحوّل، الصراع، والبحث عن الذات.

هذا المقال يتقصّى ملامح تلك المراهقة من حيث اللغة، الشكل، الرؤية، والفلسفة، مع محاولة استجلاء لحظات القوة والضعف، التجريب والانفعال، وطرح السؤال: هل شكّلت تجربة الركابي تأسيسًا واعيًا، أم عبورًا قلقًا نحو نضج لم يتحقق بعد؟

أولًا: الهايكو العربي بوصفه مراهقة جمالية

الهايكو، بوصفه جنسًا أدبيًا يابانيًا، يتمحور حول اللحظة العابرة، الحدس التأملي، والاقتصاد اللغوي الصارم.

تجربة الركابي تعكس هذا الانبهار بالشكل، الذي لم يكن يُحسن بعد احتواء روحه:

يُبقي على الزهرة والمطر والعصفور…

لكنه يُقحم “الوجدان العربي” من حيث لم يكن في الأصل.

وهنا تتجلّى سمة المراهقة: الاقتباس غير المشبع، التبني الانفعالي، والانتقال من الحرفي إلى الشعوري دون ضبط.

تجربة الركابي بدت وكأنها تقول: “أريد أن أكتب هايكوًا، لكن بطريقتي!”

وهذه “الطريقة” لم تكن، في كثير من الأحيان، نابعة من وعي بل من رغبة في إثبات التميّز – سمة مراهقة بامتياز.

ثانيًا: الانفعال وتضخم الذات في هايكو الطبيعة

يصرّح الركابي مرارًا بأن قصيدة الهايكو هي “قصيدة الطبيعة”، وأن الشاعر ينبغي أن يُمحى ليترك للطبيعة أن “تكتب نفسها”.

لكن المفارقة أن قصائده تفيض بذات شعورية مترعة بالحزن، الأمل، الغياب، الأسى، والعاشق:

بلاغة:

لن أنسى ما حييت نظرة تلك الوردة؛

لن أنسى ما حييت ثقة قطرة الندى بنفسها؛

لن أنسى ما حييت بلاغة الألم!!

(المصدر: ديوان “العصافير ليست من سلالة الرياح”، 2017)

فالقول بـ”الغياب” يقابله “تضخم حضور الذات”، والحديث عن “الطبيعة كناطقة” يُقابله شاعر يملي على الزهرة أن تحزن، وعلى العصفور أن ينوح، وعلى الخريف أن يستقيل. بهذا، تتحول تجربة الهايكو إلى مسرح إسقاط ذاتي، حيث تُحمل الطبيعة حمولة وجدانية لم تعهدها في السياق الياباني.

ثالثًا: توتّر الهوية بين الياباني والعربي

المراهقة ليست فقط مرحلة انفعالية، بل أيضًا مرحلة أزمة هوية. هايكو الركابي يتأرجح بين الانتماء إلى الشكل الياباني من حيث التركيب والاقتصاد، وبين الرغبة في إضفاء روح عربية عليه.

وداع:

خطواتُنا

غمغمة على أوتار قيثار بعيد

(المصدر: صحيفة روناهي – “بداية الهايكو العربي – 3”)

الصور هنا تحمل بلاغة عربية مشحونة بالعاطفة والتكرار والاستعارة. وهكذا تتحوّل التجربة إلى مراهقة هوية: لا هي هايكو خالص ولا هي ومضة شعرية عربية صافية بل نصوص مترددة، متحوّلة، غير مستقرة على شكل واحد أو روح ثابتة.

رابعًا: غياب المرجعية الكونية وتجاهل الاتجاهات الحديثة

يستند الركابي في تنظيره إلى تصوّر ضيّق للهايكو بوصفه “قصيدة الطبيعة الخالصة”، كما يتجلى لدى ناتسومه سوسيكي (1867–1916)، أحد أبرز شعراء وروائيي اليابان.

هذه الرؤية التأملية، حيث الطبيعة نقيض الذات، تعود إلى بداية القرن العشرين. لكن الركابي، في تنظيره، تجاهل مسارات تطور الهايكو الياباني والعالمي، والتي تشمل:

الاتجاهات اليابانية:

الهايكو الحرّ: كسر بنية 5–7–5 وتخلّى عن “الكيغو”، وبرز فيه شعراء مثل تانيدا سانتوكا وأوزاكي هوساي.

هايكو المدينة: انزياح من الطبيعة نحو حياة الشارع، الأضواء، العزلة الحضرية.

الاتجاهات العالمية:

عزرا باوند (Ezra Pound): قصيدته “In a Station of the Metro” (1913) تُعد ترجمة رمزية للهايكو في لحظة حضرية.

جاك كيرواك (Jack Kerouac): ابتكر “الهايكو الأمريكي” المرتبط بالروح البوهيمية، المدينة، والصمت الداخلي.

بانيا ناتسويشي (Ban’ya Natsuishi): دعا إلى “الهايكو الكوني”، متحرر من المركزية اليابانية، منفتح على السياسة، الهجرة، الحرب.

هذه الاتجاهات كلها وغيرها لم يُشر إليها الركابي، ما يجعل تجربته متمركزة على لحظة كلاسيكية واحدة، دون استيعاب لتاريخها الديناميكي.

فإصراره على الطبيعة وحدها لا يُعد وفاءً للشكل، بل نكوصًا عن الإمكانيات الأحدث التي تتيح للهايكو أن يكون صوتًا عالميًا، لا قُطريًا فقط.

خامسًا: التنظير بوصفه مراهقة سلطوية

من سمات المراهقة أيضًا الإفراط في التنظير لتبرير الممارسة.

يكتب الركابي كثيرًا في الدفاع عن “طهارة” الهايكو، ويحذّر من أدلجته، ويهاجم “الآخرين” الذين لا يفهمونه.

لكن هذا الخطاب يكشف قلقًا داخليًا، إذ يتّخذ صيغة سلطوية مراهقة:

- يقصي الآخر

- يحيط نفسه بهالة تنظيرية

- ينتج نصوصًا تناقض خطابه (كما في هايكو “وطن”):

وطن:

كم يلزمك من الكذب

كي تنام،

ليلةٌ ثلجية،

في سرير الوطن.

(المصدر: صحيفة روناهي، 2021)

هكذا، تتحوّل الممارسة إلى محكمة رمزية: من يكتب كما أكتب، فهو هايكوي؛ ومن يختلف، فهو خارج الإطار.

خاتمة

إنّ تجربة عِذاب الركابي في الهايكو، من منظور المراهقة الشعرية، تجربة حيوية وقلقة في آن:

تمتلئ بالتجريب والانفعال

تتأرجح بين الاقتباس والصناعة

تبحث عن هوية وتتنكّر لها في الوقت نفسه

تؤسس وهي تهدم

تتكلم عن الصمت وهي تفيض بالكلام

وإذا كان الشعراء المراهقون – كما يقول رامبو – هم من “يخترعون المستقبل”،

فلعل الركابي قد فتح الباب لاكتمالات قادمة لم يكن هو معنيًا أن ينجزها، بقدر ما هي مسؤولية القادمين من بعده.

***

عباس محمد عمارة

 

ومضة

بقلم: يحيى السماوي

صمتي صراخٌ أخرس..

وصراخي صمتٌ مسموع..

*

أنا لستُ (الحمزة بن عبد المطلب)

وأنتِ لستِ (هند بنت عتبة)

فلماذا أكلتِ كبدي؟

أنا أتألّمُ؟

إذن

أنا على قيدِ الحياة..

مساكينٌ الموتى

فهم:

لا يتألمون

النص الصوري القصير جدا استحضار اللحظة التي يغلب عليها الطابع الحسي والجمالي بتوظيف لغة تعتمد خطين متداخلين: الصياغة اولهما. والتعبير ثانيهما.. كونها تقوم على اسلوبية الكم التي تلتزم الصياغة المركزة ايجازا وتكثيفا في اللغة.. والكيف الذي يعتمد ابراز الحدث والفكرة في الرؤية التعبيرية الدالة على الايحاء والرمز في البنية النصية.. انه نص الواقع الذي يخلق التساؤل ويحرك الخزانة الفكرية للمستهلك كي يستنطقه ليكشف عن الوظيفة الجمالية والدلالة الاجتماعية.. ..

صمتي صراخٌ أخرس..

وصراخي صمتٌ مسموع..

فالمنتج (الشاعر) يترجم الاحاسيس والانفعالات بنسج شعري يحقق وظيفته من خلال الفكرة والعمل داخل اللغة عن طريق خلق علاقات بين المفردات بوحدة عضوية متميزة بعالمها المتناسق جماليا مع دقة تعبيرية ودلالة مكثفة.. خالقة لنص يتسم بخصوصيته التركيبية ووحدته الموضوعية وحركته الدرامية.. مع تفرد في بناء صوره المشهدية بتوظيف لغة موحية بالفاظها.. واكتناز مضمونها الاعترافي المتكىء على المتناقضات (صمتي/صراخي) التي اسهمت في تنامي مشاهد النص الدرامية.. .التي تستدعي التاريخ بحركاته الزمنية (الماضية) واحداثه وشخوصه..

أنا لستُ (الحمزة بن عبد المطلب)

وأنتِ لستِ (هند بنت عتبة)

فلماذا أكلتِ كبدي؟

فالنص يكشف عن صور مكتنزة المعاني والتراكيب والدلالات الشعرية التي تتناسب وحركة السرد الشعري القائم على متوالية شعرية قصيرة جاذبة بنبضها الجمالي وتنوع اساليبها وتقنياتها الفنية والاسلوبية كـ (التنقيط والاستفهام وصراع الاضداد وتعدد الضمائر،..)..

فلماذا اكلت كبدي؟

أنا أتألّمُ ؟

إذن

أنا على قيدِ الحياة..

مساكينٌ الموتى

فهم:

لا يتألمون

فالمنتج (الشاعر) يستثمر الجملة اللغوية المشحونة بطاقة تعبيرية تسهم في بناء النص دراميا مستمد من تفاعل الذات الشاعرة وواقعها.. فضلا عن اعتماده نزعة سردية ومقصدية رامزة مع توظيف عنصر الاستقصاء الذي اسهم في تصعيد الحدث والكشف عن توتر نفسي للذات المنتجة.. السابحة في عالمين شعريين متداخلين (حسي ووجداني)..

من كل هذا نستنتج ان النص عند السماوي يقوم على اسلوبية الكم بالتزامه الصياغة المركزة ايجازا وتكثيفا لغويا.. واسلوبية الكيف التي تبرز الفكرة في الرؤية التعبيرية الدالة.. .فضلا عن تحريك دلالات النص ببناء فني يعتمد التكثيف والايجاز مع اقتصاد في الالفاظ بنسج فني يستوعب (اتساع المعنى لضيق العبارة) الخالقة لجمالية مستفزة لذهن المستهلك وتحريك خزانته الفكرية عبر خطاب سايكولوحي ولغة تنزع نحو التصوير المؤثث لفضاء النص..

***

علوان السلمان

...................

ـ اللوحة للفنان الهولندي الذي مثلت لوحاته الابداع الانطباعي فينسنت فان جوخ1853ـ 1890.. تميز بلوحاته اللونية المفعمة بالحيوية..

ـ هند بنت عتبة " هي زوجة أبي سفيان، شهدت معركة أحد، تلقّب بآكلة الأكباد لأنها مثّلت بجثة عم النبي الحمزة بن عبد المطلب بعد استشهاده في معركة أحد ويقال أنها أخرجت كبده وأكلته..

للأديب حمودي الكناني

تتناول هذه السرديات في فن الاقصوصة الحديثة، عوالم مختلفة في جوانبها المتعددة، من زوايا مختلفة من الحياة، أي أنها تضع الحياة والواقع على مشرحة التحليل وتشتغل عليه، في قضاياه الأساسية والحساسة. في الجانب السياسي والاجتماعي والديني بما فيها موضوع المرأة، والنصوص السردية تحمل براعة الصياغة الفنية وهندستها، في التكثيف والتركيز والايجاز في حدث سريع يصيب هدفه مباشرة، تملك رؤية فكرية ومواقف واضحة المعالم، في جملة أحداث تحدث وحدثت على الواقع المعيشي والحياة العامة والخاصة، هي تخص ابعاد حكايات الوطن في مجمل ابعاده في الازمة الحياتية القائمة، تملك براعة الحبكة الشفافة في تكوين الحدث السريع،تناول المناخ السائد منذ كثر من عقدين من الزمن، وقد حدث فيه انقلابات ومتغيرات كبيرة وصادمة، في الظواهر المكشوفة والمخفية، التي تمثل الصراع القائم بين قوتين المتناقضتين، الاولى تغمط الحقيقة وتخفيها عمداً وقصداً لغايات مصلحية ونفعية فئوية ضيقة، والثانية تناصر الحقيقة في دعم في ابرازها وإظهارها حتى من تحت كثافة الغبار التي يغطيها، لانه ببساطة لا يمكن لاحد ان يستطيع اخفاء الحقيقة، كالنعامة التي تخفي رأسها في الرمال، هو صراع بين قوتين، الاولى تملك جبروت الواقع وتسلطه، وتجيره بما يدعم هيمنتها المتسلطة، بكل الطرق اللاشرعية، والقوة الثانية لا تملك سوى الرفض والاحتجاج والتذمر بالسخرية اللاذعة، في المناخ السائد في الفعل والحركة، دلالاتها تحفز ذهن القارئ بالتفكير والتأمل، من أجل يدرك بما يدور حوله من متغيرات غير منطقية، الحدث السريع في حبكته المتكون، يملك مواقف واضحة وصريحة تجاه الوطن، وما يدور في داخله، بالاشارة والدلالة البليغة، لان مهما كان علو شأن التحريف والوصولية والانتهازية تبقى ناقصة، في تفكيرها المهادن والمساوم من اجل نفعية ضيقة على حساب المصلحة العامة، سرديات او نصوص قصصية تثير السؤال والتساؤل، من خلال صور السردية الباذخة في المعنى والمغزى والرمز والايحاء الدال. في مجريات الواقع، التي تخرج عن المعقول والمنطق. في إيقاعات سريعة بليغة، اي انها تشتغل على فهم الواقع المعيشي القائم بمفرداته المختلفة. لنأخذ بعض السرديات في إيجاز شديد:

× قصة (دوامة): تشير وتدل بشكل بليغ، بأن ضمير العالم امتلئ بالنفايات، مثل البحر الذي يمتلئ بالنفايات، وتحذر ضمير العالم ان يستيقظ قبل ان يتحول الى نفايات.

× قصة (على الحافة): طابور الكلاب تتجمع في مناقشة الوضع المعيشي في البلاد، وكيفية تسيير شؤون الناس، تتلخص بتحويلهم الى دم، حتى يكونوا ماكينة لحس الدم.

× قصة (الزورق): تدل بالرمز بليغ المعنى والدلالة، بأن المشرفون على لقمة العيش، يحولون اعمار البشر، عبارة عن بحث لقمة العيش في مقبرة، تدل على تأزم عيشة البشر نحو الأسوأ أكثر فاكثر. كالزورق الذي يبحر في طريق مجهول.

× قصة (طاقة): تتناول عن المشاريع لم تكتمل وتترك في النصف دون الاكتمال. مثل نصب اعمدة كهرباء، بدون ربطها بالأسلاك، كأن الاعمدة تلتفت يمينا وشمالاً دون جدوى. وهي تشير الى ماكنة الفساد المالي.

× قصة (كرسي): كيف تحول الجالس عليه الى ببغاء او خروف، لا يعرف شيئاً سوى ان يصيح ماع... ماع، ولله في خلقه شؤون.

× قصة (رفرفة روح): بعد غربة طويلة يعود الى مسقط رأسه، فلا يجد سوى التصحر والجفاف والغرابة، يجد نفسه في وضع سيء وصعب، ويضطر ان يعود من حيث أتى، وهو يحترق في داخله، كأنه ينتحر، فعاد ينحت بيتاً من الفراغ هناك.

× قصة (تعويض): محتجاً على الوضع المعيشي الصعب، يحرق نفسه ويشيع الى القبر، والدفان يناديه بالكلام البليغ: اسمع يا........ عبدالله... ان فكرت بالرجوع الى الدنيا لن تجد اسمك في قائمة المتضررين، بل في قوائم سارقي أكفان الموتى !!، سردية ناطقة بألف معنى ومعنى.

× قصة (رحى): تتناول عن الاعلام المزيف والمنحرف في تجديف الحقائق وافراغها، بحيث تحول المعجبين بها الى سلاح لقوات مكافحة الشعب !!.

× قصة (خروج على النص): تدل على الإرهاب وتكميم الأفواه حتى الاغتيال، في قمع حرية التعبير بالإرهاب الفكري والأدبي، بحجة خروج على النص المسموح.

× قصة (مساس): تتناول سرقة وخداع الرأي العام في الحشود الثائرة من بعض الخطباء، لكي يصعدون على أكتافهم، ويعملون بعد ذلك على تجنب بعض المطاليب بحجة التوافق الوطني، لكن يقابلون بالسخرية والتهكم بأنهم تحولوا الى اصبع للنظام.

× قصة (نفق): تتناول في إدراك وفهم ناضج، في السؤال الذي يخطر في ذهن كل عراقي: من قتل المتظاهرين ؟؟؟، ومازالت الاجابة مفقودة وغائبة، مثل الشعار الذي يكتب على جدران ويمسح بعد ذلك، كأنه الجواب كامل على ذلك .

***

جمعة عبد الله

 

يشكّل كتاب الوشم للدكتور عبد القادر الرباعي تجربة سردية مركّبة تتجاوز حدود السيرة الذاتية، لتغدو وثيقة فكرية وجمالية تقرأ تحولات الذات والجماعة في مرايا التاريخ والسياسة والثقافة. عبر كتابة تتداخل فيها الأزمنة واللغات والطبقات الدلالية، ينسج الرباعي نصًا مشبعًا بالرمزية، تبرز فيه ثيمة "الوشم" كعلامة محورية تتقاطع عندها تأملات الهوية، الذاكرة، الألم، والتمرد.

الوشم: أثر الجسد وندبة الذاكرة

الوشم في هذا النص ليس عنصرًا زخرفيًا، بل دلالة وجودية مشبعة بالرموز. إنه أثر دائم يحيل إلى الألم والذاكرة، شهادة على مرور الإنسان بالعالم، لا من خلال ما يقوله، بل بما يتركه على جسده من علامات. الجسد هنا يتحوّل إلى صفحة تُكتب عليها التجربة، أرشيف حيّ لتاريخ ذاتي وجماعي، تختزن فيه الندوب والصرخات المكبوتة.

يقول السارد: "كان الوشم يلسع جلدي كلما مررتُ بذاكرة الغياب." بهذا المعنى، يغدو الوشم استعارة للكتابة ذاتها، بلغة الجسد لا القلم. وهو ما يجعل الرباعي قريبًا من تأويلات ما بعد البنيوية، حيث يُقرأ الجسد كنصّ، والجلد كسطح تتراكم عليه العلامات الدالة على الصراع والتمرد والانتماء.

يمثل الوشم أيضًا فعل مقاومة في مواجهة القوالب الاجتماعية والثقافية، ورفضًا خفيًا للرقابة والانتماءات القسرية. فالراوي لا يوشم جلده للزينة، بل ليصرخ بصمت: "لم أسأل عن معنى الوشمة، كنت أحتاج فقط إلى أن أصرخ على جلدي."

كل وشمة، في هذا السياق، تحكي قصة، وتحمل هوية، في مواجهة الهوية الرسمية التي تصوغها السلطة. هكذا يتحول الجسد إلى هوية بديلة، حرّة، تختار ذاتها في مجتمع يفرض الانتماء ولا يقترحه.

الذاكرة كإيقاع سردي

لا تشتغل الذاكرة في الوشم بوصفها عملية تذكّر خطي، بل كمجال تشكيلي يعيد بناء العالم من خلال استحضار الماضي بطريقة شعورية ووجدانية متقطعة. فهي تظهر في النص على شكل ومضات، طيفية ومتحركة، تتقاطع مع الأمكنة: البيت القديم، الزقاق، القرية، والتي تتحول بدورها إلى شخصيات سردية فاعلة، حاملة لندوب التجربة الجمعية وملامح الصراع الداخلي.

الذاكرة هنا ليست فقط مادة للسرد، بل آلية تتحكم بإيقاع النص، وتفرض على القارئ وتيرة خاصة في التلقي والتأويل. وهذا ما يمنح "الوشم" طابعًا مفتوحًا على تعدد القراءات، حيث يتشارك القارئ في إنتاج المعنى، لا في استهلاكه.

بين التعدد الصوتي والتأمل النفسي

يتجاوز الرباعي في بنائه السردي الصوت الواحد، ليقدّم نصًا تعدديًا من حيث زوايا النظر والأصوات الداخلية. الراوي لا يتحدث فقط بلسان الذات، بل يستحضر الجماعة، الماضي، والطفولة، كما يدخل في حوار داخلي مع ذاته، ما يمنح النص عمقًا نفسيًا وفلسفيًا. فالتمزق بين الموروث والطموح الحديث يتجلّى في هذه التعددية الصوتية، التي تعكس صراعًا داخليًا وتجربة وجودية لا تخلو من الأسئلة الكبرى حول المعنى والانتماء.

هذا الغوص في الذات لا يفصلها عن الجماعة، بل يجعلها بوابة لفهم التجربة الجمعية. فالألم الشخصي – كما في الحديث عن "الندبة التي لا يراها أحد" – يُعاد تأويله كألم تاريخي، ثقافي، جماعي.

المكان والبعد الثقافي السياسي

يحتل المكان في "الوشم" موقعًا جوهريًا، ليس بوصفه إطارًا للأحداث، بل كذاكرة حيّة، تحفظ الصراعات، وتستبطن التحوّلات. فالقرية والمدرسة والحي الشعبي تتحوّل إلى مكونات وجودية في تشكيل الراوي. إنها ليست مجرد جغرافيا، بل تاريخ حيّ، وأرشيف سردي.

كما يُحمّل الرباعي نصه دلالات ثقافية وسياسية عميقة، دون أن يسقط في المباشرة. فكل إشارة للسلطة، للرقابة، أو للهوية المملاة، تنبثق من التجربة الفردية لا من الخطابة. وهكذا يغدو النص مساحة نقدية للتأمل في أوضاع الإنسان العربي، وعلاقته بجسده، بانتمائه، وبالسلطة التي تطال حتى جلده.

بنية رمزية متماسكة

من منظور بنيوي، يشكّل الوشم وحدة دلالية مركزية، تتفرع منها معظم ثيمات النص: المنفى، الحب، الاغتراب، السلطة، الجسد، الوطن. تكرار الوشم وإعادة صياغته في أشكال مختلفة يخلق تماسكًا رمزيًا يجعل من النص نسيجًا دلاليًا غنيًا.

أما على المستوى الرمزي، فإن الوشم يكتسب أبعادًا أسطورية. إنه علامة بين المقدّس والمدنّس، بين المحرّم والمباح. لا يُفصح عنه تمامًا، لكنه حاضر في خلفية كل سرد، كأنّه "تابو" لا يمكن التخلّص منه، ولا مواجهته بالكامل.

خاتمة

الوشم ليس مجرد عمل سردي، بل نص يتجاوز حدوده ليصبح وثيقة فكرية وجمالية ترصد تشكّل الذات في علاقتها بالجسد، بالذاكرة، بالهوية، وبالمجتمع. عبقرية عبد القادر الرباعي تتجلّى في تحويل التجربة الشخصية إلى خطاب رمزي واسع، يحفر في طبقات النفس والثقافة معًا. إنه نص يكتب الألم بلغة الجسد، والهوية بالحبر الحارق لذاكرة لا تهدأ.

وبهذا، يمكن القول إن الوشم ليس سيرة ذاتية فقط، بل مشروع سردي ومعرفي، يعيد مساءلة الذات العربية في لحظات انكسارها وتمردها، من خلال علامة بسيطة – لكنها دالة – على جلد الإنسان.

***

ربى رباعي - الاردن

حين تصير الحساسية مِلاكَ الحُكم الجمالي

ليس النقد الأدبي علماً يُدار بمسطرة المنهج، ولا هو صنعة محايدة تُفرز الجمال كما تفرز الفيزياء الكتلة أو تزن الرياضيات المعادلات. بل هو، في جوهره، فنٌّ يقيس بالفؤاد، ويحكم بالذوق، ويتكئ على الحساسية بوصفها مرآة النفس وقدرتها على استقبال الإشعاعات الخفية التي لا يلتقطها العقل وحده. من هنا، يغدو الادّعاء بأن النقد الأدبي موضوعيّاً كالهندسة أو الكيمياء، خيانة لطبيعته الوجدانية، وتجريداً له من جوهره الحيّ.

لذا نبحث هنا عن الحساسية لا المنهج. وهو مفتاح الدخول إلى عوالم الأدب.

إنّ كلّ أثر أدبي، إذا ما جرّدناه من أثره فينا، من رعشته في أوتار وجداننا، غدا نصّاً ميتاً، حبراً على ورق. فليس النص الأدبي ما يُكتب، بل ما يُوقظ، ما يُلامس، ما يهزّ القارئ في منطقة لا يصلها سوى الفن. في هذا المستوى، يغدو النقد الأدبي استجابةً قبل أن يكون تحليلاً، ارتجافةً شعورية قبل أن يكون مقاربة تقنية.

لأنّ الحساسية تلك القدرة الغامضة على التنبّه لما يتوارى خلف الحروف، لما لا يُقال، لما يُوشك أن يُلمَح، هي جوهر ما به يحكم الناقد الجمالي على العمل، وهي وحدها القادرة على إدراك "النفَس" في النص، ذلك النسغ الخفي الذي يُضفي عليه الحياة. ولهذا، فإن الناقد، وإن تمرّس بالمناهج، يبقى طفلاً أمام الجمال إذا فقد الحساسية، وإذا جفّت فيه عروق الذائقة.

كون الذائقة كقوة استبطان وانحياز نبيل. فالذائقة ليست مزاجاً عابراً ولا محض تفضيل شخصي، بل هي حصيلة تراكم، وخلاصة ترقٍّ في القدرة على التلقي. إنها ذلك "الميزان الداخلي" الذي به تُوزن الأشياء لا بحسب ما تظهر عليه، بل بحسب ما تختزنه من عمق، من صدق، من توهّج. والذائقة الرفيعة هي الحساسية حين تنضج، حين تصبح قادرة على اقتناص المدهش في الخفي، وعلى تمييز النفيس من بين ركام المتشابه.

من هنا، لا يُعرض الأدب على الذائقة لأنّها تحكم تعسّفاً، بل لأنها تختزن خبرة الروح، وتمثّل ذروة التطوّر في التلقّي. وما قيمة أي عمل أدبي، إن لم يكن له أن يتسلل إلى الذائقة، أن يهزّها، أن يترك فيها أُثراً كأثر الحلم حين يوقظ ما كان نائماً في أعماق النفس؟

 النقد بين نزعة التفسير ورهبة التذوّق. لقد سعى بعض النقّاد إلى صبّ الأدب في قوالب صارمة من التحليل المنهجي، فأخضعوا النصوص لأبجديات بنيوية، أو قرأوها بعدسة تاريخية، أو سلطوا عليها مناهج تفكيكية، ظانين أن الفهم وحده يكفي، وأن التحليل قادر على الكشف. بيد أن النص الأدبي، في جوهره، لا يُفهم فحسب، بل يُحَسّ، ويُعاش، ويُكابد. وكم من تفسير أطفأ وهج القصيدة، وكم من تحليل حوّل الرواية إلى معادلة باردة!

إنّ النقد حين يغدو تفسيراً محضاً، يتحوّل إلى خطاب ثانٍ يبتعد عن روح النص، وربما يخونه. أما حين يكون تذوّقاً، استبطاناً، إنصاتاً للذبذبات الدقيقة في نسيج اللغة، فإنه يُنصف الأدب، ويعيد له مقامه بوصفه كياناً حيّاُ لا مجرد موضوع للتحليل.

من هنا كانت الذات كمرآة للمعنى، لا نقد بلا انفعال. فكلّ نقد، في نهاية المطاف، هو شهادة ذاتية. لا بمعنى العشوائية أو المزاجية، بل بمعنى أن الناقد، وهو يتفاعل مع النص، يكشف عن نفسه بقدر ما يكشف عن النص. ولئن كان كلّ علم يسعى إلى الموضوعية عبر نزع أثر الذات، فإن النقد الأدبي يبلغ ذروته حين تحضر الذات، لا بوصفها حاجزاً، بل بوصفها وسيطاً.

إنّ الذات القارئة هي التي تمنح للنص حياته الثانية. وهي في لحظة نقد تصير صدىً لما فيه من نبض. ومن هنا، فإن الاختلاف بين النقّاد ليس دليلًا على ضعف النقد، بل على قوته: إذ تتعدّد القراءات بتعدّد الحساسيات، وتتلوّن الأحكام بتنوّع الذوائق.

لذا فالشهرة لا تبرّر القيمة، والحكم للذوق لا للصيت. فكم من عمل أدبيّ شاعت شهرته، لكنه فارغ كقنينة لامعة؟ وكم من نصّ مهمل ظلّ صامتاً حتى تبنّته ذائقة أصيلة فبعثته إلى الحياة؟ إنّ المعيار في الأدب ليس الصدى، بل الصدق. وما من شيء أصدق من ذوق ناضج، حرّ، لا تشتريه الجوائز، ولا تُغويه الموضة.

ولذا، يظلّ العرض على الذوق هو المعيار الأصيل. ما قبله فهو خليق بالبقاء، ولو كُتب في ظلمة العزلة، وما رفضه فمصيره الذبول، حتى وإن تُوِّج بتصفيق المجامع وشُهر في المعارض. فإنّ الذائقة الحقّة لا تُخدع، لأنها لا تتعامل مع المظهر، بل مع الجوهر.

وهنا تبدو الحساسية بوصفها فنّاً للحكم وسرّاً في الرؤية.

النقد الأدبي، في مآله الأصفى، ليس علماً يُصنّف النصوص وفق معايير ثابتة، بل فنّاً ينصت إلى نغمة خفيّة في عمق الكلمة، ويكشف عن المعنى حيث لا يراه سواه. هو فنّ الإصغاء للحياة وهي تنبض في اللغة، وفنّ الحكم لا بالمنطق الصارم، بل بالذوق المُصفّى، والوجدان المفتوح، والروح المُدرّبة على الانفعال الصادق.

إن الحساسية الجمالية، بما هي اشتعال داخليّ واستجابة متوهّجة، تظلّ مناط القيمة في النقد. ومن لا يمتلكها، فليتأدب بالصمت أمام النصوص التي لا تُكاشف إلا من استوفى شرط الذائقة، ومن أعدّ ذاته لأن تكون وعاءً لرعشة الجمال، لا مختبراً لإطفائها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

قراءة تحليلية في نص (الجريمة والغياب) للشاعر والناقد العراقي القدير علاء الأديب

***

الجريمة والعقاب

أمشي في طريق الحبّ

كما يمشي المذنبُ نحو اعترافٍ مؤجَّل،

أخبّئ قلبي

في جيب معطفٍ ممزق،

أقول: لعلّ العابرين

يفهمون لغة الانحناء.

*

كلّ البدايات...

تشبه النورَ في زنازين الروح

رقيقةٌ.. مربكةٌ..

كضحكةٍ تسقط في بئر من البكاء.

*

هم أتوا

وفي حقائبهم ارتباكُ اللحظة الأولى..

وردٌ كثيرٌ لا يعيش أكثر من يوم..

دافئا كان صوتُهم ..

لكنّه لا يعرف الطريق

إذا طال المساء.

*

كنتُ أكتبُ رسائل لا تُرسل،

أُطعِم الغيابَ فُتاتَ الانتظار،

أرسم ظلّي

على حيطان مَنْ لم يلتفت.

*

كلّ اقترابٍ منهم

كان مصادفةً تُنكر نفسها،

نوبةَ احتياجٍ تتعلّق بأول جذع..

ثم تهرب حين تنبت لها أجنحة.

*

لم يحدث أن تخلى أحدهم عن يقينه

ليتقن مشيي المائل..

لم يقاسم أحدٌ رعشتي

أمام فكرة الرحيل.

*

لذا،

حين يُسأل عني الغياب،

سيجيب:

كان يُحبّ كأنّه يرتكبُ جريمة،

ولا أحد استحقّ

أن يُحاكمَ معه. فهو المجرم الوحيد

***

علاء الأديب

.....................

مدخل: صدى الروح في أروقة الحداثة

في فضاء الشعر العربي المعاصر حيث تتلاشى الحدود بين الذاتي والموضوعي وتتداخل أصوات الوعي مع صمت الوجود يبرز نص الشاعر علاء الأديب.

/ الجريمة والعقاب/ كصرخة مدوّية تعكس قلق الذات الحداثية وتوقها إلى فك شفرة تجاربها العميقة. ليس هذا النص مجرد قصيدة عن الحبّ أو الفقد بل هو محاولة جريئة لاستكشاف تضاريس الروح المعذبة والتي ترى في الحبّ /جريمة/ لا يشاركها فيها أحد ويصير فيها العقاب جزءاً أصيلًا من فعل الإحساس.

