عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: محمد عابد الجابري وإعادة بناء العقل العربي.. قراءة في المشروع وحدوده

ليس يسيرا أن يُتناوَل مشروع محمد عابد الجابري بوصفه مجرّد اجتهاد فكري داخل سياق ثقافي مغربي أو عربي محدود لأنّ هذا المشروع قد تشكّل منذ بداياته في صورة ورش نقدي واسع أراد أن يلامس البنية العميقة للعقل العربي لا مظاهره الخطابية السطحية. فالجابري لم يقدّم قراءة جزئية لتراثٍ بعينه ولم يكتفِ بإعادة ترتيب أسماء أو مدارس أو متون بل اندفع إلى مساءلة الآلة التي اشتغل بها الفكر العربي نفسه عبر قرون طويلة أي ذلك النسق المعرفي الذي صاغ طرائق النظر والاستدلال والاحتجاج والتأويل وحدّد ما يجوز التفكير فيه وما يُقصى من مجال المشروعية المعرفية. من هنا اكتسب مشروعه قيمته الإشكالية الكبرى لأنّه نقل السؤال من مضمون الفكر إلى شروط إنتاجه ومن قضايا الثقافة إلى بنية العقل الذي يصوغ تلك القضايا ويعيد إنتاجها في كل عصر.

لقد جاء الجابري في لحظة عربية مثقلة بالخيبات حيث صار سؤال النهضة متورّطا في إعادة تكرار نفسه وصار خطاب الحداثة يستهلك مفرداته أكثر مما ينجز شروطه وصارت العودة إلى التراث، في كثير من تجلياتها أقرب إلى الاحتماء الرمزي منها إلى الفحص النقدي الصارم. داخل هذا الأفق المأزوم حاول الجابري أن يفتح ثغرة حقيقية في جدار العادة الفكرية فربط أزمة الحاضر العربي بطبيعة البناء المعرفي الذي ورثناه وجعل من نقد العقل العربي مدخلا لفهم التعثر التاريخي الذي لازم مسارات الإصلاح والتحديث. لذلك لم يكن مشروعه ترفا نظريا ولم يكن اشتغالا مدرسيا معزولا عن رهانات الواقع بل كان تعبيرا عن وعي حادّ بأنّ كل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو تربوي يظلّ ناقصا ما لم يُسبَق بإعادة نظر جذرية في أنظمة المعرفة التي تؤطر الوعي الجماعي وتوجّه علاقته بالتراث والسلطة والحقيقة.

والحق أنّ قوة الجابري لا تُختزل في كثافة المادة التراثية التي استند إليها ولا في سعة اطلاعه على الفلسفة الحديثة ومناهج الإبستمولوجيا المعاصرة، وإنّما تُلتمس أساسا في قدرته على تحويل التراث من موضوع للتبجيل أو الخصومة إلى موضوع للتحليل البنيوي والتاريخي معا. لقد تعامل مع التراث بوصفه نظاما من العلاقات الداخلية وبوصفه كذلك حصيلة لصراعات معرفية ومذهبية وسياسية أسهمت في تشكيل صورة العقل العربي كما استقرّت في الوجدان الثقافي العام. ولهذا السبب بالذات أثار مشروعه كل ذلك الجدل؛ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يعدّونها من المسلّمات، ولامس تصوّرات رسخت طويلا تحت غطاء القداسة أو العصمة الثقافية أو التماهي الهويّاتي.

غير أنّ المشاريع الكبرى لا تُقاس بقوة حضورها فقط، بل كذلك بقدرتها على تحمّل المساءلة. ومشروع الجابري مهما بلغت مكانته ليس فوق النقد، لأنّ كل محاولة لإعادة بناء العقل العربي تظلّ محكومة بحدود أدواتها المنهجية وباختياراتها المعرفية وبما تستبعده من إمكانات تأويلية أخرى. لقد فتح الجابري أفقا واسعا للتفكير غير أنّه أغلق في مواضع غير قليلة مسالك أخرى للفهم، خصوصا حين مال إلى بناء تقابلات حادة بين أنظمة المعرفة أو حين منح بعض النماذج التراثية وظيفة تمثيلية تكاد تتجاوز حدودها التاريخية الفعلية. وتعد قراءة مشروعه اليوم ضرورة فكرية مضاعفة، ضرورة اعتراف بما أنجزه من تحرير للعقل من أوهامه الموروثة وضرورة مساءلة لما رسّخه هو نفسه من تصنيفات وأحكام ومصادرات تحتاج إلى إعادة فحص.

وعليه، فإنّ تناول محمد عابد الجابري لا ينبغي أن يصدر عن انبهارٍ يُعطّل النقد ولا عن خصومةٍ تُعمي البصيرة بل عن تقدير علمي لمفكر كبير حمل همّ العقل العربي في لحظة عسيرة وخاض معركة فكرية نادرة الجرأة والاتساع وترك نصوصا ستظلّ حاضرة في كل نقاش جادّ حول التراث والحداثة والنهضة وأزمة الوعي العربي. ذلك أنّ قيمة هذا المشروع لا تكمن فقط في أجوبته بل في نوع الأسئلة التي فرضها وفي الطريقة التي أعاد بها ترتيب علاقتنا بماضينا وفي الأثر الذي أحدثه داخل الحقل الفلسفي العربي المعاصر أثرا يجعل من قراءته اليوم مدخلا إلى فهم الجابري نفسه وفهم زمنه وفهم حدود إمكاننا الفكري الراهن.

إذا كان من السهل أن يُدرَج اسم محمد عابد الجابري ضمن كبار مفكري العرب في القرن العشرين، فإنّ الأصعب حقا هو تحديد طبيعة الرهان الذي انخرط فيه، لأنّ الرجل لم يكن يشتغل داخل حدود التأليف الفلسفي التقليدي ولم يكن يكتفي بترجمة مفاهيم الحداثة إلى العربية أو إعادة عرضها في سياق ثقافي محلّي بل كان يسعى إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، كان يشتغل على البنية المنتجة للوعي العربي نفسه، على الأرضية العميقة التي تصنع طرائق الفهم وتوجّه آليات النظر وتحدّد أنماط الاستدلال والقبول والرفض داخل الثقافة العربية الإسلامية. ولهذا السبب بالذات اكتسب مشروعه تلك المكانة المركزية داخل الفكر العربي المعاصر، لأنّه لم يتعامل مع الأزمة بوصفها اختلالا سياسيا عابرا ولا بوصفها مجرّد تأخر تاريخي يمكن تداركه ببعض الإصلاحات الجزئية بل قرأها في مستوى أعمق، أي في مستوى العقل الذي يفكّر والمعايير التي تحكم اشتغاله والمخيال المعرفي الذي يؤطّر علاقته بالعالم والتاريخ والسلطة والنص.

