عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مراد غريبي: النقد بوصفه فعلاً فلسفياً

"الوعي الذي لا يقبل النهايات"

مفتتح: ثمة أسئلة لا تُولد من فراغ الجهل، بل من قلق المعرفة، والنقد واحدٌ من هذه الأسئلة التي طالما أثارت في من يمارسها شعوراً غريباً: أن العقل حين يشتغل جدياً لا يستريح، وأنه كلما امتلك أدوات أدق كلما أدرك أن ثمة في الفهم طبقات لم يبلغها بعد..

تنطلق هذه الورقة، لا لتُرسي حكماً نهائياً على المفهوم، بل لتمشي معه في تضاريسه، وتستوقف عند اللحظات التي يكشف فيها عن قدرته على تحرير الفكر من بداهاته أو بالأحرى نهاياته..

فالنقد، في أعمق صوره الفلسفية، ليس ضرباً من ضروب الإسقاط السهل، ولا فرحاً بالهدم، ولا فانتازيا دفاعية تعيش على الاعتراض، إنه عملٌ مضنٍ يقوم على استئناف السؤال حين يظن أن الجواب قد اكتمل، وعلى إعادة فتح الملف حين يتسرع التاريخ في إغلاقه، لذلك كان النقد وسيظل على هذا النحو، لا يستهدف الآراء في نهاياتها، بل يعود إلى أصولها، ويسأل: بأي شرط قيل هذا القول؟ وأي صورة للعقل والإنسان والسلطة يحملها في طيّاته؟ وعن ماذا يصمت حين ينطق؟

ولعل أشقّ ما في ممارسة النقد حقاً، أنه لا يمنح صاحبه راحة اليقين، فالناقد الذي يُتقن عمله يظل في حالة تقلّب منتِج: يعرف أن الفهم لم يكتمل، وأن الأدوات نفسها عرضة للمساءلة، وأن الحرية الفكرية لا تُولد من الانتهاء من الأسئلة، بل من القدرة على إنجاب أسئلة أعمق، لذلك لم يكن النقد في تاريخ الفلسفة مجرد منهج، بل كان دائماً أثراً لشجاعة الفكر حين يرفض أن يستريح في نفسه، وعلامةً على عقلٍ أبى أن تتحول معرفته إلى سجن مريح.

هكذا سيظل النقد ليس حركة رفضٍ عادية، ولا هو مجرد كلمة سريعة تُرمى على وجه الأقوال لتطيح بها، إنه فعلٌ يوقظ العقل من سباته، يربك البداهات ويعيد توزيع المسلّمات، حين يقال "نقد" في العمق الفلسفي، فإن المقصود ليس الهدم لذاته، بل الاستيضاح: لماذا تبدو هذه المقولة قابلة للاعتبار؟ بأي شرعية تتنزّل؟ وما الثمن الذي تدفعه الحقيقة إن لم تُسائل شروط ظهورها؟ هذا السؤال — أكثر من أي يافطة نقدية — هو الذي يجعل النقد ممارسة تأملية، ومحنة روحية للعقل لا مجرد مواجهته رأيا برأي.

أ‌. النقد أو فقه الكفر بالبداهة

لا يبدأ النقد من شجاعة الهدم، بل من شيء أصعب بكثير: من قدرة نادرة على توقيف اليقين في منتصف طريقه، وعلى الالتفات إلى ما يسمح له بالتحرك دون سؤال. فالبداهة ليست معطىً بريئاً تحمله اللغة بصدق؛ إنها في الغالب رواسب تاريخية علّمَتنا أن لا نراها، وترتيبات رمزية تعلّمنا أن نعيشها كما نعيش الهواء: حاضرةٌ في كل نفَس، غائبة عن كل تأمل، لكي يعمل النقد عملَه، لا بد له من مجال — مجال لا يعني إغلاقاً بل مساحة تمييز؛ تلك المسافة الدقيقة التي تُبقي على الفرق بين مساءلة الفكر وإعلان عدميته، فليس كل تشكيك نقداً، كما أن ليس كل اعتراض معرفةً، ثمة أشكال من الارتياب تنتهي بصاحبها إلى شلل تأملي يتوهم أنه عمق، وهناك نوع آخر من الارتياب يُنتج وضوحاً جديداً لم يكن ممكناً قبل أن يُمارَس.