يتقاطع النص مع مفاهيم حداثوية كالعبثية وعزلة الفرد وتفكك السرديات الكبرى ليقدم لنا صورة للذات وهي تحاكم نفسها في محكمة الغياب، حيث لا قاضٍ ولا جلّاد سوى صدى الوعي المتذبذب

1- تحولات الوعي: الحبّ كـ / جريمة/ وعقاب /الوحيد/

يتجاوز النص الرؤية التقليدية للحبّ ليقدمه كتجربة وجودية معقدة تقارب في عنفها ووطأتها / لجريمة/ هذا التصور ليس مجرد مجاز شعري بل هو انعكاس لوعي حداثي يرى في العلاقات الإنسانية مصدراً للألم بقدر ما هي مصدر للسعادة وفي الانكشاف العاطفي نوعاً من المخاطرة الكبرى التي قد تؤدي إلى / عقاب/ الانفراد

اغتراب الذات وتصنيع /الجريمة

يفتتح الشاعر نصه بتشبيه المشي في طريق الحبّ بـ /المذنب نحو اعتراف مؤجل/ مما يضعنا مباشرة أمام مفهوم الذنب المتأصل في فعل الحبّ ذاته هنا الذنب ليس ناتجاً عن فعل خاطئ بالمعنى الأخلاقي بل هو شعور داخلي متأتٍ من هشاشة التجربة ووعي الذات بمسؤوليتها الكاملة عن مصيرها العاطفي إن / تخبئة القلب في جيب معطف ممزق/ هي محاولة بائسة لإخفاء هذا /الجرم/ أو ربما للتخفيف من وطأته لكنها تكشف في الوقت نفسه عن الانكسار والضعف.

/لغة الانحناء/ لا تُفهم من /العابرين/ مما يؤكد على عزلة الذات وعدم قدرة الآخر على اختراق عالمها الداخلي المعقد البدايات كـ / نور في زنازين الروح/: يقدم الشاعر صورة مضادة للبدايات الحداثية لا كفجر وواعد بل كـ /نور في زنازين الروح/ هذا التناقض الصارخ بين النور والسجن يشي بتجربة حبّ محاطة بالقيود الداخلية والشكوك /رقيقة مربكة كضحكة تسقط في بئر من البكاء/ هذه الاستعارة العميقة تجسد هشاشة اللحظات الأولى في مقابل حجم الألم الكامن. فالضحكة رمز الفرح لا تجد سبيلاً للبقاء سوى السقوط في بئر البكاء مما يعكس استحالة السعادة المطلقة في عالم الذات المعذبة

زيف الاقتراب وهشاشة الآخر:

تتجلى رؤية الشاعر للآخرين بوضوح في وصفه لهم بـ / ارتباك اللحظة الأولى/ و / ورد كثير لا يعيش أكثر من يوم/ هنا يتم نزع القدسية عن العلاقات الإنسانية فالآخرون لا يحملون سوى الوعود الزائفة والجمال المؤقت

/دافئاً كان صوتهم لكنّه لا يعرف الطريق إذا طال المساء/ هذه الجملة تكشف عن سطحية التواصل وعدم قدرة الآخر على تجاوز اللحظة الراهنة والانخراط في عمق التجربة الوجودية للذات خاصة عندما يمتد الألم أو / يطول المساء/

عبثية الانتظار وخطاب الغياب:

يعيش الشاعر حالة من العبثية الوجودية من خلال / كتابة رسائل لا ترسل/ و / إطعام الغياب فتات الانتظار/ هذه الأفعال تجسد غياب الأفق والغاية فليس هناك من متلقٍ حقيقي للرسائل والغياب لا يتغذى إلا على ما تبقى من أمل زائف / رسم ظلي على حيطان من لم يلتفت/ هو تعبير قاسٍ عن اللامبالاة والتجاهل حيث تحاول الذات أن تترك بصمتها في وجود الآخر الذي لا يعيرها اهتماماً مما يرسخ الشعور بالوحدة والعدمية

الاقتراب كـ / مصادفة تُنكر نفسها /: يؤكد الشاعر على طبيعة العلاقات المتقطعة والمنفصلة فالاقتراب ليس نتيجة رغبة حقيقية أو التزام بل هو / مصادفة/ تتبرأ من وجودها

إنها / نوبة احتياج تتعلق بأول جذع ثم تهرب حين تنبت لها أجنحة/ مما يصور العلاقات كنوبات مؤقتة من التشبث بالآخر تنتهي بمجرد أن تستعيد الذات حريتها أو تجد طريقها للهروب من الالتزام أو ربما من الألم

(المشي المائل) و(رعشة الرحيل):

يصل النص إلى ذروته في إبراز عزلة الذات وعدم فهم الآخر لها / لم يحدث أن تخلى أحدهم عن يقينه ليتقن مشيي المائل/ تعبير عن عدم قدرة الآخرين على التخلي عن قناعاتهم الراسخة والتكيف مع خصوصية الذات الشاعرية التي تسير / بمشي مائل/ خارج المسار المألوف

/لم يقاسم أحد رعشتي أمام فكرة الرحيل/ هذه الجملة تكشف عن قمة الوحدة في مواجهة القرارات المصيرية والألم الداخلي الذي لا يمكن للآخر أن يشاركه / جريمة/ الحبّ و/ المجرم الوحيد/: تختتم القصيدة بجملة صادمة ومكثفة تجيب على سؤال افتراضي يطرحه / الغياب/ عن الشاعر: / كان يحب كأنه يرتكب جريمة

ولا أحد استحق أن يحاكم معه فهو المجرم الوحيد/ هذه الخاتمة هي خلاصة الرؤية الحداثية للحبّ: فعل فردي بامتياز محفوف بالمخاطر وقد يؤول بالمرء إلى الشعور بالذنب والعزلة دون أن يشاركه أحدٌ تبعات هذا /الجرم/ إنها رؤية للذات المنفردة في مواجهة الكون التي تتكبد وحدها أعباء خياراتها وعواطفها وتكتشف أن أعمق مشاعرها قد تتحول إلى عبء ثقيل لا يمكن لأحد أن يتقاسمه معها هذا /المجرم الوحيد/ هو تجسيد للذات المعاصرة التي تحمل على عاتقها وزر وجودها وتكتشف أن أعمق مشاعرها قد تتحول إلى عبء ثقيل لا يمكن لأحد أن يتقاسمه معها.

2. تقنيات التعبير الحداثي وما بعد الحداثي في القصيدة

تتجاوز القصيدة السرد الخطي التقليدي وتوظف مجموعة من التقنيات التي تعكس حساسية حداثية وما بعد حداثية في التعبير:

التشظي واللاخطية: لا تتبع القصيدة مساراً سردياً واضحاً للحدث العاطفي بدلاً من ذلك تتنقل بين صور ومشاعر متقطعة تشبه الومضات أو الذكريات المتناثرة هذا التشظي يعكس حالة الوعي المضطربة وغير المستقرة للذات حيث لا توجد بداية واضحة ولا نهاية محددة للمعاناة.  كل مقطع يقدم جزءاً من الصورة الكلية لكن دون ربط منطقي صارم مما يترك للمتلقي مهمة تجميع هذه الشظايا.

التكثيف الشعري والصور المتناقضة:

يعتمد الشاعر على تكثيف المعنى في عبارات قصيرة ومكثفة مثل / نور في زنازين الروح/ أو / ضحكة تسقط في بئر من البكاء/ هذه الصور تجمع بين المتناقضات (النور -والزنزانة- الضحك -والبكاء) لخلق توتر دلالي يعكس التعقيد الداخلي للتجربة.  هذا التكثيف يدفع المتلقي إلى التوقف والتأمل في المعاني المتعددة والمحملة ضمن كلمات قليلة

المفارقة والسخرية المريرة:

يبرز عنصر المفارقة في النص من خلال التناقض بين التوقعات العاطفية والواقع المؤلم.  فالحب الذي يُفترض أن يكون مصدراً للفرح يتحول إلى /جريمة/ والبدايات المبهجة تصبح /زنازين/ هذه المفارقة تحمل في طياتها نوعاً من السخرية المريرة من هشاشة العلاقات البشرية وتكشف عن وعي الشاعر بعبثية بعض المساعي الإنسانية.

اللغة المجردة والرمزية:

على الرغم من وجود بعض الصور الحسية تميل اللغة في القصيدة إلى التجريد والرمزية. / الغياب/  /الانحناء/ /المشي المائل/ كلها مفاهيم لا تشير إلى أشياء مادية بقدر ما تشير إلى حالات نفسية ووجودية. هذا التجريد يجعل القصيدة أكثر انفتاحاً على التأويلات المتعددة ويمنحها بعداً فلسفياً يتجاوز التجربة الشخصية البحتة.

غياب الأنا والضمير المنفصل:

على الرغم من أن القصيدة تعبر عن تجربة ذاتية عميقة إلا أن الشاعر يستخدم في أحيان كثيرة ضمير الغائب / هم أتوا/

/ لم يلتفت/ / تخلى أحدهم/ يقاسم أحد/ هذا التحول من الأنا المتكلمة إلى ضمائر الغائب قد يشير إلى محاولة الشاعر لتشييء التجربة  أو لتصوير الذات كجزء من تجربة إنسانية أوسع. أو ربما كنوع من الانفصال النفسي عن الألم وفي النهاية يعود لضمير الأنا في الجملة الختامية / فهو المجرم الوحيد/ ليؤكد على مركزية الذات في تحمل العبء

3. العبثية والوجودية في فضاء القصيدة

تتقاطع القصيدة بشكل عميق مع تيمات الفلسفة العبثية والوجودية:

العبثية في السعي العاطفي: تعكس القصيدة إحساساً عميقاً بالعبثية في السعي نحو الحبّ والتواصل

فالرسائل لا ترسل والانتظار يغذي الغياب والآخر لا يلتفت هذه الأفعال المتكررة التي لا تفضي إلى نتيجة. أو التي تفضي إلى عكس المتوقع.  تجسد المفهوم العبثي الذي يشير إلى غياب المعنى والغاية في الوجود

الوحدة والعزلة الوجودية: المحور الأساسي الذي تدور حوله القصيدة هو الوحدة المطلقة للذات / لا أحد استحق أن يحاكم معه/ تؤكد على هذه العزلة الجذرية حتى في أكثر التجارب حميمية كالحب تجد الذات نفسها منفردة في تحمل الألم والعواقب هذه الوحدة ليست مجرد غياب للآخر  بل هي شعور عميق بأن الذات محكومة بقدرها الخاص الذي لا يمكن لأحد أن يشاركه  حرية الاختيار وعبء المسؤولية: على الرغم من الألم يمكن قراءة النص على أنه يعكس وعياً بالحرية الوجودية فالبطل / يمشي في طريق الحبّ/ باختياره حتى لو كان هذا الطريق يقود إلى /جريمة/ يتكبد هو وحده عقابها.  هذه الحرية تأتي بثمن باهظ وهو عبء المسؤولية الكاملة عن الذات وعن نتائج تجاربها مما يعزز فكرة / المجرم الوحيد/

خاتمة: بين الانفلات والاحتواء يبقى صدى الذات

في قلب / الجريمة والعقاب/ نجد صدى الوعي الحداثي وهو يصارع ليحتوي مفارقات الوجود. ليس النص مجرد قصيدة  بل هو مرآة تعكس تجربة الذات في زمن يتسارع فيه تفكك اليقينيات وتزداد فيه عزلة الفرد. لقد جسد الشاعر ببراعة الألم الوجودي وحوّل الحبّ من تجربة رومانسية بحتة إلى / جريمة/ فردية يحاكم فيها المرء نفسه بنفسه ويدان بذنوب ليست له في الواقع سوى أنها تهمة الحبّ ذاته. لقد أتقن المبدع الأديب استخدام تقنيات التشظي والتكثيف والمفارقة لتجسيد هذا العالم الداخلي المعقد مما جعل القصيدة نصاً مفتوحاً على قراءات متعددة يعكس بصدق حالة الوعي المعاصر في عالم تتلاشى فيه المعاني ويهرب فيه الآخر من المشاركة الحقيقية.  تبقى الذات هي السجن والقاضي والمدان. إنّ هذا النص يمثل دعوة صادقة للتأمل في هشاشة الوجود الإنساني.  وقسوة التجربة العاطفية في عالم لا يُبقي للحب أحياناً إلا أثر / الجريمة/ التي يرتكبها قلبٌ وحده وهو ما يجعله نصاً شعرياً بامتياز.  يتجاوز حدود القصيدة الغنائية ليلامس عمق التجربة الفلسفية المعاصرة

أبدعت ايها القدير

***

انجاز: مرشدة جاويش

 

قِرَاءَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ فِي مَجْمُوعَةِ رِضْوَانَ عَاشُورَ (نجوى)

تَقْدِمَةٌ: القَصِيدَةُ بِوَصْفِهَا صِرَاعًا وَشَهْقَةً"

اِسْتِهْلَالاً لَمْ تَتَيَسَّرْ لِي فُرْصَةُ الإِحَاطَةِ الكَامِلَةِ بِمَجْمُوعَةِ "نَجْوَى" لِلشَّاعِرِ الفِلَسْطِينِيِّ رِضْوَان عَاشُور، بِحُكْمِ ظُرُوفِ النُّزُوحِ وَتَقَلُّبَاتِ الوَطَنِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَحُولُ بَيْنَ القَارِئِ وَنَصِّهِ. إِلَّا أَنَّ اقْتِرَابِي مِنْ نَصُوصِهِ كَانَ اقْتِرَابَ المُدْرِكِ لِجَمْرَةِ الإِبْدَاعِ، وَصَدَاهَا فِي نَبْضِ اللُّغَةِ وَمَغْزَاهَا، وَهُوَ اقْتِرَابٌ مَلِيءٌ بِالإِحْسَاسِ وَالمَعْرِفَةِ، وَإِيمَانٌ أَكِيدٌ بِأَنَّ مَا كُتِبَ فِي "نَجْوَى" لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نَصٍّ، بَلْ مَقَامُ شَهِيقٍ شِعْرِيٍّ فَاتِنٍ، يَنْفَتِحُ عَلَى الغَزَلِ كَمَا يَنْفَتِحُ عَلَى أَشْوَاكِ الوَطَنِ، وَهُوَ صِرَاعٌ جَمِيلٌ وَجَارِحٌ فِي آنٍ مَعاً

/ تَتَسِمُ نُصُوصُ المَجْمُوعَةِ بِانْحِيَازِهَا النَّاعِمِ وَالحَادِّ فِي آنٍ نَحْوَ الأُنْثَى لَا بوصْفِهَا مَعْنًى غَزَلِيّاً فَحَسْب بَلْ بِوَصْفِهَا مُجَازَ الوَطَنِ وَجِسْرَ العَطَاءِ وَفَيَضَ الكَائِنِ وَالذَّاكِرَةِ. وَيَجْمَعُ الشَّاعِرُ فِي نَصِّهِ بَيْنَ طَرَفَيْ  /المُعَادَلَةِ الجَارِحَةِ: المَكْبُوتِ العَاطِفِيِّ وَالمَسْكُوتِ الوَطَنِيِّ فَيُقَدِّمُ لُغَةً تَتَّسِمُ بِالشَّفَافِيَّةِ وَالمُرَاوَغَةِ، وَتَرْفُضُ أَنْ تَسْقُطَ فِي التَّعْبِيرِ الفَجِّ أَوِ المُبَاشِرِ، فَتَأْتِي كَنَصٍّ يُبْهِرُ وَيُرْبِكُ وَيُشَاغِبُ.

فِي مُوَاجَهَةِ الْمَجْمُوعَاتِ الشِّعْرِيَّةِ الَّتِي تَنْشَأُ مِنْ جُرْحٍ وَطَنِيٍّ مَفْتُوحٍ، يَصِيرُ التَّعَامُلُ مَعَ النَّصِّ لَا بِوَصْفِهِ مُنْتَجاً جَمَالِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ بِوَصْفِهِ وَثِيقَةً وِجْدَانِيَّةً، وَمِرْآةً لِتَجْرِبَةٍ تُؤَنْسِنُ الْقَضَايَا الْكُبْرَى دُونَ أَنْ تُخْضِعَهَا لِنَمَطِيَّةِ الْمُبَاشَرَةِ. وَمِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ  / تَنْفَتِحُ مَجْمُوعَةُ "نَجْوَى" لِلشَّاعِرِ الْفِلَسْطِينِيِّ رِضْوَانَ عَاشُورَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أُفُقٍ دَلَالِيٍّ وَشُعُورِيٍّ، بَدْءاً مِنَ الْغَنَائِيَّةِ الْمُشْبَعَةِ بِرُوحِ الْأَرْضِ وَصُولاً إِلَى الِانْخِطَافِ بِعَوَالِمِ الْأُنْثَى كَكائِنٍ رَمْزِيٍّ يَتَقَاطَعُ فِيهِ الْجَمَالِيُّ بِالْوَطَنِيِّ وَالرُّوحِيُّ بِالْوُجُودِيِّ.

شَاعِرِيَّةٌ تَنْبِضُ بِالْحُرْقَةِ وَالْجُرْأَةِ

وَإِذَا كَانَ الظَّرْفُ الْمَوْضُوعِيُّ  بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ نَفْيٍ وَنُزُوحٍ  قَدْ حَالَ دُونَ الِانْكِبَابِ الْكَامِلِ عَلَى الْمَجْمُوعَةِ بِدِرَاسَةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ، فَإِنَّ الِاقْتِرَابَ الْأَوَلِيَّ مِنْهَا، حَتَّى لَوْ جَاءَ عَلَى عَجَلٍ، يَكْشِفُ عَنْ شَاعِرٍ يَمْتَلِكُ حُرْقَةَ الْقَوْلِ، وَجُرْأَةَ الْكَشْفِ، وَحَسَاسِيَّةَ اللُّغَةِ الَّتِي لَا تُصَنَّفُ تَحْتَ لَافِتَةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ أَوْ سُكُونِيَّةٍ. إِنَّهُ يَكْتُبُ مِنْ مَكَانٍ مُكْتَظٍّ بِالذَّاتِ، مُثْقَلٍ بِالْمَرَارَةِ، مَحْكُومٍ بِضَرُورَةِ الْبَوْحِ، وَمَفْتُوحٍ فِي آنٍ عَلَى التَّأْوِيلِ وَالتَّعَدُّدِ.

/ ثُنَائِيَّةُ الْأُنْثَى/الْوَطَنِ: تَجْسِيدٌ فَرِيدٌ لِلِانْتِمَاءِ

تَنْبَنِي الْمَجْمُوعَةُ عَلَى قُطْبَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، مُتَعَانِقَيْنِ فِي الْعُمْقِ: الْأُنْثَى/الْوَطَنِ. وَفِي حِينٍ قَدْ تَبْدُو هَذِهِ الثُّنَائِيَّةُ مَأْلُوفَةً فِي الْقَصِيدَةِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ، فَإِنَّ عَاشُورَ يَذْهَبُ بِهَا إِلَى مَنْحَى خَاصٍّ، إِذْ لَا يُقِيمُ فَاصِلًا بَيْنَ الْحَبِيبَةِ وَالتُّرَابِ، وَلَا يَجْعَلُ مِنَ الْوَطَنِ نَشِيداً بَلَاغِيّاً يُرْفَعُ بَلْ كَيَاناً مَحْسُوساً يُحْتَضَنُ، يُشْتَهَى يُجْرَحُ وَيُضَمَّدُ

 وَمِنْ هُنَا تَأْتِي نَبْرَتُهُ الْمَاكِرَةُ الَّتِي تُوَظِّفُ الْغَزَلَ بِوَصْفِهِ طَرِيقَةً لِلْقَوْلِ، أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ غَايَةً لِلْبَوْحِ، وَتُضَمِّنُ الْجَسَدَ حُضُوراً اسْتِعَارِيّاً رَقِيقاً دُونَما تَفَلُّتٍ مِنِ اتِّزَانِ اللُّغَةِ وَمَسْؤُولِيَّةِ الرَّمْزِ

ثُمَّةَ مَا يُشْبِهُ "الِاحْتِرَافَ الْعَاطِفِيَّ" لَدَى رِضْوَانَ عَاشُورَ، لَا بِمَعْنَى التَّزْيِيفِ أَوِ الْأَدَاءِ، بَلْ بِوَصْفِهِ اقْتِدَاراً عَلَى تَطْوِيعِ اللَّحْظَةِ الشَّخْصِيَّةِ لِتَسْتَحِيلَ حَالَةً إِنْسَانِيَّةً جَامِعَةً

فَالتَّجْرِبَةُ الْيَوْمِيَّةُ كَمَا تَظْهَرُ فِي بَعْضِ نُصُوصِهِ لَا تَبْقَى أَسِيرَةَ الْيَوْمِيِّ  بَلْ تَتَحَوَّلُ عَبْرَ التَّشْكِيلِ الشِّعْرِيِّ إِلَى  سُؤَالٍ جَمَالِيٍّ مُتَوَتِّرٍ: عَنْ مَعْنَى الِانْتِمَاءِ، عَنْ حُدُودِ الْغِيَابِ، عَنْ لَذَّةِ التَّذَكُّرِ، وَعَنِ الْخِيَانَةِ بِوَصْفِهَا سُؤَالاً وُجُودِيّاً أَكْثَرَ مِنْهَا حَدَثاً عَابِراً.

لُغَةٌ تُنَاوِرُ وَتُكَثِّفُ: بِنْيَةٌ حَدَاثِيَّةٌ مُقَاوِمَةٌ لِلِاسْتِهْلَاكِ

اللُّغَةُ فِي "نَجْوَى" لَا تَعْلُو عَلَى مَعْنَاهَا، لَكِنَّهَا لَا تُسَلِّمُهُ بِسُهُولَةٍ أَيْضًا. بَلْ تُرْبِكُ الْمُتَلَقِّيَ بِلَذَّةٍ تَدْفَعُهُ لِلتَّوَرُّطِ فِي الْعِبَارَةِ

 لَا مِنْ بَابِ الْغُمُوضِ الْمَجَّانِيِّ بَلْ مِنْ بَابِ بِنْيَةٍ شِعْرِيَّةٍ تَمْلِكُ حَرَارَتَهَا الدَّاخِلِيَّةَ وَتَعْرِفُ كَيْفَ تُخْفِي أَكْثَرَ مِمَّا تُصَرِّحُ

 إِنَّهَا لُغَةٌ تُنَاوِرُ، تُكَثِّفُ، تُسْقِطُ، وَتُلَوِّحُ أَكْثَرَ مِمَّا تُمْسِكُ، وَهِيَ فِي هَذَا كُلِّهِ تَنْحُو نَحْوَ بِنْيَةٍ حَدَاثِيَّةٍ قَادِرَةٍ عَلَى مُقَاوَمَةِ الِاسْتِهْلَاكِ

فِلَسْطِينُ: حُضُورٌ وُجُودِيٌّ وَمُقَاوَمَةٌ شِعْرِيَّةٌ

فِي بُعْدِهِ الْوَطَنِيِّ، يَبْدُو الشَّاعِرُ مَسْكُوناً بِقَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ لَا بِوَصْفِهَا شِعَاراً بَلْ بِوَصْفِهَا لَحْظَةً وُجُودِيَّةً لَا مَهْرَبَ مِنْهَا يَكْتُبُ مِنْ دَاخِلِ الْجُرْحِ، لَا مِنْ فَوْقِهِ، وَيُسَجِّلُ فِي قَصَائِدِ الْمَجْمُوعَةِ وُقُوفاً صَلْباً فِي وَجْهِ الْتِبَاسَاتِ الزَّمَنِ وَمُرَاوَغَاتِ التَّارِيخِ، كَمَا لَوْ أَنَّ الشِّعْرَ عِنْدَهُ فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ لَا يَقِلُّ عَنْ حَمْلِ السِّلَاحِ. إِنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِتَمْجِيدِ مَنْ نَافَحُوا بِبَسَالَةٍ، بَلْ يَجْعَلُنَا نُشَارِكُهُمُ الْمَعْنَى، نَحْمِلُ مَعَهُمْ خَيْبَاتِهِمْ وَبُطُولَاتِهِمْ، نَذْرِفُ بِصَمْتِهِمْ دَمْعاً مُتَخَيَّلاً وَنُحِسُّ مَعَهُمْ خَدَرَ الِانْتِمَاءِ حِينَ يَصِيرُ الْحُلْمُ وَعْياً سِيَاسِيّاً وَشِعْرِيّاً فِي آنٍ.

 الْأُنْثَى: رَمْزٌ لِلْخَلَاصِ وَالِانْبِعَاثِ

أَمَّا حُضُورُ الْأُنْثَى فَهُوَ مَائِزٌ أَسَاسٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ، لَكِنَّهَا لَا تَأْتِي بِوَصْفِهَا اسْتِجَابَةً لِحَنِينٍ جَسَدِيٍّ فَحَسْبُ، بَلْ كَصُورَةٍ اسْتِعَارِيَّةٍ تَتَّسِعُ لِتَشْمَلَ مَعَانِيَ الْخَلَاصِ وَالِانْبِعَاثِ وَالْوِلَادَةِ وَالِانْهِيَارِ. إِنَّ عَاشُورَ لَا يُقَيِّدُ أُنْثَاهُ بِشَكْلٍ أَوْ نَمَطٍ شِعْرِيٍّ وَاحِدٍ، بَلْ يَمْنَحُهَا حُرِّيَّةَ التَّجَلِّي ضِمْنَ أَنْمَاطٍ شِعْرِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنَ النَّثْرِ الْمَوْزُونِ إِلَى التَّفْعِيلَةِ الطَّلِيقَةِ، مِمَّا يَعْكِسُ وَعْيًا بِالشَّكْلِ بِوَصْفِهِ حَامِلًا لِلْمَعْنَى لَا قَالَباً جَاهِزاً لَهُ.

"نَجْوَى": دَعْوَةٌ لِلتَّأَمُّلِ وَالتَّوَاطُؤِ الْوِجْدَانِيِّ

فِي نُصُوصِ الْمَجْمُوعَةِ، تَلْتَقِي الْفَلْسَفَةُ بِالْحِسِّ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالشَّهْوَةِ، وَالْمَوْقِفُ الْجَمَالِيُّ بِالْمَوْقِفِ الْوُجُودِيِّ. وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا مَا يَجْعَلُ مِنْ "نَجْوَى" مَجْمُوعَةً لَا تُقْرَأُ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تَقْتَضِي عَوْدَةً وَتَأَمُّلًا وَتَوَاطُؤاً وِجْدَانِيّاً مَعَ ذَاتٍ تَصْرُخُ حِيناً وَتَهْمِسُ حِيناً وَتَلُوذُ بِالشِّعْرِ دَائِماً

إِنَّ رِضْوَانَ عَاشُورَ لَا يَنْتَمِي إِلَى شِعْرِ الْمُنَاسَبَةِ أَوِ التَّهْوِيمِ، بَلْ هُوَ فِي مَا نَقْرَأُ شَاعِرُ مَوْقِفٍ، وَفِكْرٍ، وَلُغَةٍ، وَتَوَتُّرٍ جَمَالِيٍّ يَعِي مَسْؤُولِيَّتَهُ

 وَهُنَا تَبْرُزُ جَدَارَةُ انْتِمَائِهِ إِلَى طَلِيعَةِ الْكَلِمَةِ الْفَاعِلَةِ، حَيْثُ الشَّاعِرُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ شَاهِداً عَلَى الْخَرَابِ

 بَلْ شَرِيكاً فِي تَجَاوُزِهِ، أَوْ لَنَقُلْ: مُغَامِراً بِوَسَائِلِ التَّعْبِيرِ لِيَخْلُقَ مِنْ هَشِيمِ الْوَاقِعِ جَمْرَةَ شِعْرٍ لَا تَنْطَفِئُ

***

مرشدة جاويش

تمحور هدف هذه المقالة حول فهم وسبر غور طبيعة النصوص الشعرية وقصائد ناظم التورنجي النثرية. وذلك لأن الإبحار في عالم أبو حازم التورنجي كما يحب أن يكني نفسه مسألة ليست سهلة وذلك لتعدد مواضيع هاتين المجموعتين التي بين يدينا حسب التسلسل الزمني لصدورهما. الأولى بوح الغربة الصادرة في العام 2023 من قبل دار نشر مطبعة الشاعر في البصرة والثانية رسائل غربة الصادرة في العام 2024 من قبل مطبعة الشاعر أيضا في مدينة البصرة ثغر العراق الباسم.

تنقل وأقام أبو حازم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في عدد من الدول العربية وأوروبا الشرقية ومن ثم في كردستان العراق ضمن قوات الأنصار الشيوعيين العراقيين، عاكسا في نصوصه وقصائده الشعرية والنثرية الأحداث السياسية والاجتماعية التي عايشها بجميع جوارحه وأحاسيسه طالما أن الانسان وليد بيئته التي يحن اليها وهو يعكس دائما هموم أناسها وساكنيها من خلال ترجمة هذه الحوادث الى نصوص شعرية سهلة القراءة والفهم من قبل جمهوره الواسع الذي يتفاعل معه في المهرجانات الثقافية سواء كانت في العراق أو في مصر الكنانة أو في تونس أو في دول الخليج العربي والدول الاسكندنافية في السويد والنرويج والدنمارك وفنلندا.

يتميز أسلوب أبو حازم الحماسي وطريقة قراءته للنصوص والقصائد الشعرية التي تشد الجمهور اليه بالتفاعل مع موضوعة القصائد التي تعبر عن إحساس الجمهور واعجابه بها. ولهذا ترى انشداد المتواجدين في القاعة اليه مما يضفي على جو الاحتفال الارتياح والبهجة والسرور بمعنى كلماته الثورية والحماسية وانتقاد الوضع القائم من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق.

كما يشغل الشعر الوجداني والغزل حيز لا بأس به في هاتين المجموعتين. ولهذا نورد بعض الأمثلة من نصوصه الشعرية.

من النصوص الشعرية المهمة في بوح الغربة هي قصيدة جسر الزيتون الذي كتبها ناظم زغير التورنجي تمجيدا لانتفاضة الشباب المناضل من أجل مستقبل أفضل حيث يقول في مقدمتها: انحناء واجلالا وتمجيدا لشهداء جسر الزيتون في الناصرية في الذكرى الثالثة التي تصادف يوم الاثنين 28 تشرين الثاني 2023 ص35-37.

يا جسر الزيتون تكلم

هل من بقايا ذكرى لوجوه

غادرتك دامية؟

بلا ذنب بلا معصية

لجيل يروم الحرية

يا جسر الزيتون

هل لحكاية هذا الوطن المستباح

من خاتمة وبقية؟ٍ

لم يعد في حضن الام بعد

ذي العشرين ربيعا

امنية يا جسر الزيتون

تظل قضبانك مصبوغة

بدم الشبان وإن أعادوا صبغها

بكرة وعشية

يا جسر الزيتون

وقد غدوت محرابا وقبلة

ما بقيت من العمر بقية

تتوارث ملحمتك ضمائر بقية

ومن قصائد بوح الغربة أيضا – حقائب سفر ص 74-76

أهرع لمدن نستني وما نسيتها

بحثا عن دفء به شيء من دفء أمي

مر سريعا قطار زمني

ولم يقف عند محطة الاحلام

بل كانت مجرد أوهام

ظلت امتعتي تدور معه

في المحطات الغريبة والبعيدة

ركاب لا اعرفهم

ركاب اعرفهم ولا يعرفوني

ركاب لا يريدون ان يعرفوني

غريبة هي روائح أجساد

لم تتطهر بغدير الفراتين

لا تلمني يا صاحبي

ان عجلت السفر

فقطار العمر مازال يخترق الآفاق

وحقائبي ما زالت فيه والدنيا ما عادت

كما رسم معالمها الاباء والأجداد

ولا شيء يثقل كاهلي

غير الاسفار وحيدا

ومشاعري حبيسة في حقائب السفر

ومن المواضيع التي كتب عنها أبو حازم هي التغرب وانتشار العراقيين في المنافي:

جيل الغربة ص80-82

غرباء عاشوا في الوطن

وغرباء عاشوا في المنفى

غرباء هم هنا وهناك

هناك حملوا أماني للوطن

وهنا ماتوا غرباء

يملأ عيونهم طيف

بوطن ليس كهذا الوطن

الطاعن و المطعون

وليت تلك الامنيات وهذه الاحلام

لا تغدو سنبن وأرقام في حساب شائك مربك

جيل يندثر تحت ركام الأماني

والأحلام المستحيلة

وجيل يتحاشى الاقتراب من لوعة الكهول

في الأرقام المتشابكة لسنوات العمر في محطات

ويستمر ناظم زغير في عكس الحالة النفسية التي مر بها بعد خروجه من المعتقل في شهر آب 1980 ص 83- 84

حين خرجت من المعتقل حطاما

تهاويت في حضن امي وبكيت

وبكت هي الأخرى قائلة :

(يا وسفة) على الرجل يبكي لجراح في الجلد

هل نسيت درب أبيك؟

كم كان معبدا بالآلام معمدا بالدم!؟

يا أمي أنا لا أبكي

بل روحي تتوجع وتتشنج

على مكتبة كمملكة ورسائل عشق سرية

وحكايات غرام لمساري

صادرها الجهلة الأوغاد

وقد أفنيت السنوات في بنائها

كما يبني الطير عشه

وينتقل أبو حازم الى نص شعري غزلي، ص 94-96 نقتبس منه بعض الأبيات:

صليب بين نهديها والمسيح

يلجمني يكبلني

يهز يطيح بما تبقى لي

من كياسة و وقار

فكيف بي أن أستكين وأستريح

أنا عاشق سيدتي فهل من خطيئة

أن يعشق الكهل

وهل القلوب مختومة بختم الأديان؟

مغرم ومتيم وتائه في البطاح

فهل يرضيك

حبس البوح في دهاليز الأرواح؟

فإن كان كذلك

فقولي لي كيف هو الخلاص؟

وأي قس يقبل اعترافي وتوبتي؟

وكل شيء في نفسي لهواك مباح

أيبقى حبي في صمت محتبس؟

لا ألومك فيه فالذنب ذنبي

ما زلت بقلب نزق

لا يعرف يعتنق العشق ديناً ومعتقداً

لا يركن إلاً لوجهك قبلة

لا يرى سواه وجها

ملائكياً بين الملاح .

