عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

لا يتشكل " أسلوب الفلسفة "مما قاله الفلاسفة تحديداً. لأنَّ كلام الفلاسفةِ شيءٌ والفلسفة شيءٌ آخر. على غرار العلاقة بين المبادئ والتأويلات المختلفة، بل نشأت الفلسفة كنوع من" الأداء الحُر " للأفكار والمعاني في المجتمعات الإنسانية. وستظل هناك فجوةٌ تكبُر مع الوقت بين الاثنين (المبدأ وتأويله). من جانبٍ معرفي، لا تكون الفلسفةُ متفردةَ الهوية بما هي كذلك، كُل فلسفة لا تبلغ درجة اليقين ولا درجة التطابق مع ذاتها. ومن جانبٍ تاريخي، لن يكف "صانعُو الفلسفة" عن بناء جسور لعبور هذه الفجوة.

رأسُ المفارقات أنَّ الفجوة السابقة تبقى سارية التأثير، ويتعذر عبورُها بسهولة. فقد طبعت آثارها عبر اللغة والتداول وتراث الأفكار. وليس هناك منفذٌ لتجنب أدوات التعبير والتمثيل. فربما يفقد الفيلسوف أداةً معينةً، ولكنه لن يفقد بوصلته التاريخية العامة. وحدُها الفلسفة لا تفلتُ من تراثها شاءت أم أبت. هناك فلسفات بأكملها تدور في تراث الفلسفة العتيد، جاعلةً من نصوص الفلاسفة ورش عمل مفتوحة بحجم التاريخ والوجود.

في حين أنَّ الفلسفة تجاوزت كلَّ ذلك – قبل أنْ يحدث – عندما كانت" أداءً عمومياً " لا تأملاً خاصاً. لأنها لم تضع ثنائيات، ولم تكرر مرجعيات، بل كانت" تجارب حُرة " في التكوين العقلي والحياتي للبشر. والفيلسوف صاحب أداء حي. كان الفلاسفة لا يتخلون عن سمةٍ كهذه عبر كافة المجالات. لأنّ المبادئ لا تترسخ بالتنظير، بل عن طريق حركة الأداء وفاعليته القصوى. مثلماً كان يفعل الحكماء والشعراء والمثقفون الكبار والمصلحون بصدد كافة الموضوعات. أدوارهم في الحياة كانت إضافات حيوية إلى عالم الإنسان. تجلت الاداءات قيماً ومبادئ تمشي عبر الأسواق والشوارع والحدائق. وربما لم تكن الحياة الماضية معقدةً مثلما هي الآن، وصحيح فقدت البشرية بعض المظاهر القديمة، ولكن ظل الأداءُ موجوداً كما هو. لأنه أداء معنى، أداء كشف، أداء إستنارة، أي شق دروب جديدة في الحياة.

رَحَى المعاني

منذ أنْ دارت رحى المعاني ضمن أقوال ومرجعيات أصحابها، خرج الفكر الفلسفي عن مساره وسيظل. ولا يعني ذلك إنشاء أصل خرافي أو أسطوري للفلسفة، ولا الأمر دال على وجود مرجعية أحادية خارج التاريخ، بل هو طبيعة التفلسف باعتباره طريقاً للفكر مختلفاً على الدوام. فليس هذا الفعل صناعةً ولا ترميماً ولا تلفيقاً، ولكنه نحت رؤى أصيلة إزاء الحياة والوجود والعالم. مع كامل الاعتراف بوجود تنوع هائل بين الرؤى، بل الأصل في المسألة هو التنوع غير القابل للاختزال.

ليس الأسلوب مادةً لغويةً أو اصطلاحيةً معبأة في نصوصٍ ومؤلفاتٍ. وإنْ كانت الأخيرةُ مهمة تاريخياً لأغراض التعليم والثقافة وطرح المفاهيم وصياغة القضايا. المعايير تنتعش وسط التراكم الفكري بحكم القوالب الثقافية الجاهزة. لأن الفلاسفة بدورهم ليسوا منفلتين تاريخياً من عقال المرجعيات. فكلٌّ منهم له مرجعيته الغارقة في تحليلاته وحواشي أفكاره. وبخاصة الذين ينظرون إلى الاسلوب بوصفه وسيلة تعبير لا رؤى للعالم. والوسائل تتعقد وتتبدل ويضاف إليها مع تطور الأفكار ودخول متغيرات أخرى. فالتقنيات تركت بصماتها على أساليب الفلاسفة من جهة التعبير والتوليف والقدرة على طرح البدائل.

ولكن.. تعبير الاسلوب عن ماذا؟ وكيف يتحدد اسلوب الفلسفة؟ وبأية وسائل تتم المطابقة بين الأصل والصورة؟!

ما يقال فلسفياً يعبر عما طرحه الفيلسوف من تراكم تاريخي حول اشكاليةٍ ما. وبلا ريب يتداخل مع أقوال وأفكار ومعتقدات سواه، وفي ذلك يعتبر نفسه حلقة وصل بينه والأخرين معتمداً على رواج الأفكار وأصالة المبادئ التي ليست له. ويستند إلى المعالجات الفكرية لقضايا مرّ عليها كثيرون. هنا يعد قول الفيلسوف تجربة في خلفيات الأفكار والمصطلحات. ويدخل فعل التفلسف في بلاغة التكرار واستحضار المعاني ليس أكثر . إن الفيلسوف بمعناه التقليدي هو أحد آثار الفلسفة في التاريخ، الأثر الذي كوّن عالماً موروثاً ثم غدا مستقلاً. فيدلف إليه اللاحقون دائرين فيه متفرداً ومغلقاً. وفي النهاية تحجب الأقوال والأساليب نسغَ الحياة، تشوه احساسنا الحي بالعالم.

ولكن الفلسفة كفلسفة حيةٍ كانت متميزة بأصالة المعاني وجدة الاختلاف وثراء التفكير ونوعية النصوص وخطورة الممارسات. وبضربة واحدة، تكون الفلسفة طريقةً حرة تزيح من أمامها تراكم الأقوال والعبارات والوسائل. لأن اختلافاً للرؤى هو الأهم من أي تراكم تاريخي. المعضلة أنَّ الفلسفة بحكم التاريخ تُراكم ذاتها تلقائياً ولا يوجد ضابط لهذه العملية. حتى باتت معبداً تاريخيا لأشباح الفلاسفة. واللغة لا تسمح بخروج الأفكار من قوانينها المحكمة تاريخياً من زاوية ترسبات المعاني والمفاهيم والمقولات. فطالما كانت المفاهيم معبراً عنها، فهي عرضة لموضَّعة التاريخ، أي تصبح جزءاً من التراث بحسب عمليتي الإضافة والنقصان أو بواسطة الحذف والتلوين والتوليف. لا تنجو الأفكار من حركة التراكم الزمني الذي يغير طبيعتها ولا يسمح باستقرارها.

الأسلوب / الأداء

أسلوب الفلسفة مغاير لما يطرحه الفلاسفة من أفكار متداولة. لأن أسلوبها الأساسي بمعناه الحي هو الأداء Performativity. فالكائن الذي يسمى بالفيلسوف مؤد في الحياة العمومية. ليس شخصاً عادياً بلا عامات بين الناس، إن سيمياء الفكر الفلسفي تقول أنه مصدر تنوير وقوة لفهم الحياة وكيفية العيش. الفيلسوف يؤدي أفكاره، يمتلك فنون تجسيد الكلام، يمثل معانيه أمام الجماهير والتاريخ والسلطة، كأنه على مسرح مفتوح. حتى نصوصه كانت تخضع للمنطق ذاته. فأفلاطون – وليس هو المثال الوحيد– أرسي الأداء الحواري بين الجماهير. حتى جعل الأفكار والرؤى معروضةً في الهواء الطلق، في الأسواق، في الطرقات، في الساحات العامة. حوار هو أداء حيادي بين مجموعة من المفكرين. ولكنه يخضع للرؤية التي تلتحم بنسيج الحياة الإنسانية.

وبصرف النظر عن الاختلاف إزاء فلسفة افلاطون، إلاَّ أن الأداء رسم أفكاره كدائرة بين الناس كاتباً بريشة المؤدي لتاريخ هو يترصده. أفلاطون أخطر الفلاسفة المؤدين في تراث الفلسفة الغربية. يعدُّ مسرح الفلسفة في ضوء كافة العناصر: الطبيعة البشرية والمادية والاجتماعية ويجهز أدوات الثقافة ويحضر سياسات الصورة في الانتقال من مشهد إلى آخر. ويجسد الشخوص والمرجعيات معتبراً الفلسفة رؤية مرتبطة بجوانب الحياة. كما أنه يدير المشاهد ويجسد الآراء المختلفة مكرّساً الحضور الجماهيري بعين الاعتبار. فهو يخاطب الفلاسفة وأصحاب الرأي عبر مشهدية الفكر على مسرح الفلسفة. مازال الأداء سارياً مؤثراً. تتحدد ماهية التفلسف اليوناني بكونه أداءً في المقام الأول. وجميع الفلسفات الأصيلة لم تخلو من هذه السمة العملية العامة.

