عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: تجليات الخطاب ومعالجة سايكلوجية المنظور المرجعي

دراسة في رواية (سمر قند) لأمين معلوف.. الفصل الرابع - المبحث (1)

توطئة: لقد أصبحت الشخصيات في روايات أمين معلوف المرجعية أعلى صوتا إذا ما قورنت بصوت السارد العليم، وذلك نتيجة لظهور مستوى معالجة آليات سايكلوجية تتم مقاربة توجهاتها الاسلوبية من حدود آفاق نفيسة - ذاتية، أدى ظهورها على وجهة نظر داخلية تتناول مقامات السرد عبر مفهومات (الفضاء - الزمان - المكان - الصيغة والصوت - التبئير والمسرود) بلوغا نحو مستويين من التركيز (المنظور الموضوعي - المنظور الذاتي) ومن خلال هذا المستوى قراءنا احداث رواية (سمر قند) بالطريقة التي تلازمها بعض من الأساليب المستحدثة مثل تعدد الأصوات والمونولوج الداخلي ورؤية المنظور الوصفي لتجليات وجهة نظر للخطاب خارجيا وداخليا.

- العتبات النصية وبنائية الشكل للحكي

بإختصار.. إن إدراكنا إلى حقيقة رواية (سمرقند) التي هي موضع بحثنا، هو إنها تنتمي - ابتداء - إلى صيغة الرواية التاريخية التي تم معالجة منظورها الديناميكي من خلال فاعلية العناصر الاسلوبية المؤثرة في الأوضاع السردية، لذا فهي وعبر تنصيصات عتباتها الواعية، تستوجب من قارئها ضرورة وضعها في مقامات السردية الأكثر غاية ودقة وملاءمة مع حيثيات طبيعتها الخاصة بمعالجة الأسباب والنتائج على نحو تدريجي بوضوح وموضوعية ملحوظة.

1- صيغة الخطاب من حاضرية فضاء المبأر:

لعل النقطة الحدودية التي تستهل بها تشكلات السرد الروائي - ابتداء - من (المتكلم / الفاعل السردي) وسيكون هذا التأطير متمثلا عبر آليات الفضاء الثابت الذي يقدم لنا من خلال المجال الأكثر إيغالا بصوت الفاعل السردي: (في أعماق المحيط الأطلسي كتاب. وقصته هي التي سأرويها. وربما كنتم تعرفون خاتمتها، فالصحف قد ذكرتها في حينه، وسجلتها بعض المؤلفات مذاك: (عندما غرقت الباخرة - تياتنك - في الليلة الرابعة عشرة من شهر نيسان (ابريل) 1912 في عرض مياه الأرض الجديدة كان أعظم الضحايا وأعجبها كتابا هو نسخة فريدة من رباعيات عمر الخيام. / ص9 العتبة) وفي إطار الحديث عن هذه العتبة السردية من مقدمات الرواية ورصد تمظهراتها لابد من التفريق بيت صوتين سرديين تناوبا في تشكيل البناء الحكائي لهذه الرواية: الأول هو المؤلف إذا استثنينا من ذلك الصوت للمحقق الخارجي بأعتبار أن دوره مقتصر على الأفضية التحقيقية ورصد الأحداث من الخارج: الثاني هو صوت السارد العليم، والملحوظ في هذه الرواية أن الغلبة في خطابها الروائي للصوت الأوحد (الفاعل السردي) الذي هو حينا يسرد وحينا يقوم بتنظيم الإجرائية الحوارية بين باقي الشخصيات. غير أن هذا التمازج بين السارد والمبئر (أي بين الذي يتكلم والذي يرى) كما هو الحال في هذه الوحدات: (يحدث أحيانا في مساء عبوس أن يتسكع بعض أهالي سمرقند في درب الحانتين. غير النافذة بالقرب من سوق الفلفل لا لكي يذقوا خمرة الصفد الممسكة، وإنما ليرقبوا ذهاب الناس وإيابهم أو ليخاصموا شاربا ثملا. / ص13 الرواية) وفي الكثير من الأحيان يقدم لنا (الفاعل الذاتي) ومن ورائه الكاتب رؤيته للثيمة الأساسية في الوحدات السردية الفصولية. وفي إطار الحديث عن الرؤية السردية فيمكننا تتبع حركة تنامي الحكي وفق ثلاثة مستويات:

- المستوى الأول: مستوى السرد الذي يقدم أغلبه عن طريق (الفاعل الذاتي / المتكلم) إذ سنلاحظ بطئا في حركة سير هذا المستوى، راجعا إلى المساحات الاسترجاعية والوصفية: (و لسوف يولد من قبل هذه الحادثة في صيف 1072 مخطوط الرباعيات. فعمر الخيام في الرابعة والعشرين. ولم يمض على وجوده في سمرقند كبير وقت.؟ ص13 الرواية).