النقد الفلسفي ينتمي إلى هذا النوع الثاني، النقد يسائل خرائط القول قبل أن يسائل مضامينه، إنه لا يبحث في ما تقوله الفكرة فحسب، بل يتساءل كيف أمكن لها أن تُقال، وكيف اكتسبت حق الظهور بوصفها مقبولة أو طبيعية أو لازمة؟ ما الافتراضات المتخفية التي تُسند دعواها من الداخل؟ أي أجهزة سلطة تحفظ لها مكانتها وتوفر لها الشرعية في السياق الذي تتداول فيه؟ ما البداهات التاريخية التي ترسّبت فيها حتى صارت تُقدَّم كأنها حقائق خارج التاريخ؟ هذه الأسئلة ليست تشكيكاً للتشكيك، بل هي ممارسة دقيقة لِما يمكن أن نسميه الكفر المنهجي بالبداهة: ذلك النوع من الرفض الذي لا يرفض لأنه يكره، بل لأنه يعرف أن ما يبدو طبيعياً مبنيٌّ دائماً على قرارات وانتقاءات واستبعادات سابقة.

بهذا المنعطف البنيوي يتبدّى النقد كمهمة تأديبية للعقل، لكن التأديب هنا بعيد كل البعد عن معنى القمع أو الكبت؛ إنه تأديب تحريري يُعيد للعقل قدرته الأصيلة على التمييز، تلك القدرة التي يفقدها حين تستقر فيه يقينات موروثة لا تُسأل، وحين تتحول المعرفة من تجربة مفتوحة إلى منظومة مغلقة تُعيد إنتاج نفسها، النقد إذن يقف في الوسط الحرج بين قطبين متعارضين يكادان أن يلتقيا من حيث لا يتوقعان: يقين لا يُساءَل فيُولّد أصولية، وشك لا يُوجَّه فيُولّد نكوصاً معرفياً، بين هذين يشتغل النقد: لا يهوي نحو الأول ولا ينزلق نحو الثاني، بل يسكن في التوتر الخصب بينهما، مُنتِجاً ذاك القلق الضروري الذي يجعل الفكر حياً.

ب‌. من سقراط إلى كانط

ثم إن التاريخ الفلسفي للنقد ليس تاريخاً متراكماً تتكدس فيه الأفكار طبقةً فوق طبقة كما يتراكم الطين على ضفاف النهر، بل هو تاريخ انعطافات: لحظات يكشف فيها الفكر فجأةً أنه كان يطرح السؤال بشكل خاطئ، فيُعيد صياغته من أساسه، وأولى هذه الانعطافات الكبرى كانت سقراطية الجوهر حتى حين لم تُعلن نفسها نقداً.

في محاورة سقراط نلمح نواة هذه اليقظة بكل وضوح وبكل غرابة في الوقت نفسه، لم تكن المحاورة غايتها الانتصار في جدل، ولا كان سقراط يبحث عن قصيدة غلبة يحفظها التاريخ، وإنما كان يبحث عن شيء أشق: الفجوة بين اللغة والمعنى، تلك الهوة الدامغة بين ما يعتقد الناس أنهم يعرفونه وبين ما يمكنهم فعلاً تبريره حين يُطلب منهم ذلك، أي المحاورة السقراطية تعمل كمرآة مكبِّرة تُعيد عليك صورة يقينك وقد صارت سؤالاً. المعرفة التي دخلت إليها تخرج مزعزعة، لكنها لا تخرج فارغة؛ تخرج محرَّرة من وهم الكمال الذي كان يعيق نموها.

غير أن الانعطاف الأكبر والأكثر جذرية في تاريخ النقد حدث مع كانط؛ إذ نقل مركز الثقل من الرأي إلى شروط الإمكان نفسها. قبل كانط كان الجدل الفلسفي يشتغل في الغالب على مضمون الأفكار: هل هذا الرأي صحيح؟ هل تلك الدعوى مبررة؟ جاء كانط وأزاح السؤال من موضعه القديم إلى موضع آخر أشد مراساً وأكثر مخاطرة: ليس ماذا نعرف؟ بل كيف يمكن أصلاً أن نعرف؟ ما الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة؟ وما الحدود التي إذا تجاوزها العقل ظن أنه يعرف وهو في الحقيقة يهذي في فراغ؟