كما أن الوطن موجود في نصوص أبو حازم دائما كما هو في النص التالي الذي نقتبس منه بعض الأبيات:

أنت وطني وانتمائي الأوحد ص 102-104:

لم يبق لي سواك من وطن

بل أنت آخر الاوطان

فكل الأوطان التي زرعتها في ذاكرتي

كان بعضها وهما

والآخر مجرد خيبات

تتلو خيبات في الزمن المرً

في أحضانك عرفت روحي موجات الحب

وهوية عشق أبدي

وقبلك لم أعرف

سوى وريقات تمنح للمساكين من المنفيين

طوعا أو قسرا

فهل عرفت الان لم أنا بك معتصم؟

ولا شيء يستحق انتمائي سواك

ولا شيء جدير بولائي غير همساتك.

لم يترك الشاعر ناظم التورنجي موضوع الغربة بعيدا، فقد عاد اليه مرة أخرى في مجموعة رسائل غربة: تأملات عند أبواب الغربة ص 11-14

إلى من كان معي عند الحدود

في الذهاب والإياب

أطرق ذات الأبواب ثانية هنا وهناك

ارتحلت ويا ليتني لم أرتحل

وعدت ويا ليتني لم أعد

أنا الغريب في ذاك الوطن

وأنا الوطن في هذه الغربة

وطن وأي وطن!؟

فما عاد كذلك الوطن

كابوس في الحلم وخربة في الصحو

فهل سيعذرني من علمني في الصغر معنى الوطن؟

وهل يفهمني من ذاق هذا الطعم؟

آه، ما أشق هذه العذابات يا أحبتي هناك

ننتقل الى رسالة أخرى، ومضة في مطارات الغربة

كم من البحار ستعبر لهناك

كم من الحدود ستتخطى

ما الذي يحدوك كي تسرع في خطاك

كم من رجال والجمارك والأمن

يسألونك الوجهة والغرض

ولم أنت بلا حقائب

ولا أ متعة معلمة الأوصاف

إني أحمل وطني والحمل ثقيل

ألا يكفي ذلك؟

وطن يحتل القلب ويملأه

وإذ ذاك هويتي وجواز مروري

يا هذا المسكون بالأسئلة الصماء

أيها الموزع المتشظي أما كفاك؟

وهكذا يتجلى شاعر الغربة في نثرية أخرى يتكلم فيها عن الأحلام الباهتة ومفردات صلاته في محراب اليقين ونزق الهوى وسهد الليالي من الكياسة والفطرة النبيلة مع الخط في الرمال بوجود الجراح الغائرة في الجسد وهو يناجي صاحبه حينما يرقص على أنغام ما عاد لها ذكر في السلم الموسيقي للعازفين على رفسات الأجساد المذبوحة من القفا. ومع ذلك يبقى يحلم ويحلم وهو يسأل هل أن الحلم كثير عليه بغض النظر من أن كل المدن لفظته وغادرها بخيبة لا تحمل شيئا من هوية روحه المختومة بهاجس البحث عن بصيص ضوء في العتمة لا الخدمة في قصور السلطان وهو يرجو صديقه أن يتركه يتدثر بلحاف الحلم فلكل منهما حلمه، نثرية حلمي أنا ص18-21 ، رسائل غربة.

من رسائل الغربة نقرأ أيضاً رسالة عانقيني ص 39-41.

يعود صديقنا ناظم زغير مرة أخرى الى شعر الغزل الوجداني في قصيدة عانقيني

ص39-41. نقتبس جزء منها:

تعالي وعانقيني

عانقيني بقوة، بعنف مثلما تشتهين

فمنذ زمن بعيد وأنا أحلم بك

وبعناق كعناق جندي عاد للتو من حرب

عانقيني ودعي أجسادنا تلتقي بل وتلتحم

ولنودع السنة بعناق يذيب

ثلوج غربة روح تحاصرني

لا تتأسي وتواسيني

إذا ما اختلت دقات قلبي

فعناقك هو البلسم لهذا القلب

المضطرب النبض.

وينتقل أبو حازم التورنجي الى موضوع تراكم الثلوج ولكن بمعنى آخر. حيث يربطه بشجرة العمر والأحزان التي تتكدس في أودجة قلب كسير. هذا ما جاء في رسالة عنوانها عبث شتاء مازال في الصفحات 42-43. حيث يتناول موضوع ولاءات العصر المشؤوم وراقصات الفحش والحاصلين على الريع النفطي لأن كل ما هو موجود في باطن الأرض يعود لهم:

الحكايات البليدة من زمن الانكسارات

وهزائم شيوخ العبادات الصنمية

والاسئلة تتطاير في كل الأنحاء

تبحث عن أجوبة تسد الأفواه الفاغرة

من هول المهزلة المتجددة

عند حدود أرصفة اختلطت

أصباغها الزيتية بالدم القاني

والعويل ما زال يهدر

من أطراف الأكواخ وبيوت طينية

تزدحم على جدرانها

صور من رحلوا غيلة وغفلة وقسرا

والناعي ينسى الأسماء والتواريخ

متوهما بأسعار صرف العملات

في سوق مهرجي الولاءات الرخيصة

وعجائز الحي يتفكهن عصر كل يوم

بحكايات زواجات العهد المشؤوم

من راقصات الدرجة الرابعة.

هناك مواضيع كثيرة كتب عنها ناظم زغير في رسائل غربته منها على سبيل المثال لا الحصر:

- في ذكرى رحيل الصديق والرفيق العزيز صمد المباغت

- العيد المزور

- زمن الفواجع المتواصل

- الوطن المستباح

- عناق وقبلة

- أنا هنا

- صخب الجوقة

- الشهداء يعودون

- الناس والنخل والصمت

أختم هذه المقالة بالقول أن هاتين المجموعتين للشاعر الصديق أبو حازم التورنجي تستحقان الثناء والتقدير كونهما تعكسان تجربة انسان عايش وعاصر أحداث حياتية بين المدينة والجبل وفي مختلف أصقاع الدنيا. طوبي لهذا الانسان المكافح من أجل حرية الانسان والعيش بكرامة بين أبناء جلدته أينما كانوا في الوطن وفي المهجر.

***

د. سناء عبد القادر مصطفى

رواية عين التينة للدكتور صافي صافي الصادرة عن الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين في رام الله العام2025. يمكن تجنيسها ضمن باب أدب الرحلات وإن كانت مطعمة بعض اللقطات ذات النكهة السياسية. فعلى خطى غسان كنفاني العائد إلى حيفا نجد حنان تصرح بأنها عائدة إلى بيسان وتردد مع فيروز أغنيتها المحببة خذوني إلى بيسان، "كانت لنا من زمان بيارة جميلة وضيعة ظليلة ينام في افيائها نيسان".

توضح لنا حنان تعلقها بمدينتها وتفضيلها حتى على باقي المدن الفلسطينية بما فيها القدس وما تعنيه القدس فبرغم حبها للقدس إلا أنها تقول: "لكنني جئت من أجل بيسان".

إمتازت الرواية بلغة سلسة ورشيقة وإقتصرت شخصياتها الرئيسة على حنان ورفيقها السارد إلى جانب بعض الشخصيات الثانوية مثل وحيد الجولاني وابو المجد والراقصة مها. وكان الأسلوب السردي هو الطاغي إلى جانب بعض الحوارات والتساؤلات التي بقيت دون أجوبة واضحة. فمثلا في أحد الحوارات بين بيسان ورفيقها السارد تسأله: هل سيرحلون؟ هل سنرحل؟هل نبقى جميعنا؟ هل يقبلوا بنا ليعيشوا بيننا ونعيش بينهم؟ فيكون جوابه لست أدري، لقد مرت عقود ونحن نناقش هذه الإفتراضات دون ان نحصل على أجوبة شافية. كما تشير الرواية إلى ما يشبه الضياع او انعدام الرؤية حول القضية الأم فتقول: مرت علينا فترة مراهقتنا وكنا نعتقد اننا نملك الإجابة لكل سؤال، فرحنا نفترض أسئلة وأجوبة. كنا واثقين أن ثورتنا ستنتصر لقد كنا مراهقين، واليوم نردد عبارة لست أدري ونخشى ان تكون هذه العبارة دليل إحباط وقنوط. فماذا نسمي الإنشقاقات المتتالية في حركتنا الوطنية؟ ماذا نسمي انتقالنا قسرا وجهرا من ساحة إلى أخرى؟.

المكان كان حاضرا في هذه الرواية والأمكنة بالنسبة للفلسطيني راسخة في ذاكرته ووجدانه، فبدلا من أن تحكي حنان قصص الأطفال لأحفادها فقد كانت تستبدلها بقصص عن مدينتها بيسان حتى يبقى الوطن في ذاكرة الأجيال المتعاقبة. وتظهر لنا الرواية تعلق حنان بمدينتها بيسان وإصرارها على زيارتها ورؤية ما بقي من بيوتها وإن كانت مهدمة ولا تريد أن ترى المدن التي استحدثها الإحتلال رغم جماليتها وحداثتها، فبيسان بالنسبة لها هي القفص الذهبي الذي تعيش فيه، فهي ترى الوطن كله من خلال بيسان. وتعبر عن هذا الحنين بالقول: جئنا لنقف على أطلال بلادنا، ونبحث عن ظلال الذين رحلوا، ونشتم رائحة الماء والتراب والحجارة. وتعود بالذاكرة إلى سوق الخميس والبيادر في بيسان وساحتها التي تقام فيها الأعراس. وعندما شرح لها رفيقها السارد كيف أن الإحتلال قام بتجفيف بحيرة الحولة لإفراغ المنطقة من سكانها أجابته: لن يستطيعوا أن يجففونا حتى ونحن في الشتات.

وللدلالة على التمسك بالهوية الفلسطينية يصف السارد مدينة رام الله بأنها "مدينة كل المدن والقرى الفلسطينية" حيث ان واجهات محلاتها تزدان بذكر أسماء العائلات المرتبطة كل منها باسم مدينة أو قرية مثل اللداوي، الحيفاوي، الرملاوي، الطيراوي وغيرها.. وكأن هذه المحلات تمثل سفارات او ممثليات لتلك القرى والبلدات. وخلال رحلة حنان برفقة السارد كنا امام توصيف للأماكن، فيحدثنا السارد عن عين التينة فيقول: إنها عين التينة الثابتة الصابرة تقف منتصبة على حدود هضبة الجولان وتطل على سهل الحولة. وهي إحدى أهم عيون الماء وسميت بعين التينة نسبة لأشجار التين التي تملأ المكان. وقد جرى احتلالها إثرعملية يفتاح في شهر أيار 1948، وهي منطقة تكثر فيها الينابيع وأهمها نبع الدرباشية. ولم يكتف السارد بوصف الأماكن بل انتقل لوصف أشجار التين وانواعه فهي أشجار خضراء يانعة بأصابع أوراقها الخمس وتتوزع أنواعها ما بين البياضية، العسيلية، دعيبلية أو غزالية وغيرها من التسميات.

كما تبرز الرواية السياسة التوسعية للمحتل وقضمه للأراضي، عندما باعت عائلة سرسق سهل الحولة لشركة يهودية اعتبر اليهود ان كل القرى المقامة في السهل امتيازا لهم، وهنا أشير إلى أننا في لبنان ونتيجة لعملية البيع هذه ومثيلاتها فقدنا عددا من القرى تسمى في قاموسنا بالقرى السبع ومن ضمنها هونين والحمرا التي ورد ذكرهما في الرواية. وللدلالة على ما يقوم به الإحتلال من تمزيق للنسيج الإجتماعي وتشتيت العائلات تطرقت الرواية إلى ما حدث لقرية الباقة التي قسمت عام 1949 إلى شرقية وغربية بحيث وتوزع أفراد العائلة الواحدة بين هذين القسمين.

وفيما يشبه النقد للأطراف السياسية المتباعدة يصف السارد حنان بأنها ترى أوسع من الأطراف السياسية، حيث أن الأمور فلتت من عقالها فيتبارون في تسجيل نقاط على بعضهم حتى غاب الوطن في عقول الشباب بعد أن ظهر الولاء وغاب الإنتماء. كما تثير الرواية مسألة عدم تضافر الجهود الكافية بين الداخل والخارج حيث تقول حنان "وأنا في الخارج لم أفعل كثيرا كي أعود ولم تفعل أنت أيضا وانت داخل الوطن، أنت تنتظر منّا في الخارج أن نأتي فاتحين، منقذين ومنتصرين، أما أنا فأرى في أمثالك بوصلة للتغيير والتعديل. كل واحد ركن على الآخر وبقيت علاقة الداخل مع الخارج غير واضحة".

في إشارة لافتة تعبر عن رفض حنان لما يمكن ان نسميه التكاذب العربي والأغاني الحماسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع نراها تطلب من سائق الحافلة أن يغلق المذياع الذي يصدح بأغنية وطني حبيبي الوطن الأكبر لتقول "يكفيني صوت محرك الحافلة واحتكاك عجلاتها بالطريق لأعرف أنني هنا في وطني". وفي موضع آخر تقول: لقد تم بيعنا أكثر من مرة كل مرحلة ولها سعرها.

وفي اشارة إلى ما زرعه الإستعمار من بذرة الخلاف بين الدول العربية وترسيم حدودها يبرز السؤال هل عين التينة والدرباشينية فلسطينيتان أم سوريتان؟ مشاكل مصطنعة ارادها المستعمر بحيث جعلنا كما ورد في الرواية نختلف على جلد الغزال قبل صيده، والشيء بالشيء يذكر فلا تزال مزارع شبعا موضع أخذ ورد حول هويتها هل هي لبنانية أم سورية.

تبرز الرواية الثقافة العنصرية للمحتل، حين تم محاصرة الفريق الراغب بزيارة عين التينة من قبل المحضرين للجندية، حيث بدأت إحدى المجندات بالصراخ والسباب مشيرة الى الارض وهي تقول هذه لنا وانتم الغرباء، نحن السادة وانتم العبيد.

وبالرغم كل التعجرف والتعالي الإسرائيلي إلى ان لاوعيه يجعله يعيش هاجس الخوف دوما من الفلسطيني، لأنه يعرف ان هذه الأرض ليست له فعندما طلب أحد الجنود من أعضاء الفريق رمي عصيهم في الماء أجابت حنان أنكم تحملون سلاحا وتخشون العصي؟ ليجيبها نعم ونخشى حجارتكم وما في داخل عقولكم، وفي إشارة إلى التغيير الديمغرافي المحتم يقول وايضا نخشى تناسلكم الذي سيأتينا بأسوأ منكم.

وتطرقت الرواية إلى إشكالية ربما لا تزال قائمة وهي امكانية نشؤو صداقات بين الفلسطيني واليهودي فهناك البعض من فعل هذا والبعض الآخر لم يفعل ولكل مبرراته كما يقول السارد.

وفي إشارة ربما إلى أن العودة الحقيقية لم يحن أوانها بعد، يقول السارد: رأينا العين من بعيد ولم نقف على نبعها، ولم نغسل أجسادنا بماء شلالاتها الصغيرة لأننا حوصرنا من مستوطنين ومن الجيش الذي جاء لحمايتهم. وأيضا لم تستطع حنان رؤية بيسان والتجول في شوارعها لانها وصلتها ليلا وتم اعتقالها مع رفيقها.

ختاما نلحظ أن المؤلف تعمد إبقاء نهاية روايته مفتوحة على كل الإحتمالات تاركا للقادم من الأيام وما قد يحمله من تغيرات سياسية وضع النهاية المرجوة لرحلة حنان وغيرها من فلسطيني الشتات وأملهم بالعودة ليس إلى بيسان فقط بل إلى كل فلسطين.

***

بقلم عفيف قاووق- لبنان

قراءة رمزية نفسية في قصيدة الشاعرة عفاف عمورة"

تمهيد: القصيدة موضوع الدراسة ليست مجرد نَظم وجداني، بل هي صرخة وجودية تنبثق من قلب الجرح الفلسطيني، وتتشكل في لغة رمزية مكثفة تتراوح بين الانكسار والصمود، بين الندبة والأمل، بين النفي والانتماء. تحمل القصيدة نبضاً داخلياً مشحوناً بتوترات الذاكرة الجمعية والهوية، كما تنضح بالحنين إلى وطن يتعذر احتضانه جسدياً، لكنه يفيض حضوراً شعورياً ونفسياً.

أولاً: البنية الرمزية – الأرض، النار، الانكسار

توظّف الشاعرة رموزاً ذات دلالة كثيفة:

* "الجرح"، "النار"، "الظلال": ترمز إلى الألم الجماعي، الخسارات المتتالية، ودوامة النفي والشتات.

* "القدس"، "الدار"، "الديار": هذه الكلمات تتكرر لترسّخ الحنين المكاني وتُجسد الوطن بوصفه معادلاً رمزيًا للأم، للقداسة، للهوية.

* "الانكسار": يُعاد لفظيًا ودلالياً، لكنه لا يُستسلم له، بل يُعادِل بشعار لا يرضى الاستسلام:

"سَمًا بِأنَّا لا نُطيقُ انْكِسَارا"

فالرفض لا يعني غياب الانكسار، بل المجاهدة في تجاوزه.

البعد الرمزي للـ"الماء" والـ"دمع":

"ونَسْقِي مِنْ مَدامِعِنا الدِّيارَا"

الدمع هنا ليس ضعفاً بل طقس تطهير، رمزياًً يحمل دلالة الخصوبة والارتواء، كأن الحزن الفلسطيني يُخصّب الأرض في انتظار الربيع.

ثانياً: التحليل النفسي – الهوية في مواجهة النفي

القصيدة مرآة لوجدانٍ مشتّت، بين انفعال الحنين وانضباط الأمل، بين صدمة الاقتلاع وشرارة الاستمرار.

1.  ملامح الإنكار والتحوّل:

"وَنَسْكُتُ – والضّمائرُ في اشْتِعالٍ –

كَأَنَّ الصَّوْتَ قدْ خَافَ انْكِسَارَا"

السكوت هنا ليس صمتًا تاماً، بل صراع داخلي بين ما يجب أن يُقال وما يُمنع قوله. وهو ما يعبّر عن آلية دفاعية نفسية تُعرف بـالإنكار، حيث يصير الصمت ملاذاًً من القهر، بينما الحقيقة تشتعل داخل الضمير.

 2. أيديولوجيا الأمل كإستراتيجية مقاومة نفسية:

"ولَوْ طَالَ الزَّمانُ بِهِ انْتِظَارَا"

الإصرار على الأمل، رغم الامتداد الزمني للألم، يعكس حاجة النفس لتشكيل هوية مستقرة في وجه التفكك، فالأمل – وفقاً لتحليل كارل يونغ – يشكل النقيض المعادل للظل، أي إنه وظيفة نفسية تُوازن الجرح الجماعي.

ثالثاً: المقاربة السوسيولوجية – الذات الجماعية تحت الاحتلال

القصيدة تمثّل صوت الهوية الجمعية الفلسطينية وهي تحاول أن تُرمم ذاكرتها وتعيد بناء معنى الكينونة الوطنية:

"نُطَهِّرُ تُرْبَها مِنْ كُلِّ دَخْنٍ

وَنُطْفِئُ في الحِمَى وَجَعًا وَشَوْقَا"

التطهير هنا يتجاوز المعنى الديني أو الطقسي، ويأخذ بعداً اجتماعياً: مقاومة التشويه الرمزي والمعنوي للهوية الفلسطينية. فـ"الدخن" هو كل ما علق بالهوية من تحريف، من تزييف، من احتلال للوعي.

السرد الجماعي مقابل السرد الاستعماري:

"نَرُدُّ إلَى حِكايَتِنا اعْتِبارَا"

في هذه العبارة تتكثف وظيفة الشعر كمقاومة سردية، حيث التاريخ المستلب يُستعاد بالكلمة، ويُسترد بالذاكرة. القصيدة هنا ليست فقط أدبًا، بل فعل اجتماعي رمزي يعيد صياغة سرد الذات في مواجهة محوها.

رابعاً: فلسفة القصيدة – بين ثنائية الألم والأمل

القصيدة تتأرجح فلسفيًا بين نقيضين: الانكسار بوصفه قدراًً، والكرامة بوصفها خياراً. وبينهما، تقف "عفاف عمورة" على تخوم الذات المنفية، ترسم حدود الجرح، وتفتش عن خلاص لا يأتي من الخارج بل ينبثق من وعي الداخل.

"وَلكنَّا نُرَمِّمُ مِنْ شُظايَا

رجاءَ القلبِ... لا نَرضَى انْتحَارَا"

هذه الخاتمة هي ذروة القصيدة فلسفياً ونفسياً، فـ"الانتحار" هنا ليس فعلاً جسدياً بل استسلامًا رمزياً للعدمية. و"الترميم" هو إعادة بناء الأمل من شظايا الذات، من كُسورها، من ذاكرتها.

خاتمة: الكلمة جسدٌ للمقاومة

تقدم القصيدة نموذجًا شعريًا لمقاومة لا تقتصر على البندقية أو القرار السياسي، بل تشمل اللغة، الرمز، والذاكرة. القصيدة تُمارس فعل مقاومة من نوع آخر: مقاومة النسيان والتشظي والانكسار الداخلي، عبر بلاغة الشعر وحرارة النفس.

الرسالة الأعمق للقصيدة:

نحن لا ننتصر لأننا لا ننكسر، بل لأننا نُعادِل الانكسار بالإصرار، ونتجاوزه بالإبداع، ونحوّله إلى ذاكرة قادرة على الإنبات.

***

عماد خالد رحمة

...........................

نص القصيدة

سَمًا بِأنَّا لا نُطيقُ انْكِسَارا

ولنَرْفَعَنَّ عَلى الجِراحِ شِعارَا

فِلَسْطينُ الحَبيبَةُ سَوْفَ تَبْقَى

لَنا وَطَنًا، وَقُدْسُ اللهِ دارَا

وما زِلْنَا بِطُولِ البُعْدِ نَشْقَى

وَنَصْلَى في النَّوَى جَمْرًا وَنارَا

وَكَمْ ضَاقَتْ خُطَانَا في الظَّلالِ

وَمَدَّتْ في صُدورِ الحُلمِ ثَارَا

تَعالَتْ في زَوايَا القَهْرِ أَيْدٍ

تُشِيعُ الموتَ، تَغْرِسُ في الدِّيارَا

وَنَسْكُتُ – والضّمائرُ في اشْتِعالٍ –

كَأَنَّ الصَّوْتَ قدْ خَافَ انْكِسَارَا

سَنَمْضِي، خَلْفَها بِالْحَقِّ نَرْقَى،

وَيَوْمًا مَا سَنَغْمُرُها انْتِصَارَا

نُطَهِّرُ تُرْبَها مِنْ كُلِّ دَخْنٍ

وَنُطْفِئُ في الحِمَى وَجَعًا وَشَوْقَا

ونَسْقِي مِنْ مَدامِعِنا الدِّيارَا

فَتَزْهُو في الرُّبَى زَهْرًا وَنَوَارَا

تَسَمَّعَنا الدُّنَى غَرْبًا وَشَرْقًا،

نَرُدُّ إلَى حِكايَتِنا اعْتِبارَا

بِعَوْدَتِنا تَطِيبُ الأَرْضُ عِرْقًا،

وَتَمْسَحُ عَنْ سَماءِ البَيْتِ عَارَا

ويَحْلُو مَعْ رُجوعِ الأَهْلِ مَلْقًى

يَرُودُ الفَجْرَ، يَفْتَتِحُ النَّهَارَا

ونَصْنَعُ مِنْ صَفَائِحِهمْ جُسُورًا

وَنَسْقِي مِنْ جِرَاحِهمُ الحِوارَا

لَنَا حَقٌّ، وسَوْفَ يَعُودُ حَقًّا،

ولَوْ طَالَ الزَّمانُ بِهِ انْتِظَارَا

فَكَمْ مِنْ مُرِّ دَمْعٍ خَلْفَ ظِلٍّ

سَقَانا الذُّلَّ، فَاِتَّقَدَ انْكِسَارَا

وَلكنَّا نُرَمِّمُ مِنْ شُظايَا

رجاءَ القلبِ... لا نَرضَى انْتحَارَا

 

حـرب ... لكنها مقـدّسة (*)

بقلم: يحيى السماوي

مـا بـيـنـنـا فـي الـعـشـقِ حَــربُ

ساحاتــــها مـــقل وقـــــلب

*

وضــــرامُـهــا ليس مثلـهما أحــــب: قـــُبَــلٌ وضَــمٌّ

*

الـقـوسُ : حـاجـِبُـكِ الـمُـظـلـلُ

بالسنى.. والســـــــــهم هـدب

*

وحــــمـامــتـاكِ: الــرّايــتـان

واضـــــــــــلأعي للغنم سلبِ

*

حــــــربٌ مُــقــدَّســـة

أوصى بها الانـــــــتسان رب.. كــأنْ

*

الــنــصـرُ فــيـهـا لــــلأســيــر

قــــيوده شغـــــف وحــــــــبِ

*

ولــقــد يـطــيــبُ لـخـاسِــــــر ٍ

في الحرب فوق الخصر صلب

*

زعَــلَ الـحــبــيــبُ فـأظـلـمَـتْ

شمسي وشل الــــدرب رعـــب

*

وعـفـا فـأشـمَـسَـتِ الـكـهـوفُ

ودثر الصــــــــــــحراء عشـب

فإذا بـقـلـبـي لـلــــــــــمـسـرّة

بـعد فاجـــــعة مصـــــــــــــب

*

هـو وحـدُهُ: فـرضُ الـوُجـوبِ

وكــل فرض مستـــــــــــــحب

*

يـا بـرْدُ : كـنْ نـارا ً وحـــربـا

حين اشــــــــواقي تشـــــــــبً*

***

إنّ ما يربط القصيدة بالذاكرة الشعرية هو الإدراك الشعري لمظاهر الحياة والتعبير عن الحساسية المشتركة القائمة على اشتغال لغوي متفرد بجمله الصورية المعبرة عن الجمال وكوامن الوجد.. باعتماد قوة العاطفة وتكثيف الرؤيا الخالقة لبنية مركزة متداخلة في الفعل الشعوري والاستدلالي والانفعالي..

وبتأمل النص الشعري (حرب..لكنها مقدسة) الذي نسجته انامل منتجه الشاعر يحيى السماوي مشكلا رؤية تلخص الواقع ببوح وجداني  رومانسي ونزوع انساني متمثل في السلوك القائم على الثنائية الخارجة عن الذات.. ابتداء من العنوان الوحدة الدلالية والنظام السيميائي الذي ترتبط به التجربة  الشعرية التي تتمحور حول بؤرته الزمانية والمكانية فتسهم في اكتشاف تضاريسه وتشكيلاته البنيوية على المستويين:الدلالي والرمزي..

مـا بـيـنـنـا فـي الـعـشـقِ حَــربُ

ســاحــاتـُهــا مـُـقـَـلٌ وقــــلـــبُ

*

وضـرامُـــهــا :   قـــُبَــلٌ وضَــمٌّ

لــيــس مــثــلــهـــمـــا أحَـــبُّ

*

الـقـوسُ : حـاجـِبُـكِ الـمُـظـلـلُ

بالـسـنى .. و الـسـهـمُ : هُــدبُ

*

وحـمـامــتـاكِ : الــرّايـــــتـان ِ

وأضـلـعـي للغـــنم ســــــــلب

فالنص تأسيس على الاضاءة  الخالقة لفن متسع الرؤى.. قوامه اللمحة الفكرية  الجمالية التي تكشف عن حالة نفسية بلغة موحية بمفرداتها المشكلة وسيلة تبليغ وغاية في حد ذاتها والتي يعمل المنتج على تفجير قدرتها الايحائية والانزياحية كي يعلن عن وظيفتها الجمالية الناتجة من  (الصورة والتخييل والرمز والرؤية المكثفة سياقيا وتركيبيا.. مع توهج لفظي وتأطير بوحدة موضوعية حاضنة لعمق الرؤيا وشفافيتها.. كون الشعر هو التكامل بين العاطفة والصورة التي تعكس عوالمها التي اكدها علماء الجمال حين قالوا(الشعر هو التفكير بالصورة)..

حـربٌ مُــقــدَّســـة ٌ .. كــأنْ

أوصـى بـهـا الإنـسـانَ ربُّ

*

الــنــصـرُ فــيـهـا لــــلأســيــر ِ

قــيـــــــودُهُ شغـــف وحـــــب

*

ولــقــد يـطــيــبُ لـــخـاسِــــر ٍ

في الحربِ فوق الخصر صلب

فالشاعر يحاول خلق عالم متميز بنسقه الجمالي الذي ينم عن عمق المعنى والرؤية.... وهو يترجم احاسيسه وانفعالاته بنسج شعري يحقق وظيفته من خلال الفكرة والعمل داخل اللغة عن طريق خلق علاقات بين المفردات بوحدة عضوية متميزة بعوالمها المتناسقة جماليا مع دقة تعبيرية بالفاظ موحية ودلالة مكثفة بتوظيف تقانات فنية محركة للنص كالرمز السمة الاسلوبية التي تسهم في الارتقاء بشعريته واتساع مساحة دلالته..والتنقيط (النص الصامت) الذي يستدعي المستهلك لملء فراغاته..

فــإذا بـقــــلـبـي لـلـــــمـسـرّة

بـعـد فـاجــــــــــــعـة ٍ مـصَـبُّ

*

هـو وحـدُهُ : فـرضُ الـوُجـوبِ

وكـلُّ فـرض ٍ : مُــسْـــتـَـحَــبّ

*

يـا بـرْدُ : كـنْ نـارا ً وحـربـا ً

حـيـن أشــواقــي تــــــشــبُّ

فالمنتج (الشاعر) يركز على العناصر الشعورية والنفسية الخالقة لجدلية(الذات والموضوع) لخلق نص الرؤيا في اطاره البنيوي والانطلاق في فضاء الوجود والطبيعة وصولا الى اللحظة الانفعالية المولدة للوظيفة الجمالية المتمثلة في الادهاشية التي خلقها التناصّ المقلوب(يابرد كن نارا وحربا /حين اشواقي تشب) مع قوله تعالى  (يانار كوني بردا وسلاما على ابراهيم) آية / 69/سورة الانبياء.. اضافة الى  تخطيه  الحسيات الى افق الرؤيا باعتماد تقنية السرد الشعري لبناء نصه وتأثيثه بالتداعيات التي ينضحها زمن خارج الذاكرة المتميز بتراكم الصفات التي اسهمت في الكشف عن توتر نفسي حاد..اضافة الى اتكاء المنتج على الحلم واللغة الشعرية الحالمة للخروج عن إطار الواقع وتجاوز الفضائين الزماني والمكاني، والسمو إلى عالم الصورة والخيال.. فيشكل الحلم بؤرة محورية وتشكل اللغة الشعرية بما تتسم به من انزياحات ورموز وتعابير صورية مكونا وخاصية اساسية في هيكلية النص..

زعَــلَ الـحــبــيــبُ فـأظـلـمَـتْ

شـمـسـي وشَــلَّ الـدَّربَ رُعـبُ

*

وعـفـا فـأشـمَـسَـتِ الـكـهـوفُ

ودثــَّـرَ الــصـحــراءَ عــشــبُ

فالشاعر يحاول التحليق في أفق الصورة الشعرية وهو يلّون في أدائه وأسلوبه فنراه فنان يجيد الرسم بالكلمات مع قدرة واضحة على تطويع اللغة بما يتناسب مع الموضوع المطروح, وينسجم مع الصورة الشعرية المعبّرة...فضلا عن توظيفه المتناقضات(اظلمت / اشرقت) للسمو بعوالم النص وتناميه..

وبذلك قدم الشاعر نصا شعريا يستنطق اللحظة الشعورية عبر نسق لغوي قادر على توليد حقول تسهم في اتساع الفضاء الدلالي للجملة الشعرية..فضلا عن  تلوين عوالمها بايحاءات بصرية وصوتية كي يمنح بؤرة النص ابعادا حركية معبرة عن الحالة الشعورية والنفسية باسلوب دينامي حالم.. وعمق دلالي يتداخل والسياق الجمعي بقدرته التعبيرية المختزلة لتراكيبه الجملية..فكان تشكله وفق تصميم ينم عن اشتغال عميق يعتمد الجزئيات وينسجها نسجا رؤيويا يرقى من المحسوس الى الذهني..

***

علوان السلمان

...........................

* مقطع من قصيدة طويلة

* تناصّ مقلوب مع قوله تعالى: (يانار كوني بردا وسلاما على ابراهيم)

ـ اللوحة من أعمال الصديق الفنان التشكيلي د. مصدق الحبيب

قراءة نقدية في تمثيلات الذات والرغبة والقداسة في نص (الوهم العاري) للشاعرة د. مرشدة جاويش

التمهيد النظري: تنتمي هذه القراءة إلى مقاربة نقدية مركبة في محاولة لاستجلاء مستويات اشتغال اللغة وتكثيف الذات وإزاحة المعنى في نص (الوهم العاري) للدكتورة مرشدة جاويش كأنموذج شعري نسوي ما بعد حداثي يعيد تعريف العلاقة بين الجسد والهوية والغياب والمقدس...

موقع النص في الخريطة الشعرية الحديثة

ينتمي نص "الوهم العاري" إلى فضاء الشعر الحداثي النسوي حيث تنتج اللغة معانيها لا كمرآة للواقع بل كمختبر جمالي وانفعالي للذات وهي تمر بأزمات الوعي والجسد والعلاقة بالآخر. فالنص لا يروى من الخارج بل يمارس من الداخل إذ تكتب فيه الشاعرة انكشافات الذات في حالة من التعرية الوجودية مستعينة بشحنة رمزية عالية ترتكز على المفارقة واللغة المجازية الكثيفة والخلط بين الخطاب الصوفي والمشهد الحسي...