إنّ السؤال الذي حرّك الجابري لم يكن سؤالا ثقافيا بسيطا من قبيل لماذا تأخر العرب وتقدّم غيرهم؟ ذلك السؤال الذي استهلكه خطاب النهضة منذ الطهطاوي وخير الدين التونسي ومحمد عبده والكواكبي إلى مطالع القرن العشرين. لقد كان سؤاله أكثر تعقيدا وأشدّ جذرية كيف تشكّل العقل العربي؟ وما هي أنظمته المعرفية؟ وما الشروط التي جعلته ينتج أنماطا مخصوصة من الفهم والتأويل والمشروعية؟ وما الذي جعله في لحظات كثيرة يعيد إنتاج ماضيه بدل أن يفتح أفق مستقبله؟ هنا يتبدّى الفارق بين الإصلاحي الذي يطلب حلولا وبين الناقد الذي يعود إلى شروط إمكان المشكلة ذاتها. وقد كان الجابري بهذا المعنى أقرب إلى الناقد الإبستمولوجي منه إلى المصلح الوعظي وأقرب إلى الحفّار في طبقات الوعي منه إلى الخطيب الذي يكتفي بإدانة الواقع.

ولعلّ هذا ما يفسّر أنّ مشروعه قد انبنى منذ بداياته على وعي صارم بأنّ النهضة لا تُصنع بالشعارات وأنّ الحداثة لا تُستعار استعارة وأنّ التراث لا يُتجاوز بسبّه أو بتمجيده بل بفهم منطقه الداخلي وآلياته وطبقاته وتوتراته. وقد عبّر الجابري عن هذا الوعي في أكثر من موضع حين جعل من “العقل المستقيل” أحد عناوين الأزمة الحضارية العربية، وحين سعى إلى تفكيك بنية “اللامفكَّر فيه” داخل الثقافة العربية الإسلامية. فالمشكل عنده ليس في وجود التراث بل في طريقة حضور التراث في وعينا وليس في النصوص القديمة من حيث هي نصوص بل في كيفية اشتغالها داخل بنية السلطة المعرفية والرمزية. ذلك أنّ النص كما قال بول ريكور “ينفتح على عوالم متعددة بقدر ما تتعدد إمكانات تأويله”، لكنّ الثقافة حين تُحوّله إلى سلطة مغلقة تكفّ عن إنتاج المعنى وتشرع في إعادة إنتاج الطاعة.

من هنا نفهم لماذا لم يذهب الجابري إلى التراث كما يذهب المؤرّخ المحايد إلى أرشيفه ولا كما يذهب الفقيه إلى متونه طلبا للتقرير والتخريج بل ذهب إليه بوصفه ميدانا للصراع المعرفي وبوصفه نظاما حيا ما يزال يمارس سلطته داخل الحاضر. فالتراث عنده ليس ماضيا انقضى بل بنية متواصلة الأثر، تشتغل في المدرسة والجامعة والخطاب الديني والسياسي وفي اللغة التي نفكر بها وفي المسلمات التي نتداولها دون مساءلة. ولهذا كان نقد التراث عنده جزءا من نقد الحاضر بل هو في العمق نقد للحاضر بواسطة تفكيك آلياته الموروثة. وقد كان يدرك بوضوح أنّ “من لا يملك نقد ماضيه لا يملك بناء مستقبله”، وهي فكرة تجد صداها العميق في ما قاله هيغل: “البومة لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق”، أي أنّ الفهم لا يأتي إلا بعد أن تنقضي التجربة وتتحول إلى موضوع للتأمل. غير أنّ الجابري لم يرد تأملا متأخرا باردا بل أراد نقدا تاريخيا يشتبك مع الحاضر ويستثمر الماضي في معركة الوعي.

والحق أنّ هذا التوجه لم يأت من فراغ بل تشكّل داخل تربة فكرية وسياسية معقدة. فالجابري ابن لحظة عربية مأزومة عرفت انهيار الأحلام الكبرى بعد الاستقلالات الوطنية واصطدمت بفشل مشاريع التنمية وتعرّضت لهزّات قاسية كشفت هشاشة البنية السياسية والثقافية معا. لقد عاش جيل الجابري صدمة النكسة وعاين تعثّر المشروع القومي وشهد تحوّل الدولة الوطنية إلى جهاز سلطوي أكثر من كونها إطارا للتحرّر التاريخي. وفي مثل هذا السياق لم يعد السؤال عن الحداثة ترفا ثقافيا بل صار سؤالا وجوديا يخصّ مصير المجتمعات العربية ذاتها. ومن هنا يمكننا فهم انشداد الجابري إلى نقد العقل العربي بوصفه شرطا لفهم أسباب الانسداد الحضاري.

وليس من قبيل المصادفة أنّ الجابري كان شديد الوعي بأهمية المنهج. فالمشاريع الكبرى لا تنهض على النوايا الحسنة بل على الأدوات التي تتيح إعادة ترتيب الموضوع نفسه. وقد كان يصرّ على أنّ التراث لا يُقرأ بعين التراث وحدها لأنّ القراءة من الداخل إذا لم تُدعَم بأدوات تحليلية صارمة قد تنقلب إلى تواطؤ خفي مع موضوعها. لهذا استثمر الجابري جملة من الأدوات المنهجية الحديثة، من البنيوية إلى التحليل الإبستمولوجي إلى التاريخانية النقدية إلى ما استلهمه من باشلار وألتوسير وفوكو وغيرهم، مع حرص واضح على تطويع هذه الأدوات داخل سياق عربي إسلامي لا يقبل النقل الحرفي. لقد كان واعيا بأنّ “المنهج ليس حياديا تماما”، كما يقال في فلسفة العلوم وأنّ اختيار الأداة جزء من بناء الموضوع ذاته. لذلك جاءت قراءته للتراث قراءة تركيبية تجمع بين البنية والتاريخ، بين النسق والتحوّل، بين العلاقات الداخلية للنصوص وبين شروطها السياسية والاجتماعية.

