عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

دراسات وبحوث

منير محقق: صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية

مقاربة ثقافية وسردية في ضوء النقد الثقافي

مقدمة الدراسة: يشكل الأدب الشعبي أحد أهم الحقول الثقافية التي تختزن الذاكرة الجمعية للمجتمعات، إذ يمثل مرآة صادقة لتصوراتها الفكرية والاجتماعية والرمزية، ويعكس مختلف التحولات التي عرفتها عبر التاريخ. فهو ليس مجرد إنتاج شفهي يهدف إلى التسلية أو الترفيه، بل هو نظام ثقافي متكامل يحمل أنساقًا فكرية وقيمًا اجتماعية ورؤى جماعية تتناقلها الأجيال، لتصبح جزءا من الهوية الثقافية والحضارية للأمة. ومن بين الأجناس التي احتلت مكانة متميزة داخل الأدب الشعبي تبرز الحكاية الشعبية باعتبارها أكثر الأشكال السردية قدرة على حفظ الذاكرة الجماعية، وإعادة إنتاج التصورات التي يحملها المجتمع حول الإنسان والعالم والعلاقات الاجتماعية.

وتتميز الحكاية الشعبية المغربية بثراء مضامينها وتنوع شخصياتها، إذ تستمد مادتها من الواقع الاجتماعي، لكنها تعيد تشكيله عبر الخيال والرمز والعجائبية، فتتحول إلى خطاب ثقافي قادر على كشف البنيات الذهنية التي تؤطر رؤية المجتمع إلى ذاته وإلى الآخر. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة متوارثة، وإنما باعتبارها وثيقة ثقافية تكشف أنساق التفكير السائدة، وتعيد إنتاجها بصورة فنية ورمزية.

وتحتل المرأة داخل هذا المتخيل الحكائي موقعا محويا؛ فهي ليست مجرد شخصية تؤدي وظيفة سردية، بل تمثل علامة ثقافية محملة بجملة من الدلالات الاجتماعية والرمزية والإيديولوجية. فقد تظهر في صورة الأم الحنون، أو الزوجة الوفية، أو الابنة الصالحة، كما قد تتجسد في هيئة الساحرة، أو الغولة، أو المرأة الماكرة، أو زوجة الأب الظالمة. ويكشف هذا التنوع في التمثلات عن طبيعة الرؤية الثقافية التي صاغها المخيال الشعبي تجاه المرأة، كما يعكس الصراع القائم بين منظومة القيم الأخلاقية والتصورات الاجتماعية التي حكمت علاقة المجتمع بالأنوثة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

وتزداد أهمية دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية في ظل التحولات التي عرفتها الدراسات النقدية المعاصرة، ولاسيما النقد الثقافي، الذي تجاوز حدود التحليل الجمالي للنصوص الأدبية، لينفتح على دراسة الأنساق الثقافية المضمرة التي تتحكم في إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل العلاقات بين السلطة والهوية والجندر والتمثلات الاجتماعية. وبذلك أصبحت الشخصيات الحكائية علامات ثقافية يمكن من خلالها الكشف عن المرجعيات الفكرية التي تؤسس رؤية المجتمع للمرأة، وعن الكيفية التي يتم بها ترسيخ الصور النمطية أو مساءلتها داخل المتخيل الشعبي.

وتنبع أهمية هذا الموضوع أيضا من كون الحكاية الشعبية المغربية ما تزال تمثل مجالا خصبا للبحث العلمي، لما تتضمنه من ثراء رمزي وتنوع دلالي، ولأنها تشكل سجلا حيًا للعادات والتقاليد والمعتقدات والقيم التي ساهمت في تشكيل الوعي الجمعي المغربي. كما أن دراسة صورة المرأة داخلها تسهم في فهم العلاقة بين الخطاب الحكائي والواقع الاجتماعي، وتبرز الدور الذي لعبته الحكاية في تكريس بعض التصورات الثقافية أو إعادة إنتاجها عبر الأجيال.

وانطلاقا من هذا التصور، فإن هذه الدراسة لا تتوقف عند وصف الشخصيات النسائية أو تصنيفها، وإنما تسعى إلى تفكيك الأبعاد الثقافية والرمزية الكامنة وراء هذه الصور، والكشف عن وظائفها السردية ودلالاتها الاجتماعية والإيديولوجية، مع استحضار السياق الثقافي الذي أنتجها. كما تحاول بيان مدى ارتباط هذه الصور بمنظومة القيم السائدة، ومدى قدرتها على التعبير عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي في نظرته إلى المرأة ومكانتها داخل البناء الأسري والاجتماعي.