البنية اللغوية والدلالية: من الثبات إلى الانزلاق

يشتغل النص ضمن منطق الانزياح الدلالي والانفلات من البنية الخطية في التعبير لتوليد شبكة دلالية مفتوحة:

"ما زِلْتَ بعيداً كَأنِّي أراكَ تُعانِقُ لَوْنَ الهَبَاءِ وتَنْقُرُ في النّارِ أهدابَ مَنْ باعَها الوَقْتُ"

تتأسس هذه العبارة على مفارقة لغوية: رؤية الغياب. فالهباء رمز العدم يعانق، والنار رمز التطهير أو العقاب تنقر أهدابها، وهي إشارة أنثوية محملة بدلالات جسدية. هكذا ينقلب فعل المشاهدة إلى وهم بصري وتتحول اللغة إلى فضاء للتعمية أكثر من التعيين.

وهنا تحضر رؤية بول ريكور عن الشعر بوصفه:

"نظاماً من العلامات ينتج المعنى عبر الانزياح لا عبر المطابقة فكل صورة شعرية هي اختلاق لإمكانية تأويل لا نهائية."...

تقويض المعنى وإنتاج التعدد

عند قراءة النص من منظور جاك دريدا نلاحظ أن البنية النصية لا تؤسس لمعنى قار أو متماسك، بل تعمل على تفكيك كل مرجعية دلالية مستقرة. فالمعنى في هذا السياق لا يُبنى على الحضور أو الثبات، بل على التوتر الدلالي والتأجيل المستمر لما يفترض أن يقال، فيما يسميه دريدا بـ"الاختلاف" (différance)—وهو تأجيل المعنى وانزياحه بفعل اللعب اللغوي.

"هَلْ أفْرَطْتَ في شَهْقَةِ العَارِ حَتّى اسْتَعْذَبْتَ انْكِشافَ النّسَاءِ؟"

في هذه العبارة، يتولد المعنى من تقاطع الحقل الحسي (شهقة العار، انكشاف النساء) مع الحقل الاجتماعي الأخلاقي. فكلمة "العار" لا تستخدم هنا كقيمة أخلاقية سلبية، بل تنقلب إلى لحظة انكشاف ملتبسة بالمتعة، بما ينسف المعنى الأخلاقي التقليدي للخطيئة ويحوله إلى فضاء دلالي مفتوح على التواطؤ واللذة. إن اللغة لا تظهر هنا معنى واحداً، بل تتعدد تأويلاتها بفعل المفارقة والانزياح الرمزي.

ومن هنا تكتسب مقولة دريدا وجاهتها حين يقول:

"اللغة لا تنتج التشابه بل الفرق، وكل علامة تحمل أثر علامة أخرى بداخلها."

فالنص لا يبوح بمعناه بل يؤجله ويستدرج القارئ إلى لعبة لا نهائية من التفسير حيث يتحول المعنى إلى أثر، لا إلى حضور مكتمل.

الجسد والهوية والرغبة المكبوتة

يلعب الجسد في النص دوراً محورياّ لكنه ليس جسداً بيولوجياً مباشراّ بل جسداً رمزياً ونفسياً تسكنه الرغبة وتتحرك فيه الذاكرة اللاواعية:

"هلْ أَنا الماءُ الّذي دَلَكَتْهُ الغُيُومُ عَلَى خَاصِرَةِ الرُّوحِ؟"

في هذا المشهد، يتم تشتيت الذات إلى عناصر طبيعية: ماء وغيوم وخاصرة. إنها صورة للذوبان لا للتماسك حيث تتحلل الهوية في عنصرها الأنثوي الأصل (الماء)، في استدعاء لاواعي للأمومة والانتماء الأول وربما حتى لآليات التحلل الأنوي كما طرحها جاك لاكان Lacan حين قال:

"الرغبة ليست ما نريده، بل ما يفتقده خطاب الآخر فينا."

الرغبة في النص ليست رغبة جنسية مباشرة بل رغبة في انكشاف الذات دون قناع. حتى الخيانة التي يلمح إليها لاحقاً ليست فعلاً ضد الآخر بل ضد صورة الذات التي رسمتها المرايا....

زمن الفقد والذاكرة الجمالية: اللقاء المجهض كمشهد تأويلي

واحدة من أقوى لحظات النص تكمن في استحضار فكرة اللقاء الفائت باعتباره جوهر الخسارة والتأجيل:

"وَاللِّقَاءُ الّذي أَفْلَتَ مِنْ شِبَاكِ الزَّمَانِ كَسَرَ المَرَايَا وانْدَسَّ في فَمِ صَدًى لَمْ نَكُنْ قَدْ نَطَقْنَاهُ"

المرايا هنا لا تعكس الحقيقة بل تنكسر لحظة المواجهة كأنها تعيد إنتاج ذات مفتتة لا ترى إلا صدى لما لم ينطق بعد وهي رؤية تتقاطع مع مفهوم انكسار الأنا في خطاب الآخر كما يطرحه جاك لاكان. ومن هذا المنظور، تبدو هذه اللحظة كمأساة إدراك متأخر، تسكن وجدان الذات كبذرة فقد لا شفاء منه. ومن هنا تتجلى رؤية والتر بنيامين في قوله:

"اللحظة التي لا تلتقط تصبح ذكرى ناقصة تسكن الألم."....

المقدس والمدنس: استحضار الإله بوصفه مرآة خيانة الذات

في تصعيد درامي يبلغ ذروته، يجعل النص من الخيانة فعلاً وجودياً لا يواجه الآخر فقط، بل يواجه الإله نفسه:

"لِتَبقَى تَحْمِلُ اسْمَكَ كَمَنْ يَحْمِلُ خِيَانَتَهُ فِي وَجْهِ الإلَهِ"

فالاسم هنا، بوصفه هوية يتحول إلى عبء، وحمل الخيانة لا يقاس اخلاقياً فحسب، بل وجودياً إذ تختبر فيه الذات أمام سلطة عليا. وهو شكل من أشكال الاعتراف المقلوب، لا بوصفه سعياً للخلاص كما في اعترافات أوغسطين، بل كمواجهة جمالية وجودية تتقاطع مع أطروحات نيتشه، لا سيما حين يقول في هكذا تكلم زرادشت:

"على الإنسان أن يحتمل عُريه في وجه السماء."

وهنا يصبح "الوهم العاري" نصاً يتحدى ثنائية الخطيئة/الخلاص، ليكتب الذات في أقصى لحظات انكشافها وعزلتها الرمزية....

الأسلوب والإنشاء الفني: تفكيك البنية الجمالية للنص

يتسم البناء الفني في نص "الوهم العاري" بجملة من الخصائص الأسلوبية التي تكرس انزياحه عن النموذج الخطي التقليدي وتمنحه طابعه الحداثي والتجريبي:

تفكك الخطاب الخطي المباشر: يقوم النص على فواصل شعورية ومقاطع وجدانية تنأى عن السرد أو التسلسل المنطقي، ما يعكس بنية داخلية تشبه تداعي المعاني أو تيار الوعي حيث تتولد الصورة من الإحساس لا من الحكاية.

هيمنة السؤال التهديمي: تستخدم أدوات الاستفهام لا بهدف تحصيل إجابة، بل كاستراتيجية لهدم اليقين وإرباك المرجعيات الثابتة. فالسؤال هنا لا يكشف، بل يزيد كثافة الغموض، بما يعزز من التوتر الدلالي للنص.

التكثيف الرمزي والإيقاعي: يعتمد النص على صور شعرية مركبة ذات وظائف شعورية لا وصفية، تتكئ على المجاز والمفارقة والاشتباك الدلالي بين الحسي والمتعالي، ما يضفي عليه بعداً موسيقياً داخلياً حتى في غياب الوزن التقليدي.

الحس الرؤيوي للنص: لا يقدم النص ذاته بوصفه شهادة على تجربة واقعية، بل كنوع من الرؤيا الجمالية والوجودية التي تنبع من الداخل، وتكتب بوصفها كشفاً عن اللاوعي أو استبصاراً شعرياً لما لا يقال عادة في الخطابات اليومية أو المباشرة....

وبذلك يعد نص (الوهم العاري) ممارسة شعرية حداثية تجريبية تعكس ما أسماه رولان بارت بـ"كتابة الدرجة الصفر"، حيث تتخلى اللغة عن سلطتها المرجعية لتصبح طقساً تأويلياً مفتوحاً على الاحتمال واللايقين. ومن هذا المنظور، تؤسس الشاعرة لكتابة نسوية وجودية تحرر الجسد من أسر التصنيفات الجاهزة وتعيد تخييل العلاقة بين الذات والآخر المقدس ضمن أفق لا نهائي من الرغبة والفقد والاعتراف المعكوس. كما يقول بول ريكور: "نحن لا نعيش التجربة إلا حين نرويها ولا نرويها إلا بلغتها الرمزية"، وهكذا يتحول النص إلى شكل من النجاة الجمالية من صمت الذات وعتبة المعنى.

***

قراءة نقدية من إنجاز فاطمة عبدالله

....................

الوَهْمُ العَارِي

ما زِلْتَ بعيداً

كَأنِّي أراكَ تُعانِقُ لَوْنَ الهَبَاءِ

وتَنْقُرُ في النّارِ

أهْدابَ مَنْ باعَها الوَقْتُ

وارتَدَّ عنها الغِطاءُ

هَلْ أفْرَطْتَ في شَهْقَةِ العَارِ

حَتّى اسْتَعْذَبْتَ انْكِشافَ النّسَاءِ؟

وهَلْ كُنْتَ حَقّاً

تُبيحُ الحُرُوفَ لِعَيْنِ العَلانِيَةِ

مِثْلَ احْتِرَاقِ السُّؤَالِ؟

لَمْ تَكُنْ

تَحْتَ كَفِّ الحَنَانِ

سِوَى نَفْسِكَ المُتَّكِئَةِ

عَلَى هامِشِ الرِّيحِ

تُسَرِّحُ ظِلَّكَ

في سُوقِ أشْبَاهِهَا

ما أجْمَلَ الفَجْوَةَ

حينَ تُبَاغِتُ رَغْبَتَهَا

مِنْ جِهَةٍ لا تَرَاهَا المَرَايَا

وتَسْحَبُهَا

مِنْ رَجْعِهَا المُسْتَهَانِ

أتُرَاكَ

سَتُسْعِفُ هذَا الضِّيَاءَ اليَتِيمَ

بِأَثَرٍ نَسِيَتْهُ الآلِهَةُ فِي مَمْشَاهَا؟

أمْ أَنَّكَ

سَتُرَتِّبُ حُمَّاكَ

فَوْقَ ضَفَائِرِهَا

وتَعُودُ إلَيْنَا

بِصَوْتِ الحُطَامِ؟

حينَ جِئْتَ منَ الفَجِّ

كُنتُ أَنا

بِاسْميَ الأوَّلِ

الذي خَبَّأَتْهُ النُّبُوءَاتُ

في نَفَسِ اللَّيْلِ

وكانَتِ النَّوافِذُ

تُدِيرُ ارْتِجَافَ الصَّبَاحِ

كَأَنَّهَا تُنصِتُ

لِأُنثى

تَخَلَّتْ عنَ الشَّوْقِ

لِتَحْمِلَ ما لا يُقال

هلْ أَنا الماءُ

الّذي دَلَكَتْهُ الغُيُومُ

عَلَى خَاصِرَةِ الرُّوحِ

في خِلْسَةِ الانْكِشَافِ؟

لَنْ أَقُولَ

بِأَنَّ صَدَى الجُرْحِ

افْتَرَشَ السَّماءَ

وَارْتَفَعَ بي

لَنْ أَقُولَ

بِأَنَّكَ كُنْتَ

سُلالَةَ ما لَمْ يَقُلْهُ الغِيَابُ

كُنَّا

وَرَاءَ الخَيَالِ

وما وافَى سِوَى ظِلٍّ

خَلَقْنَاهُ مِنْ نَسْيِاننَا

لِيَنْفَلِتَ الآنَ

كَهَمْسٍ أَضَاعَ اتِّجَاهَ المَخَاضِ

هلْ صَدَّقْتَ

نَبْرَةَ ما انْسَكَبَ مِنْهَا؟

أقُولُ:

إنَّها لَحْظَةٌ

لِلْخِيَانَةِ

بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ

وَغَزَلٍ يُرَى مِنْ جِهَاتِ المَكَانِ

وَاللِّقَاءُ

الّذي أَفْلَتَ

مِنْ شِبَاكِ الزَّمَانِ

كَسَرَ المَرَايَا

وانْدَسَّ في فَمِ صَدًى

لَمْ نَكُنْ قَدْ نَطَقْنَاهُ

لِتَبقَى

تَحْمِلُ اسْمَكَ

كَمَنْ يَحْمِلُ خِيَانَتَهُ

فِي وَجْهِ الإلَهِ

***

مرشدة جاويش

 

للأديب القاص محمد باقي محمد

الأديب "محمد باقي محمد" خريج جامعة دمشق - كلية الآداب قسم الجغرافيا - دبلوم التأهيل التربوي، يعمل حاليّاً مدرساً في اختصاصه - عضو اتحاد الكتاب العرب - جمعية القصة والرواية منذ عام 1989- عضو في المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب في مدينة الحسكة.

نشر الأعمال التالية:

- أغنية منتهية بالرصاص -قصص - 1986

- عن اختفاء العامل يونس –قصص - 1988

- الطوفان - قصص - 1991

- فوضى الفصول – رواية - 1997

- للقندريس البرّي.. مجموعة قصصيّة . ومنها القصة موضوع دراستنا.

له قيد الإعداد، مجموعة قصصية بعنوان: (هواجس شخصيّة).

ينشر في الدوريات العربيّة والمحليّة. ترجمت متفرقات من أعماله إلى البلغاريّة والروسيّة والكرديّة.

البنية السرديّة أو الحكائيّة للقصة:

تعالج القصة قضيّة من قضايا السجناء السياسيين في عالمنا العربي، وهي من القضايا التي تعبر ليس عن استبداد السلطات الحاكمة وقهرها لشعوبها ومحاصرة حريّة الرأي فحسب، بل تعالج أيضاً كيف يعامل الإنسان المختلف سياسيّاً في سجون هذه السلطات المستبدة.

"سليم"، ناشط سياسي، ينتمي لأحد التنظيمات السياسيّة المحضورة في البلاد، التي لا يجيد أعضاؤها التهريج والتصفيق للنظام السياسي الحاكم، وخاصة لقائده الملهم ... يلاحق لفترة زمنيّة، لكن رفاقه يؤمنون له ملجأً بعيداً عن أعين المخابرات والمخبرين خارج مدينته لفترة من الزمن.. وهو في ملجئه، تصله عن طريق أصدقائه بأن والدته مريضة وهي على فراش الموت.. يقرر ترك مخبئه والذهاب إلى مدينته حيث يسكن أهله وزجته وابنته الطفلة التي تركها بعد ثلاثة أشهر من ولادتها... قبل وصوله منزل أهله يقبض عليه ويقاد إلى السجن ليحكم عليه بالأعمال الشاقة المؤبدة.

هناك في غرف التعذيب، والغرف المنفردة، يصف لنا " سليم" كيف تتم عمليات التعذيب للسجناء.. ومن عاش حياة السجن السياسي ليس كمن سمع عنه!.

يقول القاص "محمد باقي محمد": في السجن تغيب كل القيم الإنسانيّة.. فوسائل التعذيب وأدواتها تدخل في عالم آخر من الإجرام المشرعن، وتكون أكثر قسوة وشدّة على الذين يتمسكون بمبادئهم وبأسرار تنظيمهم ولا يفشون منها شيئاً، وهذا ما كان عليه حال " سليم" الذي (صمد في وجه جلاّديه، فلم يفلح الإطار المطّاطيّ، ولا الكرسي الألماني، ولا المنع من النوم ولا الكهرباء التي تلامس مناطق الجسد الحساسة أو المنع من شرب الماء، ولا تعليق الجسد بكلاب يكون فيه الرأس إلى الأسفل والقدمين إلى الأعلى. ولا استخدام الدولاب وتناوب العصي و(القرابيج) على القدمين وكل تضاريس الجسد دون رحمة أو شفقه... ولا... ولا.... للنيل من إرادته، إذ لم تصدر عنه حتى النأمة، فمنعوا عنه أي اتصال بالخارج، وعجز عن معرفة ما حلّ بزوجته الشابّة، أو بابنته ذات الأشهر الثلاثة، أو بأهله، لأنّ سنوات التخفّي كانت قد جبّت رؤيتهم عنه!.

في السجن السياسي تتعدد أصناف وأساليب التعذيب - التي يتفتق عنها الذهن البشريّ في وجوه وأجساد السجناء ... فالتعذيب كما يقول "سليم": يظلّ مبذولاً كالهواء على مدار الساعة، ليطال كل تفاصيل الجسد دون رحمة. ثمّ إنّ السجّانين سيعمدون إلى إحياء طقوس حفلهم الغريب، كما لو كانوا يحتفلون بمناسبة شخصيّة، لقد أعدّوا لكلّ شيء، - مُذ تكهّنوا باقتراب موعده - راحوا يجتهدون في إعداد عصي وسياط مختلفة في أطوالها وسماكاتها، وسط مظاهر احتفاليّة يشوبها صخب يُتناغم وحبورهم اللافت، لقد طالهم السجن في إنسانيّتهم فشوّهها، إنّهم يستمرؤون تعذيب المساجين كما لو كانوا يحقّقون إنجازاً يُسجّل لهم.

ولكن من الذي يشرعن حقّ احتجاز إنسان من قبل آخر مثله؟! الحقّ.. وما هو الحق؟! من الذي يحوز التخويل بإثباته؟! ومن المُخوّل بنفيه؟! ثمّ أين الصواب فيما تقدّم من الخطأ؟! بل ما هو الصواب، وما هو الخطأ؟! كيف يتحدّد هذا من ذاك؟! ومن هو الحكم المجاز بالفصل بينهما؟!. أسئلة الحق واختراقه كثيرة تطرح في سجون الأنظمة المستبدة في عالمنا العربي ولا جواب.

في باحة السجن الضيقة.. تجمع السجناء يتهامسون حول قضيّة انتشرت كالنار في الهشيم عند السجناء. بأن هناك مقابلة تمت بين السجين "سليم" وفتاة، وقد أعطته صورة لفتاة. رغم ضحالة هذه المسألة، إلا أن السجن بكل عذاباته وما حققه من حرمان للسجناء ومنه الحرمان الجنسي، جعل من قضيّة الفتاة والصورة موقفاً شغل بال وعقل وعواطف السجناء لمعرفة الصورة ولمن تكون.

كان السجناء قد لاحقوا "سليم" في الباحة طويلاً، مدفوعين بتوق عارم لمعرفة صورة أنثى.. أيّ أنثى.!، فيما وقف بعضهم مدهوشاً يتأملون، "سليم" متسائلين عن السبب، لقد حاول أن يتخلّص منهم، إلاّ إنّ محاولاته أخفقت، كانت الباحة ضيّقة، ولم يكُ ثمّة منافذ للهرب، لهذا سرعان ما أمسكوا به، وألقوه على الأرض، لينتزعوا منه الصورة، فتشبّث بها بكلّ ما فيه من قوّة، ولكن ما الذي يستطيعه فرد أعزل في مُواجهة جمع أهوج؟! وعندما انتزعوها، وقرأوا ما كُتب على ظهرها، وقفوا في مُنتصف المسافة ملجومين بالذهول، وأسقط في أيديهم، إذ لم يعد التراجع مُتاحاً، ثمّ إنّ الندم ما عاد يُجدي، ولا الاعتذار، فكيف يعبّرون عن أسفهم وأساهم؟! أيّ كلام يمكن أن يُساق في مقام كهذا؟! على هذا طأطأوا رؤوسهم، وتناؤوا على تعثر وخجل بخطوات مُرتبكة، تماماً كما صورة سينمائيّة أبطئت حركتها، هل تمنّوا أن تغور بهم الأرض حين قرأوا الكلمات على ظهر الصورة؟! كانت ابنة "سليم قد كتبت لأبيها " أبتي.. لقد اشتقت إليك كثيراً؟! " ووثقت كلماتها في الأسفل بـ " ابنتك المحبّة بثينة "!.

البنية الفكريّة للقصة:

كانت ولم تزل دول عالمنا الثالث تُحكم بالحديد والنار، من قبل قوى سياسيّة لم تفكر يوما بمصالح شعوبها، بقدر ما تفكر بمصالحها، حتى عندما تهتم إلى حد ما بمصالح هذه الشعوب، فيأتي هذا الاهتمام من منطلق شعبوي، وليس من منطلق قانوني ومؤسساتي يقوم على فكرة أن الشعب هو المصدر الأساس للسلطة، وليست اَلْغُلْبَةُ والوراثة والتدليس السياسي وشراء الأصوات والاعتماد على الفاسدين والمفسدين في الوطن، وبالتالي فالشعب هو من يأتي بهذا الحاكم أو ذاك بإرادته، وهو من يختار نظام حكمه ودستوره وطبيعة نظامه البرلماني وفقاً لمصالحه.

تحت مظلة هذه الأنظمة الشموليّة الاستبداديّة، فمعظم أنظمة الدولة وسياساتها الداخليّة والخارجيّة يشرع لها وفقاً لمصالح الحاكم المستبد، فهو من يحدد مفردات الدستور، وصيغ الديمقراطيّة والعلمانيّة، والمتاجرة بها، وهو من يختار فريقه السياسي والاقتصادي والثقافي والاعلامي، وأي خروج عن ما يخطط له الحاكم بأمر الله، يعتبر انتهاكا لقيم الوطن والمواطن، وهنا يأتي الجيش والقوى الأمنيّة لتعيد رسم ملامح الطريق الصحيح لمن تسول له نفسه الخروج عن عالم " القندريس البريّ".

البنية الفنيّة والجماليّة للقصة:

عنوان القصة:

لم يأت عنوان القصة (للقندريس البري) عبثاً، بل جاء مدروساً وبعناية فائقة. "فالقندريس البري" هو نوع من النباتات الشوكيّة التي تعيش في الصحراء، وتفتقد إلى العناية من قبل الإنسان، ورغم أن في ثمرها ما يشفي الإنسان من بعض امراضه، إلا أن الشوك المحيط بها أفقدها حضورها لدى الإنسان، وهذا ما ينطبق على حياة الإنسان السجين السياسي الذي وضع في سجن مليء بالعذاب (الشوك)، حتى فقد دوره ومكانته الاجتماعيّة، رغم إنسانيته.

الشكل الفني القصصي:

إن القاص المتمكن من حرفته، يمهد للحدث ويهيئ الجو له بسلاسة وتنسيق، يستجيب مع المواقف بشكل يثير الشوق ويجذب القارئ لمعرفة النهاية. وهذا ما تم في القصة منذ بدايتها فبراعة القاص " محمد عبد الباقي محمد" تجلت في تصوير أو وصف حالة ارتباك المساجين النفسيّة والجسديّة عندما راحوا يتداولون بصمت وحذر مسألة الصورة التي وصلت إلى سليم، ثم انتقاله إلى كيفيّة القبض على سليم وما تلقاه من عذاب في السجن وأساليب التعذيب والسجانين، وصولاً إلى كشف سر الصورة، وما حل بالمساجين الذين جعلهم الحرمان الجنسي يبذلون طاقة جهدهم لمعرفة صاحبة الصورة. لم تكن نهاية القصة مفاجئة، بل كانت منسجمة مع نسيج القصة ولا تبدو مقحمة وغريبة.

يمتاز تشكيل القصة بالبساطة، حيث اعتمد القاص في سرده الحكاية على الأسلوب الوصفي، ووضوح اللغة وغنى دلالاتها، وسهولتا، وهذا يشير إلى أن الكاتب قدير ومتمرس في الكتابة ويمتلك قدرات فنيّة تجلت من خلال تجربته الطويلة في الكتابة. لقد كان وصف الشخصيات في القصة رائعاً، يحمل تحليلاً نفسيّاً واجتماعيّاً وأخلاقيّاً صيغت بألفاظ سهلة لكنها مشحونة بمفردات القهر والعذاب والشوق والحنين.

إن القصة بعمومه تفتقد إلى الحوار، وحتى عندما وجد الحوار في القصة بين المساجين حول الصورة التي وصلت السجين "سليم" كان يجري بحالة الهمس بينهم، وكأنهم يتحدثون عن أسرار لها خصوصيتها الأخلاقيّة والقيمّة.

إن فقدان الحوار ساهم في إبراز دور القاص من الخلف، أو ضمير المتكلم، وهو دور العارف بكل خفايا نفوس أبطال القصة، وما جرى لها داخل السجن، لقد كان يتحدث عن معاناتهم وقهرهم وعذاباتهم، وهذا ما جعل القصة تمتاز بوضوح الرؤية وسلاستها وبساطة عرض أحداثها، وبالتالي غياب الحاجز بين الكاتب والمتلقي. لقد كان بناء القصة متماسكاً، والشخصيات رغم بساطتها، إلا أنها أدت وظيفتها التي رسمها لها القاص في القصة.

الشخصيات في القصة:

تدخل قصة "للقندريس" البري" في مضمار القصة الاجتماعيّة/ والسياسيّة، لذلك استطاعت أن تقدم شخوصاً تشبه شخوص الواقع المعيش في ظروف أي سجن سياسي، يسهل التعرف عليها. أي إن القاص قدم في قصته شخوصاً هامدة ساكنة خائفة مسلوبة الإرادة والتفكير وحتى الكلام. وإن تكلمت فهي تتكلم بصمت يشوبه الخوف، وهذا ما جعل الوصف في أحداث القصة مسيطراً تماماً على متن أو بنبة القصة.

لقد استطاع القاص "محمد باقي محمد" في الحقيقة، أن يقوم بتصوير شخصياته تصويراً عقلانيّا خارج نطاق الفانتازيا أو الخيال، فهو قاص مبدع ذو خبرة وثقافة عالية، ويمتلك القدرة على التصوير الدقيق كفنان قدير يمتلك أدواته الفنيّة والثقافيّة والخبرة الطويلة مع الحياة، مكنته من فهم النفس الإنسانيّة داخل سجون القهر والتعذيب، ومعرفة أسرارها وكوامن قوتها وضعفها.

ميزات القص وأسلوب القاص:

يمتاز القاص بحسه الفني الرقيق، وذوقه المثقف، ورهافة اللفظ، وبراعة تصوير المواقف التي تكشف عن أبعاد الشخصيات التي يرسمها بدقة، ويبرز أبعادها الاجتماعيّة والنفسيّة والخلقيّة، ويكشف عما تعانيه من صراع مع نفسها، أو مع الآخرين، ولأن هذه الشخصيات، مقهورة ومضطهدة، إلا أن ما تحمله من مبادئ وقيم سياسيّة، يجعلها رغم ما تتعرض له من عذاب، قد ينال الجسد إلا أن الروح تظل فيها جذوة الأمل بالخلاص الفردي والجماعي تسعر في نفوسهم وهذا ما يساعدهم في الانتصار على أزماتهم والخروج في نهاية المطاف منتصرين على ضعفهم، وهذه أقوى الانتصارات على النفس وعلى الآخرين.

إن الشخصيات التي قام بتوصيفها القاص "محمد باقي"، كلها هامشية تقريباً عدا شخصيّة السجين "سليم" الذي سلط عليه الكاتب الضوء منذ القبض عليه حتى زيارة ابنته له وإشكاليّة الصورة التي وقعت بينه وبين السجناء، إن القصة في مجملها تقوم على وصف أدوات التعذيب في السجن، ووصف البعد النفسي والأخلاقي للسجانين الذين أفقدتهم مهنتهم حسهم الإنساني، حتى تحولوا إلى شبه وحوش بشريّة في أمكنة ضيقة محكمة الإغلاق يمارس فيها قهر وظلم الإنسان، بسبب انتمائه السياسي الذي يختلف عن البعد السياسي الحاكم. إن غياب الحوار داخل القصة، أفقد القصة معرفة بعدها الفكري والاجتماعي والسياسي للسجناء، لذلك ظلت أحداث القصة تدور حول السجن والتعذيب ومبدئية بعض السجناء في الحفاظ على أسرار تنظيمهم رغم ما يتعرضون له من عذاب، وتدور أيضاً حول الحرمان الذي يعانيه السجين ومنه الحرمان الجنسي.

***

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريا.

قراءة في انزياحات اللغة وقلق الهوية في نص "حينَ تُصْبِح الخَيبة وجهاً آخر للفجر" للأديب ثامر الخفاجي.

تنتمي هذه القراءة إلى أفق نقدي يرى النص الأدبي بوصفه كياناً مفتوحاً لا يقاس بمنطقه الداخلي فقط بل بقدرته على توليد المعنى وخلخلته في آن. وكما يقول رولان بارت:

"النص هو نسيج من اقتباسات من ألف مصدر ومصدر... هو فضاء متعدد الأصوات، لا ينتج المعنى بل يطلقه."

انطلاقاً من هذا التصور، نتعامل مع النص المدروس لا بوصفه حاملاً لمعنى ثابت بل كفعل لغوي يتشظى عبر الذات والزمان والدلالة ويعيد إنتاج علاقات الإنسان بالخيبة والانكسار والضياع من داخل اللغة نفسها.

العنوان:

"حين تصبح الخيبة وجهاً آخر للفجر"

العنوان يلعب دوراً تأسيسياً في بناء المعنى، فهو يُقارب بين زمن النهوض (الفجر) وحالة الانكسار (الخيبة) في مفارقة تولد التوتر الدلالي الذي يشحن النص لاحقاً. هذه الازدواجية تعكس رؤية حداثية للعالم حيث التناقضات تتعايش وتنتج وعياً شقياً لا يؤمن بالثنائيات المطلقة.

البنية النصية والدلالية:

النص يتخذ شكل مونولوج داخلي تأملي تحكمه بنية تشظ لغوي وسردي في آن، تتقاطع فيه الذات مع الزمان والمكان لتخلق فضاءً تعبيرياً مركباً. لا يعنى النص بسرد خطي أو حبكة واضحة بل يؤسس لمعنى متحول يتكون عبر التكرار والاستبطان والانزياحات المجازية الكثيفة.

تقول الذات: "لم أعُد أفرّق بين وجوه الأمس وأقنعة الغد، كأنَّ الزمان قد اختلط في شراييني"

هذا التصور الذاتي للزمن، الممزق والمندغم يتجاوز البعد الكرونولوجي ويقترب من ما يعرف بالـtemps psychologique حيث التجربة الذاتية تفرض إيقاعها الخاص وهو ما يعيد تشكيل الخيبة كحالة مستمرة لا ترتبط بزمن خارجي محدد..

الذات المتكلمة مأزومة ومشروخة تمارس نقداً داخلياً صارماً. هي ذات ما بعد حداثية بامتياز تتشكك في المسلمات وتشتبك مع الواقع عبر اللغة لا عبر الفعل.

الحضور القوي لفكرة التكرار (الخيبة، التيه، النافذة، الانكسار) يوظف لا كأداة بلاغية فقط، بل كآلية وجودية تفضح عقم التكرار نفسه وتستحضر أثر "الدوائر المغلقة" التي تلتهم الحلم واليقين معاً..

اللغة والانزياح الأسلوبي:

تقوم اللغة في هذا النص بدور يتجاوز النقل أو التصوير فهي تمارس تفكيكاً معرفياً وجمالياً للواقع عبر ما يمكن تسميته بـالانزياح الأسلوبي والانحراف عن المألوف التعبيري. وهذا ما يجعل النص أقرب إلى لغة الشعر الحر الحديثة منه إلى النثر التقليدي.

تمتلئ التراكيب بتوتر دلالي وتشظ لغوي في المعنى كما في قول الكاتب:

"الزمان قد اختلط في شراييني" و"بما لم يقل، وبما قيل خطأً، وبما تم السكوت عنه"، وهي أمثلة تبرز ميلاً نحو "اللغة التي تُخفي أكثر مما تُفصح"، حيث يصبح المعنى إمكاناً مفتوحاً لا حقيقة مغلقة وهو من سمات الكتابة الحداثية.

كثافة المجاز تساهم في زعزعة العلاقات الثابتة بين الدال والمدلول. الأشياء تفقد هويتها الثابتة وتعاد صياغتها دلالياً وهو ما يلتقي مع مفهوم "تفجير اللغة" عند رولان بارت وبول ريكور حيث اللغة لا تشير إلى العالم بل تصنعه.

وفي هذا السياق، نواجه مشهداً لغوياً بالغ الدقة في قوله:

"أحاول أن أُمسك بخيط النور المترنّح بين جفون الصباح، لكن يدي مُثقلةٌ بما لم يُقال"،

هنا، تتحول صورة الأمل (النور) إلى خيط هش لا يمسك والذات المثقلة بالصمت والعجز تعجزها اللغة عن الإمساك بالنجاة.

إننا أمام لغة تعبر بالغياب لا بالحضور تمارس التورية والتأجيل مما يجسد ما أشار إليه بارت حول "تفكيك المعنى داخل النص"، حيث القول لا يكشف بل يعقد والمعنى ليس جاهزاً بل مؤجلاّ على الدوام.

البُعد الفلسفي والوجودي:

يحمل النص بعداً وجودياً عميقاً يتجلى في تشظي الذات وانهيار المعنى والتماهي بين الضياع واليقين.

العبارة الختامية:

"ليس كل من تاه ضاع، فبعض الضياع هو الطريق"

وهي عبارة تمثل نواة فلسفية تعيد تأويل المفاهيم من داخلها. هذا الانقلاب في المعنى هو ممارسة حداثية بامتياز تزعزع الثنائية السائدة (ضياع/هداية)، وتعلي من تجربة الذات في مواجهة الوجود الغامض القلق كما في نصوص كامو أو سارتر.