وقد يكون من أخصب ما أنجزه الجابري في هذا الباب أنّه نقل النظر في التراث من مستوى التصنيف المذهبي التقليدي إلى مستوى الأنظمة المعرفية الكبرى. فهو لم يعد يكتفي بالحديث عن المعتزلة والأشاعرة والفلاسفة والفقهاء والمتصوفة بوصفهم فرقا أو مدارس منفصلة بل حاول أن يستخرج من هذا التعدد الظاهري منطقا عميقا يحكم اشتغال المعرفة في الثقافة العربية الإسلامية. ومن هنا جاء تقسيمه الشهير إلى البيان والعرفان والبرهان، وهو تقسيم لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تصنيف اصطلاحي بل بوصفه محاولة لإعادة رسم الخريطة المعرفية للعقل العربي. فالبيان عنده ليس مجرد بلاغة أو لغة بل هو نظام معرفي يقوم على النص والقياس والاشتقاق والاحتجاج اللغوي والفقهي. والعرفان ليس مجرد تصوف أو إشراق بل هو نمط في المعرفة يجعل الحقيقة كامنة في الباطن ويعتمد الكشف والرمز والتأويل الباطني وسلاسل التلقي السرّي. والبرهان ليس مجرد منطق صوري بل هو نظام معرفي يستند إلى السببية والاتساق العقلي والصرامة البرهانية كما تجلّت أرقى صورها في التقليد الرشدي.

إنّ هذه الثلاثية كانت في حقيقتها أداة الجابري المركزية في تفكيك العقل العربي، وقد رأى أنّ البيان ظلّ النظام الغالب في الثقافة العربية الإسلامية وأنّ العرفان تسلّل إلى بنية الوعي فأفسد كثيرا من إمكانات العقلانية بينما ظلّ البرهان رغم عظمته هامشيا أو مغلوبا أو محاصرا داخل السياق التاريخي الإسلامي. ولهذا السبب منح ابن رشد مكانة تكاد تكون محورية في مشروعه لا لكونه مجرد فيلسوف من فلاسفة الإسلام، بل لكونه يمثّل في نظره الذروة العقلانية التي كان يمكن أن تتطوّر داخل الثقافة العربية الإسلامية لو لم تُهزَم تاريخيا أمام تحالفات الفقه المغلق والكلام المحافظ والعرفان الغنوصي. إنّ ابن رشد عند الجابري ليس اسما من الماضي بل إمكانٌ تاريخي لم يكتمل. ولهذا قال في أكثر من مناسبة إنّ الحاجة إلى “روح ابن رشد” ليست حاجة إلى استعادة شخصه بل إلى استعادة منطق البرهان الذي مثّله.

ويلتقي الجابري من جهة ما هنا مع التقليد العقلاني الحديث الذي جعل من العقل معيارا للتحرّر. فديكارت حين أعلن أنّ “العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، لم يكن يمدح ملكة ذهنية فحسب بل كان يفتح بابا لتحرير الإنسان من سلطة الموروث غير المفحوص. وكانط حين كتب مقالته الشهيرة “ما التنوير؟”، عرّف التنوير بأنّه “خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه” وجعل شعار هذا الخروج هو “لتكن لك الجرأة على استعمال عقلك”. إنّ الجابري في عمق مشروعه يتحرك داخل هذا الأفق، أي أفق جعل العقل أداة للتحرّر من الوصايات سواء كانت وصايات مذهبية أو سياسية أو رمزية. غير أنّ خصوصيته لا تكمن في استعارة خطاب التنوير الأوروبي بل في سعيه إلى استخراج إمكانات التنوير من داخل التراث العربي الإسلامي نفسه عبر إعادة الاعتبار إلى السلالة الرشدية والعقلانية الأندلسية والمغربية.

وهذا بالذات ما يجعل مشروعه مغربيّ الملامح وعربيّ الرهان في آن واحد. فالجابري لم يكن مفكرا عربيا عاما بالمعنى المجرّد فقط، بل كان ابن تقليد مغربي خاص في النظر إلى العقل والفقه والسياسة. وليس غريبا أن يجد في الغرب الإسلامي وخصوصا في ابن رشد والشاطبي وابن خلدون، عناصرَ يمكن أن تؤسّس لما يشبه “العقلانية العملية” داخل الثقافة الإسلامية. فابن رشد يمثّل صرامة البرهان، والشاطبي يمثّل عقلانية المقاصد والنظر في المآلات، وابن خلدون يمثّل عقلانية العمران ووعي الاجتماع السياسي. وقد بدا واضحا أنّ الجابري لا يقرأ هؤلاء بوصفهم أعلاما منفصلين بل بوصفهم حلقات في سلالة معرفية بديلة عن السلالة المشرقية التي يرى أنّها كانت أكثر قابلية لتضخم العرفان وهيمنة التأويلات الغنوصية. وقد كانت قراءته للتراث قراءة انتقائية واعية تبحث عن العناصر القابلة لبناء حداثة عربية من داخل شروطنا التاريخية.

غير أنّ هذا الاختيار على قوته يكشف أيضا عن الطابع البرنامجي لمشروع الجابري. فهو لا يقرأ التراث من أجل المعرفة التاريخية الخالصة بل يقرأه من أجل تأسيس موقف معاصر. إنّه ينتقي ويعيد الترتيب ويمنح بعض اللحظات التراثية كثافة أكبر من غيرها لأنّ غايته النهائية ليست وصف الماضي كما كان بل إعادة بناء الحاضر بما يسمح به ذلك الماضي من إمكانات. وهذا ليس عيبا في ذاته لأنّ كل قراءة كبرى للتراث هي قراءة موجّهة بسؤال معاصر. وقد سبق لنيتشه أن قال إنّ “التاريخ ينبغي أن يُخدم الحياة”، أي أنّ استدعاء الماضي لا قيمة له إذا لم يمدّ الحاضر بقوة نقدية جديدة. لكنّ هذا الوعي البرنامجي نفسه يجعل مشروع الجابري معرّضا للمساءلة لأنّ الانتقاء مهما كان مشروعا قد ينقلب إلى بناء سردية جزئية تُعلي بعض العناصر وتهمّش أخرى.