وتستند الدراسة إلى مقاربة تجمع بين النقد الثقافي والتحليل السردي، بما يسمح بقراءة الحكاية الشعبية بوصفها خطابا ثقافيا يختزن أنساقا مضمرة تتجاوز ظاهر الحكاية إلى ما تحمله من رؤى للعالم والإنسان، وبما يمكن من الكشف عن طبيعة العلاقة بين البنية السردية والمرجعيات الثقافية التي تحكم بناء الشخصية النسائية في المتخيل الشعبي المغربي.

إشكالية الدراسة:

تعد الحكاية الشعبية المغربية أحد أهم الخطابات الثقافية التي أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، إذ لم تقتصر وظيفتها على الترفيه ونقل الخبرات الإنسانية، بل تجاوزت ذلك إلى إنتاج منظومة من القيم والتمثلات التي تحدد رؤية المجتمع للعالم وللعلاقات الاجتماعية. ومن بين أكثر القضايا حضورا داخل هذا الخطاب قضية المرأة، التي احتلت موقعا مركزيا في البناء الحكائي، سواء باعتبارها فاعلا رئيسا في تطور الأحداث، أو بوصفها رمزا ثقافيًا تتقاطع عنده المرجعيات الاجتماعية والدينية والأخلاقية والإيديولوجية.

غير أن المتأمل في الحكايات الشعبية المغربية يلاحظ أن صورة المرأة لا تأتي في صيغة واحدة، وإنما تتعدد بتعدد الأدوار والوظائف السردية التي تؤديها؛ فهي الأم المضحية، والزوجة الوفية، والابنة الصالحة، والأخت الحنون، كما قد تتحول إلى زوجة الأب القاسية، أو المرأة الماكرة، أو الغولة، أو الساحرة، أو الحاسدة. ويثير هذا التنوع جملة من التساؤلات حول المرجعيات الثقافية التي أنتجت هذه الصور، ومدى ارتباطها بالواقع الاجتماعي الذي تشكلت داخله الحكاية الشعبية.

وانطلاقا من توجهات النقد الثقافي، فإن هذه الصور لا تُقرأ باعتبارها شخصيات متخيلة فحسب، وإنما بوصفها علامات ثقافية تكشف الأنساق الفكرية المضمرة التي تحكم تمثيل المرأة داخل المخيال الشعبي. فالنص الحكائي لا يعكس الواقع بصورة مباشرة، بل يعيد إنتاجه وفق رؤية ثقافية تسهم في ترسيخ بعض التصورات الاجتماعية، أو إعادة صياغتها في قالب رمزي، الأمر الذي يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية بامتياز، قادرة على الكشف عن طبيعة العلاقة بين السلطة والهوية والجندر والقيم الاجتماعية.

وتنبع إشكالية هذه الدراسة من محاولة الكشف عن الكيفية التي بنيت بها صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية، وعن الأبعاد الرمزية والثقافية التي تختزنها هذه الصورة، ومدى ارتباطها بالبنيات الذهنية والاجتماعية التي حكمت المجتمع المغربي عبر تاريخه.

أسئلة الدراسة

تنبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الرئيسة والفرعية، من أهمها:

كيف تمثل الحكاية الشعبية المغربية المرأة على المستوى السردي والثقافي؟

ما أبرز الصور النسائية التي يقدمها المتن الحكائي المغربي؟

ما الوظائف السردية التي تضطلع بها الشخصيات النسائية داخل الحكاية الشعبية؟

إلى أي حد تعكس هذه الصور الأنساق الثقافية والاجتماعية السائدة؟

هل أعادت الحكاية الشعبية إنتاج الصور النمطية للمرأة، أم أنها قدمت تمثلات أكثر تنوعا وعمقا؟

ما العلاقة بين البنية السردية للحكاية الشعبية والبنية الثقافية التي أنتجتها؟

كيف يمكن للنقد الثقافي أن يسهم في الكشف عن المضمرات الإيديولوجية الكامنة وراء تمثيل المرأة في الحكاية الشعبية المغربية؟

فرضيات الدراسة:

تنطلق هذه الدراسة من جملة من الفرضيات، أبرزها:

أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية ليست صورة بريئة، بل هي بناء ثقافي يعكس رؤية المجتمع للأنوثة ولمكانة المرأة.