سقراط كان مُؤدياً من الطراز الفلسفي الرفيع. استلهم نفسه من بين ثنايا الواقع الحي. ومع ذلك لم يستمد أفكاره من مجرد كلام الآخرين، بل تركها للتجربة المعيشة، مارس الكلام الفلسفي عبر الحياة المشتركة. صقل أساليبه من خلال حيوات البشر وقدمها مرةً أخرى عبر أسئلة حية. وكانت الاسئلة نتاج رؤية في الحياة بحكم أن الفيلسوف يحيا كل التفاصيل. ضمن حدود الاخلاق والعدالة والحرية وكيفية العيش، وضعَ سقراط أفكاره بطريقة الأداء. وهو أداء حُر قائم على الايمان بما يعتقد. وأسلوب الفلسفة يتجلى مثل دروب الأفكار العملية للحكماء. التزم سقراط بالأداء إلى أنْ مات أمام تلاميذه بالأداء ذاته. أي جسّد موقف الموت عبر تجرُع السم. وترك الأداء الفلسفي مسئولاً عن الأفكار حتى الرمق الأخير.

كذلك أرسطو طرح أفكاره بطريقة الأداء، الأداء الفلسفي أثناء الحركة والمشي. "المشائية” هي طريقة أرسطو في التدريس وتناول الأفكار، كان يُلقي محاضراته أثناء المشي مع تلاميذه في أروقة مدرسة اللوقيون في أثينا. ولم يكم التجول مجرد أداة وفعل، ولكنه كان هدفاً مقصوداً لأداء المفاهيم والأفكار التصاقاً بعالم الأشياء. تميزت الفلسفة المشائية بمنهجها العقلي التجريبي، حيث اعتمدت على الاستدلال المنطقي والبحث في الطبيعة والمنطق العملي والسياسة والأخلاق الأساس الذي يربط ذلك هو الأداء، لأن الأداء فلسفياً ينتشر في كل مظاهر الأشياء. لا يوجد كائن لا يؤدي حياته في حدود الأدوار التي مارسها بنفسه. والأداء أساس الفكر والفن والمسرح والسينما والحوار والنقاش والاختلاف والكلام والشعر وممارسة أمور الحياة.

ولدت الفلسفة في المجال العمومي من خلال الأداء الثقافي cultural performance واشتقت وجودها الحُر من لحمته وتركت بصماتها المؤثرة بالطريقة ذاتها. وحرية الفلسفة شرط يدور مع حرية المجال العمومي. وفي حالة انتعاش الفلسفة تاريخياً كما حدث في تراث الإنسانية، كانت تستعيد سمة الأداء إزاء كافة الفضاءات. حتى وإنْ لم تُوجد الفلسفة بمعناها الاصطلاحي التقليدي. فالأديب قد يكون فيلسوفاً مؤدياً ضمن انتاجه الابداعي، الناقذ الفذ بإمكانه أن يكون مؤدياً حراً إلى درجة بعيدةٍ، عالم النفس مؤد معرفي بصورة لافتة، السياسي لا ينجح إلاَّ إذا كان مؤدياً فكرياً حتى يُقنع الآخرين، المثقف لن يؤثر في محيطة سوى بالأداء.

الأداء أساس قوي لترسيخ مبادئ العقل والفكر والعمل والمعرفة. وربما أخطر ما حصل في تاريخ الفلسفة هو القول بثنائيات الفكر والواقع، النظر والعمل، التأمل والتجريب، العقل والمادة. مما جعل الفلسفة تتقهقر إلى المربع صفر داخل العقل، قبل أن يعبر عن ذاته، إلى التأمل وكأنه في فراغ وسديم لا نهائي. وهذا يفترض وجود الأزدواج الذي لا يمكن تجاوزه. الأداء يتجاوز كل تلك الثنائيات، فهو يوجد داخلها بالقدر الذي يوجد في الأطراف الأخرى. لا يسمح الأداء بالثنائيات العصية على التداخل، فليس ثمة أداء قائم على التناقض.

حافظ الأداء على أصالة التفلسف، وكان محط اهتمام لا الفلاسفة فقط، بل عدد كبير من المفكرين والمثقفين. إن فهم الأداء بالنسبة لنيتشه جزء لا يتجزأ من فهم أفكاره وتجاربه الحياتية. نيتشه هو الفيلسوف الذي بلغ الأداء لديه درجة الذروة. في تفاصيل فلسفته، يشغل الأداء مساحة التفكير ويرسم آفاق المعنى ويضم حقباً متناثرة. داخل كتابة "هكذا تكلم زرادشت"، لجأ إلى " أداء درامي" خطير لاحياء شخصية الحكيم الفيلسوف الذي يعيد تأسيس الفكر وعلاقته بالحياة والوجود والحكمة والحقيقة. جعل الأداء الفلسفي أداء وجودياً طبيعياً شاعرياً. أفكاره ومقولاته تخلط بين الحكمة والفلسفة وتعاليم المفكرين ونبوءات الشعراء. اخترق الأداء كل هذه المجالات التي تبدو منفصلة ليضمها في رؤية للعالم. وأدخل الوعي الراهن في اللعبة ليصبح الأداء هو سيد الموقف مع الأفكار والأشياء والمضامين الفلسفية. الأداء لدى نيتشه حرر الأفكار من مرجعياتها وجعلها قرينة الحركة التاريخية للحياة. بحيث يفهم القارئ أنه يعيش شخصية زرادشت، وأن زرادشت يعيش العالم المعاصر من واقع الفهم العميق لتراث الفكر الغربي.

حرية الأداء

لا يعترف الأداء بحدود، لأنه يستهدف تغييراً جذرياً. فهو يتناول أي موضوع قريباً كان أم بعيداً. وذلك بحكم كونه حركة ووسيطاً دالاً على عالم أصيل من المعاني. هذه المعاني تمتد إلى كافة الفضاءات الممكنة. إذ تشكل الرؤية بوصلة لاستكشافها. إن الفيلسوف يلتقط الأداء مما يراه مُشتتاً ومُتنوعاً. ويُسمي إيقاعه الكلي ليعرفه الأخرون، أي يطلق عليه اسماء ويتعرف على معانيه. في الفلسفات الأصيلة كان الفلاسفة يحددون قوانين وآليات الموضوعات من خلال الأداء. في السياسة، في التراث الاجتماعي، في تاريخ الأفكار، في المعرفة والتقاليد، يحرر الأداء المعاني من القيود. لأنها – أي المعاني – إنسانية بالدرجة الأولى. فلا توجد فلسفة بهذا الأداء لا تفتش عن موطء قدم لإنسان.

الأداء كان ومازال قرين كل فلسفة مؤثرة في حياة الإنسانية. واللافت أن الأداء يفتح آفاقاً أخرى من طبائع الحياة. مثل أداء افعال الكلام عند جون اوستين، والأداء في المجال العمومي ليورجين هابرماس، وحركة العدالة عند جون رولز وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي عند لوتشيانو فلوريدي Luciano Floridi. ترسخ نظرية أفعال الكلام لاوستين بُعداً أدائياً كما في المقولة الشهيرة: "قول شيء ما هو فعل شيء ما “to say something is to do something "). والأداء بمثابة الفعل الذي ينجز شيئاً معيناً سواءأكان لغة أم فعلاً عاماً. لأنه يجسد مضامين خاصة بالإنسان وتتجلى بواسطته الدلالات التي يحملها. وقد كان لنظرية أفعال الكلام آثار وأهمية في ميادين متنوعة كما في السيميولوجيا، والأخلاق، والفلسفة السياسية، وفلسفة القانون، واللغويات، والذكاء الاصطناعي، والفلسفة النسوية والنظريات الاجتماعية.

وإذا كانت اللغة هي الفضاء الأبرز للأداء، فلن تقل مساحة المجال العمومي عن ذلك. نظرية هذا المجال عند هابرماس مبنيةٌ على الأداء المرئي. فهو مجال مشترك بين جميع الفاعلين لأداء الاعمال والخطابات والحريات والحقوق والواجبات والنقاشات والحركات الاجتماعية والثورات وتيارات التمرد. وهذه بمجملها أداءات حرة تستدعي التفليسف بطرائق مختلفة. وكذلك الاقتصاد أداء يخضع لمنطق المجتمع وللسياسات المعبرة عن حركته المادية. ولعل أنشطة البشر في الحياة المشتركة تجسيد لهذا الفعل، إن وجودهم هو الأداء الناقل للأهداف والمنجز لما يريدونه من بعضهم البعض.