ومع ذلك فإنّ الإنصاف يقتضي القول إنّ الجابري قد نجح في ما عجز عنه كثير من المفكرين العرب المعاصرين إذ استطاع أن يحوّل النقاش حول التراث من مجرّد معركة أيديولوجية بين “السلفيين” و”الحداثيين” إلى سؤال معرفي مركّب حول أنظمة إنتاج الحقيقة داخل الثقافة العربية الإسلامية، وهذه نقلة كبرى. فبدل أن يقال هل نأخذ بالتراث أو نرفضه؟ صار السؤال أيّ تراث؟ وبأيّ أدوات نقرأه؟ وما الذي ينبغي تفكيكه داخله؟ وما الذي يمكن استثماره؟ لقد انتقل الجدل من منطق الولاء والبراء الثقافي إلى منطق التحليل والنقد والتمييز، وهذه وحدها مساهمة لا يستهان بها.

لقد كان الجابري شديد الحساسية تجاه آفة الخلط، ولذلك سعى إلى تفكيك المتداخلات التي جعلت العقل العربي يشتغل في كثير من الأحيان داخل منطق التمويه المعرفي. فهو يميّز بين ما هو ديني وما هو تاريخي، بين النص المؤسِّس وبين قراءاته المتراكمة، بين العقل الفقهي بوصفه أداة اجتهاد وبين تحوّله إلى جهاز لتبرير الأمر الواقع، بين التصوف الأخلاقي المشروع وبين العرفان الباطني الذي يعلّق الحقيقة على الكشف الشخصي ويجعلها بمنأى عن المراجعة. ويمكن استحضار كلمة الشاطبي الدقيقة في هذا السياق: “المتّبع للدليل هو المتّبع للشرع، والمتّبع للهوى هو المتّبع لما سواه”. هذه العبارة على بساطتها الظاهرة تحمل في جوفها مطلبا جابريا بامتياز، أعني تحرير المعرفة من سلطان الأهواء المتلبّسة بلباس القداسة.

كما أنّ الجابري كان واعيا بأنّ معركة العقل ليست معركة ذهنية صرفة لأنّ أنظمة المعرفة لا تعيش في الفراغ بل تتغذى من البنى السياسية والاجتماعية. ولذلك لم يكن نقده للعقل العربي منفصلا عن نقده للعقل السياسي العربي ولا عن تحليله للبنية السلطانية التي حكمت تاريخ الدولة في الإسلام. فالسلطة كما قال فوكو “لا تُمارَس فقط بالقمع بل بإنتاج أنظمة الحقيقة”. وهذا المعنى حاضر بقوة في مشروع الجابري إذ لا يمكن فهم شيوع نمط معرفي دون فهم القوى التي منحته الشرعية وأقصت غيره. ومن هنا نفهم لماذا كان يعتبر أنّ إقصاء البرهان لم يكن حدثا معرفيا خالصا، بل كان له سند سياسي ومذهبي وثقافي. فالتاريخ لا يحسم لصالح الأصحّ نظريا دائما بل كثيرا ما يحسم لصالح الأقوى مؤسسيا ورمزيا.

إنّ مشروع الجابري قد أعاد الاعتبار إلى السؤال الفلسفي في الثقافة العربية من حيث هو سؤال في الشروط لا في النتائج فقط. لقد علّمنا أو حاول أن يعلّمنا أنّ الأزمة ليست في الأفكار التي نعلنها بل في البنى التي تنتج تلك الأفكار. قد نتكلم عن الحرية بعقلية استبدادية وعن الاجتهاد بعقلية تقليدية وعن الحداثة بأدوات تراثية مغلقة وعن العقل بمنطق لا عقلاني. لهذا كان لا بدّ من تفكيك “العقل الذي يفكر الحداثة” قبل الحديث عن الحداثة ذاتها. وهنا تتبدّى جدة مشروعه وعمقه.

على أنّ أهمية الجابري لا تعني التسليم المطلق بنتائجه. فالمفكر الكبير لا يُكرَّم بتحويله إلى سلطة جديدة، بل بإخضاعه للمساءلة التي دعا هو نفسه إليها. وإذا كان قد طالب بنقد التراث، فإنّ الإنصاف الفكري يقتضي أن نخضع مشروعه بدوره لنفس مقتضيات النقد. ذلك أنّ تقسيماته الكبرى على قوتها الإجرائية ليست حقائق نهائية وأنّ ترسيمه الحادّ بين البيان والعرفان والبرهان قد يفضي أحيانا إلى تبسيط مفرط لحركية التراث وتعقيداته. كما أنّ ميله إلى ردّ كثير من التوترات الفكرية إلى البنية المعرفية وحدها قد يجعل العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تبدو أحيانا في مرتبة ثانوية. ومع ذلك فإنّ هذه التحفظات لا تنقص من قيمة ما أنجزه بل تؤكد أنّه نجح في فرض نفسه بوصفه مفكرا من ذلك الطراز الذي لا يمكن المرور عليه مرورا عابرا.

لقد كان محمد عابد الجابري أحد أولئك الذين فهموا أنّ الأمة التي تعجز عن مساءلة أدوات تفكيرها تظلّ أسيرة إعادة إنتاج أزماتها وأنّ التراث الذي لا يتحول إلى موضوع للنقد يظلّ يتحول في الخفاء إلى سلطة تُدير الحاضر باسم الماضي. ومن هنا كانت معركته معركة تحرير للوعي أكثر من كونها مجرد معركة تأويلية. لقد أراد أن ينقل العقل العربي من منطق الاستظهار إلى منطق الفحص ومن التماثل مع الموروث إلى المسافة النقدية عنه ومن هيمنة البيان والعرفان إلى أفق البرهان ومن الانبهار بالماضي إلى القدرة على استعماله استعمالا تاريخيا لا عباديا.