أن الشخصيات النسائية تؤدي وظائف رمزية تتجاوز حدود الحدث الحكائي لتكشف عن منظومة القيم والسلطة السائدة.

أن الحكاية الشعبية تعيد إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في بعض النماذج تقدم صورة إيجابية تمنحها الحكمة والقدرة على القيادة والتضحية.

أن مقاربة الحكاية الشعبية من منظور النقد الثقافي تمكن من الكشف عن الأنساق الفكرية والإيديولوجية التي لا يظهرها التحليل السردي التقليدي.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف، أهمها:

رصد صور المرأة في الحكاية الشعبية المغربية وتصنيفها.

تحليل الوظائف السردية التي تؤديها الشخصيات النسائية.

الكشف عن الأبعاد الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية لهذه الصور.

إبراز العلاقة بين المخيال الشعبي والواقع الاجتماعي في تشكيل صورة المرأة.

توظيف آليات النقد الثقافي في قراءة الحكاية الشعبية المغربية.

الإسهام في إغناء الدراسات المتعلقة بالأدب الشعبي المغربي وتمثلات المرأة داخله.

أهمية الدراسة:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول موضوعا يجمع بين الأدب الشعبي والنقد الثقافي والدراسات النسوية، وهي مجالات تشهد اهتماما متزايدا في البحث الأكاديمي المعاصر. كما أنها تسهم في إعادة قراءة الحكاية الشعبية المغربية بوصفها خطابا ثقافيا يحمل أنساقا مضمرة تتجاوز بعدها الحكائي إلى أبعاد اجتماعية وفكرية ورمزية، فضلا عن أنها تقدم رؤية تحليلية لصورة المرأة باعتبارها عنصرا فاعلا في تشكيل الوعي الجمعي، وليس مجرد شخصية داخل البناء السردي.

 الأدب الشعبي بوصفه حاضنة للذاكرة الثقافية:

يمثل الأدب الشعبي أحد أهم المكونات الأساسية للتراث اللامادي، لأنه يعبر عن التجربة التاريخية والوجدانية للمجتمع، ويختزن منظومة القيم والتصورات التي تشكل وعيه الجمعي. ولا تكمن أهميته في كونه إنتاجا شفهيا متوارثا فحسب، وإنما في كونه خطابا ثقافيا قادرا على حفظ الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاجها عبر الأجيال. فكل حكاية أو مثل أو أسطورة أو أغنية شعبية ليست سوى تمظهر رمزي لرؤية المجتمع إلى الإنسان والطبيعة والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، لا ينفصل الأدب الشعبي عن السياق الثقافي الذي نشأ فيه، بل يعد انعكاسا للبنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع. فهو يحمل آثار التحولات التاريخية، ويكشف عن أنماط التفكير السائدة، كما يعكس طبيعة السلطة والقيم والأعراف التي تؤطر الحياة اليومية. ولذلك أصبح الأدب الشعبي في الدراسات الحديثة وثيقة ثقافية لا تقل أهمية عن الوثائق التاريخية، لما يتضمنه من تمثلات ذهنية وأنساق ثقافية يصعب الوصول إليها عبر المصادر الرسمية.

كما أن انتقال الأدب الشعبي شفهيا من جيل إلى آخر جعله نصا مفتوحا على التغيير والإضافة، إذ يخضع باستمرار لعمليات الحذف والتعديل بما ينسجم مع تحولات المجتمع. ومن ثم فإن استمراره لا يقوم على الثبات، بل على قدرته الدائمة على إعادة إنتاج ذاته وفق متطلبات كل مرحلة تاريخية، وهو ما يمنحه حيوية خاصة تميزه عن النصوص المكتوبة.

 الحكاية الشعبية بين الوظيفة الجمالية والوظيفة الثقافية:

تعد الحكاية الشعبية أكثر الأجناس السردية حضورا داخل الأدب الشعبي، لأنها استطاعت أن تجمع بين المتعة الفنية والوظيفة الثقافية. فهي تقوم على السرد والتشويق والخيال، لكنها في الوقت نفسه تحمل رسائل أخلاقية واجتماعية عميقة، وتسهم في نقل منظومة القيم التي يتبناها المجتمع.