الرهان فلسفياً على الأداء لأنه كاشف ومنبيء، الفيلسوف السياسي مؤد لما يفكر فيه تبعاً لأداءات الأفكار. والمجتمعات حين تجد هناك متسعاً لحركة الأداء تحدث سيولة في المفاهيم والاجراءات والتصورات. كان الفيلسوف إجمالا مؤدياً لهذا الدور خلال كل مراحل الفلسفة عندما كانت رؤى للحياة. فلا مسافة بينها وبين أداء الحياة. وعندما خرج الفلاسفة من ذلك الأداء وتركوا أنفسهم للشروح، لاذوا بالتجريدات وأدمنوا الأخيلة والشروح.

في حدود العدالة، ثمة أداء معبر عن قيم الحق والمساواة والحرية. وكل ما يمت إليها من أفعال ومظاهر. لم يرَ جون رولز العدالة على المستوى النظري، بل هي فضيلة عملية. وتباعاً لن تكون الفضيلة كذلك دون أداء لجوانبها المتنوعة. والمجتمع الذي ينهمك في العدالة يفسح الطريق لحريات الأفراد وتجنب التفاوت بين عناصره الحرة. وفي هذا يتمتع الأفراد بحرياتٍ أساسية متساوية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، بل ربما لا يوجد ما يسمى باليمين والسيار في مجتمع العدالة. هذا المجتمع المتميز بكونه متعادل الأطراف. أي لن يكون هناك توظيف سياسي مُقنّع تحت هذه المقولات. والحرية في الأساس أداء وحركة ونشاط، وما لم تكن هناك جوانب عملية للحريات، فلن تتحقق العدالة.

بالمثل يتمتع الأفراد بحرية العمل والكسب في بيئة اقتصادية تحول دون التفاوتات الكبيرة. لأنَّ التفاوق الاقتصادي معناه أنه لايوجد أداء مادي يعود بالنفع على كافة طبقات المجتمع. ويدخل في هذا مبدأ: أن الحقوق بكافة جوانبها أصول لا هوامش في حياة الأفراد. فلا حقوق ثانوية، لا قدرات مهملة، لا جوانب تافهة. الحق هو أداء الامكانيات الأصيلة التي تتاج للمواطنين بالتوازي. والعدالة هبي أداء الفضيلة بحيث يتحقق الانصاف لكل فرد. فلا يجُوز أن يقع الانسان تحت القيد أو التسلط أو القهر، إن العدالة انصافٌ بالدرجة الأولى، إداء ينتشل الانسان من ظروفه القاهرة ويمثل شرطاً لتحقيق الحرية والمساواة. وكلمة انصاف يسكنها معنى منحاز سلفاً مؤداه أن الاجحاف سابق على العدالة. وهذا صحيح إلى حد كبير، لأن الأداء القاطن في كل عدالة ممكنة يكافح وصولاً إلى الانصاف الذي لم يكن.

يظل الأداء سمةً جوهريةً للحياة والفلسفة جنباً إلى جنب، لأننا في الاثنين يصعب أن نتنازل عن كوننا فاعلين. ويصعب أن نتنازل عن وجودنا في حالة العطاء والأداء، فهو الوضع اللائق بالانسان. وليس الأداء تمثيلاً ولا تقمصاً، بل قمة تجديد العالم من حولنا. وهذا الأمر عند لوتشيانو فلوريدي (فيلسوف الذكاء الاصطناعي) يتجسد في المعلوماتية باعتبارها انطولوجيا حقيقية لا استعارية. المعلوماتية تؤدي دورها كعالم عميق الجذور للوجود الإنساني في أعظم تجلياته الحرة. المعلومات قدرات وابداعات بشرية في طريقها إلى تحريرنا من القصور.

فلا المعلومات تنقل وجودنا ضمن أرقام وخوارزميات فقط، ولا هي تحشد جيوش المعارف والأدوات على اعتاب الحياة وحسب، ولكنها الفضاء الرحب لحرية الفعل والحركة وأداء الأدوار وابداع الرؤى. أي أن المعلومات هو العالم الإنساني نفسه في حالة أداء. فعن طريق الحاسبات والوسائط الافتراضية، يمكننا انجاز الأشياء بالفعل. كل شيء تحول إلى بيانات وصور وعلامات وايقونات واجراءات ولمسات ضوئية، ومن ثم فهو في قرارة وجوده أداء ينتج شيئاً جديداً. ولم يخرج الإنسان من هذا، بل تدريجياً يغرق ويظل يسير في هذا الاتجاه إلى نهاية المطاف.

إنَّ الأداء يستحضر الفلسفة إلى أكثر الفضاءات تطوراً. فهو وسيط المستقبل الذي يُولد وظائف الفيلسوف لفهم المعاني وطرح الأسئلة وفتح منافذ الفكر. ونظراً لأنَّ الاداء فاعلية عابرة للحيوات، فالفلسفة ممارسة تستهدف تعميم النقد والتحرر من الاكراهات وفك القيود المفروضة على العقول. وبما أن الفلسفة لصيقة الصلة بكل غرائز وملكات وطاقات البشر جسداً وروحاً، فستأتي أداء من كافة الجوانب الإنسانية. هي توجد حيث يوجد الأداء. لا لأنَّ الأخير مرحلةٌ في حياة الإنسان، بل لأنَّ الأداء والفلسفة ينتجان بعضهما البعض. في الأداء هناك أثر معنى، علامة فكرة. وكل فلسفة هي استفهام عن معنى. وذلك هو جذر وجودنا الإنساني على الأصالة من عصر الحجر إلى عصر المعلوماتية، هذا الانتقال الذي مرَ عبر مسيرة الحرية لا غيرها.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

بين تشخيص الأزمة واستراتيجيات التغيير

مقدمة: تُعاني الفلسفة في السياق العربي من أزمة تتمثل في انحسار دورها في الحياة العامة، وتحولها إلى مجال أكاديمي منفصل عن الواقع. لا يكتفي المفكرون اليوم بتشخيص هذه الأزمة، بل يسعون إلى تجاوزها من خلال صياغة استراتيجيات تهدف إلى إعادة الفلسفة إلى موقعها كأداة نقدية وإبداعية تسهم في مواجهة التحديات الحضارية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل أزمة الفلسفة في السياق العربي، مع اقتراح استراتيجيات تداولية وحضارية لإحياء دورها الفعال في الواقع. تعتمد الدراسة على منهج تحليلي نقدي يستلهم مفاهيم من الفلسفة التحليلية، ما بعد الكولونيالية، والفكر الحضاري العربي، مع التركيز على إمكانيات التفكير الاستراتيجي لتفعيل الفلسفة. فماهي أزمة الفلسفة في حضارة إقرأ؟ هل تعاني من التبعية أم من التقليد؟ وكيف تخرج من وضع الارتهان الى الماضي وتساهم في عملية التغيير واليقظة الفكرية؟

الفلسفة بين الأزمة والتغيير

تُعرف الفلسفة تقليديًا بأنها التفكير النقدي في الوجود، المعرفة، والقيم. في السياق العربي، ارتبطت الفلسفة تاريخيًا بمحاولات التوفيق بين العقل والنقل (كما عند ابن رشد)، أو بتطوير رؤى وجودية صوفية (كما عند ابن عربي). ومع ذلك، أدت عوامل مثل الهيمنة الاستعمارية، النيوليبرالية، والجمود الفكري إلى تهميش دور الفلسفة. يستلهم هذا المبحث أفكار فلاسفة مثل محمد عابد الجابري، الذي دعا إلى إحياء العقل العربي، ومارتن هيدجر، الذي ركز على التفكير كعملية إبداعية، لاقتراح استراتيجيات تجاوز الأزمة.

أولاً: تشخيص أزمة الفلسفة في السياق العربي الاسلامي

الانفصال عن الواقع:

أصبحت الفلسفة في العالم العربي مجالًا أكاديميًا منعزلاً، يركز على دراسة النصوص التقليدية أو استنساخ الفلسفات الغربية دون توطينها.

قلة التفاعل مع القضايا الاجتماعية والسياسية، مثل الفقر، التفاوت الاجتماعي، أو الهوية الثقافية، أضعفت دور الفلسفة كأداة للتغيير.

الهيمنة الثقافية الغربية:

تُفرض الأطر الفلسفية الغربية (مثل الليبرالية أو الوجودية) كمرجعيات عالمية، مما يُضعف إنتاج فلسفة عربية أصيلة.