التناص والمرجعيات الثقافية:

يتكئ النص على شبكة تناصية متعددة المستويات تضمر خلفها مرجعيات روحية وفكرية وحداثية تسهم في إنتاج المعنى لا عبر الكشف بل عبر التداخل والاختلاف انسجاماً مع تصور جوليا كريستيفا للتناص بوصفه "تشابك نصوص لا يقرأ أي نص بمعزل عنها".

التناص الصوفي

يحضر التناص الصوفي ضمنياً من خلال استعارة "الضياع كطريق"، وهو نمط من التفكير الروحي الذي يرى في التيه سبيلاً للمعرفة والانكشاف لا للسقوط. هذه الدلالة تظهر جلياً في عبارة:

"ليس كل من تاه ضاع، فبعض الضياع هو الطريق"

وهو تصور قريب من فكر ابن عربي والنفري حيث الضياع لا يناقض الهداية بل يفضي إلى نوع من التجلي الداخلي.

المرجعية الوجودية

يتناص النص مع الفكر الوجودي الحديث، لا سيما في تمثلاته للقلق وعبثية الزمن وانهيار المعنى. يظهر هذا في مساءلة الذات وانكشاف هشاشتها الداخلية، كما في تساؤل الكاتب:

"من قال إن الانكسار لا يُرى إلا حين ننظر في أعيننا دون أن نرمش؟"

وهي عبارة تمثل لحظة وعي وجودي حاد، تلامس جوهر الذات في لحظات التخلي والتأمل حيث يصبح الانكسار غير مرئي إلا للذات التي تجرؤ على مواجهة نفسها دون مراوغة. هنا، تلتقي اللغة مع قلق الوجود في أقصى درجات الصدق والتجريد وتستدعى فلسفة سارتر وكيركغارد ونيتشه، ممن نظروا إلى الذات بوصفها كينونة متفككة واللغة بوصفها أداة قاصرة عن الإمساك بجوهر العالم أو النجاة منه..

جمالية العبث

أما من حيث الشكل والبنية الزمنية، فثمة تقاطعات مع جمالية العبث عند ألبير كامو وصامويل بيكيت خصوصاً في دوران الزمن حول الخسارة وتكرار الانتظار وضياع اليقين. فالنص لا يتطور نحو حل بل يدور في حلقة من اللااكتمال والتأجيل الوجودي حيث "المرآة لا تعكس الذات، والصلاة تضيع"، وهي صور تناظر حالة العبث في نصوص "في انتظار غودو" و"أسطورة سيزيف".

التوظيف العام للتناص

هذه التناصات لا تستدعى كزينة معرفية بل تدمج عضوياً في بناء المعنى وتسهم في خلق نص هجين تتداخل فيه مرجعيات الهوية والشك والانخطاف الروحي، ما يجسد حداثة النص لا عبر "حداثة الشكل" فقط بل عبر تفكيك المرجع وتحويره داخل بنيته.

بالتالي يمكن تصنيف النص ضمن الكتابة الحداثية الواعية بذاتها، حيث لا ينتج المعنى بوصفه حصيلة نهائية بل يفعل قلقاً معرفياً وشعورياً يهدف إلى تفكيك الطمأنينة واستبدالها بـ"اللايقين المنتج".

تتأسس بنيته على شروخ الذات وارتباك اللغة فيتجاوز دور التعبير إلى فعل تأويلي يسائل الأنا والعالم في آن.

النص ينجح في تفكيك البنية المغلقة للمعنى عبر لغة تتأرجح بين الشاعرية المجازية العالية والتأمل الفلسفي المجرد مما يمنحه كثافة رمزية ويفتحه على قراءات تأويلية متعددة وفق منظور القارئ وسياق التلقي.

بذلك يندرج النص ضمن الكتابة الحداثية التي لا تسعى إلى تثبيت المعنى أو إنتاجه كحصيلة نهائية بل تفتحه بوصفه فعلاً تأويلياً دائم الحركة، يتشكل في كل قراءة ويظل عصياً على الاختزال...

***

***

قراءة نقدية من إنجاز فاطمة عبد الله

..........................

حينَ تُصْبِح الخَيبة وجهًا آخر للفجر"

لن أُخَبِّئَ هَفَواتي في دَهالِيزِ ظُلْمَةٍ، قد تَتَغَيَّرُ سِحْنَتُها عِندَما يَحينُ بُزوغُ الفَجْر، وهو يَحْمِلُ صَحائِفَ خَيْبَتِنا لِيَوْمٍ جَديدٍ تَأَسَّرَتْ فيه أَحْلامُنا العَصِيَّةُ، الَّتي لَم نَبْرَحْ نُغازِلُها كُلَّ يَومٍ بِبَقايا دُعاءٍ نَسِيَهُ أَحَدُهُم عِندَ صَلاةِ الفَجْر.

لَم أَكُنْ على اطِّلاعٍ بِتَفاصيلِ حِكايةِ يَومٍ أَلْعَنُ فيهِ خَفايا ما تُضْمِرُهُ لَنا السّاعاتُ، وأحاديثُ قَومٍ يَنُوءُونَ بِأَحْمالِ أَوْزارِ ماضٍ كَبَّلَهُم بِتُرَّهاتِ أَمْجادٍ مَصْلُوبَةِ الهُوِيَّةِ، الَّتي لَم تَصْلُحْ سِوى لِعُبُورِ نِقاطِ التَّفْتيشِ الوَهْمِيَّةِ في حاضِرٍ يُحاوِلُ فَكَّ أَسْرِ أَوْهامٍ لَم نُحْسِنِ الظَّنَّ بِها.

وأنا، في غمرة هذا التيه المُقيم، لم أعُد أفرّق بين وجوه الأمس وأقنعة الغد، كأنَّ الزمان قد اختلط في شراييني، أو كأنَّ لحظاته تُعيد نسج ذات الخيبة بألوانٍ باهتةٍ تختلف في شكلها، لكنها تَصْدُقُ في مرارتها.

كثيرًا ما كنتُ أبحث عن نافذة، لا تُطلّ على الخراب. نافذة لا تمرّ بها رياح الذكريات، ولا تنعكس على زجاجها ملامح من نسيناهم عمدًا، ثم فوجئنا بهم يعودون، يسكنون زوايا الكلام، وحنجرة الصمت.

أحاول أن أُمسك بخيط النور المترنّح بين جفون الصباح، لكن يدي مُثقلةٌ بما لم يُقال، وبما قِيل خطأً، وبما تمّ السكوت عنه حين كان الكلام ضرورةً لا ترفًا.

من علّمني أن أُجمّل السقوط بالكلمات؟

من قال إن الانكسار لا يُرى إلا حين ننظر في أعيننا دون أن نرمش؟

"ليس كل من تاهَ ضاع، فبعض الضياع هو الطريق."

من قريته "أرَاكَاتَاكَا" المغمُورة بسكّانها الأصليّين إلى "مَاكُوندُو" المشهُورة بغُزاتها الوافدين

وُلد غابرييل غارسيا ماركيز فى قرية «أراكاتاكا» فى السادس من مارس 1927. كانت هذه القرية التي رأى فيها النور منسيّةً مغمورة بمنطقة الكارايب الكولومبي، وقد تحوّلت فى روايته الشهيرة «مائة سنة من العزلة» إلى حاضرة مشهورة تحمل اسم «ماكوندُو»، هذا المكان الذي تتعايش وتتآخىَ وتتعانق فيه الحقيقة والخيال والأسطورة والتاريخ . فتح «غابو» ــ كما يسمّيه أصدقاؤه ــ بهذه الرواية البابَ على مصراعيه لإبداعاته الأدبية التي جـاءت فى قـوالبَ جديدة مستحدثة، وأساليبَ روائية مبتكرة، حيث اعتُبِربعد نشرها من أكبر أقطاب كتّاب الرواية فى موجة ما يُعرف بـ (الواقعية السّحرية) فى الآداب الأمريكية اللاّتينية التي حقّقت شهرة واسعة منذ اوائل الستيّنيات من القرن المنصرم فى مختلف أنحاء المعمور.

 هذه الرّواية رحلة إبداعية قادته لمعانقة نوبل

آخر كتاب نُشر عن ماركيز قيد حياته كان يحمل عنوان «غابو.. صحافيّاً»، وقبله بقليل كان قد صدر كتاب آخر عنه تحت عنوان «غابو.. رسائل وذكريات» لصديقه الحميم بيلينيُو أبوليّو ميندُوسا (أنظر مقالي بالقدس العربي حول هذا الكتاب، عدد7356 في 12 فبراير/شباط 2013). يقول الناقد الإسباني «خوَان كرُوث» عن هذا الكتاب :" إعتبُر هذا الكتاب عند صدوره فى طبعة خاصّة كنزاً ثميناً فى عالم الخلق والإبداع الصّحفي والأدبي على حدّ سواء، فبعد أن تمّ توزيعه بالمجّان، أصبح يباع اليوم بثمن باهظ، لذا فإنّ الصّحافيين الذين أمكنهم الحصول على النسخ القديمة منه قد أخفوها فى مكان مأمون لهذه الغاية، فالأمر يتعلق بصاحب رواية «مائة سنة من العزلة» التي بيع منها منذ صدورها عام 1967 إلى اليوم الملايين من النّسخ والتي تُرجمت إلى 37 لغة بما فيها لغة الضاد".

تُعتبر «مائة عام من العزلة» من أشهر روايات ماركيز على الإطلاق، التي توّج بها رحلته الإبداعية بجائزة نوبل فى الآداب عام 1982، كُتبت هذه الرواية خلال إقامة ماركيز فى «المكسيك» ونُشرت فى «بونس أيرس» بالأرجنتين، ولم يكن ماركيز يتجاوز عمره آنذاك التاسعة والعشرين. كان المشرف عن دار النشر الأولى التي أُرْسِلتْ إليها هذه الرواية قد نصح ماركيز بالتخلّي عن الكتابة وهجرها وليبحث له عن عمل آخر، إلاّ أنّ أوّلَ نقد بنّاء فطن لأهمية الرواية غداة صدورها كان للناقد المكسيكي «إيمانويل كاربايو» عام 1967، فقد ذهب إلى القول منبهراً : «إنّه وجد نفسَه أمامَ واحدةٍ من أعظم الرّوايات فى القرن العشرين». غادر ماركيز قريته أراكاتاكا عام 1930، إلاّ أنّه ظلّ وفيّاً لها وللذكريات التي عاشها فيها فى صباه وفى شرخ شبابه، حيث حمل معه مختلف العادات والتقاليد وحتى طريقة إرتداء الأقمصة المُزركشة ذات الألوان البيضاء الناصعة التي يوثر سكان منطقة الكاريبي على ارتدائها ويطلقون عليها إسم (Guayabera)، لذا كان غابو يبدو غريباً عندما وصل إلى بوغوتا وكان سكان العاصمة الكولومبية ينظرون اليه باستغراب، وذات مرّة سقط ثلج غزير على المدينة العملاقة فصار يجري، ويقفز وهو يغني ويدندن غيرَ آبهٍ بالناس الذين تجمهروا حوله وهم ينظرون إليه فى شدوه إذ لم يكن قد رأى الثلج من قبل فى قريته الصغيرة المغمورة التي أصبح يعرفها الملايين من الناس فى مختلف أرجاء المعمور باسم «ماكوندو» فى روايته .

المغتربون العرب فى مائة سنة من العزلة

تتعرّض هذه الرواية الذائعة الصّيت للمغتربين العرب الأوائل الذين استقرّوا واستوطنوا قرية «أراكاتاكا» ، كما يتعرّض ماركيز للمهن التي كانوا يزاولونها، مثل التجارة كباعة متجوّلين، وكان يطلق عليهم ماركيز اسم «الأتراك»، وهو مصطلح غير دقيق، إذ كان الناس يطلقون عليهم هذا الإسم لأنّهم عند وصولهم إلى كولومبيا كانوا يحملون جوازات سفر مسلّمة لهم من قِبل الدولة العليّة العثمانية، فنجد فى الرّواية غير قليل من العادات والتقاليد العربية، فالشارع الذي يُشارإليه بـ «شارع الأتراك» فى الرواية، سيصبح فضاء فسيحاً سرعان ما سيعرف تحوّلات كبرى سيكون لها تأثير بليغ على معظم سكان أراكاتاكا أو «ماكوندو» التي يقول عنها ماركيز إنّها "سرعان ما تحوّلت من ضيعة صغيرة مغمورة إلى قرية نشيطة مشهورة ذات دكاكين،وأسواق، وأوراش للصّناعات التقليدية، كما أصبحت طريقاً تجارياً منذ وصول العرب الأوائل إليها، الذين تعاطوا فى البداية التجارة والمقايضة، وأحدثوا تنظيماً إجتماعياً، وحياة ثقافية، حيث حملوا معهم «ألف ليلة وليلة» وحكاياتها العجيبة وخيالها المجنّح". ويرى بعض النقاد أنّ وصول المهاجرين إلي هذه القرية وإنتشار التجارة فيها قد يكون رمزاً واضحاً لوصول الإسبان إلى العالم الجديد.

 و عليه فإننا بعد قراءة متأنيّة لمائة سنة من العزلة لا عجب إن وجدنا فى هذا العمل الروائي الضخم كلمات عربية كثيرة، منها على سبيل المثال وليس الحصر :المسجد، السّوسن، القطن، العقرب، الضّيعة، الجلباب، الكافور، المخزن، الكحول، الزيت، القطران، المِسك، السّوط، الزّهر، الياسمين، الخزامىَ، السّاقية، البِِركة، اللقّاط، الزّعفران، الزناتي ــ نسبة إلى قبيلة زناته الأمازيغية المغربية، التي كان أهلها مشهورين بالفروسية وركوب الخيل- حيث إستقرّت هذه الكلمة فى الإسبانية بمعنى الفارس خلال الوجود العربي والامازيغي فى شيه الجزيرة الإيببيرية، وسواها الكثير من الكلمات الأخرى.

الفردوس المأمول

أهمّ ما يتبادر إلى ذهن قارئ رواية «مائة عام من العزلة» هو عدم تتابع وتسلسل أحداثها التاريخية، إلاّ أنّ هذه الخاصيّة بدلاً من أن تصبح عنصراً سلبياً يُنقص من قيمة الرواية يجعلها تكتسب بعض المميّزات التي أهّلتهأ لتحتلّ مكانتها المعروفة، ذلك بواسطة سبل قد تبدو للوهلة الأولى غير منطقية، إذ أنّ الرواية بدلاً من أن تتّجه نحو المستقبل فإنها تسير فى إتجاه معاكس للتاريخ بهدف الغوْص فى الماضي واكتشافه، الذي أسهمت العزلة فى تنقيته وتجليته بعد أن كاد يكون مجهولاً، إلاّ أن هذا الماضي يظلّ جديداً بالنسبة للقارئ كصحيفة اليوم التي بين يديه، إذ فيه يعثر ماركيز على ما كان يبحث عنه منذ 1955 عندما أصدر قصّته «تساقط الأوراق»، فكأنه يلتقي مع رجال يعيشون فى الخيال، وهو نوع من البناء إنطلاقاً من الهدم والقهر والقسوة والمعاناة. رجال وعالم يقفون فى الرّصيف المقابل للمعتقدات والعادات والأعراف الإجتماعية، وأخيراً عالم المخدّرات أو المهلوسات التي قد تجعل الحياة ممكنة ومستمرّة فى مجتمع مّا، كما هو الحال فى «الكولونيل ليس لديه من يكاتبه»، وفى «الساعة النحسة»، فقد كان من المستحيل على الكاتب أن يجمع بين التاريخ والشخصيات. إلاّ أنه أمكنه أن يجد فى قرية «ماكوندو» (أراكاتاكا) رجالاً وطرائقَ عيش تربطهم بعوالم سابقة لوجودهم، فى الوقت الذي تتحوّل فيه هذه الشخصيات إلى أناس أنانييّن، لا تهمّهم سوى المصالح المادية الآنية. فقرية ماكوندو ــ الفردوس الأرضي المأمول ــ هي الفرصة المناسبة المتاحة للإنسان ليحقق أمانيه. فى هذا الفردوس لا يمكن لخصوم الرجال استغلال الفرص لإفساد السعادة التي ينعمون فيها، ذلك أنّ (ماكوندو) التي توازي فكرة أمريكا، حيث أمكن للوافدين عليها من الأوربييّن منذ 1492 تعزيز مواقعهم ومراكزهم فيها، حيث استقدموا معهم عنصر الاستمتاع بالحياة ، وبالمقابل زرْع بذور الشرّ والكراهية والجشع والتدمير، كلّ ذلك سيترك القرية شبيهة بخلاء متحجّر، وذلك بالضبط ما أوحى للرّوائي المكسيكي «كارلوس فوينتيس» عندما قرأ مائة عام من العزلة بأن يصفها بأنّها : «كتاب أمريكا اللاتينية»، وهو نفس ما كان قد ذهب اليه كذلك الناقد « إمانويل كاربايو» عندما قال عنها إنها بمثـابة «كتاب مقدّس» فى وصاياه أو عهوده القديمة والجديدة الذي يحكي لنا فيها ماركيز تاريخَ شعب مختار فى قرية ماكوندو منذ البداية إلى حلول الكارثة، أي منذ أن وطئ هذه الأرض الغرباءُ الوافدون الذين جعلوا من هذه الضّيعة قرية أسطورية حتى اللحظة التي يلتهم فيها النمل آخرَ وليدٍ من آخر رجال هذه السلالة.

بين ملكيادس ونوسترادامُوس

هذه الرواية تبدو للقارئ كأنها تلخّص تاريخ أمريكا اللاتينية منذ الإكتشاف إلى الوقت الرّاهن. مع إشارات إلى بعض عهودها الغابرة، فضلاً عن تكهّنات واستقراءات تلهب الخيال حول العصر الوسيط، وعصر النهضة أوعصر الأضواء وهنا يجعلنا مركيز نلتقي بإحدى الشخصيات الغريبة الأطوار، وهي «ملكيادس» العالم الكيماوي فى العصر الوسيط، ويعترف لنا أنه إستوحى هذه الشخصية من قارئ الطالع والمتنبّئ وصاحب الإستقراءات المستقبلية في رباعيّاته الشهيرة الفرنسي «ميشيل دي نوسترداموس» وهو كذلك رجل النهضة المدافع عن حقوق الإنسان فى القرن الثامن عشر، ربما لذلك نجده يموت مرّتين، ويُحتمل أن يُولد من جديد ليدلنا ويرشدنا كيف ستجد «ماكوندو» (أي أمريكا اللاتينية) منفذاً أو ملاذاً أومهرباً من الموت الذي يحكم به عليها ظاهرياً مركيز فى نهاية الرّواية، إلاّ أنّ هذه النهاية تتصادف بشكل يثير للإنتباه مع البداية، فمائة سنة من العزلة تبتدئ بتقديم ماكوندو كأرض بور تدعو الرّجال فى المنطقة لإستيطانها، وتنتهي كذلك كما بدأت بدعوة جديدة للمهاجرين الجدد الذين سوف ينزلون إليها لأسباب عدّة من الجبال لاستيطان القرية ومنحها قوانين أكثر عدالة وأقلّ فساداً. كما أنّ «ملكيادس» يمكن له أن يموت، وأن يولد لأنه يقطن فى القارة الأمريكية، حتى وإن كانت تجرى فى شراينه الدماء الأجنبية، وهولا يميّز الحدود الفاصلة بين الحياة والموت فى هذه المنطقة/أمريكا التي لا يموت شئ فيها موتاً تامّاً أو نهائيّاً، كما أنّه لا يولد أيُّ شئٍ فيها بالتمام أوالكمال.

عوالم ماركيز

لم يكن عمر ماركيز يتجاوز 19 سنة عندما كتب أوّلَ قصة له ونشرها بعد ثماني سنوات وهي «تساقط الأوراق»، صدرت فى بوغوتا عام 1955، ثم تلتها رواية «الكولونيل ليس لديه من يكاتبه»، التي أنهى كتابتها عندما انتقل للعمل كمراسل صحافي من باريس عام 1957. ثم نشر «ساعة النحس»، التي حصل بها على أوّل جائزة أدبية عام 1961، وفى عام 1967 ظهرت «مائة عام من العزلة»، التي تعدّ من أعظم الرّوايات التي عرفتها اللغة الإسبانية فى القرن الفارط. ويشير «كاربايو» أنّ ماركيز قدّم للرواية الإسبانوأمريكية ما قدّمه فوكنر للرّواية الأمريكية، ويغدو الصّمتُ فى بعض أعماله أصواتاً مدويّة مثلما هو الشّأن فى مئة عام من العزلة، التي هي سرد لتاريخ شعب بأكمله. حتى أن «كاربايو» بعد إعادته قراءة ما كان قد كتبه فى نقده الأوّل لهذه الرواية عند صدورها، كان عليه أن يتنبّه إلى أنّ التنبّؤات أو قراءة الغيب فى الأدب يمكن أن ينأى بنا عن الصّواب. فقد توقّع الناقد فى عرضه الأوّل البعيد زماناً ومكاناً أنّ ماركيز مثل رولفو وسواهما من الذين بعد كتابتهم لعملٍ جيّد قد يلوذون بالصّمت، ولكنّ شيئاً من هذا لم يحدث، فقد إستمرّ فى الكتابة إلى آخر أيام عمره. ويشير كاربايو أنّه مع ذلك ليس متيقنّاً إذا ما كان ماركيز قد كتب بالفعل أعمالاً جيّدة فى مستوى مائة عام من العزلة، وهو يرى أنّ أعماله التي جاءت بعدها تشكّل نوعاً من الحنين نحو عالم ضائع لا يمكن استرجاعه. فماركيز الذي جاء بعد عزلة استمرّت (مائة سنة) ظلّ بالفعل صاحب أسلوب قويّ ومميّز. وهناك روايتان فقط بعد مئة سنة من العزلة وهما «يوميّات موت معلن» و«الحبّ فى زمن الكوليرا» يمكن وصفهما بأنّهما عملان رائعان، وأقلّ منهما «الكولونيل ليس ليه من يكاتبه»، هذه الأعمال فى سيرة أيّ روائي آخرأقلّ موهبة من ماركيز تستحقّ الإهتمام والإعجاب، أمّا عند ماركيز فهي أعمال يمكن قراءتهما بمتعة، ولكن ليس بالمتعة نفسها التي يجدها القارئ عند قراءته لـ «مائة عام من العزلة»، والتي قال عنها الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا .. إنها من أعظم الرّوايات التي كُتبت فى اللغة الإسبانية بعد «دون كيخوته» لسيرفانتيس.

إحدى عشرة سنة مرّت على رحيل الرّوائي الكولومبي ذائع الصّيت غابرييل غارسّيا مركيز، حيث حلت ذكراه في فى السابع عشر من شهر أبريل الفارط، إذ بعد احتفاله بعيد ميلاده السّابع والثمانين في نفس هذا التاريخ من عام 2014، غيّب الحِمَام أحدَ أكبر الرّوائيين فى القرن العشرين.

***

د. محمّد محمّد الخطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب

للشاعر نورالدين قاسمي

مولود جديد ينضاف إلى خزانة الشاعر المغربي " نورالدين قاسمي " ديوانه الشعري " أحلام على شاطئ الصمت "، هذا العنوان يحمل دلالات عميقة يمكن تحليلها سيميائيا على النحو التالي:

* "أحلام" تشير إلى عالم الخيال والرؤى، وقد ترمز إلى أمال، وتطلعات الشاعر، أو الشخصية الشعرية.

* "على شاطئ الصمت" يشير إلى مكان هادئ ومستقر، لكن الصمت هنا يمكن أن يرمز إلى الاكتئاب، أو الحزن / أو حتى التأمل العميق.

ومن خلال الجمع بين هذين العنصرين، يمكن أن نفهم العنوان على أنه:

* تعبير عن رغبة الشاعر في الهروب من صخب الحياة إلى عالم من الهدوء والتأمل، حيث يمكنه أن يحلم ويتأمل في آلامه وطموحاته.

* أو قد يكون تعبيرا عن حالة من الاكتئاب أو الحزن، حيث يجد الشاعر نفسه على شاطئ الصمت، يحلم بعالم أفضل أو بتحقيق آماله.

من منظور سيميوطيقي يمكن أن نرى العنوان كرمز يحمل دلالات متعددة، ويمكن أن يُفهم بطرق مختلفة حسب السياق والقراءة الشخصية. العنوان يثير فضول القارئ ويدفعه إلى البحث عن المعاني في هذا النص الشعري الطويل.

تتصدر الديوان قصيدة: " لمن أكتب ؟ " التي يعيش فيها الشاعر غربة بين قومه الذين انشغلوا بما لا يشغله هو، ولم يكن ديدنهم، ديدن أترابه، ومن أخذ عنهم وأعجب بهم، وشكلوا نموذج الحياة الذي ارتضاه ، فأصبح " عاري الملامح " وحائر المدى، لا يدري متى يفرح ؟ فيسائل الكلمة ما جدواها وما قيمتها؛ فقد غاب مشتروها، شغلتهم الشاشات، والشبكات العنكبوتية، فضيعهم الفضاء الأزرق الافتراضي. تركهم وتيههم

ليعطي لكلماته جدوى ووزنا بما يتوق إليه من ثورة من أجل السلام.

رسمت كلماتي بغصن زيتون أخضر،

غمسته في دمي الأحمر،

وسكبته على الورق...

غصن الزيتون يرمز إلى السلام والطبيعة والجمال. واللون الأخضر يدل على الحياة والنمو والأمل. إذ يمكن أن نفهم أن الشاعر يرسم كلماته بعناصر طبيعية وجميلة، مما يوحي بالرقة والجمال في التعبير الشعري.

" غمسته في دمي الأحمر "

- الدم الأحمر يرمز إلى العاطفة والحياة والشغف. يمكن إذن أن نفهم أن الشاعر يسكب عاطفته وكلماته على الورق، مما يوحي بالحرية والانطلاق في التعبير الشعري. من خلال هذه الأسطر الشعرية نفهم أن الشاعر يعبر عن نفسه بصدق وعاطفة، مستخدما عناصر الطبيعة والجمال ليرسم كلماته. كما يمكن أن نفهم أن الشاعر يمتلك رؤية عميقة وصادقة لذاته وللعالم من حوله. فهو يسكب كلماته على الورق، مما يوحي بالحرية والانطلاق في التعبير الشعري. لكن الإحساس بالتيه، وحرقة السؤال، الذي تحترق فيه توجساته ونواياه. العالم بالنسبة له " دروب داجية " يتجرع فيها كأس الإحباط؛ فهو غريب مهمش، رغم أرقامه وعناوينه، التي تختزل وجوده وكيانه؛ بل كيان كل الناس في مدينة التهميش. والصخب التي تاه فيها الشاعر مفتشا عن ذاته؛ فلا يجد إلا الغواية والضياع الذي يسكن حياة الوجوه الكالحة. يحاول الشاعر أن ينفلت ويهرب إلى قريته النائية، بل يريد أن يتحدى مدينة التهميش والإقصاء لكن ينتهي به المطاف إلى الشرود، والهموم، ولا يستسلم.

يزيد من هم الشاعر فقد القدس، وانصرام زمن السلم والوئام، وتولي الشعراء الدبر فالكلمات اختنقت، والنوايا جفت... والأمة ضاعت، نخرتها الأسقام وفرقتها الأحقاد والنحل، صرنا كالخرفان والبقر والأنعام... بفعل الجهل والتخلف. نجد الشاعر يطرق موضوعاته بلغة مباشرة واضحة لا تكلف فيها، ولا حنوط بلاغية تخفي الحقيقة. وحين تكون لغة الشاعر مباشرة وواضحة، يمكن أن نستشف الحالات النفسية والسيكولوجية، والأبعاد السيميوطيقية التالية:

* الصدق والصراحة، فقد يشير استخدام اللغة المباشرة إلى أن الشاعر يرغب في التعبير عن مشاعره وأفكاره بصدق وصراحة، دون تكلف أو تزييف. كما يدل الوضوح على القوة والثقة في التعبيرعن نفسه، ويرغب في نقل رسالته بشكل واضح ومباشر، مما يضفي على نصوصه الشعرية واقعية، سبيل التواصل الفعال وبالتالي التأثير القوي والمباشر على القارئ؛ فتحدث الاستجابة ورد فعل.

هكذا يستعرض الشاعر آلام الأمة وخوالج الذات: فهذه غزة وما عاشته من ويلات، وتقتيل في قصيدة " صيحة " ويبدو أن صرخة قرى غزة المناضلة الأبية التي يتحدث عنها الشاعر في " صيحة " لا يقصد الحالية؛ لأن القصيدة كتبت بتاريخ

04/08/ 2018، والمأساة الأخيرة كانت في 2024/ 2025.

ولعل قصيدة " صرخة صامتة " التي كتبت بتاريخ 18/06 / 2024 هي من تولت رسم عويل الأطفال وجوعهم، وهول الردى وأنين الأطفال ,

وتلك قصيدة " صدمة " التي تحكي حلم العاطفي بغادة جميلة فتانة، التي لم ينل منها إلا حلما ورديا جميلا، ووهما بعد أن علًّق على وجودها الأماني والآمال في الوصال.

والأخرى " حورية على شاطئ الصمت " تستحضر معشوقة الإنس، حورية، عروس البحار التي كان الشاعر يبحر بلا سفن ن ولا مراكب من أجل الظفر بها، لكنه لم ينل منها إلا خيط دخان " أحلام شيدت "، " على شاطئ الصمت ".

إن البعد الدلالي والسيكولوجي لهذا الحضور القوي للخيال في تجربة الشاعر نورالدين قاسمي، يمكن إيعازها إلى قدرة الشاعر على الإبداع والتجديد، وإنشاء عوالم جديدة ومبتكرة، كما أن الخيال يعتبر وسيلة تعبر عن العواطف بشكل أكثر عمقا وتعقيدا؛ إذ يحدد رؤية فلسفية عميقة للعالم والحياة، حيث يرغب الشاعر في استكشاف الأفكار والمفاهيم بشكل مبتكر.

كما يدل هذا الجنوح نحو الخيال على الهروب من الواقع، والضغوط اليومية، وخلق عالم أكثر جمالا وسعادة، بالإضافة إلى هذا فهو تعبير عن اللاوعي والرغبات والمخاوف الداخلية. وهو مع هذا بحث عن الذات والهوية، واكتشاف الأفكار والمشاعرالداخلية. إذ من خلال استخدام الخيال في الشعر، يمكن أن يخلق الشاعر عوالم جديدة ومبتكرة، وينقل رسالته بشكل أكثر عمقا وتأثيرا. وهذا ما نلاحظه من خلال جملة من الصور البلاغية، والحوارات الداخلية في القصائد التي تحاول أن تبوح بمكنونات الشاعر وخوالجه التي تتميز بالاحباط والانهزام أمام صعوبة الواقع المعيش والتحديات التي يواجه بها الإنسان.

لا يمكن القول إن الانكسار هو الحاضر الوحيد والأوحد في نصوص الشاعر، لأن قصائد أخرى مثل: " عشق وانتماء " يتحول الشاعر إلى طفل مزهو بانتمائه وانتصاره، بل إعجابه بالصحراء، ونغمها، وكثبانها ورمالها الذهبية ن وكرمها الأصيل فهي:

" هبة ربانية

سالبة للعقل

يلثم الموج

أحلام الرمل

في حضرة

شامخات النخل "

فالشاعر قاسمي كثيرا ما يفاجئ قرئه بالجديد، اللامتداول؛ بصورة أو تصور كما في قصيدة؛ " أحلى قصيدة "

{... }

" أيا قصيدة...

لم تنظم بعد. "

وهو بهذا يصعب قراءة قصائده بشكل أفقي يمر، ويلامس مجموعة من القصائد، بل يحسن بالدارس الوقوف على كل نص شعري؛ وقد يمكن له أن يجمع بين بعض النصوص المتشابهة ليس إلا. بل على القارئ أن لا يغيب عد ذهنه قدرة الشاعر توليد الدلالات؛ لأنه وإن تشابهت أحيانا، بعض النصوص فإن القدرة على الإبداع والتوليد الدلالي والتصويري، مثل ما في النص الشعري " المرآة " يحتم على المتلقي أن يعد عدته لاكتشاف ما يتوصل إليه الشاعر ولا يراه.

***

بقلم: د. عبد الحق السالكي

08 / 06 / 2025

 

قراءة رمزية - نفسية في قصيدة الشاعر الفلسطيني خلدون عماد رحمة.

في قصيدة "لو تقطفيني الآن قلبي أثقل الشجرة"، يُبحر الشاعر خلدون عماد رحمة في مساحةٍ شائكة من العاطفة الملتبسة، والرغبة المكبوتة، والتوق إلى المعنى المتجاوز للجسد. هي قصيدة تتوسّل الشعر لتفجّر الأسئلة الوجودية، وتخلط بين الطهر والخطيئة، بين الطفولة والاشتهاء، بين الموت والحياة، ضمن بنية دلالية رمزية تُسائل اللغة كما تُسائل الذات.

أولاً: الأسلوب الشاعري بين التوتر والإيحاء.

يحمل النص نَفَساً لغويّاً متوتراً، يُزاوج بين الانسياب الشعري والاندفاع الخطابي:

يقول الشاعر خلدون رحمة: «لو تقطفيني الآنَ / قلبي أثقلَ الشجرةْ».

افتتاحية مشبعة بالتوتر الوجودي: "القطف" هنا فعل مزدوج بين الرغبة في الانفصال والتحرر من عبء الحياة (القلب الثقيل) وبين دعوة للاندماج في الآخر (المُخاطَبة). القلب أثقل من الشجرة، إذن هو لا يحتمل وجوده، بل يعاني في فيزيائية شعورية غامضة؛ القلب بوصفه مركز الكينونة، أصبح عبئاً وجودياً.