- المستوى الثاني: ويتمثل في ترك حاضر السرد والخروج في مساحات استرجاعية مختلفة قربا وبعدا عن النقطة التي تمثل بداية الحكي: (إنه يتأمل وجوه الرجال المسلحين العشرة الذين جاءوا يوقفون عملية التضحية. / ص19 الرواية).

- المستوى الثالث: فهو الانصباب في دائرة التمثيل وترك واقع السرد والأحداث الخارجية / وجعل دخيلة الشخصية الروائية هي - المبئر - كما أن المبئر هو الشخصية الروائية نفسها: (ثم أنحنى ماطا شفتيه وكأنه يقبل جبين طفل نائم. / ص14 الرواية) ومن خلال هذه الأنماط السردية الثلاثة قدم الحطاب الأولي لرواية (سمر قند) حيث استطاع أمين معلوف في إطار هذا وذاك أن يسمح لنفسه بالتسلل إلى ذلك العالم المتخيل، ممارسا سلطته العليا كخالق لهذا الكيان المتخيل، طارحا أفكاره ورؤاه من خلال شخوصه، لاسيما شخصيته المحور عمر الخيام وعشيقته جيهان والقاضي أبا طاهر وذلك المتكلم الذي يتماهى معه إلى حد التوحد ليصبحا روحين في جسد واحد نصفه ورقي والنصف الآخر من ذات وموضوع. هذا القناع الشفاف (الناظم - المتكلم) الذي يختبىء خلفه الكاتب سيرا وراء أعراف وأصداء الكتابة الروائية المرجعية: (فهل كان ذاهبا إلى الحانة في ذلك المساء أم أن صفة التسكع هي التي حملته؟ إنها اللذة الندية بذرع مدينة مجهولة والعينان مفتوحتان على ألف لمسة من لمسات النهار الصارم. / ص13 الرواية) نعم لعل ذلك الصبي الصغير الذي يجري بقديمه الحافيتين فوق بلاطات شارع - حقل الرواند - وهو يضم إلى عنقه تفاحة قام بسرقتها من أحدى البسطات المخصصة لعروض الخضار والفواكه، حيث تجري في سوق البزازين لعبة نرد حامية الوطيس. وفي ممر الحبالين المقنطر توقف بغال وأحصنة قرب بركة وجعل الماء ينساب في جوف راحتيه المضمومتين: (و في ساحة تجار الزبل اقتربت من الخيام امرأة حامل. وإذ كانت قد رفعت نقابها فقد بدا إنها تكاد ان تكون في الخامسة عشر من العمر.. ومن غير أن تنبس بكلمة ولا أن ترتسم ابتسامة على شفتيها البريئتين اختلست من يديه بضع حبات من اللوز المحمص الذي كان قد اشتراه لتوه. ولم يدهش المتنزه، فهناك اعتقاد قديم في سمرقند: حين تصادف المرأة التي ستغدو أما إنسانا غريبا يروقها شكلة فإنه ينبغي عليها أن تتجرأ على مشاطرته طعامه. / ص14 الرواية) كما أن الروائي ذهب إلى أبعد حد في هذه الخروجات، عندما راح يتتبع أواصر شخوصه عبر علاقات نسبية في مساحات المشاهد السردية، مما خلق نوعا من التداخل بين الحكايات، أي ذلك النوع من الحكايا الفرعية التي حلت في حدود هامشية طورا غير إنها في الوقت نفسه راحت تصاغ في حالات ترهين تبئيري من خلال أفعال الشخصية المحورية طورا آخر.