يؤدي الاعتماد على اللغات الأجنبية في التفكير الفلسفي إلى إقصاء اللغة العربية كأداة للإبداع الفكري.

الجمود التراثي:

يميل بعض المفكرين إلى التمسك الحرفي بالتراث الفلسفي العربي-الإسلامي، مما يحد من الابتكار ويمنع التفكير في القضايا المعاصرة.

غياب النقد الذاتي للتراث يعيق تطوير رؤى فلسفية جديدة.

ثانيًا: استراتيجيات إحياء دور الفلسفة

إعادة توطين الفلسفة في السياق العربي:

التفاعل مع القضايا المعاصرة: يجب أن تُعالج الفلسفة قضايا الواقع العربي، مثل العدالة الاجتماعية، الهوية في ظل العولمة، والتحديات البيئية. على سبيل المثال، يمكن تطوير فلسفة عربية للبيئة تستلهم من القيم الإسلامية حول الحفاظ على الطبيعة.

التوطين اللغوي: تعزيز استخدام اللغة العربية كأداة للتفكير الفلسفي، من خلال تطوير مصطلحات جديدة تعكس التحديات المعاصرة.

تبني مقاربة تداولية:

استلهامًا من جون أوستن ونظرية الأفعال الكلامية، يمكن للفلسفة العربية أن تركز على كيفية استخدام اللغة في تشكيل الواقع الاجتماعي. على سبيل المثال، تحليل خطابات السلطة أو الحركات الاجتماعية يمكن أن يُسهم في فهم ديناميات القوة.

تطوير "ألعاب لغوية" (حسب فتغنشتاين) متجذرة في السياق العربي لتعزيز التفكير النقدي.

النقد الحضاري والتمايز الفلسفي:

اعتماد مقاربة ما بعد كولونيالية لنقد الهيمنة الفكرية الغربية، مع التركيز على إنتاج معرفة فلسفية مستقلة. على سبيل المثال، يمكن إعادة قراءة أعمال ابن رشد لتطوير فلسفة نقدية حديثة.

تعزيز الحق في التمايز الفلسفي من خلال إحياء التراث مع فتحه على الحوار الحضاري مع الفلسفات العالمية.

تفعيل دور المؤسسات الفكرية:

إنشاء مراكز بحثية وجامعات تركز على الفلسفة التطبيقية، مثل فلسفة الأخلاق في السياسة أو التكنولوجيا.

تشجيع الحوار الفلسفي من خلال منصات عامة، مثل الندوات، المنتديات، ووسائل التواصل الاجتماعي، لجعل الفلسفة متاحة للجمهور.

ربط الفلسفة بالذات الجماعية:

استلهام مفهوم الذات الجماعية (حسب الجابري) لتطوير فلسفة تعكس الهوية العربية وتُسهم في بناء مشروع حضاري.

على سبيل المثال، يمكن تطوير فلسفة عربية للعدالة تستند إلى القيم الإسلامية والتجارب التاريخية للمقاومة.

ثالثًا: أدوات التطبيق العملي

التعليم الفلسفي: إدراج الفلسفة في المناهج التعليمية بطريقة تجمع بين التراث والمعاصرة، مع التركيز على التفكير النقدي.

تدريب الطلاب على تطبيق المفاهيم الفلسفية على قضايا الواقع، مثل تحليل الأخلاق في التكنولوجيا الرقمية.

الفلسفة والإعلام:

استخدام وسائل الإعلام ومنصات التواصل (مثل X) لنشر الأفكار الفلسفية بأسلوب ميسر، مما يعزز التفاعل العام مع الفلسفة.

تحليل الخطابات الإعلامية من منظور فلسفي لكشف آليات الهيمنة الثقافية أو السياسية.

التعاون الحضاري: تشجيع الحوار بين الفلاسفة العرب ونظرائهم في العالم لتبادل الأفكار وتطوير رؤى مشتركة دون فقدان الخصوصية.

إنشاء شبكات فكرية إقليمية تربط بين المفكرين العرب لتعزيز إنتاج المعرفة المحلية.

رابعًا: التحديات والفرص

التحديات التي تمنع الفلسفة العربية الاسلامية من التطور والتأثير هي:

الهيمنة الأكاديمية: تُعيق الأطر الأكاديمية الغربية تطوير فلسفة عربية مستقلة.

الموارد المحدودة: نقص التمويل والدعم المؤسسي للبحث الفلسفي في العالم العربي.

الرفض الاجتماعي: قد يُنظر إلى الفلسفة كمجال نخبوي بعيد عن هموم الناس.

أما الفرص التي يمكن توفيرها للفلسفة في حضارة اقرا بغية القيام بدورها والانخراط في المقاومة فهي:

العولمة الرقمية: تتيح منصات رقمية عديدة نشر الأفكار الفلسفية والتفاعل مع الجمهور.

إحياء التراث: يمكن استلهام التراث الفلسفي العربي لتطوير خطابات معاصرة.

الحركات الاجتماعية: توفر الحركات الشعبية في العالم العربي (مثل الربيع العربي) أرضية خصبة لتطبيق الفلسفة في الواقع.

خاتمة

لا يكفي تشخيص أزمة الفلسفة في السياق العربي، بل يتطلب الأمر صياغة استراتيجيات لتحيين دورها الفعال في الواقع من اجل التغيير. من خلال المقاربة الحضارية والتداولية، يمكن للفلسفة العربية أن تتجاوز التهميش وتُسهم في مواجهة التحديات الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية. تتطلب هذه العملية إعادة توطين الفلسفة في السياق العربي، تعزيز دور اللغة العربية، وبناء مؤسسات فكرية تدعم التفكير النقدي. في النهاية، تُعد هذه الاستراتيجيات دعوة لاستعادة الفلسفة كأداة للتغيير الحضاري وبناء مستقبل يعكس تطلعات الأمة العربية. فمتى تحقق الفلسفة عندنا الاستقلال الحضاري وتعيد انتاج الكونية الانسية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

هي النفس خزان كل الطاقات وتُحركها، بها دوافع، وهي مصدر القوة الجسمية والنفسية التي تحرك الفرد في تفاعله مع بيئته، وفي ممارسة أنشطته المختلفة. ويمكن للطاقة المرتبطة برغبة ما أو دافع ما أن تُكبت معه في اللاشعور – اللاوعي، وأن تنطلق معه أيضًا عندما تفلت معه من قبضة اللاشعور – اللاوعي في تعبير يظهر في حلم، أو عرض مرضي كما تراه موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، وكذلك في انحرافات في الشخصية منها النرجسية، والسلوك المضاد للمجتمع " السيكوباث" والانحرافات الجنسية بأنواعها. وربما يستغرب البعض عما تحمله النفس من هذه الطاقات التي تحتويها النفس البشرية، وأين مسربها سواءًا في الطفولة، أو في الرشد – البلوغ لكي تحرك كل شيء في دواخلنا، وتتحكم في ما هو خارجها، أعني في الواقع الخارجي، هي تضم الطاقة الإنفعالية، حزن وفرح، كراهية وعدوانية وبغض أو محبة، بصورتها الحقيقية أو المتخيلة أو الذي أرتبط بالشيء المرموز، هي الطاقة التي تحرك وجودنا البيولوجي، وهي الطاقة الجنسية بمختلف أنواعها، اقصد لغرض التناسل والانجاب، أو المثلية السلبية والايجابية " مفعول به وفاعل"، أو الافتتان الهستيري والاستعراض.

النفس تحمل النرجسية ومعها تكمن بين ثناياها العدوانية وهي في الأساس طاقة تم تطبيقها في الواقع، لذا تؤكد لنا أساسيات التحليل النفسي بأنه لا يمكن فصل النرجسية عن العدوانية وكلاهما طاقة نفسية وجدت في هذا السلوك منصرفًا غير مقبول إجتماعيًا لكنه أخذ مسار الفعل في حياتنا اليومية، وعند جاك لاكان العدوانية هي الوجه الآخر لنفس العملة المتخيلة. النرجسية كما يعرف الجميع هي عشق الصورة.. والعدوانية هي الصراع القاتل مع هذه الصورة.