وهذه هي النقطة التي ينبغي أن ننطلق منها في قراءة مشروعه لا بوصفه نصوصا متفرقة ولا بوصفه سلسلة مؤلفات فحسب، بل بوصفه محاولة كبرى لإعادة بناء شروط التفكير العربي من الداخل. إنّ الجابري لم يكن يبحث عن أجوبة جاهزة بل كان يعيد ترتيب السؤال ذاته، وهذه فضيلة الفلاسفة الكبار. فقد قال هايدغر إنّ “السؤال هو تقوى الفكر”، والجابري على اختلاف المرجعية والسياق كان من أولئك الذين أدركوا أنّ الفكر العربي لا يحتاج إلى كثرة الأجوبة بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال، سؤال العقل وسؤال التراث وسؤال المشروعية وسؤال النهضة وسؤال الممكن التاريخي.

وإذا كان هذا المشروع قد منحنا أدوات ثمينة لفهم علل الوعي العربي فإنّ قيمته القصوى تكمن في كونه أعاد إلى الفلسفة دورها النقدي داخل الثقافة العربية الحديثة بعد أن كادت تُختزل في التعليم المدرسي أو الترجمة أو الشرح. لقد جعلها أداةً لتشخيص العطب الحضاري وأداةً لإعادة ترتيب العلاقة بين النص والتاريخ والعقل. وهذا ما يفسّر أنّ حضوره ما يزال حيا لا لأنّه قال الكلمة الأخيرة بل لأنّه قال كلمات أولى لا غنى عنها لكل من يريد أن يفكر جديا في مصير العقل العربي.

غير أنّ قيمة المشاريع الفكرية الكبرى لا تُقاس فقط بما تفتحه من آفاق بل كذلك بما تثيره من اعتراضات وبما تكشفه من حدودها الداخلية حين تُعرَض على محكّ النقد الصارم. ومشروع محمد عابد الجابري على ما له من وزنٍ استثنائي في الثقافة العربية المعاصرة لا يشذّ عن هذه القاعدة. بل لعلّ من دلائل عظمته أنّه لم يمرّ في الحقل الفكري العربي مرورا هادئا ولم يُستقبل بوصفه خطابا توافقيا مطمئنا بل دخل منذ صدوره في قلب سجال حادّ لأنّه مسّ مناطق ظلّ الناس يتعاملون معها على أنّها حقائق بديهية أو مقدسات ثقافية غير قابلة للمراجعة. ومن ثمّ فإنّ الإنصاف العلمي لا يكتمل بالاحتفاء بجرأة الجابري وصرامته المنهجية بل يقتضي أيضا مساءلة اختياراته الكبرى والنظر في مواطن القوة التي رفعت مشروعه ومواطن التبسيط أو الانتقاء أو التحيّز المنهجي التي حدّت من مداه.

إنّ أوّل ما يلفت النظر في هذا السياق أنّ الجابري حين بنى تقسيمه الشهير للأنظمة المعرفية الثلاثة: البيان والعرفان والبرهان، لم يكن يصف مجرّد تيارات تاريخية متجاورة بل كان يؤسس لنموذج تفسيري واسع يجعل من هذا التقسيم مفتاحا لقراءة تاريخ العقل العربي كلّه تقريبا. وهذه هي نقطة قوته ونقطة هشاشته في آن. قوته لأنّه نجح في تحويل التعدد الفوضوي للمتون والمذاهب والفرق إلى خريطة مفهومية قابلة للفهم والمناقشة. وهشاشته لأنّ كل خريطة كبرى تنطوي بحكم طبيعتها على قدر من الاختزال. فالتراث العربي الإسلامي لم يكن في حقيقة أمره فضاءً صافياً يمكن فيه فصل البيان عن العرفان أو البرهان فصلا حاسما بل كان مجالا معقدا من التداخلات تتجاور فيه مناهج متباينة داخل النص الواحد أحيانا وداخل المفكر الواحد في أحايين كثيرة.

فالغزالي مثلا الذي لا يمكن إنكار ما مارسه من نقد حادّ للفلاسفة في تهافت الفلاسفة هو نفسه صاحب نزوع منطقي واضح في المستصفى وصاحب تمييز دقيق بين مراتب المعرفة في المنقذ من الضلال وصاحب حضور ذوقي وعرفاني لا يخفى في إحياء علوم الدين. فهل يمكن ردّه بسهولة إلى خانة واحدة؟ وابن تيمية الذي يُقدَّم عادة في صورة خصم للمنطق الأرسطي هو نفسه صاحب بناء استدلالي معقد، وصاحب اشتغال كثيف على المفاهيم والمعاني والحدود بل إنّ كتابه الرد على المنطقيين ليس نصا ضد العقل بل ضدّ نمط مخصوص من تنظيم العقل. وابن عربي رغم ما في مشروعه من عمق عرفاني لا جدال فيه لا يخلو من بناء اصطلاحي مفهومي بالغ الدقة يجعل اختزاله في “اللاعقلانية” حكما متعجلا. إنّ هذه الأمثلة وغيرها تكشف أنّ تصنيف الجابري على نجاعته الإجرائية قد يُغري أحيانا بتحويل الأنظمة المعرفية إلى جزر مغلقة، والحال أنّ التراث في كثير من صوره كان أكثر سيولة وتعقيدا.

وهنا بالضبط تظهر واحدة من أبرز الاعتراضات التي وُجّهت إلى الجابري ومفادها أنّه حوّل أدوات التحليل إلى سلطة تفسيرية تكاد تطغى على موضوعها. فبدل أن تبقى الثلاثية الجابرية أداة تقريبية لفهم التوترات المعرفية داخل التراث، تحوّلت أحيانا إلى معيار مسبق يُعاد من خلاله ترتيب النصوص والأعلام ترتيبا يخدم الفرضية أكثر مما ينصت إلى المادة التاريخية نفسها. وهذا ما تنبّه إليه جورج طرابيشي في مشروعه النقدي الضخم نقد نقد العقل العربي حيث اشتغل سنوات طويلة على تفكيك كثير من أحكام الجابري لا بدافع المناكفة بل بدافع إعادة فحص النصوص ذاتها. وقد كان طرابيشي حادا في هذا الباب حتى إنّه رأى أنّ الجابري “يقرأ التراث بعين تريد أن ترى ما قررت سلفا أن تراه”. وقد لا يصحّ التسليم المطلق بهذه العبارة لما فيها من شدّة غير أنّها تلامس مسألة حقيقية، هل كان الجابري يكتشف البنية فعلاً أم كان يعيد بناءها بما ينسجم مع رهانه الإيديولوجي والمعرفي؟.