- البينات المشكلة في تموقعات الأفعال

لعل البينات المشكلة في مقاصد تموقعات الأحداث الفعلية تواكب ما يسمى بالوصف الانتشاري، ذلك النوع من الوصف الذي يسمخ للشخصية بأن يؤسس لذاته محورا ودورا مهيمنا، إذ يخضع لمشيئته محور السرد، أي إنه ذلك الوصف الذي تتوارد فيه الأفعال تفصيلا منفلتا من اسبقية الدلالة القائمة ما بين التبئير والسرد: (تباطأ عمر وأخذ يمضغ اللوزات المتبقيات بفخار ناظرا إلى المرأة المجهولة وهي تبتعد. وترامي إليه صخب حفزه على الإسراع فإنه لم يلبث أن ألقى نفسه وسط جمهور هائج وعجوز طويل الأطراف هزيلها ملقى على الأرض. / ص14 الرواية) أن الوصف المسرود الذي نجده في هذه الوحدات، يراكب حالات الأشياء والأحداث الفعلية، ويرتبها وفق توارد تدرجي، يتأطر ضمن نظام محكم الدقة، إذ نكون إزاء مشاهد متراصفة بتماسك يجعلها تولد بشكل علاني كاشفة عن وقائع مذوبة لنص ظاهري. أيضا يصادفنا في هذا النموذج عددا كبيرا من بينات الأفعال المشكلة للمحفزات الأساسية بفقرات ووحدات السرد، وأولها المحفز الحكائي: (المرأة المجهولة ؟) ومن الواضح أن لهذه الحايثة الفعلية قدرا خاصا من الإمكان المتصل وهوية الأفعال القادمة: (لم يتمالك عمر وهو يرقب المشهد من التفكير: إذا أنا لم أحاذر صرت يوما خرقة كهذة. / ص15 الرواية) وتلعب الأشياء الأحداثية الفعلية وظائف أخرى، إذ تتحول أحيانا إلى معالجات تعويضية عن خروجات أشياء حقيقية، خصوصا بالنسبة إلى شخصية عمر الخيام في ثنايا النص، فهي وظيفة توجهها طموحات خاصة في مسار نمو أفعال الأحداث: (أستوى القائد قافزا وتقدم من الخيام مسددا اصبعه إلى لحيته وقال: أنت يا من يبدو أنك تعرفه جيدا، ترى من تكون ؟ إنك لست من سمر قند أولم يسبق لأحد أن رآك في هذه المدينة. / ص16 الرواية).

- صوت السارد عن منظور المبئر

و من خلال بعض الأفعال المشهدية تنتقل صيغة الخطاب من حاضر المبأر إلى (الراوي - الناظم الخارجي) من منظور العصابة التي أحاطت وجود عمر الخيام، فيما أزاح عمر يد مخاطبه بتعال، ولكن من غير خشونة وتردد الخيام في الكشف عن نفسه، وأخذ يبحث عن خدعة، ورفع عينيه إلى السماء حيث كانت غيمة رقيقة قد حجبت الهلال. فيتجسد في هذا المحكي العلاقة بين صوت السارد عن منظور المبئر، كذلك فالعلاقة بين المبئر والمبأر في بعض حالات الوحدات السردية لا تقف عند حدود المشهد الخارجي بل يركز المبئر في تبئيره على دواخل المبأر فيقدمه لنا من الداخل الموقعي.

1- عمر الخيام وموصوف الرجل الكيميائي:

تؤشر الانساق السردية على وجود ذلك النوع من الدلالات التشاكلية والمتوازية بلوغا نحو مجموع العناصر التخييلية التي تستلهم جمالية الحكي محتملا محققا، لذا فمساحة الأفق الاشتغالي تحقق نمو الحوافز السردية على هيئة حياة الشخوص وأفعالها وطباعها النسقية. لذا نقول كيف يتشيد المحكي في متن رواية (سمر قند) حيث تتمظهر دلالات الروائي والمرجعي في حدود اشتغاله الى حيث توصلنا تجليات الخطاب في محكي تبئيري وسردي يمتاح في أفق جمالية فردية. يتبين أن الروائي والتاريخي في علاقة تخييلية مقصودة الارتباط والترابط والمعالجة، لذا فالتجسد لهما يتنقل في أعلى درجات التركيز والكثافة السردية المتلاحمة شكلا ودليلا. وعلى هذا النحو يتبين أن آليات الحكي في وحدات رواية (سمر قند) تزيح المرجعي في حدود علاقة معالجة لمفهوم التخييل دون المساس المباشر بشواهدية العنصر والمراد الميثولوجي، لذا فإننا نرى أن السرد في المتن الروائي يحيل على أزمنة وأمكنة تاريخية، ولكن أسلوب التخييل تخضع له العديد من التحولات والإشارات في المادة المرجعية. عموما يشكل المسار النوعي في رواية (سمر قند) ذلك التماثل والتلاحق بين مصدرية التواريخ ومعالجة التجربة الروائية في تمفصلات متشاركة بين سلطة المرجع النصي ومشروعية استبدالات الضرورة التخييلية. قلنا سلفا بأن شخصية عمر الخيام أصبحت أسيرة الرجال المسلحين بتهمة كونه الرجل الكيميائي الكافر: (لأن يكون المرء فيلسوفا فليس جريمة في نظر السلطات وأما تعاطي الكيميائي فجزاؤه الموت. / ص19 الرواية) بينما كان جابر الطويل الذي نسيه الجميع يزحف نحو أقرب حانة ويندس فيها، تمكن عمر الخيام من النهوض بلا مساعدة من أحد، ومشى مستقيما نحو مكان رئيس القضاة أبا طاهر: (إذ كان القاضي جالسا في طرف الحجرة الأخرة فإنه لم يلحظه، واستمر في تسوية إحدى القضايا مناقشا المتخاصمين. / ص21 الرواية) من هنا نعاين بأن السرد بدأ يطرح خطابه وفق آلية امتثالية معينة، لذا جعلت القابلية المكوناتية من التمثيل المتني كنقطة بداية راصدة في مجمل مجريات الأحداث، وصولا إلى انحدار الأحداث نحو نقطة الأنفراج: (و إذ صرف أبا طاهر كل أولئك الناس فقد أشار إلى رجال الميليشيا بالاقتراب.. وأبلغ هؤلاء تقريرهم وأجابوا عن بعض الأسئلة وجهدوا في شرح الأسباب التي دفعتهم إلى السماح بمثل هذا التجمهر في الشوارع. / ص22 الرواية) عندما وجد رئيس القضاة نفسه وجها لوجه مع عمر الخيام راح مهلهلا ومستبشرا: (إنه لشرف أن أستقبل في هذا المكان عمر الخيام النيسابوري الشهير. / ص22 الرواية) لم يكن القاضي متهكما أو ساخرا بل كان متحمسا، فما كانت هناك أدنى ظاهرة مبطنة بالسخط على عمر الخيام، إنما زاد في غموض الاستقبال أن عمر كان واقفا منذ ساعة ممزق الثياب وعرضه لجميع الأنظار. وقد أضاف أبا طاهر بعد لحظات: (لست نكرة في سمر قند يا عمر، فعلى الرغم من صغر سنك فإن علمك قد غدا مضرب الأمثال، ومآثرك تتناقل في المدارس. / ص23 الرواية).

- تعليق القراءة:

إن العوامل المتحكمة في وفرة وثراء رواية (سمر قند) لا تنفرد بها الفصول الأولى من مبحثنا الأولي هذا، بل إن ملامسة سياق الإنتاج في مسار معنى التحولات الكلية النوعية في مشروع النص الروائي إجمالا، توفر لنا الحصيلة القصوى من مقصديات العمل الروائي كصورة مغايرة تقع في مواجهات عنيفة بين عمر الخيام وعشيقته جيهان أو في مستوى التحولات الشخوصية في فواعل الأفعال السردية ذات التمظهرات الارتكازية في صوغ وصياغة المعنى الروائي المراد إنتاجا لأم عينات ومشخصات حيواة الحكي في رواية موضع بحثنا الأولي.. أن أمين معلوف يقدم لنا روايته من خلال تعدد استجلاء منظورات الأسباب المغايرة، بلوغا نحو تكوين حال لسان ذلك المؤلف الضمني نموذجا في روي ومروى المسرود ساردا. وكلما تعمقنا في مدار أحداث الرواية عبر مجال إجرائية مباحثنا اللاحقة سوف نبلغ مرحلية ترتيب المادة الروائية على النحو الذي يمنحها تجليا خطابيا بمقاصد معالجة سايكلوجية المنظور المرجعي - السياقي - في حدود مؤلفة من الخطاب المعروض والمسرود الافعالي الذاتي بلوغا مؤطرا نحو تواتر بناء الخطاب الروائي بمرسلات مزاوجة بين السرد والوصف والمشهد العلائقي المتواصل بين صيغ علاقات وعلامات العرض وتأطيرات الراوي عبر خطابه المسرود اليه ساردا.

***

حيدر عبد الرضا