ماذا يُخزن في اللاشعور – اللاوعي من طاقات لم توجه دائمًا نحو فعل الخير أو الشر، الظلام والنور كما يرى " صلاح مخيمر " قوله يجب أن يقام جسرًا بين اللاشعور – اللاوعي وبين الشعور– الوعي. ويقودنا هذا بالاستشهاد برؤية جاك لاكان المحلل النفسي الفرنسي الذي يصور اللاشعور – اللاوعي المطروح على هذا النحو هو لاشعور – لاوعي صوري وفارغ وحامل لقوانين بنيوية، يفرض على ما تحت الشعور – الوعي مجموع العناصر المتمفصلة القادمة من موضع آخر : نزوات، انفعالات، تمثلات، ذكريات، إن كان تحت الشعور كالمتخيل تمامًا، وهي في الحقيقة عبارة عن مجموعة من المواد، أي خزان من الصور يغرف منه كُلٌّ نصيبه الذي يميزه كفرد، وهي طاقته المحركة لهذا السلوك، 

الطاقة في النفس إذن هي منذ الطفولة وهي الفعل الذي يصبح سلوكًا ملموسًا في المستقبل ولو أخذ طابع الرمزية في بداية حياة الإنسان، أي طفولته، فهذه الرمزية تقوم على نقل الطاقات الخاصة لكل فرد بدوافعها المكبوتة من موضوعها الأصلي، إلى موضوع يرمز لها متى توفر تشابه أي ما كان هناك حد ثالث سواء كان الشكل الخارجي، أو الوظيفة، أو الانفعالات التي يثيرها الأصل ورمزه، ولا يخفى لمن درس التحليل النفسي، أو أهتم به كمعرفة إنسانية إن هذه الانفعالات في الطفولة المبكرة، مثل المخاوف المفزعة التي ترتبط بالفعل بكل أنواعه ومنها الجنسي، أو المخاوف من الحيوانات الأليفة بصورة الفوبيا أو غيرها هي مخاوف إنفعالية ترجع إلى طبيعة المراحل الطفلية بتخيلاتها البالغة بالقوة والجموح والبعد عن حقيقتها في الواقع.

إن فاعلية الطاقة تبرز وتظهر في سلطة اللغة والكلمات والفعل الذي كونه صاحبه من الرمزية في الطفولة والتي أدركها كمتخيل ونسج حولها صورته التي بنى بها نفسه، ولا نغالي كثيرًا حينما نقول هي إخفاء السبب النفسي الحقيقي عن مسار هذه الطاقة وتكونها في الأساس لغرض تحقيق الرغبة.

إن الطاقة النفسية التي يمارس بها أي منا في حياته اليومية هي في الأساس تأخذ طابع الفقدان منذ الطفولة، أخذت مسار يناسب شخصية كلٌ منا ونظل نبحث عن تحقيق الرغبة، وحتى لو حققنا رغبتنا، لا نتوقف، ولا تنتهي هذه الرغبات، هي النفس في مسعاها لا تشبع. وترى " نيفين زيور" فالفنان في عمله يعبر عن تدفق من اللذة من شأنها أن توائم له الأشياء ولكن إلى حين، وتقول أيضًا أكبر الظن أن تكون جملة – فعل الفنان ذات قدرة كبيرة على الإعلاء . وهي جزء من الطاقة التي تم توجيهها إلى فعل وسلوك مقبول اجتماعيُا. وعلى النقيض من ذلك فإن التحليل النفسي كشف النقاب عن الرغبات الخفية لجنس منحرف التي تدفعها طاقة جياشة، هذه الطاقة النفسية التي لا تدرك أي معنى للثقافة، أو القيم الاجتماعية. أو الطاقة التي توجه إلى العدوانية وسلوك العنف وابرزها السادية والمازوخية، وكلاهما مرتبط بالجنس في أغلبه، وتدل السادية على انها انحراف ينحصر في استمداد اللذة الجنسية مما يلحق الغير من ألم بدني، والشخص الذي يقع عليه هذا الألم قد يكون من نفس الجنس الذي ينتمي إليه السادي، أو قد يكون طفلا أو حيوانًا، وفقًا لارتباط الانحراف بالجنسية المثلية، أو عشق الأطفال كما يرى ذلك فرويد.

إن عالمنا اليوم لم يجد أفراده في تصريف الطاقة النفسية منفذًا مقبول اجتماعيًا إلا في سلوك التعصب بكل أشكاله الرياضي، الديني والمذهبي، الجغرافي والانتماء القبلي والعشائري، السياسي، الاجتماعي، عالم الأليكترونيات ومواقع التواصل الاجتماعي حيث تظهر أعلى سمات العدوانية في السلوك، أو إظهار الدوافع الغريزية الجنسية وقول فرويد هذه الغرائز والنزعات الجنسية هي الممثل النفسي للمنبهات التي تصدر عن الكائن العضوي وتتغلغل في النفس وهي في الآن ذاته مقياس للمطالب التي تفرضها على الطاقة النفسية صلة النفس بالبدن، ونقول إنها الاستعراض الجسدي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويضيف فرويد حينما يتناول الغرائز من وجهات نظر ثلاث : فهو يفترض أن لكل غريزة مصدرًا يمدها بالطاقة الضرورية، وأن لها موضوعًا تتجه إليه لغرض الإشباع وهدفًا يحقق لها هذا الإشباع. ونقول أخيرًا ان الطاقة النفسية لدى الإنسان تأخذ المسار الذي بنيت عليه " البنية" بمختلف أنواعها، التي تتجه لاشباع الرغبات العلمية والمهنية والحرفية والفنية والاجتماعية والرياضية والفكرية والأدبية والجنسية المنحرفة وغيرها، فكل تلك تحركها الطاقة النفسية أولًا وأخيرًا.

***

د. اسعد الامارة

ناتجة عن هشاشة العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول

مقدمة: تشهد البشرية في العصر الراهن جملة من التحولات العميقة التي أعادت تشكيل خريطة العلاقات بين الدول والمجتمعات، وأبرزها ظاهرة الهجرة غير النظامية. لم تعد هذه الظاهرة مجرد انتقال جغرافي لأفراد يبحثون عن فرص أفضل، بل تحولت إلى كارثة مركبة تضاف إلى قائمة الكوارث التي تهدد استقرار الكوكب وتماسك النسيج الإنساني. فهي تعكس في جوهرها هشاشة بنيوية خلفتها العولمة المتوحشة، ذلك النمط من الاندماج الاقتصادي والسياسي الذي يكرس اللاتكافؤ التنموي الصارخ بين المجتمعات والدول، ويحول الفوارق التاريخية والجغرافية إلى فجوات هيكلية شبه دائمة. تتسم هذه الكارثة بطابعها المتعدد الأبعاد: إنساني وأمني واقتصادي وبيئي وثقافي. وهي ليست وليدة الصدفة أو الخيارات الفردية المعزولة، بل نتيجة منطقية لنظام عالمي يفتح أبواب الثروة أمام القلة ويغلق أبواب الكرامة أمام الكثرة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الدراسة الأكاديمية المعمقة التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة من جذورها، وتحليل آليات إنتاجها، ورصد آثارها الكارثية على المستوى الكوني، دون الاعتماد على مراجع خارجية أو جداول إحصائية، بل من خلال تحليل نظري ومنطقي متماسك. فماهي أسباب تزايد أعداد الذين يشاركون في الهجرة غير النظامية؟ وكيف تعتبر الهجرة غير النظامية كارثة كونية؟ ما العلاقة بينها والتغير المناخي والتوحش العولمي؟ وماهي الآليات القائمة والممكنة للحد من هذه الظاهرة الخطيرة؟

أولاً: مفهوم الهجرة غير النظامية وطبيعتها الكارثية

تُعرف الهجرة غير النظامية بأنها انتقال الأفراد عبر الحدود الدولية خارج الأطر القانونية المعتمدة من قبل الدول، سواء عبر التسلل أو استخدام وثائق مزورة أو تجاوز فترات الإقامة المسموح بها. غير أن هذا التعريف الشكلي لا يفي بوصف الظاهرة في سياقها المعاصر. فهي في حقيقتها عملية قسرية في كثير من الأحيان، تحركها ضغوط وجودية تجعل البقاء في الوطن مرادفًا للموت البطيء أو الإذلال اليومي.

كما تتحول هذه الهجرة إلى كارثة حين تتجاوز كونها خيارًا فرديًا لتصبح موجات جماعية مستمرة، تزهق فيها الأرواح في البحار والصحاري، وتُستغل فيها الأجساد في شبكات التهريب والاتجار بالبشر، ويُحرم فيها الملايين من الحقوق الأساسية في بلدان الوصول. إنها كارثة لأنها تكشف عن فشل النظام العالمي في توفير الحد الأدنى من العدالة التوزيعية، وتحول الإنسان إلى سلعة قابلة للنقل والمضاربة في سوق غير رسمي تحكمه قوى الظل.