لقد قدّم طرابيشي اعتراضات كثيرة بعضها جزئي وبعضها تأسيسي. ومن أظهرها اعتراضه على ما عدّه “المبالغة في مغربة العقلانية” و”مشرقة العرفان”، أي ذلك الميل الواضح عند الجابري إلى تقديم الغرب الإسلامي وخصوصا الأندلس والمغرب بوصفه فضاء البرهان والعقلانية العملية، مقابل المشرق الذي يكثر فيه بحسب تصوّره العرفان والتأويل الباطني وهيمنة اللامعقول. ولا ريب أنّ هذا التوزيع وإن كان يستند إلى شواهد تاريخية معتبرة لا يخلو من تعميم مفرط. فالمشرق عرف الكندي والفارابي وابن سينا وابن الهيثم والرازي والجرجاني وغيرهم من كبار العقلانيين كما عرف الغرب الإسلامي أشكالا من التصوف والرمزية والتأويل لا تقلّ كثافة عمّا في المشرق. بل إنّ الثقافة الإسلامية في مجملها كانت فضاءً للتداول والتأثير المتبادل أكثر من كونها أقاليم مغلقة ذات جوهر معرفي ثابت.

وهذا يقود إلى مسألة أعمق، هل كان الجابري في بعض مواضع مشروعه أسيرا لرهان هويّاتي مغربي غير معلن؟ ليس المقصود هنا اتهامه بنزعة جهوية ساذجة فهذا تبسيط لا يليق، بل المقصود أنّه وجد في السلسلة المغربية الأندلسية مادة خصبة لبناء سردية عقلانية مضادة فربّما بالغ في تحميلها ما لا تحتمل تاريخيا. لقد احتاج إلى ابن رشد بوصفه رمزا واحتاج إلى الشاطبي بوصفه عقلانية مقاصدية واحتاج إلى ابن خلدون بوصفه عقلانية عمرانية، لأنّ مشروعه كان يبحث عن “سلالة بديلة” داخل التراث يمكن أن تؤسس لحداثة عربية ممكنة. وهذه حاجة مفهومة من حيث البناء الفكري، لكنها تظلّ معرّضة لخطر الانتقائية لأنّ التراث لا يُستخرج منه ما نريد فقط، بل ما يفرضه هو أيضا من تعقيد وممانعة.

وقد نبّه طه عبد الرحمن من جهته إلى وجه آخر من أوجه الإشكال في المشروع الجابري. فطه على خلاف طرابيشي الذي اشتبك مع الجابري في المستوى النصّي والتاريخي على نحو واسع دخل معه في صلب الرهان الفلسفي ذاته أي في طبيعة العقل ومعنى الحداثة ومفهوم التراث. لقد رأى طه أنّ الجابري في عمق اختياره يشتغل بعقل “مجرَّد” أكثر مما يشتغل بعقل “مؤيَّد”، أي بعقل يطلب الصرامة الإجرائية والنسقية لكنه يضيق بأبعاد الإنسان الوجودية والأخلاقية والروحية. وفي نظر طه لم يكن العرفان مجرّد انحراف معرفي كما صوّره الجابري في مواضع كثيرة بل كان يمثل بعدا من أبعاد التجربة الإنسانية لا يجوز شطبه باسم البرهان. وقد عبّر عن هذا المعنى في أكثر من كتاب حين شدّد على أنّ اختزال التراث في ما يقبل المعايير العقلانية الحديثة وحدها نوعٌ من “القطيعة غير المشروعة” مع الإمكان الإبداعي الكامن في المجال التداولي الإسلامي.

إنّ اعتراض طه هنا بالغ الأهمية لأنّه لا يدافع عن العرفان دفاعا ساذجا أو شعاراتيا بل يعترض على التصور الضمني للعقل الذي يحكم مشروع الجابري. فالجابري وإن كان ناقدا للحداثة العربية الناقصة ظلّ في نظر طه متأثرا بنموذج من العقلانية الحديثة يجعل من البرهان الصوري أو الإبستمولوجي معيارا شبه مطلق للحقيقة، فيُهمَّش بذلك ما يتصل بالذوق الأخلاقي والتزكية والتجربة الوجودية والحضور العملي للقيم في بناء الإنسان. ولهذا كان طه يردّد أنّ “العقل ليس واحدا في فعله بل تتعدد وجوهه بتعدد مجالاته”، وأنّ “العمل أصل العلم” وأنّ الحقيقة لا تستكمل إلا إذا اقترنت بالتخلّق. وفي هذا المعنى يبدو الخلاف بين الرجلين أعمق من خلاف على قراءة التراث، لأنّه خلاف على معنى العقل ذاته: أهو آلة للتمييز المنطقي فحسب أم هو فعل وجودي أخلاقي روحي مركب؟.

ومع ذلك ينبغي الاحتراز من الوقوع في مقابلة سهلة بين “جابرية عقلانية” و”طهائية روحية”، لأنّ الجابري نفسه لم يكن غافلا عن البعد العملي للعقل، وقد ظهر ذلك في احتفائه بالشاطبي وفي تركيزه على المقاصد وفي حديثه عن “العقل الأخلاقي العربي” وإن على نحو أقلّ حضورا من نقده للعقل النظري والسياسي. غير أنّ الإشكال يبقى قائما، لقد كان الجابري في مجمل مشروعه يميل إلى الشكّ في كل ما يتجاوز قابلية الفحص البرهاني وهو ميل مفهوم في سياق مقاومة الخرافة والتسليم والغنوص، لكنه قد يتحول إلى استبعاد سريع لأشكال من المعرفة والتجربة لا تُختزل في النموذج البرهاني الصارم.