سؤال كانط "كيف تصبح معرفتنا ممكنة؟" لا يُشبه سؤالاً أداتياً عن قدرة الأدوات المعرفية، بل هو عملٌ تشريعي داخلي عميق يجعل العقل محاسَباً على أدواته قبل أن يُجازى على نتائجه، إنه كمن يسأل البنّاء قبل أن يُسلّمه المادة: هل تعرف جيداً ماذا تفعل بها؟ هل تعرف حدود قدرتك؟ هل تدرك أين تنتهي الأرض الصلبة وتبدأ الهاوية؟ من خلال هذا التشريع الذاتي يتبدّل وجه الفلسفة تماماً: لم تعد في خدمة الميتافيزيقا بوصفها سيدةً تبني قصوراً في الهواء، بل صارت في خدمة العقل بوصفه موضوعاً للمساءلة قبل أن يكون أداةً للسيادة.

هكذا يصبح النقد تشريعاً طوباوياً للعقل نفسه — طوباوياً لأنه يضع أمام العقل معياراً لن يبلغه أبداً بشكل كامل، لكنه في المحاولة الدائمة لبلوغه يُنقّي نفسه ويتحرر من أوهامه. تشريع يضبط نزوعه نحو التجاوزات الكبرى، ويردّه كلما مضى بعيداً في استنتاجات تتجاوز أدلتها، ويُعيد إليه ذلك التواضع المعرفي الضروري.

ت‌. النقد فيما بعد التفكيك

غالباً ما يتفنن البعض بالهدم كغاية؛ إذ يبدو هدم الأنساق فعلاً ثورياً يحمل في نفسه قيمةً رمزية، لكن النقد الفلسفي لا يينى على الهدم وحده.

لامناص أنه يُغري الهدم كثيرين لأنه يمنح إحساساً بالقوة، حين تُسقط نسقاً فكرياً، أو تُفكك مقولةً راسخة، أو تُظهر تناقضات ما كان يبدو متماسكاً، تشعر لوهلة بأنك أمسكت بخيط الحقيقة الذي كان يتبختر دون إمساك.

 لكن هذا الإحساس الثوري، حين لا يُكبَح ويُوجَّه، ينتهي بالفكر النقدي إلى مأزق طريف: أن يصبح الناقد ضحية افتتانه بالهدم، فيُنتج نقداً لا يترك شيئاً قائماً دون أن يُقدّم شيئاً آخر بديلاً.

لهذا النقد الفلسفي الحقيقي لا يُبنى على الهدم وحده، ليس لأن الهدم سيئ في ذاته، بل لأن هدماً من دون إعادة توجيه للأسئلة يترك الفكر في فراغ لا يختلف كثيراً عن الفراغ الذي كان يملأه الوهم القديم، ثم الفراغ لا يُحرر، والفراغ لا يُنتج معرفة؛ هو مجرد غياب بديل لغياب سابق، وقد مرّت الفلسفة المعاصرة بتجربة هذا الخطر حين أصبح التفكيك في بعض قراءاته المتطرفة نزعة نفسية مؤسسية أكثر مما هو ممارسة فكرية: يُهدم كل شيء لأن الهدم علامة على الجرأة، ويُشك في كل شيء لأن الشك دليل على العمق.

أما النقد الحقيقي فمزدوج البنية: يُزيح ما يُعطّل إمكانية الفهم، وفي الوقت نفسه تُفضي هذه الإزاحة إلى انفتاح لم يكن ممكناً قبلها، إنه لا يكتفي بأن يُظهر أن الباب كان مغلقاً، بل يفتح الباب، ليس معنى هذا أنه يُقدّم إجابة جاهزة مكان السؤال الذي فككه، بل معناه أنه بعد التفكيك تتضح مساحات للفكر لم تكن مرئية من قبل: معيار يمكن أن يُصاغ بشكل أكثر دقة، سؤال يمكن أن يُطرح بشكل أكثر نضجاً، افق يمكن أن يُفكَّر فيه دون أن تُعيق رؤيته أوهام البداهة القديمة.

وفق هذا الفهم يصبح النقد بُعداً عملياً لا نزعة تدميرية، يخلع الأقنعة لا لكي يترك الوجوه عارية في برد الفراغ، بل كي يُتاح للوجوه أن تُرى، والرؤية هنا ليست مجازاً شعرياً، بل وظيفة معرفية: حين تسقط الأقنعة تصبح الأسئلة الحقيقية مرئية، وحين تصبح الأسئلة الحقيقية مرئية يصبح البناء ممكناً على أسس أصدق، الفكر النقدي الرصين إذن ليس عدواً للبناء بل شرطه: لا يُبنى بيت متين على تربة لم تُفحص.