ثانياً: العولمة المتوحشة كمنتج للهشاشة البنيوية

لم تكن العولمة في صورتها السائدة منذ أواخر القرن العشرين عملية محايدة أو متكافئة. فقد قامت على تحرير حركة رؤوس الأموال والسلع والخدمات، مع الإبقاء على حركة البشر مقيدة بشدة. هذا التناقض الجوهري أنتج نظامًا عالميًا يفضل الربح على الإنسان، والتنافسية على التضامن، والاستخراج على الاستدامة. في ظل هذه العولمة المتوحشة، أصبحت الشركات متعددة الجنسيات قادرة على نقل رأس المال بحرية بحثًا عن أرخص العمالة وأضعف التشريعات البيئية والاجتماعية، بينما ظلت الدول النامية أسيرة بنى اقتصادية هشة تعتمد على تصدير المواد الأولية أو العمالة الرخيصة. أدت سياسات التحرير الاقتصادي المفروضة إلى تدمير القطاعات التقليدية كالزراعة والحرف المحلية، وفرضت نماذج تنموية لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية، فأنتجت بطالة هيكلية وفقرًا مزمنًا وتبعية متزايدة.

لقد ساهمت العولمة أيضًا في تسريع التغير المناخي من خلال أنماط الإنتاج والاستهلاك المكثفة في الدول الصناعية، مما جعل مناطق واسعة في الجنوب أكثر عرضة للجفاف والتصحر وارتفاع مستوى البحار والكوارث الطبيعية المتكررة. هكذا تحولت الهشاشة من حالة مؤقتة إلى بنية دائمة، تدفع الأفراد إلى البحث عن مخارج يائسة خارج الأطر القانونية.

ثالثاً: اللاتكافؤ التنموي كمحرك أساسي للهجرة غير النظامية

يُعتبر اللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول الجذر الأعمق لظاهرة الهجرة غير النظامية. ففي عالم يتسم بتفاوت صارخ في مستويات الرفاه والبنية التحتية والخدمات والتعليم والصحة، يصبح الانتقال من مناطق الهامش إلى مراكز الثروة استجابة منطقية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر. كما يتجلى هذا اللاتكافؤ في عدة مستويات: اقتصاديًا، حيث تتركز الثروة والتكنولوجيا في الشمال بينما يعاني الجنوب من الديون المتراكمة وضعف التصنيع؛ واجتماعيًا، حيث تتسع فجوات الفقر والبطالة والأمية؛ وسياسيًا، حيث غالبًا ما ترتبط النزاعات والفساد وضعف الحوكمة بالتحولات الاقتصادية العالمية، سواء من خلال التنافس على الموارد أو التدخلات الخارجية التي تخدم مصالح القوى الكبرى. هذا اللاتكافؤ ليس طبيعيًا أو حتميًا، بل هو نتاج تاريخي لعمليات استعمارية سابقة، أعادت العولمة إنتاجها بأشكال جديدة أكثر تعقيدًا. فبدلاً من تضييق الفجوات، عملت آليات العولمة على توسيعها، محولة التطلعات المشروعة للشعوب إلى إحباط جماعي يدفع نحو المخاطرة بالحياة في مسارات غير نظامية.

رابعاً: الأبعاد الكارثية للهجرة غير النظامية على مستوى الكوكب

تتجاوز آثار الهجرة غير النظامية الحدود الوطنية لتتحول إلى كارثة كونية متعددة الطبقات. على المستوى الإنساني، تحول ملايين البشر إلى كائنات هامشية تعيش في مخيمات مؤقتة أو أحياء عشوائية أو في ظل الخوف الدائم من الترحيل. يولد هذا الوضع أزمات نفسية واجتماعية عميقة، ويمزق النسيج الأسري، ويحرم أجيالًا كاملة من التعليم والرعاية الصحية والكرامة. كما يفتح الباب أمام استغلال جنسي واقتصادي منظم، خاصة للنساء والأطفال.

أمنيًا، تغذي هذه الهجرة شبكات الجريمة المنظمة في بعض السياقات، وتثير توترات سياسية داخل بلدان الاستقبال، حيث يُستغل الخطاب المعادي للمهاجرين لأغراض انتخابية، مما يؤدي إلى صعود النزعات القومية المتشددة وتآكل قيم التضامن الإنساني. اقتصاديًا، بينما يستفيد بعض القطاعات في بلدان الشمال من العمالة المهاجرة الرخيصة في الاقتصاد غير الرسمي، فإن التكاليف الاجتماعية طويلة الأمد تكون مرتفعة، وتشمل الضغط على الخدمات العامة والتوترات المجتمعية. بيئيًا، تساهم موجات الهجرة في زيادة الضغط على الموارد في مناطق الاستقبال، وفي تدهور البيئات الهشة التي يمر بها المهاجرون. كما أن التغير المناخي، الذي يغذيه النظام العالمي غير المتكافئ، يصبح عاملًا مضاعفًا يدفع بمزيد من النزوح.

ثقافيًا، تؤدي هذه الظاهرة إلى صدامات هوية وصعوبات في الاندماج، مما يعمق الشعور بالاغتراب لدى المهاجرين والرفض لدى المجتمعات المضيفة.

خامساً: تأثير التغير المناخي على الهجرة: بُعد كارثي إضافي في سياق الهشاشة العالمية

يمثل التغير المناخي أحد أبرز التحديات الوجودية التي تواجه الكوكب في العصر الراهن، وهو لم يعد ظاهرة بيئية معزولة، بل تحول إلى محرك هيكلي لإعادة تشكيل أنماط التنقل البشري على مستوى العالم. فتأثيره على الهجرة، وخاصة الهجرة غير النظامية، يتجلى في دفع ملايين البشر إلى مغادرة مواطنهم بحثًا عن سبل عيش آمنة، في سياق يتسم أصلًا بهشاشة عميقة خلفتها العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي بين المجتمعات والدول. يُنتج التغير المناخي ضغوطًا متراكمة تجعل البقاء في المناطق المتضررة أمرًا مستحيلًا تدريجيًا، ويحول النزوح من خيار فردي إلى ضرورة جماعية. وبهذا المعنى، يصبح تأثيره كارثة مضافة إلى كارثة الهجرة غير النظامية، إذ يفاقم الفجوات القائمة ويدفع بالضعفاء إلى مسارات محفوفة بالمخاطر. يسعى هذا التحليل الأكاديمي المعمق إلى تفكيك آليات هذا التأثير، وأبعاده المتعددة، وعلاقته الجدلية بالهشاشة العالمية، بعيدًا عن التبسيط أو الإحصاءات الجزئية. يتم التعامل مع التغير المناخي كعامل مضاعف للهشاشة، اذ لا يعمل التغير المناخي في فراغ، بل يتفاعل مع بنى اقتصادية واجتماعية هشة أنتجتها عقود من العولمة غير المتكافئة. ففي المناطق التي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية، واعتماد الاقتصاد على الزراعة المطرية أو الرعي، وندرة الموارد، يتحول ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط التساقط وارتفاع مستوى البحار إلى صدمة وجودية. كما يؤدي الجفاف المتكرر إلى تدهور الأراضي الزراعية وانخفاض الإنتاجية، مما يفقد الأسر مصدر رزقها الأساسي. وتتسبب الفيضانات والعواصف الشديدة في تدمير المساكن والمحاصيل، بينما يؤدي ارتفاع مستوى البحار إلى غمر المناطق الساحلية المنخفضة، خاصة في الجزر والدلتاوات المكتظة بالسكان. هذه الظواهر لا تدفع إلى الهجرة فحسب، بل تجعل العودة إلى الموطن أمرًا صعبًا أو مستحيلًا في كثير من الحالات، محولة النزوح المؤقت إلى هجرة دائمة أو شبه دائمة. من هذا المنظور، يتخذ تأثير التغير المناخي على الهجرة أشكالًا متنوعة تتدرج من النزوح الداخلي إلى الهجرة عبر الحدود، ومن التنقل التدريجي إلى النزوح المفاجئ. في المرحلة الأولى، يلجأ السكان إلى التنقل داخل حدود الدولة، من الأرياف المتضررة إلى المدن، بحثًا عن فرص عمل بديلة. غير أن المدن في الدول النامية غالبًا ما تكون غير مهيأة لاستيعاب هذه الموجات، فتنشأ أحياء عشوائية تزيد من الهشاشة الحضرية. ومع استمرار الضغوط، يتحول جزء من هذا النزوح إلى هجرة خارجية، غالبًا عبر مسارات غير نظامية، لأن الدول المتضررة تفتقر إلى إمكانات توفير بدائل مستدامة، ولأن الدول المستقبلة تفرض قيودًا صارمة على الدخول النظامي. علاوة على ذلك يظهر نمط آخر في المناطق الساحلية والجزرية، حيث يصبح الغمر التدريجي للأراضي دافعًا للبحث عن مواطن جديدة، فيما يُعرف أحيانًا بـ"اللجوء المناخي"، رغم أن الإطار القانوني الدولي لا يعترف به صراحة بعد. كما تساهم الظواهر المتطرفة المفاجئة، كالأعاصير والفيضانات الكارثية، في نزوح جماعي فوري، غالبًا ما يتحول إلى هجرة طويلة الأمد إذا لم تتوفر شروط الإعادة والإعمار. كما تعمل عدة آليات متداخلة على تحويل الضغوط المناخية إلى دوافع للهجرة. أولها الآلية الاقتصادية: فتدهور الموارد الطبيعية يقلل من الدخل ويفاقم الفقر، خاصة في المجتمعات المعتمدة على الاقتصادات الأولية. وثانيها الآلية الأمنية: إذ يؤدي شح المياه والأراضي إلى نزاعات محلية على الموارد، قد تتطور إلى عنف يدفع السكان إلى الفرار. وثالثها الآلية الصحية: حيث تنتشر الأمراض المرتبطة بالمناخ، وتتراجع الخدمات الأساسية، مما يجعل الحياة اليومية غير محتملة. تتفاعل هذه الآليات مع اللاتكافؤ التنموي بشكل حاسم. فالدول الغنية، المسؤولة تاريخيًا عن الجزء الأكبر من الانبعاثات، تمتلك قدرات تكيفية عالية من خلال التكنولوجيا والبنية التحتية والتأمينات، بينما تتحمل الدول الفقيرة العبء الأكبر من الآثار رغم مساهمتها الضئيلة في المشكلة. وهكذا يصبح التغير المناخي آلية إضافية لتعميق الفجوات، ودفع سكان الجنوب إلى مسارات الهجرة غير النظامية المحفوفة بالمخاطر. هكذا ظهرت أبعاد كارثية للتأثير المناخي على الهجرة، اذ يضاعف التغير المناخي من الطابع الكارثي للهجرة غير النظامية على عدة مستويات. إنسانيًا، يتعرض المهاجرون المناخيون لمخاطر مضاعفة: فهم يفرون من بيئة منهارة ليواجهوا بيئات أخرى قد تكون معادية أو غير مهيأة، مع زيادة احتمالات الاستغلال والغرق والموت في الطرق. واجتماعيًا، يؤدي النزوح الجماعي إلى تفكك المجتمعات الأصلية، وفقدان الهويات الثقافية المرتبطة بالأرض، وضغوط هائلة على المجتمعات المضيفة. أمنيًا، قد تساهم موجات الهجرة المناخية في إذكاء التوترات داخل الدول وبينها، خاصة حين تُستغل في الخطابات السياسية المعادية للأجانب. واقتصاديًا، تتحمل الدول المصدرة خسارة رأس المال البشري، بينما تواجه الدول المستقبلة تكاليف إضافية في الخدمات والاندماج. أما على المستوى الكوني، فإن هذا التأثير يحول التغير المناخي من مشكلة بيئية إلى أزمة إنسانية عالمية مترابطة، تهدد استقرار النظام الدولي برمته. لكن تكشف الاستجابات الدولية الراهنة عن عجز واضح في التعامل مع البعد المناخي للهجرة. فمعظم الأطر القانونية تركز على اللاجئين السياسيين أو النزاعات، وتتجاهل الدوافع البيئية أو تعاملها كعامل ثانوي. كما أن برامج التكيف والتخفيف تبقى غير كافية، وغالبًا ما تُوجه وفق أولويات الدول الغنية، دون أن تصل إلى المجتمعات الأكثر تضررًا بالقدر الكافي. في ظل العولمة المتوحشة، يستمر نمط الإنتاج والاستهلاك الذي يغذي الانبعاثات، بينما تُترك المجتمعات الهشة لتواجه العواقب بمفردها.