ولذلك لا ينبغي النظر إلى الحكاية الشعبية بوصفها مجرد قصة خيالية، بل باعتبارها نصا ثقافيا يعيد إنتاج الواقع بصورة رمزية. فالعناصر العجائبية والسحرية التي تتضمنها ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات فنية لتجسيد الصراع بين الخير والشر، والعدل والظلم، والقوة والضعف، وهي ثنائيات تعكس البنية الفكرية للمجتمع أكثر مما تعكس الواقع المباشر.

ومن هنا أصبحت الحكاية الشعبية موضوعا لعدد من الدراسات السردية والأنثروبولوجية، لأنها تمثل فضاء غنيًا لتحليل المخيال الجمعي، والكشف عن الآليات التي تنتج بها الثقافة رموزها وأساطيرها وصورها النمطية.

مفهوم الصورة من المنظور النقدي:

تعتبر الصورة من أكثر المفاهيم تداولا في النقد الأدبي، غير أنها من أكثرها تعقيدا أيضا، لتعدد الحقول المعرفية التي تناولتها، بدءا من البلاغة العربية القديمة، مرورا بالفلسفة وعلم النفس، وانتهاء بالنقد الأدبي والثقافي الحديث.

وقد انشغل النقاد القدامى بمفهوم الصورة من زاوية بلاغية، فجعلوها مرتبطة بالتشبيه والاستعارة والتمثيل، بينما وسع النقاد المحدثون مفهومها ليصبح مرتبطا بآليات إنتاج المعنى داخل النص، وبقدرة اللغة على تشكيل رؤية خاصة للعالم.

أما النقد الثقافي، فقد تجاوز هذا التصور البلاغي، لينظر إلى الصورة باعتبارها بناءً ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع للذات والآخر. فالصورة ليست مجرد شكل لغوي، وإنما تمثل منظومة من الدلالات والأفكار والقيم التي تتشكل داخل سياق ثقافي معين، وتؤثر في طريقة إدراك الأفراد للواقع.

وبهذا المعنى، تصبح صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية تعبيرا عن رؤية المجتمع للأنوثة، أكثر من كونها وصفا لامرأة بعينها، وهو ما يمنحها قيمة تحليلية كبيرة في الدراسات الثقافية

 العلاقة بين الأدب الشعبي والنسق الثقافي:

تكشف القراءة الثقافية للحكاية الشعبية أن النصوص الشعبية لا تنقل الوقائع كما هي، وإنما تعيد بناءها وفق أنساق ثقافية مضمرة تتحكم في إنتاج المعنى. فكل شخصية أو حدث أو رمز داخل الحكاية يؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز وظيفته السردية.

ومن هنا فإن الشخصيات النسائية، على اختلاف صورها، ليست كيانات روائية مستقلة، بل هي تمثيلات لخطابات اجتماعية متجذرة في الثقافة الشعبية. فالأم، والزوجة، والابنة، والغولة، والساحرة، وزوجة الأب، جميعها رموز تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية، وموقع المرأة داخل النظام الثقافي السائد.

كما أن تكرار هذه الصور في عدد كبير من الحكايات الشعبية يؤكد أنها لا ترتبط بخيال الراوي وحده، وإنما تعبر عن أنساق فكرية مستقرة داخل الوعي الجمعي، الأمر الذي يجعل دراستها مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، وكيفية تشكل تصوراتها حول المرأة والسلطة والأسرة والقيم الأخلاقية.

وبذلك يغدو الاطار المفاهيمي أساسا نظريا ضروريا لفهم التحليلات التطبيقية اللاحقة، إذ يحدد المفاهيم والإطارات المرجعية التي ستستند إليها الدراسة في تحليل صور المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية، ويبرز أن هذه الصور ليست معطيات سردية محضة، بل هي نتاج تفاعل معقد بين المخيال الشعبي والبنية الثقافية للمجتمع.

 الأنساق الثقافية المضمرة في تمثلات المرأة:

تكشف قراءة الحكايات الشعبية مجتمعة عن مجموعة من الأنساق الثقافية التي تتحكم في بناء صورة المرأة داخل المخيال الشعبي المغربي.

 نسق الثنائية:

تعتمد الحكايات على بناء ثنائي واضح، يتمثل في:

المرأة الخيرة / المرأة الشريرة.