ث‌. السلطة والحقيقة

الوهم الأكثر مراوغة في تاريخ الفكر ذلك الذي يُصوّر الحقيقة كيانًا نقياً يعيش خارج التاريخ، منزّهاً عن مواضع قولها وعن من يملك حق التلفظ بها، الحقيقة في العالم — لا الحقيقة كمفهوم مجرد بل كممارسة اجتماعية وثقافية — لا تطفو وحيدة في فضاء محايد؛ إنها دائماً مُنتَجة في سياق، ومحمولة في مؤسسات، ومحروسة بأجهزة ترسم حدود ما يُقال وتحدد من له الحق في قوله ومن لا يُسمح له بالاقتراب.

الخطاب الذي يحتل مركز الحقيقة لا يصل إلى هذا المركز بمحض الصدق ووضوح الدليل وحدهما، ثمة شبكات من السلطة والمؤسسة والاعتراف الاجتماعي تمنحه حق النطق، وتمنح أصحابه هيبة المتحدثين باسم الحقيقة، وتكفّ في الوقت نفسه أصواتاً أخرى عن الكلام، لا لأنها أقل صدقاً بالضرورة، بل لأنها تنتمي إلى مواقع أقل قدرةً على فرض نفسها.

النقد إذن لا يمس فقط صدقية الحجة بوصفها بنية منطقية، بل يمس ما هو أكثر تعقيداً وأكثر خطورة: آليات إنتاج الحجة نفسها، والشروط التي تجعل بعض الأقوال أقوى حضوراً من غيرها.

غير أن النقد الذي يكتشف هذه العلاقة بين المعرفة والسلطة يواجه بدوره خطراً مضاداً: أن ينزلق إلى اختزالٍ يجعل من كل معرفة مجرد قناع لسلطة، ومن كل حقيقة مجرد أداة لهيمنة، هذا الانزلاق يُطمئن لأنه يُبسط، لكنه في تبسيطه يُدمّر: إذ يترك الفكر بلا معيار، ويُساوي بين الادعاءات المختلفة تساوياً يجعل التمييز بينها مستحيلاً، فإذا كانت كل معرفة مجرد سلطة، فبأي معيار نُفضّل نقداً على آخر؟ وبأي أساس نقول إن كشف آليات السلطة هو نفسه أكثر صدقاً من إخفائها؟

النقد الناجح يتعلم أن يعيش في هذا التوتر دون أن يحسمه باتجاه أحد طرفيه، يُبيّن التشابك العضوي بين المعرفة والسلطة دون أن يُذيب الأولى في الثانية، يكشف أن الحقيقة لها سياقات إنتاج دون أن يُلغي الفرق بين القولين الصادق والكاذب، يُعيد توزيع الشرعية المعرفية دون أن يُسقط الإمكانية المعرفية نفسها، هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح النقد صدقيته: ليس لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه يعرف أين تنتهي قدرته على المعرفة، ويقف عند هذا الحد باحترام.

ج‌. النقد والتربية

لا توجد مؤسسة أكثر خطورةً وأكثر إغراءً بالوقوع في فخ التلقين من المؤسسة التربوية، لأن التربية بطبيعة مهمتها وجوهر وظيفتها الحضارية، معنية بنقل ما توصّل إليه الجنس البشري من معرفة وقيم وطرق في الفهم، وهذا الهمّ النقلي مشروع تماماً، لكنه يحمل في قلبه خطراً صامتاً: أن يُكرّس النقل على حساب التفكير، وأن يصبح الإنسان الناتج عن المؤسسة التربوية خازناً للمحتوى لا صانعاً للمعنى.

المدرسة التي لا تشتغل بنقد حقيقي تصبح آلة لإنتاج الامتثال المزوّر: امتثال يُقدّم نفسه بلغة الكفاءة والنجاح، بلغة النتائج الممتازة والسلوك الحسن، لكنه في العمق انقياد لمنطق المؤسسة وإذعان لسلطة المعرفة الجاهزة دون مساءلة، والمشكلة ليست في المعلم ولا في الطالب بشكل فردي، بل في بنية ثقافية أعمق تجعل السؤال مُزعجاً والمراجعة مُهدِّدة والتشكيك خروجاً عن الأدب.