سادسا: آليات إعادة إنتاج الكارثة في ظل النظام العالمي الراهن

دور المنظمات الدولية في مواجهة الهجرة غير النظامية

تستمر الهجرة غير النظامية في التفاقم لأن النظام العالمي يتعامل معها كعرض أمني وليس كعرض بنيوي. فالإجراءات الأمنية المشددة على الحدود، واتفاقيات إعادة القبول، ومراقبة السواحل، لا تمس الجذور، بل تدفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة وكلفة بشرية. في الوقت نفسه، تستمر وسائل الإعلام العالمية في نشر صور الرفاه في الشمال، فتولد تطلعات غير قابلة للتحقق في الجنوب. وتُستخدم التكنولوجيا غالبًا لمراقبة الحدود وفرض السيطرة بدل أن تكون جسرًا للتواصل المتكافئ. هكذا تتحول الهجرة غير النظامية إلى آلية مستمرة لإعادة إنتاج الهشاشة، حيث يعود جزء من التحويلات المالية إلى بلدان الأصل دون أن يغير البنى الاقتصادية الأساسية، بينما يبقى الجزء الأكبر من المعاناة على كاهل المهاجرين أنفسهم. في هذا الاطار، تُشكل المنظمات الدولية أحد أبرز الفاعلين في النظام العالمي المعاصر، وهي مدعوة نظريًا إلى لعب دور محوري في معالجة الظواهر العابرة للحدود، وفي مقدمتها الهجرة غير النظامية. غير أن هذا الدور، في الواقع العملي، يكشف عن تناقضات عميقة تعكس طبيعة النظام الدولي نفسه، القائم على توازنات القوى والمصالح المتباينة بين الدول. ففي سياق الهجرة غير النظامية بوصفها كارثة كونية ناتجة عن هشاشة العولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي، يظهر دور المنظمات الدولية مزدوجًا: فهو يجمع بين محاولات التنظيم والإغاثة من جهة، وبين عجز بنيوي عن معالجة الجذور الهيكلية من جهة أخرى. يسعى هذا التحليل إلى تفكيك هذا الدور بشكل معمق، من خلال رصد آليات تدخله، وحدوده، وتناقضاته، وأثره الفعلي على الظاهرة، بعيدًا عن التعميمات السطحية، مع التركيز على العلاقة الجدلية بين عمل هذه المنظمات وبين استمرار الهشاشة واللاتكافؤ اللذين يغذيان الهجرة غير النظامية. على هذا النحو تنطلق المنظمات الدولية، سواء الحكومية منها كالأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، أو تلك ذات الطابع الإقليمي، من مبادئ إنسانية وقانونية تهدف إلى حماية حقوق الإنسان وتنظيم حركة الأفراد عبر الحدود. يُنظر إليها كآليات لتجاوز السيادة المطلقة للدول لصالح مقاربة جماعية عالمية. غير أن هذا الإطار النظري يصطدم منذ البداية بواقع أن هذه المنظمات تُموَّل وتُدار في جزء كبير منها من قبل الدول الأقوى اقتصاديًا وسياسيًا، مما يجعل استقلاليتها نسبية، ويخضع أولوياتها لموازين القوى الدولية. في مجال الهجرة غير النظامية، يتجلى هذا الإطار في محاولات وضع أطر معيارية لتنظيم التنقل، وتقديم المساعدات الإنسانية للمهاجرين في حالات الخطر، وتعزيز التعاون بين دول المصدر والعبور والاستقبال. إلا أن هذه المحاولات تبقى محكومة بمنطق يفضل إدارة الظاهرة أمنيًا على معالجتها تنمويًا، وهو منطق يتماشى مع مصالح الدول المستقبلة أكثر مما يتماشى مع احتياجات الدول المصدرة أو المهاجرين أنفسهم. من هذا المنطلق تمارس المنظمات الدولية دورها عبر عدة مستويات متداخلة. على المستوى الإنساني، تتدخل لتقديم الإغاثة الطارئة للمهاجرين العالقين في البحر أو الصحراء أو المخيمات، وتسعى إلى ضمان الحد الأدنى من الحماية من الاستغلال والانتهاكات. وعلى المستوى القانوني، تعمل على صياغة اتفاقيات ومواثيق تحاول وضع معايير مشتركة للتعامل مع المهاجرين غير النظاميين، مع التركيز على حماية الفئات الأكثر هشاشة كالنساء والأطفال. أما على المستوى التنسيقي، فتحاول هذه المنظمات تسهيل الحوار بين الدول، وتشجيع برامج التعاون في مجالات مراقبة الحدود أو إعادة الإدماج أو التنمية في بلدان المصدر. كما تلجأ إلى آليات الرصد وجمع المعلومات بهدف فهم تدفقات الهجرة وتوجيه السياسات. غير أن هذه الآليات غالبًا ما تبقى في إطار التسيير اليومي للأزمة، دون القدرة على التأثير في البنى الاقتصادية والسياسية التي تنتج الهجرة أصلًا. الا أن العجز الجوهري لدور المنظمات الدولية يكمن في طبيعتها المؤسسية نفسها. فهي منظمات بين-دولاتية، لا تمتلك سلطة فوق-وطنية حقيقية قادرة على إلزام الدول بتنفيذ التزاماتها، خاصة حين تتعارض تلك الالتزامات مع المصالح الوطنية الضيقة. في مواجهة الهجرة غير النظامية، تجد هذه المنظمات نفسها عالقة بين خطاب حقوق الإنسان من جهة، وضغوط الدول المستقبلة التي تطالب بتشديد الرقابة وإعادة الترحيل من جهة أخرى. يظهر هذا العجز بوضوح في التعامل مع الجذور الهيكلية للظاهرة. فبينما تؤكد الخطابات الرسمية على أهمية التنمية المستدامة وتقليص الفجوات، تبقى البرامج الفعلية محدودة الأثر، وغالبًا ما تُصمم وفق أولويات المانحين من الدول الغنية. وهكذا تتحول المساعدات التنموية إلى أدوات لإدارة تدفقات الهجرة أكثر مما تتحول إلى وسائل حقيقية لتفكيك اللاتكافؤ التنموي. كما أن التركيز المفرط على البعد الأمني – من خلال دعم قدرات مراقبة الحدود – يساهم أحيانًا في دفع المهاجرين إلى مسارات أكثر خطورة، مما يزيد من الكلفة البشرية للظاهرة. علاوة على ذلك، تعاني المنظمات الدولية من بيروقراطية معقدة، وتداخل اختصاصات، وتنافس على التمويل، مما يضعف فعاليتها ويحول جزءًا كبيرًا من مواردها إلى نفقات إدارية بدل أن تصل إلى المستفيدين المباشرين. لا يمكن فهم دور المنظمات الدولية بمعزل عن سياق العولمة المتوحشة. فهذه المنظمات، في كثير من جوانبها، هي نتاج للنظام العالمي الليبرالي الذي أنتج اللاتكافؤ أصلًا. فهي تعمل داخل إطار يحافظ على حرية حركة رؤوس الأموال والسلع، بينما يتعامل مع حركة البشر كتهديد يجب احتواؤه. ومن ثم، فإن تدخلاتها غالبًا ما تُعيد إنتاج الهشاشة بدل تجاوزها: برامج إعادة الإدماج تبقى سطحية، والمساعدات الإنسانية تخفف الأعراض دون علاج الأسباب، والحوارات الدولية تتحول إلى منصات لتبادل الاتهامات أكثر مما تتحول إلى فضاءات لصنع سياسات مشتركة عادلة. في هذا السياق، يصبح دور المنظمات الدولية جزءًا من آليات إدارة الأزمة العالمية، لا جزءًا من حلها الجذري. فهي تساهم في شرعنة النظام القائم من خلال خطاب إنساني يخفف من حدة التناقضات، دون أن تمس بمراكز القوة والثروة التي تغذي الهجرة غير النظامية. لذلك  يولد هذا الدور المتناقض آثارًا مركبة. من جهة، ينقذ تدخل المنظمات الدولية أرواحًا ويوفر حماية نسبية في لحظات الخطر الشديد، مما يمثل إنجازًا إنسانيًا لا يمكن إنكاره. ومن جهة أخرى، يساهم التركيز على الإدارة الأمنية والإنسانية في تطبيع الظاهرة بوصفها أمرًا دائمًا يمكن التعايش معه، بدل اعتبارها كارثة يجب اقتلاع جذورها. كما أن اعتماد هذه المنظمات على تمويل الدول الغنية يجعلها عرضة للضغوط السياسية، ويضعف قدرتها على تبني مواقف نقدية جذرية تجاه سياسات العولمة غير المتكافئة.