وهنا تظهر مسألة “العرفان” باعتبارها إحدى أكثر النقاط حساسية في مشروعه. فقد قدّم الجابري العرفان في أغلب صوره بوصفه نمطا معرفيا مباينا للعقلانية يقوم على الكشف والسرّ والباطن وسلسلة التلقي غير القابلة للمراجعة العامة. وهذا الوصف لا يخلو من وجاهة حين يتعلق الأمر بالاتجاهات الغنوصية المغالية أو الباطنية السياسية أو التأويلات التي تنقل الحقيقة من المجال التداولي المشترك إلى حيز النخبوية المغلقة. لكنّ التعميم هنا يوقع في ظلمٍ واضح لكثير من أشكال التصوف السنّي والأخلاق الروحية التي كانت جزءا من تربية الضمير الإسلامي لا جزءا من تقويض العقل. لقد كان أبو حامد الغزالي يقول: “العقل كالبصر السليم، والقرآن كالشمس المضيئة”، وهي عبارة تكشف عن علاقة تكامل لا علاقة خصومة بين العقل والهداية. وكان الجنيد يصرّ على أنّ “طرقنا هذه مقيدة بالكتاب والسنة”، أي أنّ التجربة الروحية لا تنفصل عن معيارية الشريعة. بل إنّ كثيرا من المتصوفة الكبار لم يروا في الذوق نقيضا للعقل بل رأوا فيه درجةً من التحقق العملي بعد الاستدلال لا بديلا عنه.

إنّ اختزال العرفان في صورة واحدة يفضي من حيث لا يشعر صاحبه إلى إعادة إنتاج نوع آخر من الأحادية. فإذا كان الجابري قد حارب الأحادية البيانية والعرفانية باسم التعدد النقدي فإنّ تحويل البرهان إلى مركز شبه مطلق قد يفضي بدوره إلى اختزال آخر أقلّ صخبا لكنه لا يقلّ أثرا. فالثقافة لا تعيش بالمنطق وحده كما أنّ الإنسان لا يُختزل في كونه ذاتا استدلالية فقط. وقد سبق لباسكال أن قال عبارته الشهيرة: “للقلب أسبابه التي لا يعرفها العقل”، وهي عبارة أسيء استعمالها كثيرا لتبرير اللاعقلانية، لكنها في أصلها تنبّه إلى تعدد طبقات الخبرة الإنسانية. والجابري في بعض لحظات مشروعه بدا كأنّه يخشى هذا التعدد خشيةً مفرطة فيُسارع إلى تطويقه ضمن خرائط صارمة.

ومن وجوه الاعتراض أيضا أنّ الجابري رغم حديثه عن القطيعة الإبستمولوجية وحرصه على التمييز بين مستويات القراءة، لم يتحرر دائما من حضور الرهان الإيديولوجي داخل بناء المعرفة. لقد كان يكتب في زمنٍ مشحون بسؤال النهضة والحداثة والهوية والدولة وكان من الطبيعي أن يتسلل هذا السياق إلى اختياراته. لكنه أحيانا يجعل القارئ يشعر بأنّ بعض الأحكام الكبرى صيغت تحت ضغط الحاجة إلى تأسيس موقف معاصر أكثر مما صيغت تحت ضغط الإنصات الكامل للمادة التراثية. فحين يُقدَّم ابن رشد بوصفه ممثل العقل العربي الممكن، ويُقدَّم العرفان بوصفه آفةً كبرى ويُعاد ترتيب التراث كلّه تقريبا وفق هذه الثنائية الموسّعة، فإنّنا نكون إزاء “سردية إنقاذ” أكثر من كوننا إزاء تاريخ معرفي محض. ولا ضير في السرديات إذا وعَت حدودها لكنّ الإشكال يبدأ حين تُقدَّم على أنّها الوصف الأدقّ والنهائي لحقيقة التراث.

إنّ مشروع الجابري كان في جانب منه مشروع “اختيار” بقدر ما كان مشروع “تحليل”. لقد اختار من التراث ما يخدم إمكان الحداثة العقلانية التي ينشدها واختار من الحداثة ما يسمح بقراءة التراث دون الوقوع في القطيعة المطلقة معه. وهذه ميزة، لأنّ المفكر الذي لا يختار يظلّ أسير الوصف المحايد العقيم. لكنها أيضا موطن حرج لأنّ الاختيار قد ينقلب إلى اصطفاء موجّه يضيّق من ثراء الموضوع. ولذلك قال غادامير في معنى قريب، إنّ الفهم ليس نقلا بريئا للمعنى بل هو دائما لقاء بين أفق النص وأفق القارئ. والجابري كان قارئا ذا أفق قوي جدا حتى إنّ هذا الأفق كان يطبع النصوص بطابعه أحيانا.

ومع ذلك فإنّ كل هذه الاعتراضات على وجاهة كثير منها لا ينبغي أن تحجب الحقيقة الأساسية، وهي أنّ الجابري أعاد إلى الفكر العربي قيمة “البناء النظري الكبير”. ففي زمن كثرت فيه المقالات الجزئية والقراءات الانطباعية والمواقف الإيديولوجية السريعة، قدّم هو مشروعا متماسكا نسبيا له جهاز مفاهيمي وله فرضيات واضحة وله مادة تراثية واسعة وله امتداد في قضايا العقل السياسي والعقل الأخلاقي والعقل التربوي وهذه ميزة نادرة. فحتى خصومه الكبار اضطروا إلى أن يرتفعوا إلى مستواه في الجدل لأنّ الردّ على مشروع من هذا الحجم لا يكون إلا بمشروع مضاد أو بعمل نقدي ضخم، وهذا وحده دليل على أنّه نقل النقاش من سطح الخطابة إلى عمق النظر.

لقد أصاب الجابري بلا ريب حين أدرك أنّ الأزمة العربية ليست أزمة معلومات بل أزمة بنية عقلية. وأصاب حين فهم أنّ تقديس التراث أو شيطنته وجهان لعجز واحد عن قراءته قراءة تاريخية نقدية. وأصاب حين أعاد الاعتبار إلى ابن رشد لا بوصفه أثرا متحفيا بل بوصفه إمكانا عقليا يحتاج إلى بعث جديد. وأصاب حين بيّن أنّ كثيرا من أنماط التفكير السائدة ما تزال أسيرة القياس اللغوي أو الشرعي المغلق أو أسيرة سلطة الباطن والرمز غير القابلين للمناقشة العمومية، وأصاب حين جعل من الفلسفة أداة لتحرير الوعي لا مجرد درسٍ مدرسي في تاريخ الأفكار.