الأم الحنون / زوجة الأب القاسية.

الأخت الوفية / الأخت الحاسدة.

المرأة المنقذة / المرأة المدمرة.

وتكشف هذه الثنائية أن الثقافة الشعبية كانت تميل إلى تصنيف الشخصيات وفق معيار أخلاقي صارم، يجعل المرأة رمزا للخير المطلق أو الشر المطلق.

 نسق الصبر:

تكاد جميع البطلات يحققن النجاح بعد سلسلة طويلة من المعاناة.

ويشير ذلك إلى أن المخيال الشعبي يجعل الصبر شرطا للاستحقاق، ويقدم المرأة باعتبارها أكثر الشخصيات قدرة على تحمل الألم حتى يتحقق لها الاعتراف.

نسق الذكاء:

تكشف معظم الحكايات أن البطلات ينتصرن بفضل الذكاء لا القوة.

فالأميرة تعالج الأمير بالحيلة والمعرفة.

والفتاة تهتدي إلى طريق النجاة بحسن التدبير.

والأخوات يتجاوزن المحن بالتعاون.

ويؤكد هذا النسق أن الثقافة الشعبية لم تجعل القوة الجسدية أساس البطولة، وإنما منحت الذكاء مكانة مركزية في صناعة الانتصار.

 نسق السلطة

على الرغم من هيمنة السلطة الذكورية داخل المجتمع التقليدي، فإن الحكايات تمنح المرأة سلطة موازية تتمثل في:

سلطة الحكمة.

سلطة المعرفة.

سلطة التربية.

سلطة اتخاذ القرار.

سلطة إنقاذ الآخرين.

وبذلك لا تظهر المرأة بوصفها عنصرا هامشيا، وإنما باعتبارها فاعلا رئيسا في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي.

وهكذا يتضح من خلال التحليل أن الحكاية الشعبية المغربية لا تقدم صورة واحدة للمرأة، بل تبني شبكة معقدة من التمثلات تتراوح بين النموذج الإيجابي والنموذج السلبي. غير أن الملاحظ هو أن الشخصيات النسائية الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في توجيه الأحداث وصناعة نهاياتها، وهو ما يدل على أن المخيال الشعبي، رغم تأثره بالبنية الأبوية، ظل يمنح المرأة مكانة رمزية مهمة بوصفها حاملة للقيم الأخلاقية، وصانعة للتوازن الاجتماعي، ووسيطا بين الإنسان والعالم.

إن هذه القراءة تكشف أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية ليست انعكاسا مباشرا للواقع، بل هي بناء ثقافي تتداخل فيه المرجعيات الاجتماعية والدينية والأسطورية، وتتشابك داخله مفاهيم السلطة والهوية والأخلاق، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية غنية يمكن من خلالها فهم جانب مهم من رؤية المجتمع المغربي التقليدي للمرأة ووظائفها داخل النسق الاجتماعي.

 التركيب العام ومناقشة نتائج التحليل:

 المرأة بوصفها بناءً ثقافيا لا شخصية سردية فحسب:

أفضى تحليل الحكايات الشعبية المغربية إلى نتيجة أساسية مفادها أن المرأة لا تحضر داخل المتن الحكائي باعتبارها شخصية تؤدي وظيفة سردية فقط، وإنما باعتبارها بناء ثقافيًا تتقاطع داخله المرجعيات الاجتماعية والدينية والرمزية. فالشخصية النسائية، مهما اختلف موقعها داخل الحكاية، تتحول إلى حامل لمنظومة من القيم والتصورات التي تعكس رؤية المجتمع التقليدي للأنوثة، وللعلاقات الأسرية، ولتوزيع السلطة داخل المجال الاجتماعي.

ويؤكد هذا المعطى أن الحكاية الشعبية لا تعكس الواقع بصورة فوتوغرافية، وإنما تعيد إنتاجه وفق مخيال جماعي يختزل التجربة الإنسانية في صور ورموز قابلة للتداول عبر الأجيال. ومن ثم فإن صورة المرأة لا يمكن فصلها عن السياق الثقافي الذي أفرزها، لأن دلالتها لا تتحدد بخصائصها الفردية، وإنما بوظيفتها داخل النسق الثقافي العام.