الوظيفة التربوية الحقيقية ليست مجرد نقل معارف — وإن كان النقل ضرورياً — بل هي في جوهرها تشكيل رغبة في السؤال، وصياغة ذائقة للتمييز، وتنمية قدرة على تحمّل عدم اليقين دون أن يُصاب المتعلم بالقلق المشلّ، هذه المهمة أشق بكثير من تسليم كتاب وانتظار استيعابه، لأنها تشترط أن يكون المعلم نفسه ناقداً لا ناقلاً فحسب، وأن تكون المؤسسة مساحة للشك المنتج لا حارسة لليقين المُصرَّح به.

عندما يتحول الفصل الدراسي إلى مصفاة للحفظ بدلاً من مختبر للفكر، نخسر شيئاً لا يمكن تعويضه بأي نتيجة امتحان: نخسر المواطنين القادرين على مساءلة الشروط التي تُنتج المعلومة التي يحفظونها، فالمواطن الذي لم يتعلم كيف يسأل "لماذا؟" و"بأي حق؟" و"من تخدم هذه الرواية؟" هو مواطن عرضة لأن يكون وقوداً لأي خطاب يعرف كيف يُقدّم نفسه بلغة البداهة، اذن التربية النقدية ليست ترفاً تأديبياً يُزيّن واجهة المؤسسات التعليمية المتقدمة، بل هي استثمار حضاري عميق في المناعة الفكرية للمجتمع: هي الطريقة الوحيدة لصياغة ذوات قادرة على مقاومة الاستسلام لسلطة المعرفة الجاهزة، وعلى تمييز الإقناع من الإكراه، والحجة من التسليم.

ح‌.  النقد والفكر الديني

لا يوجد حقل آخر يصبح فيه النقد أكثر إلحاحاً وأشد مقاومةً من الفكر الديني، أقول إلحاح لأن الفكر الديني يمس في الإنسان ما هو أعمق من الرأي الفكري، يمسّ الوجود والمعنى والهوية والانتماء، ومقاومة لأن المجال نفسه يميل تاريخياً إلى تحصين نفسه بأسوار القداسة ليُبعد عنه يد المساءلة.

في هذا الحقل تتقاطع ثلاثة أبعاد لا يمكن الاستغناء عن أي منها: قداسة النص بما هو مصدر للمعنى المتجاوز، وحاجة التأويل بما هو فعل بشري تاريخي لا مناص منه، ومسؤولية النقد بما هو حارس يمنع التأويل من الادعاء بمقام المصدر، حين تُخلط هذه الأبعاد الثلاثة، وحين يُزاحم التأويل البشري المتراكم مكانة النص الأصلي، يُولد نوع خاص من الأرثوذكسيا القسرية التي تُقدّم نفسها كما لو كانت الدين ذاته، وتُدافع عن حصانتها كما لو كانت الدفاع عن المقدس لا عن قراءة تاريخية بعينها.

النقد في الفكر الديني ليس هجوماً على الإيمان بوصفه تجربة روحية حيّة، ولا هو ملاحقة للمؤمنين في خصوصية ما يعيشونه مع معنى أكبر منهم، النقد هنا مساءلة لصور التمثل التاريخي للدين: كيف تشكّلت الأرثوذكسيا؟ كيف اكتسبت بعض القراءات حصانة أعلى من غيرها؟ وكيف أُسكتت أصوات داخل التاريخ الديني نفسه لأنها أزعجت بنية السلطة التأويلية القائمة؟ هذه الأسئلة ليست تدميراً للدين، بل هي في أعمق معانيها حماية للدين من أن يُختطف باسمه.

بل النقد الرشيد في الحقل الديني لا يطمس المعنى الروحي، بل يحميه من شكل خاص من التعفن: ذلك التعفن الذي يُصيب الفكر الديني حين تتجمد صيغه، وحين تتحول القراءات المتراكمة إلى أسوار تحجب النص عوض أن توصّل إليه.، كما يُقوّي الفهم الديني الحقيقي حين يجعله واعياً بسياقاته، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما هو جوهر متجاوز للتاريخ وما هو لباس تاريخي مخصوص، ويحرّره من الحصانات المؤسساتية التي تقوّض حيويته بتحويله من تجربة يُعاش فيها ويُسأل إلى نسق يُصان ويُحرَس.