لكنه أخطأ أو على الأقل ضيّق أفق مشروعه حين بالغ في الثقة بصلابة تقسيماته وحين حمّل العرفان أوزارا تتجاوز حدوده الفعلية وحين جعل من الرشدية مركزا شبه خلاصِي وحين بدا في بعض المواضع كأنّه يريد أن يجد في التراث ما يبرّر حداثة سبق أن اختارها أكثر مما يريد أن يترك التراث نفسه يكشف عن تناقضاته وإمكاناته دون توجيه مفرط. وهذا لا يسقط مشروعه بل يجعله مشروعا بشريا كبيرا قابلا للتجاوز من داخل قوته لا من خارجها.

إنّ المفكر الكبير لا يخطئ لأنّه ضعيف بل لأنّه يغامر، والجابري كان من طراز المفكرين الذين غامروا على نطاق واسع. لقد وضع يده على بنية معقدة وحاول أن يعيد تركيبها فكان طبيعيا أن يُخطئ في بعض المواضع وأن يُبالغ في بعض الأحكام وأن يثير حوله اعتراضات حادّة. غير أنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في أخطاء المشاريع الكبرى بل في غياب المشاريع الكبرى أصلا، فالخطأ داخل الأفق الخصب خير من الصواب داخل الفراغ.

وتبرز هنا قيمة الجابري اليوم، لا بوصفه خاتمةً للفكر العربي بل بوصفه بدايةً متجددة لأسئلة لا تزال مفتوحة. لقد علّمنا أنّ التراث ليس كتلة واحدة وأنّ العقل العربي ليس ماهية ثابتة وأنّ ما نظنه أحيانا “طبيعة ثقافية” ليس سوى تاريخ متراكم من الاختيارات والانتصارات والهزائم. وعلّمنا أنّ الحداثة لا تُبنى بالاستيراد الآلي كما لا تُبنى بالتحصّن المرضي داخل الماضي بل ببناء مسافة نقدية مزدوجة، مسافة عن التراث تسمح بفهمه ومسافة عن الحداثة تسمح بامتلاكها لا الذوبان فيها وهذه من أعسر المعادلات، وقد حاول الجابري أن ينجزها بما تيسّر له من أدوات وشروط.

إنّ الحاجة إلى قراءة الجابري اليوم أشدّ ممّا كانت عليه في زمنه، لأنّ كثيرا من الأعراض التي شخّصها لم تبرح مكانها بل لعلّ بعضها ازداد حدّة. فما زالت الثقافة العربية تعاني من التباس العلاقة بين النص والتاريخ وبين الدين والتديّن وبين العقل والسلطة وبين المعرفة والهوية. وما زالت كثير من أشكال الخطاب العام تعيد إنتاج البيان المغلق أو العرفان الشعبوي أو الأيديولوجيا المتستّرة بلباس الأصالة. وفي مقابل ذلك ما زالت محاولات التحديث تعاني من هشاشة معرفية لأنها تستعير أدوات العصر دون أن تنجح دائما في تفكيك البنية العميقة التي تعوق استقبالها. وهنا يظلّ درس الجابري قائما لا نهضة بلا نقد للعقل الذي يتلقى النهضة.

ولعلّ أبلغ ما يمكن أن نختم به أيسطرنا هاته أنّ الجابري لم يكن مجرد قارئ للتراث بل كان قارئا لشرطنا الحضاري من خلال التراث. لم يكن همه أن يقول لنا ماذا قال القدماء فقط بل أن يكشف لنا كيف نفكر نحن حين نظنّ أننا نقرأ القدماء. وهذا التحويل من موضوع التراث إلى ذات القارئ هو جوهر مشروعه. فقد جعلنا نرى أنّ المعضلة ليست في الكتب القديمة وحدها بل في الطريقة التي تُقيم بها تلك الكتب داخل وعينا الحاضر وفي نوع السلطة التي نمنحها لها وفي نوع العجز الذي نُسقِطه عليها أو نستمدّه منها.

إنّ محمد عابد الجابري يظلّ واحدا من أكبر من حملوا همّ العقل العربي بجدية فلسفية نادرة، وواحدا من أقلّ المفكرين العرب الذين اشتغلوا على مشروع متكامل بهذا القدر من الاتساع والصرامة والوضوح النسبي. لقد قدّم لنا أدوات نافعة وفرض علينا أسئلة لا مهرب منها وفتح سجالا لم يُغلق بعد وترك أثرا عميقا في طرائق قراءة التراث والحداثة معا. لكنّه في الوقت نفسه لم يقدّم كلمة نهائية ولم ينجُ من الانتقاء ولم يتحرر كليا من رهانات عصره ومقتضيات اختياره الإيديولوجي والمعرفي. ولهذا فإنّ الوفاء الحقيقي له لا يكون بتقديسه بل بمواصلة ما بدأه ضدّ ما قد يكون رسّخه هو نفسه من يقينيات جديدة.

لقد كان الجابري يريد تحرير العقل العربي من استقالته، لكنّ تحرير العقل لا يكتمل إلا إذا امتدّ هذا التحرير إلى قراءة الجابري نفسه. وهذا ليس انتقاصا منه بل هو أعلى صور الاعتراف به. فالفكر الذي لا يحتمل النقد ليس فكرا حيا والمفكر الذي يتحول إلى سلطة صامتة ينقلب من حيث لا يشعر محبّوه إلى نقيض ما دعا إليه. ومن ثمّ فإنّ الجابري الحقيقي ليس ذلك الاسم الذي نكرّره بإجلال بل ذلك السؤال الذي يظلّ يقلقنا، بأيّ عقل نفكر؟ ومن أيّ تراث ننطلق؟ وكيف نبني حداثة لا تنكر ذاكرتنا ولا تستسلم لها؟ وأيّ معنى للعقل إذا لم يكن قادرا على مساءلة أصوله وحدوده وأوهامه؟.

في هذا الأفق يبقى مشروع محمد عابد الجابري حدثا فلسفيا عربيا بامتياز، حدثا لا لأنّه أغلق باب الأسئلة بل لأنّه فتحها على مصاريعها. حدثا لا لأنّه قدّم نموذجا مكتملا بل لأنّه أعاد إلينا شجاعة المحاولة. حدثا لا لأنّه انتصر نهائيا في معركته بل لأنّه جعل المعركة ممكنة. وتلك في تاريخ الأفكار منزلة لا ينالها إلا القليل.

***

د. حمزة مولخنيف