 ثنائية الخير والشر في بناء الشخصية النسائية:

أظهرت الدراسة أن الحكايات الشعبية تعتمد بصورة واضحة على الثنائية الضدية في تشكيل شخصياتها النسائية، حيث تنقسم المرأة إلى نموذجين متقابلين: المرأة الخيرة التي تجسد قيم التضحية والوفاء والحكمة، والمرأة الشريرة التي ترتبط بالحسد والطمع والخداع. ويكشف هذا البناء الثنائي عن نزعة تعليمية واضحة، تجعل الحكاية وسيلة لترسيخ منظومة أخلاقية محددة، أكثر من كونها محاولة لتقديم صورة واقعية ومعقدة للمرأة.

غير أن هذا التصنيف لا ينبغي فهمه بوصفه موقفا من المرأة في حد ذاتها، بل باعتباره آلية ثقافية اعتمدها المخيال الشعبي لتجسيد الصراع الدائم بين الخير والشر، فجعل المرأة، مثل الرجل، وسيطًا رمزيًا للتعبير عن هذا الصراع.

ثالثًا: المرأة والسلطة: إعادة توزيع الأدوار داخل الحكاية:

على الرغم من أن المجتمع التقليدي يقوم على مركزية السلطة الذكورية، فإن الحكايات المدروسة تكشف عن منح المرأة أشكالا متعددة من السلطة، تختلف عن السلطة السياسية أو الجسدية، لكنها لا تقل عنها تأثيرا. فقد ظهرت المرأة بوصفها صاحبة معرفة، وصاحبة قرار، ومصدرا للحكمة، وقادرة على حماية الأسرة وإنقاذ الآخرين.

ويتجلى ذلك بوضوح في شخصية الأميرة التي تتولى علاج الأمير، وفي الفتاة التي تحمي أخاها وتغير مصيرها بفضل ذكائها، وفي الشخصيات النسائية التي تسهم في إعادة التوازن إلى العالم الحكائي. ويشير هذا الحضور إلى أن المخيال الشعبي، رغم خضوعه للبنية الأبوية، لم يحرم المرأة من الفاعلية، بل منحها سلطة رمزية وأخلاقية أساسية.

 البعد الرمزي للشخصيات النسائية:

اتضح من خلال التحليل أن الشخصيات النسائية لا تؤدي وظائف فردية فحسب، بل تحمل أبعادا رمزية تتجاوز حدود الحكاية. فالأم ترمز إلى الحماية والاستقرار، والأخت إلى التضامن، والعجوز إلى الحكمة، والحمامة إلى الهداية، بينما تجسد الغولة وزوجة الأب مظاهر الانحراف عن النظام الأخلاقي.

وبذلك تتحول المرأة داخل الحكاية إلى علامة ثقافية، لا تُقرأ من خلال أفعالها فقط، وإنما من خلال ما تحمله من دلالات اجتماعية ونفسية ورمزية، وهو ما يجعل تحليلها مدخلا لفهم البنية الذهنية للمجتمع المغربي التقليدي.

الحكاية الشعبية وإعادة إنتاج الثقافة:

تكشف الدراسة أن الحكاية الشعبية تؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تحفظ التراث والقيم الجماعية، ومن جهة أخرى تعيد إنتاج الأنساق الثقافية عبر التكرار والتداول الشفهي. ولذلك فإن صور المرأة التي تتكرر في الحكايات ليست مجرد عناصر فنية، وإنما آليات ثقافية تسهم في ترسيخ تصورات المجتمع عن الأنوثة، والأسرة، والسلطة، والعلاقات الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار الحكاية الشعبية مؤسسة ثقافية موازية، أسهمت في تشكيل الوعي الجمعي، وفي نقل القيم من جيل إلى آخر، وهو ما يفسر استمرار كثير من صورها ورموزها داخل الثقافة المغربية حتى اليوم.

خلاصة: التصورات في ضوء النقد الثقافي:

تنسجم نتائج هذه الدراسة مع التصورات التي قدمها النقد الثقافي، والتي ترى أن النص الأدبي يخفي وراء بنيته الجمالية أنساقا فكرية وإيديولوجية تتحكم في إنتاج المعنى. فقد أظهرت الحكايات أن صورة المرأة ليست صورة طبيعية أو محايدة، بل هي نتاج بناء ثقافي تشكل عبر التاريخ، وتداخلت في إنتاجه الأعراف الاجتماعية، والمعتقدات الشعبية، والقيم الأخلاقية.