تكرار ضمير المخاطب المؤنث يعمّق من الجاذبية الأسلوبية للنص، ويكشف عن حالة تماهٍ شعوري بين الذكورة المستسلمة والأنوثة المشتهاة، لا بوصفها جسداً فقط، بل معنى مضمراً يُفتِّت الحدود بين العاطفة والميتافيزيقا.

ثانياً: البنية الرمزية: من الجسد إلى "معبد الجسد".

القصيدة مشبعة بالرموز ذات الطابع الإيروتيكي الممزوج بالغموض الصوفي يقول: «مررتِ بعطرك الشبقيّ في غيبوبتي / ألهبتِ رمزاً خافتاً في معبد الجسد الحزين».

هنا تتحوّل الأنثى إلى كائن رمزي يتجاوز الواقعة الحسية إلى استدعاء بُنية مقدّسة. العطر الشبقي لا يُثير فحسب، بل "يُلهب رمزاً " في معبد الجسد، أي أنّ الجسد نفسه يتحوّل إلى فضاء طقوسي، مزارٍ للحزن والشهوة معاً. هذا التزاوج بين الألم واللذة يعكس بنية يونغية للنفس: حيث "الأنيموس" الذكوري ينجذب لأنثى داخلية تُعيد تشكيل الرغبة بوصفها بحثاً عن المعنى لا عن المتعة.

ثالثاً: البنية النفسية: التمزّق بين الطفولة والرغبة.

نلحظ في هذا المقطع تصعيداً مثيراً في الحسية الشعرية يقول الشاعر رحمة: «دلقتِ حليبكِ الناريّ في إبريق صمتي / فامتلأتُ طفولةً».

في قلب المفارقة، يُولد التناقض: "الحليب الناري"؛ رمز أمومي ملتهب، يوحي بالاحتواء والاشتعال معاً. "إبريق الصمت" كناية عن النفس المغلقة، الممتنعة عن القول، وعن تفجّر المعنى. و"الامتلاء بالطفولة" هنا ليس عودة إلى البراءة، بل تشكّل جديد للذات، ولربما تراجع إلى مستوى نفسي مبكّر كآلية دفاع نفسي أمام صدمة الشهوة.

رابعاً: الرمزية والتحرر: الجسد كحقل للمعنى.

القصيدة تتضمّن مفارقات رمزية توحي بتحوّل الجسد من موضوع للرغبة إلى وسيلة لفهم "المعاني" يقول: «هبيني عريكِ السريّ كي ألجَ المعاني من أنوثتها»، «زوّجيني الحبّ حدّ الموتِ / إنّ الموتَ يخجلُ من سؤال المقبرةْ !».

العري هنا ليس فاضحاً، بل سريّاً – أي أنه عري يُفصح عن الداخل، عن الحقيقة الباطنية. الأنثى تتحوّل إلى بوابة للمعنى، لا مجرد موضوع للرغبة. هو تحوّل من "شهوة الجسد" إلى "شهوة المعرفة". الموت لا يُخيف، بل يُستدعى بوصفه ذروة للاتحاد العاطفي والمعرفي: حب يصل إلى حد الإلغاء الكلّي للذات.

خامساً: الهجوم على اللغة:

القصيدة كجمرة وجودية: «أشعلُ حربَ أفكاري على نهديكِ / أحرقُ وردة الرؤيا وأصرخُ: / كيف تندلعُ القصيدة دون جمرةْ؟».

الشاعر خلدون رحمة هنا يتمرّد على اللغة، يحاول أن يكتب من موقع الجمر، من الألم الذي لا يحتمل التأجيل. الرؤية تُحترق كي تولد الكلمة. إنها استعارة واضحة عن الكتابة بوصفها محنة، وعن الجسد بوصفه ميداناً للكتابة نفسها. النهد لا يُشتهى فقط، بل يُهاجَم بالأفكار، أي أنّ القصيدة تتحوّل إلى مساحة صراع لا بين جسدين، بل بين فكر وشهوة، بين رؤيا ونار.

سادساً: الثمرة المسمومة: الخطيئة والمعنى.

يقول الشاعر خلدون رحمة: «لا تعودي للبدايةِ / حامض طعم الحكايةِ / والخطيئةُ قشرة الثمرةْ .».

يتّضح هنا تمثّلٌ واضح لفكرة السقوط، أقرب إلى سردية الخطيئة الأولى. الأنثى/الثمرة تُشير إلى التجربة التي لا يمكن العودة منها بريئاً. الخطاب يُفرغ الحكاية من سذاجتها، ويحوّلها إلى ماضي "حامض الطعم"، فتجربة الشاعر لم تعد طفولة، بل نضج معرفي مؤلم.

سابعاً: الخاتمة: التحوّل الجذري والفكرة المتحرّرة.

يقول: «اقطفيني الآن من جذري / اقطعيني / واغرسيني في حديقة قلبكِ الزرقاﺀَ / كي تتحرّر الفكرةْ .».

في ختام النص، يتحوّل "القطف" إلى طقس خلاص: لا بوصفه نهاية، بل انبثاقاً جديداً. الذات تطلب أن تُقتلع من جذورها – أي من ماضيها، ذاكرتها، وجودها السابق – لتُغرس في أرض الآخر. الفكرة لا تتحرر إلا عبر هذا الاقتلاع، عبر الاحتكاك الجذري بين (الأنا) و(الآخر)، بين المعلوم والمجهول.

خاتمة:

تُعبّر قصيدة خلدون عماد رحمة عن حوار داخليّ عميق بين الغريزة والمعنى، بين العاطفة والفكر، بين الرغبة والمعرفة. تستبطن رموزها في جسد اللغة، وتحوّل الجسد إلى لغة. قصيدة متوترة، مشحونة بالأسئلة لا بالإجابات، تُلهم قارئها لا باكتشاف الحقيقة، بل بالحيرة الخصبة، بالتوتر الخلّاق، بالتأويل المستمر. إنها ليست قصيدة عن الحب أو الجسد، بل عن إمكانية التحرر من المعنى ذاته كي يُولد المعنى.

***

,بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..........................

نص القصيدة:

لو تقطفيني الآنَ

قلبي أثقلَ الشجرةْ .

مررتِ بعطرك الشبقيّ في غيبوبتي

ألهبتِ رمزاً خافتاً في معبد الجسد الحزين

عطِشتُ من هولِ الغرابةِ

واختفى جسدي

دلقتِ حليبكِ الناريّ في إبريق صمتي

فامتلأتُ طفولةً

ورأيتُ زهرة شهوةٍ تمشي ببطﺀ نحو أرض العفّةِ المتصحّرةْ

هل أنتِ ميّتةٌ ؟

هبيني عريكِ السريّ كي ألجَ المعاني من أنوثتها

اقتليني

زوّجيني الحبّ حدّ الموتِ

إنّ الموتَ يخجلُ من سؤال المقبرةْ !

سأفيقُ حين ينامُ حلم الله في عينيكِ

أشعلُ حربَ أفكاري على نهديكِ

أحرقُ وردة الرؤيا وأصرخُ:

كيف تندلعُ القصيدة دون جمرةْ ؟

لا تعودي للبدايةِ

حامض طعم الحكايةِ

والخطيئةُ قشرة الثمرةْ .

اقطفيني الآن من جذري

اقطعيني

واغرسيني في حديقة قلبكِ الزرقاﺀَ

كي تتحرّر الفكرةْ .

***

اعتبر ألبير كامو الذي نفسه تلميذاً لدوستويفسكي وحول روايته الأثيرة لديه "الشيطان" الى مسرحية واقتبس العديد من افكاره. وكان يكرر أن تاثير عبقرية الكاتب الروسي تجاوز حدود بلده منذ زمن طويل ولم تفقد قوة تأثيره. وصرح كامو قبيل وفاته في أواخر خمسينيات القرن الماضي: "الآن نعرف أن أبطال دوستويفسكي ليسوا غرباء أو عبثيين. نحن نشبههم، نحن كم طينة واحدة. وإذا كانت "الشياطين" رواية نبوئيًة، فذلك ليس فقط لأن شخوصها كانوا قبلنا عدميين، بل لأنهم يُظهرون على المسرح أرواحًا ممزقة وميتة، عاجزة عن الحب وتعاني، لهذا فهي متعطشة للإيمان لكنها لا تملكه. واليوم، غمر هؤلاء الابطال مجتمعنا، وعالمنا الروحي".

وإذا كانت ثمة تشخصيات مشتركة بين دستويفسكي وكامو بصدد القضايا الوجودية للانسان ومحنه وتطلعاته للخلاص من وجوده الملتبس، فان الاديبين/ المفكرين يختلفان لحد التناقض في سبل الخروج من الازمات الانسانية. وترصد الناقدة الروسية آلّلا لاتيننا في دراستها "دستويفسكي والوجودية" التشابه الماثل للعيان بين شخصيتي رواية دستويفسكي الجريمة والعقاب راسكولنيكوف والغريب لكامو ميرسو اللذين تورطا بارتكاب جريمة قتل مجانية، رغم اختلاف مقاربات الأديبين منهما. وتمضي بالقول: وعموما أن ماتيف إبداعات دوستويفسكي تغلغل على نطاق واسع في أعمال الأدب الوجودي. علاوة على ذلك، يُعتقد أن أفكار الكاتب الروسي الكبير تركت انعكاساتها بمختلف الأشكال على الفلسفة الوجودية نفسها.

لقد ارتبطت حياة كامو الادبية والفكرية على مدى ربع قرن (1935-1960)، ارتباطًا وثيقًا باعمال دوستويفسكي. ولم تظل أهمية  انتاجات الكاتب الروسي جامدة في ذهن كامو. فقد مرت بتطورمعقد، ارتبط بأحداث العصر والحياة الروحية للكاتب نفسه.

بدأ كامو بالتعرف على أعمال دوستويفسكي عندما كان في العشرين من عمره، حينما كان يدرس في الجامعة بالجزائر. وسرعان ما أصبح مهتمًا بها، ولعب دور إيفان كارامازوف على خشبة المسرح. وصرح كامو عن دوره كإيفان: "لقد لعبته، ربما، بشكل سيئ، لكن بدا لي أنني فهمته تمامًا".  واستذكر في عام ١٩٥٥، في حديث إذاعي بعنوان " من أجل دوستويفسكي"، قائلاً: "تعرفت على أعمال دوستويفسكي وأنا في العشرين من عمري، ولا تزال الصدمة التي شعرتُ بها عند ذلك اللقاء حيةً في وجداني حتى اليوم، بأي عد عشرين عاما.ً في البداية، اعجبني إن دوستويفسكي كشف لي الطبيعة البشرية، كشفها بكل معنى الكلمة، لأنه يُعلّمنا ما قد عرفناه نحن، بيد أننا نرفض الاعتراف به. علاوةً على ذلك، فقد دارى إحدى نقاط ضعفي الذي تمثل بشغفي بالوضوح من اجل الوضوح. ولكن مع تفاقم مأساة عصرنا، سرعان ما احببت في دوستويفسكي، ذلك الاديب الذي فهم وصوَّرَ مصيرنا التاريخي بعمقٍ بالغ" .

ولم يخفِ كامو اهتمامه بأعمال دوستويفسكي. وقد ردد هذا في أغلب أعماله. ويذكر مراراً إن أعمالاً مثل "الإخوة كارامازوف"، و"الشياطين"، و"مذكرات من الاعماق"، و"مذكرات كاتب" (وخاصة مقال "الحْكم")، و"الجريمة والعقاب". إن أعمال دوستويفسكي أثارت من دون شك اهتمام كامو من الناحية النفسية، وذلك بفضل التصوير الحي لمشاعر الشخصيات التي أدركت عبثية الحياة؛ ومن منظور ميتافيزيقي   فيما يتعلق بقضايا الحياة والموت والأخلاق والحرية.

ويركز كامو، مثل دوستويفسكي، على دراسة الإنسان ككائن. فكامو من الفلاسفة الوجودين، رغم نفيه انتماؤه لهم، اللذن ركزوا اهتمامهم على الإنسان وتجربته الحياتية. وكتب في عام 1943: "ينبغي الاتفاق على أن العالم غير قابل للمعرفة ودراسة لغز الإنسان". وينطبق الأمر نفسه على دوستويفسكي. فقد حدد، وهو في الثامنة عشرة من عمره، أثناء دراسته في كلية الهندسة بسانت بطرسبرغ، هدفه واهتمامه الرئيسي طوال حياته وأعماله اللاحقة: "الإنسان لغز! يجب حله". وكتب الفيلسوف  الوجودي/ الديني الروسي نيكولاي برديايف عن دوستويفسكي: "يفتح دوستويفسكي عوالم جديدة. هذه العوالم في حالة حركة متسارعة. ومن خلال هذه العوالم وحركتها، تتكشف مصائر الإنسان". وسوف يركز هذا العمل، بدوره، أيضاً على القضايا الأساسية المتعلقة بالوجود الإنساني.

ورصد البحاثة تشابه واضح عند دراسة مقاربات الاديبين/  المفكرين لمشاكل العبث، والانتحار، والدين، والعدمية، والتمرد: وتأكدت هذه التشابهات في المقالات الفلسفية والأعمال الفنية للاديبين. ومن المهم أن نلاحظ أن دراسة فلسفة دوستويفسكي وكامو من هذا المنظور اتاحت بالتوصل إلى فهم أعمق لهما،

من خلال رواياته "الشياطين"، و"الإخوة كارامازوف" ومقالته "الحْكم"،  لقد طرح دوستويفسكي الأسئلة التي حفزت لاحقا تفكير كامو. إن وصف دوستويفسكي للعبث الذي تتسم به بعض شخصياته، أثر بلا ريب بصورة كبيرة على فهم ألبير كامو للعبث. علاوة على ذلك، فإن استنتاج كامو في اسطورة سيزيف  بأن إدراك العبث لا يؤدي بالضرورة إلى الانتحار تطوير لحوارات كيريلوف في " الشيطان، ومقالة "الحْكم". وعلى الأرجح أن هذه الحجج لم تكن لتظهر على الإطلاق لو لم يكن الاديب / الفيلسوف الفرنسي مطلعاً ومستوعبا لأعمال دوستويفسكي. علاوة على ذلك، نجد تأثير دوستويفسكي في موقف كامو تجاه الدين، رغم أن النتيجة النهائية مختلفة بصورة لافتة، إذ توصل دستويفسكي إلى الخلاص بالإيمان، في حين لم يقبل كامو الخالق مطلقا. إن هذا الرفض كان متأثرا إلى حد كبير بالمنطق الذي وضعه دوستويفسكي على لسان إيفان كارامازوف. وأما بالنسبة لمشكلة التمرد، فإن صياغة فهمها أيضاً تمرعبر تفكير دوستويفسكي. عندما تعرض كامو للعديد من أفكار دوستويفسكي، كان إما يوافق عليها أو يرد عليها بالنقد - لكنه لم يظل غير مبالٍ أبدًا حيالها. الحوار مع دوستويفسكي هو سمة مميزة ثابتة لأعمال كامو - سواء المقالات الفلسفية أو الروايات والمسرحيات والمقالات والخطب وما إلى ذلك. لقد حفز إبداع المفكر الروسي إلى حد كبير وحدد تشكيل فلسفة كامو.

***

د. فالح الحمراني

 

في ديوانه الجديد "الصباح رباح"، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في ٢٠٢٤، يواصل الشاعر إبراهيم محمد ابراهيم رحلته، التي بدأها في أعمال سابقة، في البحث عن ذاته، الضائعة في عالم عبثي يخلو من المعنى. وفي هذا السياق، يأتي هذا الديوان ليعكس علاقات الشاعر المأزومة، مع النفس، ومع الآخرين، ومع العالم.

يتأكد ذلك منذ الإهداء الذي يتصدر صفحات الديوان:

"عمرو ناجي

أنت النقاء الذي تمنيته....."

وعمرو ناجي هو صديقه الصدوق، الشاعر الموهوب الذي هجر الشعر لأسباب غير معروفة حتى الآن! ربما لأنه لم يعش المعاناة نفسها التي عاشها إبراهيم، وربما لأنه خشي أن يتورط مع شيطان الشعر في أعمال منافية لقناعاته، خاصة أن العالم المارق الذي نحيا فيه لم يعد في حاجة إلى فاوست جديد.

إن شاعرنا يبحث عن البراءة في الناس والعالم، أمنيته التي لم تتحقق، بعد أن جرفه التيار، ولم يعد يملك خيار الرجوع. فالعلاقة هنا مع الذات بالرغم من كونها تتحدث عن الآخر، وترى فيه حلمها الضائع!

وفي عبارة تالية، معبّرة، يكتب ابراهيم:

"اسمح لي أيها السوط أن أتألم..."

يعبّر الشاعر هنا عن علاقة مأزومة مع العالم. فعندما يستدعي السوط، أداة تعذيبه، ويطلب منه أن يسمح له بأن يتألم، في مفارقة صارخة، إنما يستدعي العالم كله بأشيائه وسلطاته وجلّادينه، في محاولة يائسة لاكتساب ميزة التعبير عن الألم!

ولا يخفى أن قصيدة الشاعر هي صرخته، وأداته الوحيدة للتعبير عن آلامه. لذلك لا يمكننا أن نفهم هذه العبارة إلا باعتبارها نوعا من الاستئذان، أو الاعتذار الخفي المسبق لما سوف يقدمه من قصائد في الديوان ربما تجرح الجلاد، أو  تثير حفيظة صاحب السلطة الذي يدير العالم بنحو كارثي، دون أن يعبأ بالضحايا!

 وفي عبارة استهلالية أخرى يقول:

"العتبة محروم كلّت كفاه الطرق

فخر صريعا تحت الباب..."

وبالرغم من أن العتبة هي شيء من أشياء العالم، غير أن أنسنة الشاعر لهذا الشيء ومنحه خاصية الشعور بالحرمان، والإحساس بالألم، يجعلنا نفهم العبارة بنحو رمزي يشير إلى الشاعر الذي تعب كثيرا في رحلة الحياة، ثم انهار أخيرا بعد أن تجمدت أحلامه وسُدت أمامه أبواب الأمل!

فهل أنهار الشاعر فعلا، وفقد كل قدرة على الفعل؟

في روايته السابقة "موت مواطن شريف" كان الشاعر فاعلا بقوة، لكن في اتجاه التشفي والانتقام، وكانت كلمته هي أداته للثأر ممن تسببوا في قهره ومعاناته، حتى أننا عبّرنا في دراسة سابقة عن هذا الموقف الوجودي الفريد بأنه نوع من "الانتقام الجمالي". فهل أستمر شاعرنا في مسلسل الانتقام في هذا الديوان أم نجح في التصالح مع العالم الذي غدر به ذات مرة؟ للإجابة عن هذا التساؤل ينبغي علينا التطرق لعلاقته ليس بالعالم فحسب، ولكن بالذات والآخرين كذلك.

علاقة الذات بنفسها:

علاقة الذات الشاعرة بنفسها لا تأتي عند شاعرنا إلا في شكل من أشكال التقمص الوجداني الذي يعتمد في حضوره على التماهي مع أشياء العالم، بالرغم من التنافر الظاهري بين الأنا ومفردات العالم. يتضح ذلك من قصيدته القصيرة "وحيد"، عندما يقول:

"وحيد...

كرغيف يابس،

كعود ثقاب مبتل،

كعانس تحل ضفائرها قبيل مطلع الفجر،

كقطة دهسها باص ببطء..

كإله لا ينفض الفأس عن رقبته بين آلهة متناثرة،

كإبراهيم!"(ص١٠).

فالشاعر يضع ذاته على نفس مستوى الموجودات التي فقدت معناها وجدواها في الحياة، لأنها فقدت هويتها، وباتت محض تجليات شائهة للوجود. يجد إبراهيم نفسه هناك منعكسا دائما فوق مرايا العدم، بدءا من الرغيف اليابس وعود الثقاب المبتل حتى الآلهة الحجرية التي حطمها النبي ابراهيم وعجزت عن الدفاع عن نفسها!

لا يدّعي إبراهيم النبوة أو الألوهية ولا يبشر بعالم يوتوبي جديد، لكنه يحيا كناسك في محراب الشعر، ولا يجد لذته إلا في وحدته، التي جعلها قاسما مشتركا لكل كائن تمرد على هويته وصار شيئا آخر.

في قصيدة "حيلة" يكشف إبراهيم عن كينونته الحقيقية بوصفه ساحرا عصاته الكلمة، يهش بها على أحلامه ونزواته دون أن يكون له فيها مآرب أخرى! فيقول:

"حين يجرفني الحنين إلى الذين ماتوا

أعيد لعبة قديمة

أتنكر مثلا على هيئة سلة مهملات

على درج متسخ

لم أمتلئ بأكياس سوداء كما توقعت

تمر سنوات وأظل سلة فارغة مائلة على حائط صدئ

تسكنني الآن قطة نحيلة

لم يشعر الجيران برائحتها التي فاحت

قبل أن تزحف لتصير عتبة مكسورة"(ص١٤).

فما زالت الذات الشاعرة تلعب أدوارا أخرى عدا أن تكون نفسها، أو قل إنها لا تجد نفسها إلا في التماهي مع كينونات أخرى تحيا وجودا عبثيا. وتظل الحيلة الفنية هي أداة الشاعر السحرية للدخول في عوالم مختلفة، والتنكر خلف أقنعة لا تشبهه على الحقيقة، لكن تمنحه القدرة على تأمل العالم، ورصد تفاصيل مأساة الحياة عن قرب.

غير أن الملاحظ أن الشاعر يضع نفسه دائما في حالة من التوحد مع الشيئي والإلهي دون الإنساني، فيقول في موضع من قصيدة "Application  ":

"أنا كائن قديم،

كأنه بيت وُضع في خطة إزالة"(ص١٨).

ويقول في موضع آخر من القصيدة نفسها:

"وأتضاءل في النهار

كإله سابق يذوب في حقل من غياب"(ص١٨)

ويذكرنا هذا التوحد بين الشيئي والإلهي بوضعية الإنسان عند نيتشة بوصفه "وتر مشدود بين الحيوان والإنسان الأعلى" ، أي الإنسان العادي الذي يتفوق على الحيوان، لكنه لا يصل إلى مرتبة السوبرمان. وإبراهيم لا يحلم بهذا التفوق الميتافيزيقي الخارق للطبيعة، حتى عندما يتوحد مع الإلهي، لكنه فقط يلقي ضوءا كاشفا على كل ما هو عبثي في الحياة، لأن الإنسان عند شاعرنا ضائع في زحمة من اللاجدوى واللامعنى. لذلك لا يذكر نفسه كإنسان إلا مقترنا بالهزال والضعف والانسحاق، وفي هذا المعنى يقول:

"المؤهل

إنسان سابق بتقدير هزيل جدا

العنوان

جسد مهجور آيل للسقوط..."(ص١٧).

علاقة الأنا بالآخر:

لا يميل إبراهيم، بطبعه، إلى التفلسف ولا يحرص على أن يضمّن  قصائده قضايا ميتافيزيقية أو معان كبرى، لذلك يغيب التساؤل الفلسفي عن تجربته الشعرية، لكن يحضر تساؤل إنساني، ذو مسحة عاطفية، من نوع خاص. تساؤل يحاول الشاعر أن يخترق به وعي الآخر المختبئ خلف تفاصيل يومية كثيفة. يتبدى ذلك في قصيدة "زينب" التي جعل منها ابراهيم موضوعا لتأمله وتأويله، بحيث يطرح السؤال ويقدم الإجابة في آن!

فعلاقة الشاعر بزينب محددة مسبقا، في خياله على الأقل، والتساؤل لا يبدو سوى خدعة فنية، أو مناسبة لتفسير وقائع تبدو في غير حاجة إلى تفسير، فيقول:

"ما الذي في البال يا زينب؟

سوى عتمة تتسكع على مرمى حجر

هواجس ترتدي جلبابا مسترخيا

وثقب يلهث في قميص من صداع

كأنه نبي

احتمى بشجرة

أو منشار لا ينثني لتوسلات الرداء"(ص٢٠).

ويتساءل في موضع آخر من القصيدة:

"ما الذي تقصدينه حين تركت ظلك مبللا بالخوف على مقعد الحديقة

الحديقة التي انكمشت كبصقة عامل القمامة

وهو يفض مظاهرة الياسمين

ولا يعترف بعقد عرفي بين الشجر وحطاب أكل فأسه

فصار جسرا لا يصل لشيء"(ص٢١).

التساؤل عند الشاعر في علاقته بالآخر الأنثوي، لا يصل إلى يقين، والإجابة لا تشفي الغليل، لذلك يستمر في التساؤل إلى ما لا نهاية بالرغم من سطحية التجربة التي لا تجاوز روتين الحياة اليومي، والتي من شأنها أن تطفئ جذوة الدهشة الملغزة، حتى أن التساؤل نفسه يتحول إلى مسلك روتيني يكرر نفسه دون رغبة في الإجابة! فيقول في خاتمة القصيدة:

"يا زينب

ما الذي في البال وأنت تلفين المدى كسجادة

وتعلقين السماء على حائط مائل

ثم تغسلين المواعين وأنت تغنين؟

ما الذي كان في البال يا زينب..."(ص٢٣).

التساؤل حول الآخر، لدى الشاعر، لا يعني حضور الآخر بالرغم من استخدام ضمير المخاطب، لأن إبراهيم لا يتحدث إلا إلى نفسه في غيبة الآخر وحضور العالم، الذي هو مجموعة الآثار التي تركها الغائب كشفرة سرية وجب على شاعرنا أن يحلها. والحق أنه يجيد فك هذا اللون من الشفرات، لأنها تمس ألغازا تتعلق بعلاقته بالعالم، وتجربته الخاصة في الحياة.

لذلك يمكنك أن تعثر في قصائد إبراهيم على مزيج مدهش من عناصر الكون، ومن طبقات الوجود. ففيها يختلط الأرضي بالسماوي والإنساني بالملائكي بالإلهي، والاجتماعي بالفردي بالسياسي. كل ذلك في سياق ذات مشتعلة بالرغبة والأسى، لا تملك إزاء أحلامها المجهضة واحباطاتها المتتالية سوى سلاح السخرية المريرة الذي تشهره في وجه الظلم الطاغي والمصير المحتوم.

تمتلئ قصيدة "الحزينة" بالكثير من الصور التي تعبّر عن هذه المعاني، خاصة في سطورها الأولى التي يقول فيها الشاعر:

"ما الذي تريده الحزينة هذا المساء؟

سحابة Brand 

أو مقلدة في علبة من قطيفة؟

إلها خجولا يقدم الشاي على صينية نظفها للتو؟

شاعرا على هيئة إسورة بمول تجاري؟

أخبريني أولا عن صداع يشبه رأسك

حين اتخذ شكل طيور تجوب المدينة في وردية ليل

تلون ريشها بلون الثورات والرتب العسكرية

وعن منديلك الذي يشبه المساء"(ص٥٠).

والغياب هو كلمة السر في علاقة الشاعر بالآخر، لأنه فيما يبدو، لا يملك شجاعة المواجهة، أو ربما صار اللقاء ترفا بات زاهدا فيه. يتأكد ذلك من فكرة الغياب المركب، أو المزدوج الذي عبّر عنه إبراهيم بصورة شعرية مدهشة، تذكرنا بغيابات محمود درويش، عندما كتب في ختام قصيدة "سكرات جثة قديمة":

"أحببت أن أغيب عشرين عاما عن "مقهى البستان"

كي أفاجئك هذه الليلة بغيابي أيضا

غيابي الذي ينتصب أمامك على كرسي وحيد

لماذا لم تأت

كي تلاحظ هذا الغياب"(ص٥٦).

وكما يغيب الآخر في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، مسجلا حضورا مجازيا على مستوى اللغة، يغيب أيضا عن الوجود كلية في وقائع غامضة من الموت الملغز. الموت الذي يتشبث بنمط من الحياة الخادعة التي تراوغ وعيا غافلا، يأبى إلا أن يعيش الأكذوبة، فيمارس طقسا أبديا من التهكم الفاضح على أحوال العالم. يتضح ذلك في قصيدة "الإباحي" القصيرة، فنقرأ:

"يصعد وحده

تسبقه كائناته التي لا يراها

ولا تراه

كائناته التي تقلده حين يسعل

أو يحفر على "الدرابزين" كلمة إباحية

أمام شقة جارته

جارته التي لا تفتح أبدا

كلما دق الباب بعد الواحدة صباحا

وحين اكتشف فجأة أنها ماتت منذ سبعة عشر عاما

رسم بجوار كلماته البذيئة

نهدين

وقمرا مشتعلا..."(ص٥٨).

ونعثر على نفس خبرة الفقد، المنطوية على شكل آخر من أشكال الاحتجاج الفاضح في قصيدة "صورة" التي تجسد حالة العالم بعد رحيل الأب. الأب الذي يمثل معضلة وجودية في حياة الشاعر، فيذكره في أكثر من قصيده، ويبقى منه على مسافة تخلو من التعاطف، غير أنه هنا، ربما للمرة الأولى، يتوحد معه ويجعل منه أداة للثأر المعنوي من العالم الذي لم يحفل به يوما أو بأبيه، فيقول:

"أنا ابنه الوحيد

ألملم ظله بعد أن أنفض عنه أحذية العابرين

أدسه في دولابه مع أوراق ميلادي

وبرواز بشريطة سوداء جانبية

وصليب مستعمل

أفك الآن سرواله الذي يرتديني

كي أبول خلف شجرة

يخدش حياء النهار الذي أعطاني ظهره هكذا..."(ص ص٦٣-٦٤).

 وفي جدلية مدهشة تذكرنا برائعة نيكول كيدمان السينمائية "الآخرون"The Others   يدخلنا الشاعر في لعبة تبادل الأدوار بين الأموات والأحياء، بحيث يصير الحضور غيابا والغياب حضورا. فالأحباب الذين ظننا  أنهم رحلوا عن دنيانا وحاولنا الاتصال بهم دون جدوى هم الأحياء على الحقيقة، ونحن الموتى الذين لا نرد على رسائلهم!

ولا يخفى الإسقاط العدمي الذي يجلبه الشاعر للوعي، بحيث تذوب الحدود بين الحياة والموت، ما من شأنه أن يربك الحواس، ويفقد الشاعر فرحته باكتشاف حياة الآخرين أمام حزنه المؤرق حين اكتشاف موت الأنا! نلمح ذلك في قصيدة "وفاء" عندما نقرأ السطور التالية:

"الأحياء الذين رحلوا..

لن أمحو ارقامهم من هاتفي

عسى أن ينسوا أنهم ماتوا حين أرن عليهم

يرسلون رسالة سريعة:

(نحن مشغولون مع أصدقاء

لهم نفس صورنا)

فنتأكد أننا الذين ماتوا

وأنهم أبقوا على أرقامنا

عسى أن نقرأ رسائلهم اللحوحة

التي لا نرد عليه أبدا..."(ص٦٠).

وفي كل الأحوال، نجد أننا إزاء أنانية من نوع خاص  فالشاعر لا يحفل بالآخرين قدر احتفاله بذاته المنكفأة على نفسها، ولا يستدعيهم إلا باعتبارهم وسائل مساعدة لإعادة اكتشاف معاناة الأنا في ظل علاقات شائهة، وتجارب لم تضف للذات كثيرا قدر ما أخذت منها.

علاقة الأنا بالعالم:

العالم عند الشاعر ليس هو الكون الفسيح، لكن عالم الحياة اليومية الذي يعج بالتفاصيل الصغيرة. إنه يقترب كثيرا من أشياء العالم، ومن خلال رؤية مجهرية ينجح في رصد الكثير من التحولات المتشابكة والعلاقات الدقيقة التي لا تلتقطها النظرة العابرة. والعلاقة بين الأنا والعالم تأتي على مستويين، أحدهما معرفي والآخر وجودي، الأول يقف فيه الشاعر على مسافة من الأشياء والآخر يدخل فيه في علاقة مع الأشياء تصل إلى حد التوحد!

يتبدى المستوى المعرفي في الكثير من القصائد، منها قصيدة "فضول" التي يراقب فيها الشاعر حياة الجيران عبر نافذته المقابلة، فنقرأ:

"أقف على أطراف أصابعي

كي أعرف نوع الفاكهة المهملة

على مائدة من خشب تآكل

تحت مفرش أبيض باهت"(ص١١).

وهي معرفة تأتي بدافع من فضول الشاعر بالرغم من أنه يصف الجيران الذين يتلصص عليهم بالفضوليين. غير أنه يصفهم بذلك كنوع من التهكم، لأنهم بالرغم من كونهم كذلك منعهم روتينهم اليومي العتيق من رؤيته وهو يسقط من نافذته المقابلة لهم. إننا أمام معادل شعري لبصرية هيتشكوك في فيلم "النافذة الخلفية" التي تستدعي بدورها فكرة التلصص عند سارتر، وهي فكرة يمكن أن تكون مفتاحا تأويليا لفهم علاقة الشاعر بالعالم، فيقول:

"جيراننا الفضوليون

الذين لم يكلفوا أنفسهم ليعرفوا مصدر الضوضاء

حين سقط جسدي من نافذة مقابلة

لا يلملمون حكايات معادة من براويز معلقة على حائط

متوجة بشرائط مائلة سوداء(ص١١).

تتبدى فكرة التلصص بنحو واضح في قصيدة "مشهد جانبي لسفارة أجنبية" عندما يرقب الشاعر تفاصيل صغيرة لأشياء زائلة ومغامرات ليلية لا يلحظها أحد، فنقرأ:

"نشيد منسي

تردده الأشجار آخر الليل

حين يتكئ إليها شرطي

أنهكه الوقوف أمام السفارة

دخان يعانق ضوءا خافتا

يتشبث بزجاج نافذة خجلى

حين هم الشرطي بقضاء حاجته

أمام السور"(ص١٢).