خ‌.  حين يُصبح النقد إستبداداً

أكثر ما ينبغي للناقد أن يخشاه ليس خصومه، بل نفسه، لأن النقد يحمل في بنيته إغراءً خفياً نحو تحويل موقع المساءلة إلى موقع امتياز، فمن يملك أدوات النقد يمتلك قدرة على رؤية ما لا يراه غيره، وهذه القدرة حين لا تُحرَس تتحول بسهولة إلى شعور ضمني بالتفوق: تفوق المُشكِّك على المُصدِّق، وتفوق المُفكِّك على المبني، وتفوق من يرى الأقنعة على من لا يزال يعيش خلفها.

ثم إن هناك لحظات في تاريخ التيارات النقدية تتحوّل فيها إلى طقوس تُؤدَّى لا أسئلة تُعاش، يصبح التشكيك أداءً اجتماعياً علامةً على الانتماء إلى نخبة بعينها، ويصبح الاعتراض على كل توافق علامةً على الجرأة لا على الحكمة، عند تلك النقطة يكف النقد عن كونه ممارسة معرفية ويصبح مسرحاً لإعادة إنتاج التمييز الرمزي: الحدود نفسها التي كان يُعلن تفكيكها يُعاد رسمها بحبر مختلف وبلغة ثورية مُحدَّثة.

لهذا سلامة النقد تُقاس بشيء واحد: قدرته على أن يعود إلى ذاته، على أن يُخضع أدواته لمساءلة مماثلة لتلك التي يُخضع أدوات غيره لها، وعلى أن يتسع لتواضع معرفي لا يُلغي صدقه بل يُحصّنه، الناقد الذي لا يعرف كيف يسأل نفسه نفس الأسئلة التي يسألها للآخرين ليس ناقداً بالمعنى الكامل، بل محتجّ في موقع استثناء معرفي، والاستثناء المعرفي، مهما تغلّف بلغة التحرر والمقاومة، يظل شكلاً من أشكال السلطة التي يدّعي تفكيكها.

النقد كمهذب للعقل

النقد، حين يَفعل فعله الكامل و يبلغ تمامه الفلسفي، لا يكون مجرد منهج في التحليل أو أداة في الجدل، إنه يتحوّل إلى ما يشبه الأخلاق: أخلاق العقل في علاقته بنفسه وبالحقيقة وبالإنسان، أخلاقٌ تقوم لا على وصايا جاهزة بل على فضائل متمرَّن عليها: فضيلة التمييز بين ما نعرفه فعلاً وما نظن أننا نعرفه، وفضيلة الصبر على السؤال حين يُغري اليقين السريع، وفضيلة الاعتراف بحدود الأدوات حين تتمدد لتسد آفاق تتجاوزها.

أيْ يقظةٌ تُحرّر العقل من تعلّقاته الوهمية، وتمنعه من أن يتحوّل إلى ذلك الأسير الراضي بقيوده لأنه نسي أنها قيود، إخراجٌ دائم للنسق من قبضات البداهة، إعادةٌ للسؤال إلى ما قبل الإجابة لا لإلغاء الإجابة، بل لاختبار درجة حقها في الوجود، هكذا النقد لا يعطيك إجابات محسومة تضعها في جيبك وترحل، بل يجبرك على البقاء في حالة تأهب معرفي إيجابي: حالة لا تشبه القلق الشالّ، بل تشبه انتباه الفيلسوف الذي يعرف أن الحقيقة ليست جائزة تُنال مرة واحدة بل مسيرة لا تنتهي.

وفي عالمٍ تسارع فيه الكلمات نحو ادعاء الكلمة الفصل، وتتصارع فيه الأيديولوجيات لاحتلال مقعد اليقين الأخير، يصبح النقد الذي يعرف حقول اشتغاله ويُمارس تواضعه أكثر من موقف فكري: يصبح واجباً إنسانياً. ليس لأن الحقيقة مستحيلة، بل لأن الحقيقة تموت حين تتوقف عن أن تُسأل. والملاذ الأخير للحرية الفكرية والمسؤولية الإنسانية في مثل هذا الزمن ليس امتلاك الإجابة الصحيحة، بل الاحتفاظ بالشجاعة الكافية لتوجيه السؤال — حتى حين يكون السؤال موجهاً نحو ما نؤمن به نحن أنفسنا.

***

مراد غريبي