كما تؤكد النتائج أن التحليل الثقافي يتيح تجاوز القراءة الوصفية للحكاية، لينتقل إلى الكشف عن البنيات العميقة التي تتحكم في تشكيل الشخصيات، وتوزيع الأدوار، وإنتاج الرموز، وهو ما يجعل النقد الثقافي من أكثر المناهج قدرة على مقاربة الأدب الشعبي وتحليل تمثلاته.

و كخلاصة لما سبق يتبين على أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تتجاوز بعدها الحكائي لتغدو تمثيلا ثقافيًا يعكس رؤية المجتمع التقليدي للمرأة ووظائفها ومكانتها. وقد أبانت الدراسة أن هذه الصورة تتشكل داخل شبكة من الأنساق الثقافية المتداخلة، التي تجعل المرأة مرة رمزا للحكمة والخلاص، ومرة أخرى رمزا للشر والانحراف، بما يعكس طبيعة الصراع القيمي الذي يحكم المخيال الشعبي. ومن ثم فإن الحكاية الشعبية لا تقدم المرأة باعتبارها شخصية ثابتة، بل باعتبارها فضاء دلاليًا تتفاعل داخله السلطة والأخلاق والهوية والثقافة، وهو ما يمنحها قيمة معرفية كبيرة في الدراسات الأدبية والثقافية المعاصرة.

على سبيل النهاية:

سعت هذه الدراسة إلى مقاربة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية من منظور ثقافي وسردي، انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن الشخصية النسائية داخل المتن الحكائي لا تمثل عنصرا تخييليا فحسب، بل تشكل بناءً ثقافيًا يعكس أنساق المجتمع وقيمه ورؤيته إلى المرأة ومكانتها داخل المنظومة الاجتماعية. وقد كشفت القراءة التحليلية للحكايات المدروسة أن الحكاية الشعبية، بوصفها أحد أهم مكونات التراث الشفهي، لم تكن مجرد وسيلة للترفيه أو التسلية، وإنما مثلت خطابا ثقافيا حافظ على الذاكرة الجماعية، وأسهم في نقل القيم الاجتماعية والأخلاقية من جيل إلى آخر.

وقد بينت الدراسة أن صورة المرأة داخل الحكاية الشعبية المغربية اتسمت بالتعدد والتنوع، فلم تقتصر على نموذج واحد، بل توزعت بين صور إيجابية تجسد الحكمة، والصبر، والتضحية، والوفاء، والقدرة على تجاوز المحن، وصور سلبية ارتبطت بالحسد، والطمع، والخداع، والرغبة في الهيمنة. غير أن هذا التعدد لم يكن اعتباطيا، بل جاء منسجما مع الوظيفة التربوية والثقافية للحكاية الشعبية، التي اعتمدت على التقابل بين الخير والشر لترسيخ منظومة أخلاقية محددة داخل الوعي الجمعي.

كما أظهرت الدراسة أن الشخصيات النسائية، على اختلاف أدوارها، أدت وظائف سردية وثقافية متكاملة، فالأميرة لم تكن مجرد بطلة رومانسية، بل مثلت نموذج المرأة القادرة على اتخاذ القرار وصناعة المصير، بينما جسدت الأخت الكبرى قيم المسؤولية والتضحية، في حين مثلت العجوز الحكمة والخبرة، وتحولت الغولة وزوجة الأب إلى رمزين للسلطة المنحرفة التي تهدد استقرار الأسرة والنظام الأخلاقي.

ومن خلال توظيف آليات النقد الثقافي، تبين أن الحكاية الشعبية تخفي وراء بنيتها السردية أنساقا ثقافية مضمرة، تعيد إنتاج رؤية المجتمع إلى المرأة، وإلى الأسرة، وإلى السلطة، وإلى العدالة. فالنص الشعبي لا يقدم الواقع كما هو، وإنما يعيد تشكيله في صورة رمزية، تجعل من الشخصيات النسائية علامات ثقافية قابلة للتأويل، بما يسمح بالكشف عن البنيات الفكرية العميقة التي تحكم المخيال الشعبي المغربي.

وقد أكدت الدراسة كذلك أن الحكاية الشعبية المغربية، على الرغم من نشأتها داخل مجتمع ذي بنية أبوية، لم تحصر المرأة في موقع التبعية، بل منحتها في كثير من الأحيان أدوارا قيادية، وجعلتها مصدرا للحكمة والخلاص، وهو ما يعكس وجود تصور ثقافي أكثر تعقيدا من الصورة النمطية التي غالبا ما تلصق بالأدب الشعبي.