وفي قصيدة "أشياء صغيرة" تسري روح آلان روب جرييه الوصفية الخالصة، التي تكتفي بوصف الأشياء كما تتبدى في الواقع دون أن تمنحها فرصة البوح بأي مكنون يمكن أن تحمله في باطنها. يفعل إبراهيم الأمر نفسه حين يرقب تفاصيل حياته المتناهية في الصغر بنحو ينزع عنها أي معنى أو دلالة يمكن أن تثير دهشة القارئ أو تستفز فيه شيئا من التأمل أو التفكير، لكنها، بالرغم من ذلك تنبئ عن أن شيئا ما خفيا في سبيله إلى الظهور، ميلاد جديد، أو إبداع شحيح يحرك شيئا من السكون، فيكتب:

"أنين صرصور الليل

إيقاعات هبوط وصعود على درج قابع تحت إحداثيات الفجر

بقعة شاي على ورقة بيضاء

وقلم ملفوف بشريط لاصق أبيض

تنعس احتمالات على حافة المائدة

في انتظار أشياء صغيرة"(ص١٥).

تتحول لعبة الاحتمالات إلى سردية كبرى في قصيدة "ورقة مكرمشة"، عندما ينطلق الشاعر من تفصيلة صغيرة، ورقة مكرمشة في جيب جاكت، ليقص علينا أساطير يومية ضبابية من وحي خيال يعيش اللحظات الهاربة دون يقين ثابت عدا السخرية من كل شيء.

وبهذا المعنى لا يتورط إبراهيم في العالم ولا يتعرف عليه من بعد كعادته، لكنه فقط يسعد باللعب معه على وتر الاحتمالات، فيقول عن الورقة المكرمشة:

"ربما كان جوابا غراميا لابنة صديقة أمي

أو ربما لصديقة أمي نفسها

ربما استقالة لم تجرؤ أن ترسلها لمدير

تشبهه قللٌ من الجبس في بلكونات المدارس

ربما تقمصت الورقة منديلا ورقيا

مسحت به أنفي في لحظة "إتيكيت" نادرة

ومبتكرة

كان سيشمئز منها موكيت ولية الأمر البدينة

وهي تضع صينية الشاي"(ص ص٣٤).

على المستوى الوجودي يدخل الشاعر في علاقة مباشرة مع العالم، وتكون هذه العلاقة على أشكال عدة. ففي قصيدة "كوب شاي" يتوحد الشاعر مع كوب شاي على مستوى الشعور. فبالرغم من أن كوب الشاي جماد لا يحس، إلا أنه نجح في أن يبث فيه الحياة والأسى الذي يشعر به، فكلاهما يعاني على طريقته وكلاهما يحيا تجربة وجودية أعمق مما يبدو على السطح، وهنا تتبدى براعة شاعرنا في المزج بين الذات وأشياء العالم عندما يكتب بإيجاز يختصر عالم الشعور كله:

"كان كوب الشاي صامتا

وشاردا

ربما بعد محاولة يائسة أن يستفزني للبوح

كان عليه أن يدرك إنني لست أقل منه حسرة

رغم ما به من سكر

إلا أنه مثلي

يشعر بمرارة الأشياء..."(ص٥٧).

بنفس المنطق يقرأ الشاعر تفاصيل حجرة العائلة، التي تحيا في وحدة، وتعاني جدلية أبدية بين صباح عاجز يجلس على كرسي متحرك وليل جبان يختبئ، كفأرة مذعورة، تحت طاولة طعام هجرتها العائلة. إنها حياة الشاعر نفسه موزعة بين تفاصيل مشهد سيريالي، أو لوحة ما بعد حداثية تتصدرها طبيعة صامتة لا تملك جرأة الشاعر على البوح عندما يقول:

"صباح على كرسي متحرك

ينتظر ليلا يدفعه خطوتين

فيما يتربص الليل تحت طاولة عائلةٍ

كي يفر كفأرة مذعورة خطفت قطعة خبز يابسةٍ

 أنا تلك الطاولة

وأنا العائلة التي اختُزلت في شخص وحيد

وحياتي تلك اليابسة التي سقطت

أسفل الكرسي..."(الصباح رباح، ص٦٥).

وفي كل الأحوال، يمضي الديوان على الوتيرة نفسها التي غلفت الأعمال الأخرى لشاعرنا، بحيث جاء معبّرا عن أزمة الأنا مع الآخر، ومع العالم. تلك الأزمة النفسية ذات الطابع الوجودي، التي فجّرت السخرية، كقنبلة موقوتة، في وجه العبث الذي يأبى إلا أن يجعل من إبراهيم ضحية مسلوبة الإرادة!

لكنه لم يكن هكذا دائما، فقد نجح في تحويل قصائده إلى سهام حادة تصيب العالم المتحجر في مقتل. لم يكن إبراهيم سوى نسخة معاصرة من الكونت دي مونت كريستو أو أمير الانتقام الذي كان يبث الرعب في أوصال ضحاياه قبل أن يكشف لهم عن وجهه المخيف.

إن شاعرنا، الذي يعمل بالتدريس، لا يكتب بدافع من الرغبة في تقديم دروس في الحب أو الشعر أو البلاغة، لكن في إماطة اللثام عن الوجه القبيح للعالم. ولعل أقوى ما في انتقامه هو سخريته، وأقوي ما في سخريته هدوءه الذي يشبه الموت!

***

د. ماهر عبد المحسن

النص الثقافي في الشعر العراقي المعاصر (4)

تعتبر الأسرة أهم خلية يتكون منها جسم المجتمع البشري إذا صلحت صلح المجتمع كله، وإذا فسدت فسد المجتمع كله، في كنفها يتعلم النوع الإنساني أفضل أخلاقه، تتوحد الاسرة بأبنائها في ظل المقومات الربانية من سكن القلب واطمئنان النفس وراحة الضمير حيث تضفي على أبنائها خصائصها ووظيفتها، عندما بدأت بقراءة مجموعة (عن الشط واهله) وهذه العلاقة الوثيقة بين الماء الحياة في شط الشامية ومجتمعها الذي نمى كأشجارها على جرفيه منذ أن تكونت القرى قرب الماء، وجدت الشاعر بدأها بوالد المدينة السابقة ليحيي المدينة الحالية وهذا الوالد الروحي يحمل مكانة اجتماعية ودينية مؤثرة في علم دراسة الإنسان، أنه (السيد صاحب الشرع والد الشامية) بهذا العنوان الكبير، أرى مقدار احترام المدينة وولاءها وطاعتها، فهو القاضي في نزاعاتها، والحامي عن حقوقها، والطبيب لمرضاها في شتى الأمور، والراعي لأزقتها كمدينة ينثر الامان والطمأنينة بين أبنائها عملاً وتصرفاً، وفيصل الكلمة المطاعة، فيصفه:

سيفرُح المعصوموَن

أن ابنَـُهم المضيءَ

كان أباً كريماً لمدينة عظيمة

أَو ليس الذي يركب جواَد الحسين حسينا

أوَ ليس الذي

يـُقطُّر ابناءَهُ شهداءً حسيناَ

أَو ليس الذي تعشُقهُ الشوارعُ

وتقبِّلُ يَدهُ الحارات حسين؟

فللغة الخطاب التسائلي وقوعه ضمن التشبيه، وهي نتيجة لما يحدث في حياة هذا الرجل الذي يأخذ مكانته من نسبه الممتد بشجرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، منها يجد المساحة للتشبيه بين أب الشامية وجدِّه الحسين عليه السلام، ذلك الثائر الذي يقوم أبناء الطائفة وأشياع والده في تخليد ذكرى معركة استشهاده في كل عام منذ ألف واربعمائة عام، كدأب عقائدي لا ينقطع، ويقوم هذا الأب بتمثيل دور المجاهد العظيم أبا الأحرار فيزداد مكانة لأنه أولى من كل الشخصيات بتأدية دور الحسين الشهيد عليه السلام، فيكسب بذلك تعاطف ومحبة الناس في مدينته الصغيرة التي يؤمها يوميا في منهجه التفقدي لها، وهو أيضا المضحي بأولاده الشهداء الثلاث على يد جلاوزة النظام السابق، كما يذكرهم النص ففي هذه السردية السائلة كمياه النهر لتأريخ السيد الشرع، ينقل لنا الشاعر معنى الاحترام المتبادل والمحبة المتبادلة بين المدينة ووالدها، وكما يقول جان مايسون: (لا يدفع ثمن الحب إلّا الحب)، وهناك والدة للمدينة في حكاية احترام وتقدير وحنان طاغي لهذه الوالدة العصية على النسيان، فهي تحضر في ذاكرة المدينة أم الشامية (أم ديوان) أم الجميع حيث عقمت المدينة وحكومتها أن تلد مشفى لنسائها، فكانت الولادات على يد هذه الأم التي اخرجت الكثير إلى النور:

توبخين التي يعسُر طلُقها

فتبتسُم

ابتسامةَ الرضا

ويهدُر الأمل

مع مفردات الدعاء،

مؤخراتنا الصغيرةُ

تحتملُ ضربات كفيك

لنصرَخ أوَل مرة

ويستمُر صراخنا

الى أن نعوَد

الى بطن أكبر

أستشف على أنها القابلة الوحيدة في المدينة، فهي التي ولدوا اغلب أبناء الشامية على يديها، وهي التي توبخ المعسرات كي يطْلقْنا أولادهن وتضربهم كي يصرخوا حتى يعودوا امواتاً بعد عمر مَنَّ به الخالق جلَّ في علاه ليسلموا إلى (عم المدينة) ودفانها الذي يواريهم الثرى وأثر مفرداته وتوصياته بهؤلاء الشباب غداة الحروب ونهايات الحياة المختلفة، فهو الحاني على الشباب حين يستشهدوا والمتأثر لرحيلهم المبكر، فيدعوا حفاري القبور الرأفة بهم وتوسيع قبورهم بقولٍ حنيناً مؤلم النبرة، شفيق المنتقى من المفردات.

فهذه الوالدة (أم ديوان) أخرجتهم من لجة الظلمة ذات لحظات مفرحة ومؤلمة وقت لا كهرباء ولا مستشفيات ولا طبيبات مختصات يساعدن الأمهات في لحظات الإنجاب سواها، ولها آراء وحِكَم وأقوال في تأريخ المدينة ذات عصر كانت لها آذان تسمع وألسن تردد مقولاتها،  بعضها تهكمية تنال وتطال الحكومة التي لم تكن يوما راضية عن تصرفاتها وعن رجالاتها الذين لا يملكون مكانة اجتماعية في تأريخ المدينة، وهي ترى انهم لا يستحقون الحظوة والأمر والتحكم والسيطرة على مدينة حرَّة حكمت بالمحبة والصدق والأمانة وصلة الرحم والاحترام بين رجالها، فتقول باللهجة الشعبية:

قولتَك المشهورةَ

(يا حيف الهدانات تحكم مذاريب)

فتضحك الشوارعُ

التي اعتادت

رؤياك مسرعة.

وما تعني الجملة بأن الحكم تحول من الرجال أصحاب الحظوة والصدارة في مجتمع الشامية (المذاريب) إلى منهم دون الرجال، من المتسكعين والفارغين والمتهتكين العاجزين (الهدانات)، وهنا يؤيدك الجميع، لأن أنسنة المكان يدل على المجتمع الذي يعيش ويمر على هذه الشوارع، فالعيون اعتادت عليك وانت تسرعين لنجدة الأمهات عند الولادة وتركبين خلف ولدك على دراجته دون وجل أو خجل، فأنت يد المساعدة وطيف من الرحمة والسعد للبيوت بزيادة أعداد الفقراء التي تعدو على شوارع المدينة.

مجمل قول أرسطو في الشعر "على أنه أي الشعر أوفر حظّاً من الفلسفة وأسمى مقاماً من التأريخ "، فهو تعبير عن الحياة الإنسانية غير المجردة وكما هي على طبيعتها وبهذا أنتقل إلى مجموعة (حكايات الولد الخرافي) للشاعر (محمد السويدي) أبن مدينة الشرقاط، أجد أن نصوصه عن الأب الروحي ماثلة كما هو الأب عند معن، وعلى الرغم من أن الشرقاط في شمال الوطن والشامية في منتصف الوطن ألا أن آباء المدن في العراق هم هم، والعوائل العراقية تتشابه وأولادها يتشابهون وربما العرب بفوارق قليلة  يقول ابن خلدون: (العائلة هي عماد أي مجتمع، وهي الأساس الثابت والمتين الذي تبنى عليه الأمم والحضارات؛ فالأسرة هي حجر الزاوية، وقد جعل مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون للأسرة دورا محوريا في بناء الدولة، فهي من وجهة نظره الأساس الذي تبنى عليه العصبية، والعصبية بمعناها الواسع هي أساس الدولة) ففي قصيدة (حكاية الشيخ وهب): وهو عبدالله الوهب، يروي الشاعر لصغار المدينة عن هذا الأب الروحي واصفاً اياه:

في بلادٍ قريبة يا صغاري

عاش شيخ وحوله أبناءُ

سار في هذه الأزقة وعظاً

وعليه عمامةٌ خضراءُ

إذاً هذا الوهب الذي وهبته الدنيا لمدينة الشرقاط كان واعضاً يحمل الخير في جنباته يرعى الجميع، ويقدم النصيحة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحمل قدسية تختلف عن السيد الشرع بعض الشيء ويشبهه بشيء وهي العمامة الخضراء، وبما ان هذا اللون الذي يدل على الحياة والنماء وجمال الأرض فقد التصق دينيا بانه راية سلام وطمأنينة ففي الوسط والجنوب يدل على صلة النسب بآل محمد عليهم أفضل الصلاة والتسليم، وفي المناطق الشمالية والشرقية يدل على الخلق الديني الرفيع الذي يجلُّه عامةُ المجتمع باعتباره دلالة على عمامة آل رسول الله صلى عليه

وآله وسلم، فيقول الشاعر:

كان يعطي الطيور وقتاً

لتمضي بأمانٍ

فقيل عنه السماءُ

هؤلاء الطيور ليسوا طعاماً

لحروبٍ فكلهم أصدقاءُ

إن تغب دجلة يطمئن القرويين

سوف يأتي الماءُ

فهنا عرّفَ ان دور عبدالله زراعة الأمل في قلوب الصغار بمراعاة الطيور سواءً كان يقصد الشاعر بكلمة طيور الشباب او الطيور على انهم ليسوا طعاما للحروب وأنهم احبة واصدقاء مهما اختلفوا في ألوانهم وأشكالهم للحفاظ على الوحدة الوطنية، وان الحياة لابد ان تسير وفق منظور الوطن للجميع، وان ماء الحياة يقدم من شتى المنافذ قد يكون من السماء غيثا، ولا يهم ان عملت الأيادي الخبيثة على قطعه في دجلة الخير، او قطعه بزراعة الفتن بين الشعب، فالماء سر الحياة والحياة لا تتوقف عند منعطف من الشر، وخاصة أن الشاعر عانى من الطائفية حين أفشتها أيادي الكفر بين العراقيين، فهذا الأب الروحي للمدينة قادر على تربية أولاده الصغار في العمر أو العقول بالوعظ والنصيحة والحكمة لكي يكبروا ويحملوا القيم الكبرى للانسانية.

محمد الشاعر يختلف عن معن الشاعر في نصوصه الثقافية، فمحمد يتحدث وينتج عن لسانه، عن لغة خطاب مباشرة منه، ومعن يمتاح من معين تراثي، وحين ينقل محمد خطاب عن أمٍّ تخاطبه هو، ليكون الراوي العليم (مما حكته لي أمّي) كان متأثراً جداً وقلقاً جداً، ما يراه يسكنه داخلياً ويقظ مضجع تطلعاته، هو لا يفكر في تأريخ مدينته ولا يتعامل مع ماضٍ، بل مع حاضر يراه مهشماً وإن مضت أيامه عن وقت قريب، وما يأتي رجاءٌ، لا أقول تمني، حين يضمّن غداً الغيبية، هذا ما يرجوه وليس الضمان في تحقق الحدث، ربما يستشف من قراءة عن أمس، لأن الزمان كما يقال يعيد نفسه:

نم يا صغيري نامت اليقظاتُ

وتدثرت بغلافها الصفحاتُ

هذه الهدهدة في مهد الحياة بصوت الأم القادم من التراث العراقي بأغنية الطفولة الماثلة في ذاكرة جميع الشعب (دل اللول، يا الولد يبني) هنا هو الأم، هو الذي يخاطب قلبه، أو عقله لكي يجعله يهدأ، المستقبل لله، ما عليك سوى ان تدع ما ليس لك طاقة على صنعه لخالقه، فما قرأته وعلمته أو تعلمته إتركه الآن فتلك الصفحات من الحياة أغلقت أبواب غلافها واصبحت من التأريخ، وستأتي صفحات لتِدَوَّن وهكذا، إنه خطاب نفسي قانط، ولكن لا حيلة، فعليه أن يثق بأن (ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها يغير الله من حالٍ إلى حالِ) يقول:

لا تقصص الأحلام

قد تبتزنا حربٌ عجوز قادها الأموات

هذه هي (الحرب العجوز) القلق الدائم، فالحروب منذ ان ولدت على يد أبني آدم، وهي تكبر ولا تشيخ، لا تُنهَك بل تتجدد مع الأجيال بولادات أكثرها معسرة فتكون حلا لليائسين، وقدرا للراحلين، ونكاية للحالمين، الذين لا يريدون دار العناء، فطلب النوم قصير، وربما غفوة دون استيقاض مع حرب فتية، يشعلها من يرحل قبل أن تكمل أسبابها، ويموت قبل أن تحل أوزارها، وهنا يبدأ بقص حكاية الأم ووصاياها وتحذيره من أن يبوح ويخبر الصبيان بأحلامه، وكيف أنه فقد الحبيبة وفقد الأمل المتمثل بالشمس، لا تبوح بحبك الذي ذهب للرهبان فما عليك بُدٍّ من الاعتراف بعشقك ولا صلاة، فالأم عند (محمد السويدي) مبتدعة بكل ما تحمل من صور النصح والإرشاد، هي فكرية من صنعه، شخصية مبتكرة متواجدة في عقله الباطن، قد تكون المدينة، وقد تكون الحلم، وقد تكون الصراع الذي يهيمن عليه من جراء تعرضه وأهله ومدينته للحروب ومنها الطائفية وغول الدولة الإسلامية المفتعل، لتحطيم العراق وأحلام أبنائه، لهذا ينشد أن يكبر هو وبلاده لا فرق بينهم لكي يتجاوزوا المحنة من أجل الغد المنشود، فلسان حاله ما قاله جاك ريف ر: 0 كلنا نموت، الملك من الضجر والحمار من الجوع وأنا من الحب) وحصل التجاوز ومازال الغد واقفا خلف العارضة، فتبقى الأماني المستعصية فينشد لغدٍ:

فغداً ستكبر يا بُني

وحينما تغدو كبيراً تكبرُ الكلمات

ويمتلك (محمد السويدي) عمّاً للمدينة وهو (الشيخ مرعي) هذا العم على عكس عم (معن غالب) فذاك دافن للاجساد المثقوبة، والمنتهية الصلاحية في الحياة، والمنهي للتطلعات حيث الغياب الأبدي، وهذا الذي اخذ حكايته من والده، (حكى لي والدي عن ملّا مرعي) هذا العم  مخضر الخطى، يصاحب الخير والنماء، كذاك اسمه يوافق الرعاة والعشب والرعية، فهو الصائن المصون، والمحمي، ويخبره بأن له بالمدينة طيور تلتقيه على ألسنة الفروع وأغصان الشوارع فيها:

ففي شرقاطه كانت طيورٌ

هنالك تلتقيه بكل فرع

تطمئنه على سير الأغاني

وتدرس عنده احكام شرع

متحضر متنور هذا المُلَّا، يطمئن على المتناقضات، تارك الخلق للخالق، بمدينته تنوع فكري ما بين الذين يطمئنونه على أن الأغاني لم تكن مقعدة، وهي تسير لمحبيها، ولكنها وفق المنشأ الصحي لها لأن هذه الطيور النقية الفتية تدرس وتطلع على الشرع، وتأخذ أكيد وتطبق ما يجيزه وما ينهى عنه، وهذا العم يدرأ الحرب بالحياة التي يتصورها الشاعر على أنها أغنية، لأن الحرب لا نفع من قيامها.

***

عيّال الظالمي

من "خبز أمي" إلى "قضبان الضلوع": قراءة رمزية في ومضة شعرية "إلى شقيقة القلب الشاعرة دلال جويد " للشاعر يحيى السماوي

المقدمة: تمثل الومضة الشعرية الموسومة بـ"إلى شقيقة القلب الشاعرة دلال جويد" للشاعر القدير يحيى السماوي نموذجًا فنيًا مكثفًا في التعبير الأدبي، إذ تجمع بين التكثيف اللفظي والعمق الوجداني من جهة، والرمزية المنبثقة من تفاصيل الحياة اليومية من جهة أخرى. تهدف هذه الدراسة إلى مقاربة النص من خلال تحليل مستوياته الدلالية والتركيبية، مع التركيز على البُعد الحسي والرمزي للعلامات الشعرية التي تتجاوز أطرها المادية لتؤسس لقيم ثقافية واجتماعية تنبع من التجربة الفردية ولكنها تنفتح على الذاكرة الجمعية.

ينطلق البحث من تفكيك البنية اللغوية للقصيدة وتراكيبها المركبة التي تُظهر تداخل الأزمنة وتقاطعاتها بين الماضي والحاضر، بما يعكس حالة وجدانية مركّبة تؤسس لتوتر بين الانتماء من جهة، والحنين إلى الحرية النفسية من جهة أخرى. كما يسعى إلى الكشف عن دينامية التحول الدلالي الذي تخضع له صور مألوفة مثل "خبز أمي" و"عرق جبين أبي"، حيث تتحول إلى رموز تتجاوز دلالتها المباشرة، لتغدو حوامل لهوية ثقافية ووجدانية ترتبط بالحنين والانتماء.

كذلك، يسلط البحث الضوء على الأبعاد الدلالية لصور مثل "زنزانة القلب" و"قضبان الضلوع"، في سياق الصراع الداخلي بين الرغبة في التمسك العاطفي والاحتفاظ بالآخر، مقابل الحاجة إلى التحرر. ويتم ذلك من خلال توظيف منهج نقدي متعدد الأدوات، يستند إلى السيميائيات (كما تتجلى في أطروحات رولان بارت وتشارلز ساندرز بيرس)، بالإضافة إلى أدوات النقد البنيوي، من أجل إبراز الكيفية التي يعيد فيها النص صياغة العلاقة الإنسانية بما يتجاوز التصنيفات الغزلية التقليدية، نحو أفق وجداني وفكري يتأسس على مبدأ الأخوّة والذاكرة والهوية.1564 yahia

ومضة

" الى شقيقة القلب الشاعرة دلال جويد "

أيتها العذبةُ كخبزِ أمّي

النقيةُ كعَرَقِ جبينِ أبي:

أنا لستُ طفلاً..

وأنتِ لستِ دميةً..

فلماذا أطبقتُ أجفاني عليكِ

خشيةَ أن يخطفكِ مني أطفالُ الحارة!

*

إهٍ ..

ليتَ أمي

لم تغفُ إغفاءتها الأخيرةَ بعدُ

لأسألها

إنْ كانت قد أرضَعتكِ من لبَنِ روحها

وقَمَّطَتكِ بشماغِ أبي

تمامًا كما أرضعتني وقمَّطتني

قبل خمسٍ وسبعين دورةِ شمس!

*

هَبي أنكِ ستستطيعين الهَرَبَ

من زنزانةِ قلبي..

ولكن:

من أين لكِ القدرةُ

على اجتيازِ قضبانِ ضلوعي؟

الإطار التاريخي والسياقي

يعد يحيى السماوي من أبرز الشعراء الذين جسّدوا روح التجدُّد في الشعر العربي المعاصر، إذ نجح في توظيف الرموز من الحياة اليومية ليتحول النص إلى مساحة تأملية تتجاوز حدود الزمن. في عصر شهد تغيرات اجتماعية وثقافية جذرية، كانت الومضة الشعرية وسيلة للتعبير عن حالات وجدانية عميقة بأسلوب مختزل دون الإخلال بدقة المشاعر والتعارض بين القوى الداخلية والخارجية. ينطوي النص على إشارات زمنية واضحة مثل "قبل خمسٍ وسبعين دورة شمس"، مما يربط بين التجربة الشخصية وتاريخًا موروثًا من الذكريات الاجتماعية والثقافية.

المادة النصية والرموز الحسية

يتسم النص بالغنى الدلالي وتعدّد الطبقات الرمزية، حيث تتحول المفردات اليومية إلى علامات تحمل أكثر من معنى في ضوء السياق الثقافي والنفسي:

رموز العائلة والحنان:

- "خبز أمي": يتجاوز المعنى المباشر للطعام ليحيل إلى رمز أيقوني حسب تصنيف بيرس، دالًا على الحنان والحماية والانتماء العائلي.

- "عرق جبين أبي": يرمز إلى الكدّ والكرامة، ويظهر كمؤشر يدل على البعد القيمي للعمل في الثقافة الشعبية.

رموز الانتماء والذاكرة الثقافية:

- "شماغ أبي" و"لبن روحها": تنتمي هذه الرموز إلى البعد الثقافي الاجتماعي، إذ يحمل "الشماغ" بُعدًا تراثيًّا عربيًّا يُستدعى كدال على الجذور والهوية، بينما "لبن روحها" يُستعار مجازيًا ليغدو رمزًا غذائيًا وجدانيًا.

- انتقال الشاعرة إلى مؤسسة "الرضاعة" يحوّل العلاقة البيولوجية إلى ارتباط وجداني ثقافي عميق يتجاوز المألوف.

رموز القيد والتحرر:

- "زنزانة القلب" و"قضبان الضلوع": تُبرز هذه الاستعارات البُعد الرمزي للقلب بوصفه فضاءً داخليًّا يحتجز العاطفة والذكريات، ما يعكس تداخلاً بين الجسد والنفس. وتندرج هذه الرموز ضمن "الانزياح الدلالي"، كما يعرّفه رولان بارت بأنه تحوير في الوظيفة الأصلية للعلامة يؤدي إلى بروز معنى مغاير ناتج عن التفاعل بين الدال والمدلول في سياق خاص.

التحليل السيميائي والرمزي

يستند هذا التحليل إلى أدوات سيميائية كما صاغها رولان بارت وتشارلز ساندرز بيرس. يرى بارت أن النص بنية مفتوحة، تتعدد دلالاتها بحسب السياق، ويظهر هذا في اشتغال السماوي على رموز مألوفة يُعيد تشكيلها. أما بيرس فيُقسّم العلامة إلى:

الأيقونة: تشبه مدلولها (كخبز الأم كرمز للدفء).

المؤشر: يرتبط بعلاقة سببية (كعرق الجبين كرمز للكدح).

الرمز: يعتمد على العُرف (كالشماغ كرمز للهوية والانتماء

تفكيك التراكيب اللغوية:

توظيف السماوي للتداخل بين الجمل الخبرية والإنشائية يمنح النص طابعًا دراميًّا مشحونًا بالعاطفة. في العبارة:

"فلماذا أطبقتُ أجفاني عليكِ خشيةَ أن يخطفكِ مني أطفالُ الحارة!"

يتكثف الإحساس بالخوف والانتماء من خلال التوازي بين الحماية والرغبة في الاحتواء، ويظهر المؤشر هنا في "أطفال الحارة" كعنصر بيئي اجتماعي يهدد الألفة..

الانزياح الدلالي والشعوري:

في قول الشاعر:

" "هَبي أنكِ ستستطيعين الهَرَبَ من زنزانةِ قلبي، ولكن: من أين لكِ القدرةُ على اجتيازِ قضبانِ ضلوعي؟"

يتحول الجسد إلى حقل دلالي مغلق يعكس القيود الذاتية، ما يشير إلى صراع داخلي بين منح الحرية والتمسك بالمحبوبة، وهو ما يتقاطع مع أطروحة بارت حول "التوتر الدلالي" الذي ينشأ من تعدد المعاني في بنية نصية واحدة.

الرموز البلاغيّة والشّكل الأسلوبي

التشبيه التمثيليّ (مَرَضِيّ ومجزّي)

"كخبز أمي" و"كعرق جبين أبي": تشبيهات تربط العلاقة بالألفة والحنان العائلي.

- مفارقة في سياق الشعر الغزلي التقليدي، حيث تُستبدل صور الجمال بصور تُجسّد الحميمية والكدح.

النفي الاستنكاريّ

"أنا لستُ طفلاً … وأنتِ لستِ دميةً": تأكيد على الجدية العاطفية واستبعاد اللعب اللفظي أو السطحي.

التكرار والإيقاع الداخليّ

"قمَّطَتكِ … قبل خمس وسبعين دورة شمس": تكرار الجذر "قمّط" يخلق إيقاعًا داخليًا يعمّق الدلالة العاطفية والزمنية.

الاستفهام الاستنكاريّ

"فلماذا أطبقتُ أجفاني عليكِ…": يُحوّل السؤال إلى استبطان وجداني، يكشف عن صراع داخلي بالوعي واللاوعي.

الاستعارة التراجيديّة

يتناول الشاعر الشماغ في سياق استعارة مجازية ذات طابع تراجيدي، حيث يستحضر صورته لتأكيد الأبعاد الوجدانية المرتبطة بالحماية والدفء. فالشماغ، تمامًا كما يلتف الحنين حول تفاصيل الذاكرة، يتحول هنا إلى رمز متكامل يجسد دفء الأبوة، وسياج العائلة، ووشاح الهوية الذي يحفظ ملامح الذاكرة. وهكذا، يتجاوز التصوير الشعري فكرة الشماغ كقطعة ملبس عادية ليمنحه أبعادًا رمزية عاطفية تعزز الشعور بالانتماء والارتباط. في هذا السياق، يصبح الشماغ إشارة إلى الماضي العائلي وامتداده العميق في الوجدان، محققًا تواصلاً دائمًا مع جذور الشعور الإنساني.

العلاقة بين النص والذاكرة:

ينقل النص العلاقة بين الذات والذاكرة الجمعية، حيث يصبح الماضي حيًّا من خلال "قبل خمسٍ وسبعين دورة شمس"، وهو ما يحوّل الزمن إلى علامة ثقافية واجتماعية، تربط بين الحنين الفردي والانتماء الجماعي.

المقارنة مع تيارات شعرية أخرى

يمكن وضع الومضة ضمن تيار الشعر الحر المعاصر، الذي يعتمد الرموز اليومية كأدوات تعبيرية عن الوجود الذاتي والهوية. تتقاطع تجربة السماوي مع تجارب شعراء آخرين (كأدونيس ومحمود درويش) في توظيف الرموز الثقافية اليومية، غير أن خصوصيته تكمن في تفكيك التصنيفات التقليدية للشعر الغزلي، واستبدالها برؤية وجدانية أخوية

خلاصة

يُظهر هذا التحليل كيف تتحوّل الومضة الشعرية "إلى شقيقة القلب الشاعرة" إلى نصّ متعدد الأبعاد الرمزية والدلالية، يوظف آليات السيميائيات والانزياح بذكاء فني. في ضوء تصورات رولان بارت عن انفتاح النص وتعدد طبقاته، ونموذج بيرس الثلاثي للعلامة، يمكن قراءة النص بوصفه خطابًا إنسانيًّا يؤسس لعلاقة وجدانية عميقة تتجاوز التصنيفات الغزلية، وتعكس صراعًا داخليًّا حول الهوية، الانتماء، والحنين.""

الخاتمة

تُشكّل ومضة “إلى شقيقة القلب الشاعرة” نموذجًا شعريًا معاصرًا يعكس صراعًا وجدانيًا عميقًا؛ إذ تتجلى هذه الومضة في تراكيب لغوية مركّبة ورموز متداخلة تتجاوز إطار الحب الرومانسي التقليدي لتصل إلى أبعاد أخوية وفكرية تستند إلى الذاكرة والهوية المشتركة. فقد تحوّلت رموز “خبز أمي” و“عرق جبين أبي” إلى علامات ثقافية تنضج فيها قيم الحنان والانتماء، بينما يستخدم الشاعر استعارات مثل “زنزانة القلب” و“قضبان الضلوع” للتعبير عن مآزق الاحتجاز الداخلي والرغبة في الانعتاق.

تكشف هذه الدراسة أن الشاعر يحيى السماوي، من خلال براعته اللغوية وموهبته الدلالية، قد أعاد تعريف طبيعة العلاقة الوجدانية بوصفها وحدة حسية وفكرية تمتدّ عبر الزمن والمكان. ومن خلال استحضار الرموز الحياتية اليومية وإعادة توظيفها في سياق شعري، يفتح النص أمام القارئ آفاقًا جديدة لفهم إمكانات الشعر الحر وأبعاده الثقافية والنفسية.

وبذلك، تسهم هذه القراءة النقدية في توسيع حدود التعبير الشعري المعاصر، وتطرح إشكالات حول طبيعة الحرية والانتماء في سياق تداخل الأحضان الثقافية والقيود النفسية، مصوّغة إطارًا تحليليًا يربط بين اللغة والذاكرة والذات الإبداعية.

***

سهيلا الزهاوي – أديب وناقد

.....................

1.  بارت، رولان. مبادئ في علم الأدلة. ترجمة: رشيد باها. الدار البيضاء: دار توبقال٢٠٠٧ 

2.  بيرس، تشارلز ساندرز. كتابات مختارة في السيميائيات والمنطق. ترجمة: حميد لشهب. الرباط: دار الأمان،٢٠١٣.

في هذه القصيدة الكثيفة بالشحنات الرمزية والدلالية، يتداخل الحسي بالميتافيزيقي، والوجداني بالوجودي، حيث تُستثار الأسئلة الكينونية الكبرى من خلال مشهد شعري حميمي مكثّف. سنعمد في هذه الدراسة إلى قراءة النص من زوايا أسلوبية ونفسية ورمزية وهيرمينوطيقية، للكشف عن الطبقات العميقة التي تحتشد خلف ظاهر اللغة.

ففي مجال البنية الأسلوبية والصور الشعرية نجد أن الشاعر الأبطح قد قال في مطلع قصيدته: "كنتُ سألتُكِ: في حديقةٍ من شجر الشوح، أنسيرُ نحن أم نطيرْ؟".

ينبني المشهد على سؤال يُعلن بدء التيه، في تداخل ما بين الحسي (الحديقة، الشوح) والرمزي (الطيران/السير)، لتبدأ عملية تفكيك الإحداثي المكاني والزماني، التي سيهيمن عليها التخييل الشعري. هذا الأسلوب الاستفهامي يمنح النص نبرة قلق وجودي وشك تأملي.

استخدام الشاعر الأبطح لصيغة الحوار بين (الأنا) و (الأنثى) يعمّق هذا الانزياح الأسلوبي، حيث تتحوّل القصيدة إلى فضاء بين صوتين: صوت ال(ذات) الباحثة عن يقين، وصوت الـ(أنوثة) التي تجيب بالتيه والتدفق، يقول: "قلتِ: إننا نتدفق، وأننا في بلدٍ خفيضْ... دعنا ننجرفُ".

هذا التدفق الرمزي يشير إلى الذوبان في آخر، في أنثى، في مصير مشترك. الأفعال: "نتدفق"، "ننجرف"، تخلق شعرياً انعداماً للثبات، وموسيقياً انسياباً إيقاعياً متناسباً مع المعنى.

في سياق التحليل النفسي والرمزية الإيروسية. تحضر الـ(أنوثة) بوصفها (ذاتاً) كلية، كأنها الكون المصغّر، أو الأنطولوجيا الأخرى التي توازي الكينونة الذكورية. فالمرأة هنا ليست فقط موضوع الحب، بل هي الوعي واللاوعي، الجغرافيا والزمن، يقول الشاعر سعد الأبطح:

 "قلتِ: بعد حربٍ وقبل حربْ، لكنك الآن معي ولسانُكَ في فمي".

في مشهد التوحد هذا تتلاشى الحدود بين ال(أنا) وال(آخر)، في تقاطع شهواني–روحي يمثّل ذروة الإيروسية الشعرية. فـ"لسانك في فمي" يتجاوز الحسّي إلى التداخل الكلّي في الذوات، وكأن الذات الأخرى صارت موطناً بديلاً.

أمّا الإشارة إلى "فرجكِ رائحةَ بحرٍ وطعمَ الندى عليه مالح"، فهي تكثيف جريء لتشابك الرغبة بالعنصر الطبيعي (الماء، الملح، الندى)، مما يضفي على الجسد بعداً كونياً، تتجلى فيه الإيروسية لا بوصفها انفعالاً جسدياً بل طاقة كونية.

من ناحية المنهج الرمزي والهيرمينوطيقي (التأويلي) يحاول الشاعر الأبطح أن يسحبنا إلى كل مشهد في القصيدة باعتباره قابل للقراءة الرمزية، بل يبدو كأن النص بني على مستويات متعدّدة من المعنى. فعلى سبيل المثال:

 "تفتحين باباً سرياً فننسابُ خلفَ غيابِكِ، في مدينةٍ مهددةٍ بالإختفاء"

يمكن تأويل هذه العبارة كرمز لفقدٍ داخلي (نفسي أو روحي)، أو كتأويل لهروب الذات من وعيها المقهور إلى منطقة اللاوعي المهدّدة بالتلاشي ("مدينة مهددة بالاختفاء"). ثم تأتي الإشارة إلى "قمرٍ واحدٍ فوقنا"، و"واحد هو فوق نيرانِ قبائل الماساي والعرب"، في استعارة مكثفة لتوحيد المتناقضات: الحب والحرب، ال(ذات) وال(آخر)، الإفريقي والعربي، في ضوء قمر واحد، هو رمز الوحدة الكونية في وجه التشظي القبلي.

قصيدة الشاعر الأبطح تشحنك بالموسيقى والإيقاع الداخلي. حيث تتوزع القصيدة على جمل شعرية نثرية ذات نَفَس إيقاعي داخلي يتشكّل من التكرار الصوتي والتموجات النحوية والصرفية. ففي قوله:

 "عيناك سريرنا: تغمضيهما فينفتحُ الحلمُ، تفتحيهما فتنثني ركبُ الخيولْ."

يتداخل الإيقاع مع الصورة الشعرية، فـ"تنثني ركب الخيول" يوقظ في المتلقي مشهداً ديناميكياً منسجماً مع فعل الفتح والإغلاق، كأنّ العينين جهاز تحكم في الميتافيزيقا.

كما أنّ التكرار التناوبي للأسئلة والإجابات يمنح النص بُنية إيقاعية أشبه بـالـ"دويو" الموسيقي، حيث تتماوج الأصوات بين ال(ذكر) و(الأنثى) في لحن وجودي– شهواني.

في الختام، يسحبنا النص بطريقةٍ شبه سرية نحو فلسفة الجسد بوصفه أفقاُ شعرياً.

إن قصيدة سعد الأبطح ليست فقط نصًاً شعرياً بل هي تأمل وجودي في معنى الألفة، الهوية، والغياب. يتقاطع فيها النفسي بالرمزي، والجسدي بالروحي، ليولد نص مفتوح على تأويلات لا نهائية. الجسد هنا ليس جسداً، بل نصًّاً يُقرأ، ويُشمّ، ويُسمَع.

إنه جسدٌ يعبُر، يشتهي، ينسى، ويحلم، في حوارية شعرية يتعذّر اختزالها في قراءة أحادية.

بهذا تكون القصيدة تجسيداً شعرياً لما يُمكن تسميته: المخيلة الإيروسية الكونية، حيث يتجاوز الحب منطقه الفردي إلى أفقٍ يتاخم الفلسفي والكشف الجمالي في آن.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

...................

نص القصيدة:

كنتُ سألتُكِ: في حديقةٍ من شجر الشوح، أنسيرُ نحن أم نطيرْ، قلتِ: إننا نتدفق، وأننا في بلدٍ خفيضْ، فاترك

قلبي وامسك يدي، ودعنا ننجرفُ.....

حسناً، وفي أي زمنٍ نحنُ؟،

قلتِ: بعد حربٍ وقبل حربْ، لكنك الأن معي ولسانُكَ في فمي

قلتُ: بربكِ هوناً، لألتقط نفسا وأميزَ الحدَ بينكِ وصورتي عنكِ.

 آخر الحديقةِ والمساء، تفتحين باباً سرياً فننسابُ خلفَ غيابِكِ، في مدينةٍ مهددةٍ بالإختفاء...، فبأمكِ مهلا، فأنا

مسافر ٌ إلى وحدتي غدا

قلتِ: انظر لصاحبنا،من تسميه بخفةٍ حجراً كبيراً، فإن صدّقتَ أنه قمرٌ واحدٌ فوقنا، صدّقتَ أنَّا واحدٌ مع بعضنا، وواحدٌ هو فوق نيرانِ قبائل الماساي والعربْ. صدقتِ... حتى أن لفرجِكِ رائحةَ بحرٍ وطعمَ الندى عليه مالح.

وعيني ؟

عيناك سريرنا:

تغمضيهما فينفتحُ الحلمُ، تفتحيهما فتنثني ركبُ الخيولْ.

وصوتي؟

- يعذبني نمشٌ غير واضحٍ فوق الخدود -

وصوووتي ؟

آه، صوتكِ شكلُ روحِكِ،

ويُجفلني حين تنهرينَ به شرودي و كيف تحزين ببحَّته أعناقَ الوعول.

أخرج من رأسك وتعال إلى حلمتيّ يافتى، فلقد خرجنا طويلاً في إثرِكَ، وقلنا حسبنا معكَ، قُصرَ ليلِنا وفوزنا بالصدى والزبد.

آخرُ الليل في آخرِ ليليةٍ سَمِعَ قلبُكِ ما أفكرُ به، ففاحَ عطرُك منعا لسوء الفهم، أنا فقط كنت أنوي تغطية جمرَكِ برمادي، لينام قبل ذهابي، فهبَ الهوى من كل صوب.

 

تمهيد: تتناول هذه الورقة قصة "خيوط غيمة" للكاتبة الأردنية ميسون حنا، بالتحليل النقدي المرتكز على تفكيك بنيتها الرمزية واستجلاء أبعادها الوجودية. وتُسلّط القراءة الضوء على ثنائية الحلم والانتماء، مبرزة كيف توظف الكاتبة عناصر الطبيعة والرمز لتأطير تجربة الطائر/الذات في رحلة الصعود والسقوط والعودة.

الطائر بوصفه استعارة للذات الحالمة

يظهر الطائر منذ البداية بوصفه كائنًا يتجاوز الواقع المادي ويحدّق في المطلق، كما في قول الساردة:

"نظر إلى الأعلى، رأى الغيوم تنشر خيوطها البيضاء على صفحة السماء."

تتولد هنا نزعة تأملية، يعززها الفعل الحواري الداخلي:

"فكر مع نفسه، وقال: ربما أصعد بدوري وأمتطي أحد تلك الخيوط الغيمية..."

هذا المشهد التأسيسي يحيل إلى الرغبة في التمرد على الجاذبية الأرضية، والسعي إلى عوالم متخيلة تتجاوز الواقع. وهو ما يمثل رمزًا للذات الحالمة التي تطلب الانفلات من المألوف نحو المطلق.

الحلم الهش واليقظة القاسية

تتبدد أوهام الحلم حين يرتطم الطائر بـ"صخرة بيضاء"، ويُصدم بتحلل خيط الغيم:

"توقف الخيط السائر ليرتطم بصخرة بيضاء. اهتز الطير وترنح وأوشك على السقوط..."

يُحيل هذا المشهد إلى يقظة مؤلمة، تُجبر الذات على مغادرة الحلم المجاني، والعودة إلى التعلق بالممكن الواقعي، ولو كان محفوفًا بالتعب والتيه:

"اضطر الطائر للاعتماد على نفسه ليحلق بدوره بين الغيوم المتفككة، وقال في سره، لن يطول الأمر..."

تُجسد هذه اللحظة انفصالًا رمزيًا بين الحلم بوصفه هروبًا، والواقع بوصفه تجربة وعيٍ بالألم والتحدي.

العش المثالي: فردوس ناقص بلا اعتراف

يبلغ الطائر ضالته الجمالية حين يهبط على "هضبة بيضاء" وينسج عشه من "قطن مندوف". وترد العبارة التالية كإعلانٍ عن الفرح المتوهج:

"جلس مبتهجًا بعشه الجميل الذي لا يوجد له مثيل على الأرض."

لكن الانبهار لا يلبث أن ينقلب إلى شعور بالعدم، إذ لا طيور ولا حياة من حوله:

"ولكن أين الطيور لترى العش بأم عينيها؟ ومن نظرات افتتانها سيكتمل جمال العش."

إن الاعتراف الخارجي هو ما يضفي المعنى على الجمال، وهو ما يغيب في هذا الفضاء العلوي المعزول، فتظهر الحاجة العميقة إلى الجماعة. عندها يتخذ الطائر قرارًا مفاجئًا:

"نظر إلى العش بانبهار، خبى بريق عينيه فجأة ثم انقض عليه ومزقه وترك نفسه ينزلق."

العودة إلى الجماعة: الحنين والانتماء

تتحول العودة إلى الأرض من فعل هروب إلى فعل وعي وانتماء:

"حينها ستتألب الطيور حوله لتستطلع سبب غيابه... وسيقول للطيور إن الاشتياق أعاده إليهم."

هنا ينتصر الانتماء على التميز، ويستعيد الطائر مكانه وسط السرب. لكنه لا يتخلى تمامًا عن الحلم، بل يؤنسنه ويجعله قابلًا للتأمل لا للامتلاك:

"نظر إلى النجمة المتألقة التي حلم باصطيادها، نظر إليها وابتسم ورمى بنفسه وسط سرب الطيور."

إن النجمة/الحلم لم تُصطد، لكنها بقيت حية في النظرة والذكرى، في حين أصبح الطائر أكثر اكتمالًا بالحنين والجماعة.

الأسلوب واللغة: كتابة شعرية بحمولة رمزية

تنهض القصة على لغة تصويرية شاعرية تنحت صورًا نابضة بالحياة، وتُفعّل المجاز دون ابتذال. فاختيار الكلمات مثل "خيوط غيمة"، "قطن مندوف"، "هضبة بيضاء"، "صخرة بيضاء"، يمنح النص تواترًا لونيًا رمزيًا (البياض) يرمز للنقاء والبراءة وربما الفقد.

كما أن الاعتماد على السرد بضمير الغائب يخلق مسافة تأملية، تتيح للقارئ التماهي مع الطائر دون أن يُختزل في شخصية واقعية.

ختاما

تقدّم ميسون حنا في "خيوط غيمة" تجربة سردية شفيفة وعميقة، تُزاوج بين الرؤية الحلمية والانكسار الواقعي، لتقترح من خلالها أن المعنى لا يُولد من الانفصال عن الجماعة، بل من الانخراط الوجداني فيها. وتنجح القصة، من خلال بنائها الرمزي، في إعادة صياغة أسئلة الإنسان المعاصر حول التميز، والجمال، والانتماء، والحلم، في لغة أنيقة ومتقشفة تنتمي إلى تقاليد القص الشعري المكثف.

***

حسن لمين - كاتب مغربي

............................

* قصة "خيوط غيمة" لميسون حنا منشورة على منصة مجلة "ديوان العرب. يوم 08 يونيو 2025

ان الرواية حين تتمثل التاريخ كما هو اشهارا؛ تكون رواية تاريخية، ولا تكون رواية تاريخية صرفه؛ حين تتمثل التاريخ تمثيلا تفاعليا؛ اشهارا للمعادل الموضوعي لهذا التاريخ، او ذلك التاريخ . تكون رواية تاريخية عندما تعكس حرفيا التاريخ او بدرجة كبيرة تقترب من وقائع التاريخ، لكن حين تتمثل التاريخ تمثيلا خلاقا ومبدعا حينها تكون قد قامت او انتجت حفريات عميقة في عوامل وعناصر مكونات هذا التاريخ؛ لتستظهره على حقيقته، وعلى غير ما كان موجود منه في بطون كتب التاريخ. احيانا في بعض الروايات، وهي روايات نادرة في حدود علمي واطلاعي ومعرفتي؛ تلك التي تعزز كل هذه الروايات بروايات اخرى موازية للرواية المتمثلة تفاعليا وابداعيا وخلاقا؛ لوقائع التاريخ؛ برواية واحدة في روايتين، اي التي لاتعكسه حرفيا، بل انها تقول حقيقته كما كان وصار واقعا على الارض تتناقله الاجيال جيل تلو جيل من خلال كتب التاريخ. هذه الرواية الموازية وهي تتصدى للواقع ليس كما هو كائن في لحظته او في زمانه، إنما اساس كينونة هذا الواقع وسيرورته بكل مولداته المسكوت عنها. رواية سألقاكِ هناك للرواية المصرية رشا سمير؛ هي رواية في روايتين؛ واحدة رواية تعالج الحاضر او هي تتصدى روائيا لهذه الحاضر. واخرى رواية تاريخية موازية تعزز محتوى وافكار الرواية التي تعالج الحاضر؛ في عملية استنهاض الغاطس من عوامل وعناصر الاحداث في الماضي البعيد عن اللحظة الحاضرة، بعدة قرون؛ في قراءة الحاضر فكريا ودلاليا. الروايتان في رواية واحدة؛ فيهما شحنة افكار ودلالات واشارات واضحة على ان الواقع الذي تتصدى له رواية الحاضر ما هو الا الوليد الشرعي للرواية التاريخية الموازية لرواية الحاضر. في عملية جريئة جدا، كما انها اي الروائية قد ابتدعت او اجترحت روائيا طريقة ازعم انها جديدة وغير مطروقة روائيا في حدود اطلاعي ومعرفتي في معالجة التاريخ الايراني من بداية القرن الحادي عشر الميلادي حتى اللحظة التاريخية الايرانية الاسلامية الحاضرة مع الفارق الكبير، أو الاختلاف الكامل تماما؛ في مبنيات الايديولوجية الدينية بين اللحظتين.".. وآلموت ليست اسطورة.. انها حقيقة واقعة.. انها قلعة قديمة جدا بناها ملك من ملوك الديلم القديم عام 840م وجددها احد الحكام العلويين.. " تبدأ الرواية التاريخية زمنيا في عام 1112وهو العام الذي حدث فيه تمرد او تغير في الدولة الفاطمية في مصر. لينشق من الدولة الفاطمية حسن الصباح والذي كان وكما قالت لنا او كما سرد لنا الراوي هنا وهو احد ضحايا حسن الصباح، أو السيد العظيم، في قلعة آلموت الواقعة في منطقة جبلية وعرة جدا، كما انها تتمتع بطبيعة خلابة." .. لأن ابن الصباح كان من الذين يرون ان الأمامة يجب ان تنتقل بعد هلاك المستنصر بالله الى ابنه الاكبر نزار،وكان الأفضل الجمالي قد نصب الابن الاصغر وأطلق عليه لقب المستعلي، ولذلك انقسم الإسماعيلية الى مستعلية ونزارية،.. وبسبب هذا الخلاف مع الافضل الجمالي سجنه ثم طرده من مصر على متن مركب للإفرنج الى شمال افريقيا، لكن المركب غرق ونجا مولانا فنقلوه الى سوريا،بقي فيها فترة وجيزة ثم تركها ورحل الى بغداد،ومنها عاد الى اصفهان، يحمل روح نشر الدعوة الجديدة، وهي الدعوة الإسماعلية النزارية.. " ان الراوي يحيى هنا هو الشخصية المحورية فيها. في الفصل الاول من الرواية التاريخية؛ يروي يحيى؛ كيف ان ابيه، وضعهما هو واخيه في القافلة الذاهبة الى قلعة آلموت. ينتهي هذا الفصل باستقرار يحيى هو واخيه في هذه القلعة ليكون احد الفدائيين او احد جنود السيد العظيم. في الفصل الذي يليه؛ تظهر لنا رواية الحاضر المعيش، شخصية نيلوفر؛ وهي الشخصية المحورية في رواية الحاضر، وهي من تتولى السرد، او هي الراوي للأحداث. الملفت هنا ان الشخصيتين اللتان يفترض بهما ان تتوليا السرد من دون تدخل الكاتبة؛ الا ان الكاتبة كانت تظهر تدخلها الضمني بصورة واضحة في السرد في الذي يخص الروي المحمل بالأفكار والاشارات والدلالات؛ مما ادى الى ان تظهر الشخصيتان غير حيويتين، تعوزهما القدرة والقوة على مواجهة الواقع وفهم هذا الواقع فهما ذاتيا. ان تدخل الكاتبة ولو بصورة ما او بدرجة ما غير مباشرة في مكان وفي مكان اخر يكاد يكون تدخلها مباشر مع انه غير مباشر؛ هذا التدخل الضمني جعل من الشخصيتين، شخصيتين غير مستقلتين عن رؤى الكاتبة في تصديهما لواقعهما؛ بل ان هذه الرؤى وهذه الافكار والعلامات تبرز للقاريء بوضوح انها افكار وعلامات الكاتبة. يحيى الذي يذهب الى قلعة آلموت حتى يعثر على حبيبته فرح ناز هناك، لكنه وقد وصل الى هناك قد اصيب بخيبة آمل، فلم يعثر عليها في السنوات الاولى له في القلعة. يكتشف ان القلعة عبارة عملية غش وخداع ليس له مثيلا في كل مار مر عليه في حياته. اخيرا، وبعد غسيل الدماغ الذي قام به اعوان السيد العظيم، حسن الصباح، وبفعل وتأثيرا بالقراءات الذي اخذ يقوم بقراءتها؛ صار اخيرا مقتنع بما جاء به المولى العظيم، الصباح. في التوازي، في رواية الحاضر؛ تعاني نيلوفر من ظلم الاب، ليس هي وحدها، بل معها امها. في هذا الوقت تتفجر الثورة الايرانية، ويفر الشاه او يهرب. ليقام نظام الجمهورية الاسلامية في ايران. تطرح الرواية الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في ايران ابان التغيير الثوري في ايران، وكيفية تحكم المال في كل العلاقات الاجتماعية في ايران سواء الحاضر الثوري الاسلامي، او الماضي البهلوي. كما انها تسلط الضوء على شبكة اقتصادية (البازار)، مشتبكة مصلحيا مع رجال الدين في تخادم نفعي تبادلي؛ يغير مصائر الافراد وكل حياتهم. نيلو فر الشخصية الرئيسية في الرواية هي من تتلوى السرد، اي هي الراوية لكل حياتها وحياة مجاوريها من الاب والام والزوج، والسيدة ايران التي تلعب دور المنقذ لها. تروي نيلوفر كيف انها وهي صبية كانت معجبة بعروس شيراز. فقد كانت تتمنى ان تكون هي العروس، وهي احلام صبية يافعة لم تبلغ الرشد بعد، او انها بلغته توا. تفجأ ذات ليلة بعرض ابوها لها بالزواج من احد التجار، تجار البازار. توافق على الفور وهي تظن انها لسوف تكون عروس شيراز التي حلمت ان تكونها، على الرغم من معارضة الام لهذا الزواج لكنها في النهاية وتحت ضغط زوجها، اب نيلوفر؛ توافق بعد ان تعرضت للضرب المبرح ولأيام عدة وليالي متوالية. تكتشف الام ان هذا الزواج ما هو الا عبارة عن مقايضة بين الاب، وزوج نيلو فر اي الذي اصبح زوجها لاحقا. يتزوج الاب من قريبة زوج نيلو فر؛ مقابل فتح باب التجارة له، اي للاب؛ من قبل والد الزوجة الجديدة للاب، والذي هو قريب لزوج نيلوفر. هذه المقايضة تعكس تشابك العلاقة بين السياسة والاقتصاد والاجتماع في المجتمع الايراني؛ كما سوف نرى لاحقا في هذه القراءة لهذه الرواية. نيلوفر تصاب بالصدمة في اول ليلة لها مع زوجها وهي لم تغادر بعد ملاعب الصبا او الاصح ملاعب الطفولة بعد؛ فقد عاملها زوجها بكل خشونة وهي يمتطيها، ولم يقل لها حتى ولو كلمة واحدة تفتح لها؛ باب حياتها بنعومة. فقد بكت في تلك الليلة بكاءا مرا. لتكتشف لاحقا بعد سنوات من انه لا يعتبرها انسانه لها حقوقها عليه، بل كان يعتبرها مجرد جسد يلبي كل رغباته، اضافة الى انها يجب ان تمنحه ولدا ذكرا يورثه ماله، والا فأنه لسوف يطلقها ويتزوج بأخرى غيرها تعطي له، ما هي عجزت عنه. تستمر هذه التراجيديا المؤلمة والموجعة جدا، الى حد؛ ان نيلوفر تضيق بها الحياة كل الحياة على ما فيها من سعة ورحابة. لكنها في نهاية تنجب طفلا اسمته هي وليس زوجها؛ يحيى. تتعلق به حد العشق. إنما الاحداث تترى عليها تباعا، وهي احداث كلها مؤلمة لها، وتسلب منها كل انسانيتها حتى انها في لحظات تمنت ان تموت وتتخلص من حياتها هذه. لكنها، او ان وجود يحيى في حياتها على الرغم مما في حياتها من وجع وحرمان وقسوة من الزوج لا يمكن لها ان تطيقها او تتحملها، لكنها تتحملها، بقوة وصلابة ساعدها في كل هذا؛ هو وجود يحيى في حياتها. في الفصول التالية او في الفصلين التاليين؛ تبدأ الكاتبة في سرد الرواية التاريخية، ويكون السارد هنا، أو من يتولى الروي الشخصية الرئيسية فيها، وهو يحيى. لكن الكاتبة كما في رواية الحاضر؛ لا تترك كليا الروي لشخصية الراوي المشارك في الاحداث التي هو اساسها ومحورها، بل انها تتدخل في اكثر من مكان او حدث او محطة من السرد، مع ان الروي يظل للراوي، الشخصية المركزية لكن الشرح للمعاناة والمأساة، وابعادهما الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتداعيتهما؛ على ما في هذا من اشارات وعلامات وثيمات؛ هي من الكاتبة الروائية؛ لوجود الفراغ الواسع بين الحدث وعقلية الشخصية المركزية، الغارقة عضويا، في اتون هذا الحدث او هذه الاحداث.. يكلف يحيى بعمل فدائي هو الاول له منذ وجوده في القلعة. يفرح وينتشي، لأنه اخيرا؛ حظي بثقة السيد العظيم، حسن الصباح. عندما يقتل والي الدولة العباسية في شيراز في باحة المسجد الكبير، بعد ان انتهى الوالي من خطبته الدينية. لكن عيون القتيل وهو ينظر إليه حين سقط على سجاد المسجد مضرجا بدمائه؛ تطارده في الليل والنهار. إنما الهبة التي وعد بها من اعوان المولى؛ جعلت هذه النظرة تتراجع وتختفي، ليس الى الابد، إنما لأيام. يُنقل بطريقة مخادعة لامثيل لها الى جنة السيد العظيم؛ حيث هناك يلتقي بحوريات جنة المولى، حسن الصباح. عندما يُعودوا به، بعملية خداع اخرى الى الحياة، بعد ان زار جنة الزعيم الذي خوله الله جل جلالة؛ بفتح باب الجنة لمريديه الخلص؛ يصبح مقتنعا تماما بزعامة الزعيم، وبجميع اقوال الزعيم.".. هل أترك آلموت؟ هذا المكان الذي كان بعيدا عني رغم سكني فيه.. وبعد ان رايت جنة الله فيه فاصبح جزءا من نفسي.. كيف أرحل وأترك الفردوس؟" في الفصول التالية؛ يستمر الروي على لسان الراوي، يحي مركز الرواية التاريخية. يكلف يحي مرة أخرى من السيد العظيم، الذي كان قد ألتقى به، عندما نجح في تنفيذ العملية الفدائية الاولى، بواسطة اعوان الزعيم وبالتحديد الساعد الايمن للمولى؛ وهو قاجري؛ بعملية فدائية جديدة. هذه المرة في عاصمة الدنيا كلها، ومحجة مريدي المعرفة والعلم من كل ارجاء الدولة العباسية. ينجح فيها ويعود الى آلموت وفي داخله يحلم بانه لسوف يعثر على حبيبته التي جاء الى القلعة من اجلها او من اجل العثور عليها. لكنه حين ذهبوا به الى جنة الصباح كما ذهبوا به في المرة الأولى؛ يبصرها هي مع احد الفدائيين؛ يقفز فرحا إليها. هنا يتم كشف كل عمليات الخداع التي قاموا بها ولازالوا يقومون بها ازلام المولى العظيم؛ عن طريق ما افضت به إليه حبيبته فرح ناز. فرح ناز لم تأت طوعا لقد تم اختطافها هي وأخريات تم اختطفاهن قبلها. لاستخدامهن كحوريات في جنة الصباح. قلعة آلموت من يدخل إليها ليس في امكانه الخروج منها الا ميتا. فهي محاطة بعدد هائل من الذئاب المدربة على أكل البشر. انهم، ازلام الصباح يقدمون الى الفدائيين الذين حظوا بثقة القائد شرابا مخدرا، من ثم يتم نقلهم الى هنا. يصاب يحي بالصدمة. يتذكر عزم اخاه على مغادرة القلعة ليلا. لم ينم تلك الليل. ظل صاحيا. رأى بعينيه؛ الطريقة التي يتم فيها نقلهم الى المكان الذي جاءوا منه، في القلعة؛ حين اوهمهم بانه كان قد شرب الشراب المخدر. كان حين وصل، فريسة للقلق والخوف والاضطراب والألم الذي اخذ يوجعه قلبه خوفا على مصير اخيه.".. بعد ضغط وإلحاح مني، أقر أميد انه تعرف على شاب اصبح صديقا له، فتفهم صديقه الجديد اسباب ضيقه وقرر ان يساعده في الهروب من آلموت، مقابل شرط واحد، هو ألا يسأله عن الطريق الذي سيسلكانه، ألايفصح لإحد عن أسمه." لم يستمر على هذا الوضع المؤلم سوى نهار واحد. في الليل وضعوا بين يديه قميص اخيه المضرج بالدم. في الليالي والنهاريات التاليات؛ استمر يتفكر في الطريقة التي بها يخرج من هذا الموت. في تزامن الروي في رواية الروايتين في الزمن الروائي لهما، على الرغم من الفاصلة الزمنية بينهما؛ لعدة قرون، لكن أنساقها تتوالد من رحم التاريخ البعيد؛ لتهيمن على الواقع المعيش في رواية الحاضر. نيلوفر مع ابنتها فاطمة الرضيعة؛ تهيم على وجهها في ظلام ليل ايران والمطر الذي تساقط مدرارا في تلك الليلة التي طردها من بيته زوجها، وحيدة تماما، أو وحيدتان هي وابنتها فاطمة. يحيى ابنها مات قبل اشهر بسبب قسوة زوجها." اخرجا من هنا.. هيا.. اغربي عن وجهي.. خذي ابنة الحرام التي تدعين انها ابنتي.. الى حيث لا اراك مرة اخرى.. " تتآمل قصاصة الورقة التي وضعتها مدبرة منزل زوجها في كف يدها مع رزمة من التومانات. في بيت قريبة المدبرة الذي وصلت إليه في اليوم التالي. في هذا البيت، في اصفهان؛ تتعرض الى ذل الحاجة والجوع وقسوة الحياة. في الأخير تجبرها ظروفها، والبيئة الاجتماعية الى وجدت نفسها فيها على الرغم منها؛على ممارسة الدعارة." لقد اخذني حديثهن الى عام اخر، عالم لم اتوقع وجوده ولا اتوقع ان اكون جزءا منه.. .. واخذني الفضول للمزيد من الاستفسار: إذن ما الفرق بين السيغيه والدعارة؟.. اسمعي يا نيلوفر.. الفارق ان الابناء المولودين من هذه الزيجة يتمتعون نظريا بنفس المكانة والحقوق التي يتمتع بها إخوتهم من الزيجات الدائمة.. وهنا تكمن فرادة هذا الزواج عن الدعارة كما تقولين." في النهاية يجيء لها الحل؛ تحمله رسالة السيدة ايران، التي رعتها هي وامها حين كانت امها تخدم في بيت السيدة ايران، زوجها من اكبر تجار البازار في ايران. رسالة السيدة ايران؛ هي توريث او الاشراف على مزرعة لقريبة السيدة ايران، بعد موت الأولى. في هذا التزامن الروائي في رواية الروايتين؛ يحيى لم يطل به الانتظار في ايجاد مخرج له من هذا الموت. يرسله مع احد اعوان السيد العظيم، في فتح قلعة اخرى في اصفهان؛ لنشر دعوة القائد في اصفهان لزيادة عدد الذين يؤمنون بهذه الدعوة. يأتيه الفرج من القدر وإرادة الله؛ فقد ابلغوهما هو ورفيقه المسؤول عنه، وعن القلعة الجديدة؛ بموت القائد. في ذات الوقت يتم تدمير قلعة آلموت من قبل السلاجقة. تنتقل نيلوفر للعيش في المزرعة او البستان الواسع والمترامي الاطراف حسب وصية قريبة السيدة ايران. تعثر نيلوفر على باب تحيط به الاشجار ولا احد يقترب منه. كانت تروم كشف كنه هذا الباب، الا ان ابنة البستاني حذرته من الاقتراب منه. هذه الابنة ربطتها علاقة متينة وقوية مع نيلوفر. تقول لها في كل الذي تقوله لها؛ ان المرأة الايرانية يجب ان تتحرر. تطرح لها ذات مرة؛ ان هناك مظاهرة لسوف تنطلق غدا في ميدان المدينة؛ لمطالبة السلطات؛ بالاعتراف بحقوق المرأة. يتم فض التظاهرة بالقوة. تنجو نيلوفر بأعجوبة من ألقاء القبض عليها، بمساعدة احد الرجال من الذي شاركوا في التظاهرة دعما لحقوق المرأة. في الايام التالية؛ ظل الباب شغلها الشاغل. تستعين بالعاملين في المزرعة او البستان مع البستاني؛ في فتح هذا الباب. في اعماق الارض؛ كان هناك تحت الارض؛ قلعة، او اشبه ما تكون بالقلعة الصغيرة، في زاوية منها هناك غرفة صغيرة. تعثر في الغرفة على دفتر مذكرات او يوميات كتبت باللغة الفارسية القديمة. تحل ألغازها او تقرأ ما كتب فيها بمساعدة احد العاملين في المزرعة والذي يتقن تماما اللغة الفارسية القديمة. يظهر اسم يحيى على جدران الغرفة الصغيرة، التي اعتزل العالم فيها الى ان مات فيها تاركا يومياته.. التي دون فيها ما اوردته الرواية التاريخية الموازية لرواية الحاضر.. في الصفحة الاولى من اليوميات، يكتب يحيى التالي"أنا يحيى ما زلت أبحث عن ذاتي وسط حطام معركة لم اختر ان اقتحمها.. أنا يحيى.. رجل احب امرأة وسار في سرابها، فاخذته الى دخان احترق بناره.. أنا يحيى.. رجل ما زال امامه العمر ليروي قصته.. أنا يحيى. وهذه قصتي.. ربما تجدينها أنت ياعمري في يوم ما وتقرأينها بقلب لم يمهله القدر ليبقى معك للابد.. يقيني انني سألقاك هناك." .

الرواية من اصدارات الدار المصرية اللبنانية

تقع الراوية في 467من القطع المتوسط

***

مزهر جبر الساعدي

 

في المثقف اليوم