وعليه، فإن دراسة صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية لا تقتصر على تحليل الشخصيات أو الأحداث، وإنما تمثل مدخلا لفهم الثقافة المغربية التقليدية، ورصد التحولات التي عرفتها تمثلات المرأة داخل الوعي الجمعي، مما يجعل الحكاية الشعبية وثيقة ثقافية ذات قيمة معرفية كبيرة، تستحق مزيدا من البحث والدراسة في ضوء المناهج النقدية الحديثة.

نتائج الدراسة:

أسفرت الدراسة عن مجموعة من النتائج، لعل من أهمها ما يلي:

أثبتت الدراسة أن الحكاية الشعبية المغربية تشكل خطابا ثقافيًا يعكس البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع، ولا تقتصر وظيفتها على الترفيه أو السرد الحكائي.

تبين أن صورة المرأة داخل المتن الحكائي جاءت متعددة ومتنوعة، ولم تقتصر على نموذج واحد، بل تراوحت بين المرأة المنقذة، والحكيمة، والمضحية، والمرأة الشريرة، والمخادعة، والمستبدة.

كشفت الدراسة أن البناء السردي للحكايات يعتمد على ثنائية الخير والشر، ويجعل الشخصيات النسائية وسيلة لتجسيد هذا الصراع القيمي.

 أن المرأة الإيجابية هي الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث، إذ كانت صاحبة المبادرة، وصانعة الحلول، والمسؤولة عن إعادة التوازن داخل العالم الحكائي.

 أن الشخصيات النسائية تحمل أبعادًا رمزية تتجاوز وظائفها السردية، لتصبح علامات ثقافية تعبر عن منظومة القيم السائدة داخل المجتمع.

أكدت القراءة الثقافية أن الحكاية الشعبية تسهم في إعادة إنتاج عدد من الصور النمطية المرتبطة بالمرأة، لكنها في الوقت نفسه تقدم نماذج نسائية تتسم بالذكاء، والاستقلالية، والقدرة على القيادة.

أثبتت الدراسة فاعلية النقد الثقافي في الكشف عن الأنساق المضمرة التي لا تظهرها القراءة السردية التقليدية، ولا سيما ما يتعلق بعلاقة المرأة بالسلطة والهوية والقيم الاجتماعية.

وقد خلصت الدراسة إلى أن صورة المرأة في الحكاية الشعبية المغربية تعكس جدلية مستمرة بين المحافظة على التقاليد والانفتاح على إمكانات جديدة تمنح المرأة دورًا أكثر فاعلية داخل البناء الحكائي.

التوصيات:

في ضوء النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يمكن اقتراح ما يلي:

تشجيع الدراسات الأكاديمية التي تعنى بالأدب الشعبي المغربي، لما يمثله من رصيد ثقافي ومعرفي يسهم في فهم الهوية المغربية.

توسيع البحث في صورة المرأة داخل مختلف أشكال التراث الشفهي، مثل الأسطورة، والخرافة، والسيرة الشعبية، والأمثال، والأغاني الشعبية.

الإفادة من مناهج النقد الثقافي، والسرديات، والأنثروبولوجيا الثقافية في دراسة النصوص الشعبية، بما يتيح الكشف عن أنساقها الفكرية العميقة.

العمل على جمع الحكايات الشعبية المغربية وتوثيقها علميًا، حفاظًا عليها من الاندثار، وإتاحتها للباحثين والدارسين.

تشجيع الدراسات المقارنة بين الحكاية الشعبية المغربية ونظيراتها في الثقافات العربية والإفريقية والمتوسطية، لرصد أوجه التشابه والاختلاف في تمثلات المرأة.

إعادة قراءة التراث الشعبي بعيدا عن الأحكام المسبقة، والنظر إليه بوصفه مصدرا معرفيا قادرا على تفسير كثير من الظواهر الاجتماعية والثقافية المعاصرة.

الإفادة من نتائج هذه الدراسات في تطوير المناهج التعليمية والبرامج الثقافية التي تعنى بالتراث والهوية، بما يسهم في تعزيز الوعي بقيمة الأدب الشعبي ودوره في بناء الثقافة الوطنية.

***

بقلم د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ.

في المثقف اليوم