خاتمة

تمثل الهجرة غير النظامية مرآة صادقة لهشاشة النظام العالمي المعاصر. إنها تذكرنا بأن الكوكب لا يمكن أن يعيش في سلام واستقرار طالما استمرت فجوات التنمية في الاتساع، وطالما بقيت العولمة أداة لتكريس التفاوت بدل جسره. فهذه الكارثة ليست قدرًا محتومًا، بل نتاج اختيارات سياسية واقتصادية يمكن تغييرها.

هكذا يتحول التغير المناخي إلى حلقة إضافية في سلسلة إعادة إنتاج الهشاشة، حيث تدفع آثاره إلى مزيد من الهجرة غير النظامية، التي بدورها تزيد من الضغوط على الموارد في مناطق الوصول، في دورة كارثية متصاعدة. كما يؤكد تأثير التغير المناخي على الهجرة أن الكارثة البيئية والكاراتة الإنسانية مترابطتان بشكل لا ينفصل. فالتغير المناخي ليس مجرد عامل إضافي، بل مضاعف هيكلي للهشاشة التي خلفتها العولمة غير المتكافئة واللاتكافؤ التنموي. وهو يدفع بملايين البشر إلى مسارات محفوفة بالمخاطر، ويحول الهجرة غير النظامية إلى ظاهرة أكثر حدة واستمرارًا.إن مواجهة هذا التأثير تتطلب أكثر من إجراءات طارئة أو مساعدات إنسانية محدودة. فهي تستدعي إعادة هيكلة النظام العالمي نحو عدالة مناخية حقيقية، تتحمل فيها الدول المسؤولة تاريخيًا مسؤولياتها، وتُفتح فيها قنوات تنقل نظامية وآمنة، وتُبنى فيها قدرات تكيفية في المجتمعات الأكثر هشاشة. بدون ذلك، سيظل التغير المناخي يغذي موجات هجرة كارثية، مضيفًا طبقة جديدة من المعاناة إلى معاناة الكوكب وشعوبه، ومذكرًا بأن مصير الإنسان والبيئة واحد لا يتجزأ. إن معالجة الظاهرة تتطلب إعادة التفكير جذريًا في أسس النظام العالمي: مواجهة اللاتكافؤ التنموي من خلال سياسات تنموية عادلة، وإصلاح النظام المالي الدولي، وتحمل المسؤولية التاريخية عن التغير المناخي، وفتح قنوات هجرة نظامية منظمة تقلل من الاعتماد على المسارات الخطرة. والنتيجة أن الهجرة غير النظامية تستمر وتتفاقم، بينما تبقى المنظمات الدولية في موقع المتفرج النسبي أو المدير للأزمة، عاجزة عن تحويل خطابها المعياري إلى واقع يغير موازين القوى العالمية. يكشف التحليل الفلسفي أن دور المنظمات الدولية في مواجهة الهجرة غير النظامية عن مفارقة مركزية: فهي مدعوة إلى أن تكون أداة للعدالة العالمية، لكنها تظل في كثير من الأحيان آلية لإدارة عدم العدالة. إن عجزها عن معالجة الجذور الهيكلية المرتبطة بالعولمة المتوحشة واللاتكافؤ التنموي يجعل تدخلاتها محدودة الأثر، ومحكومة بمنطق النظام الذي أنتج الكارثة أصلًا. ولا يعني ذلك إنكار أي قيمة لوجود هذه المنظمات، بل الدعوة إلى إعادة التفكير في طبيعتها ووظائفها. فبدون تحول جذري يجعلها أكثر استقلالية، وأكثر قدرة على إلزام الدول، وأكثر تركيزًا على تفكيك البنى المنتجة للهشاشة، سيبقى دورها محصورًا في تخفيف الأعراض لا علاج المرض. وفي عالم تتفاقم فيه فجوات التنمية وتزداد فيه الضغوط المناخية والسياسية، يصبح إصلاح هذا الدور ضرورة وجودية، لا مجرد خيار مؤسسي، إذا أريد للهجرة غير النظامية أن تتحول من كارثة متجددة إلى ظاهرة قابلة للضبط ضمن إطار إنساني وتنموي عادل. كما يتطلب الأمر إعادة تعريف العولمة نفسها، بحيث تصبح عملية تخدم التوازن بين المجتمعات لا تكرس الهيمنة. بدون ذلك، ستظل الهجرة غير النظامية كارثة متجددة تضاف إلى الكوارث البيئية والصحية والسياسية التي تهدد مستقبل الكوكب بأكمله. والاعتراف بهذه الحقيقة والعمل على جذورها هو السبيل الوحيد لإعادة بناء علاقات أكثر عدالة وإنسانية بين شعوب الأرض، وحماية الكرامة الإنسانية كقيمة كونية لا تقبل المساومة. فهل يمكن للمنظمات غير الحكومية أن تعلب دورا رياديا في الحد من ظاهرة الهجرة غير النظامية وتقلل من مخاطر وسلبيات التغير المناخي وتلوث المدن وتخريب الطبيعة والأزمة البيئية التي تعاني منها الكرة الأرضية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

بقلم: إدوارد سعيد

ترجمة: علي أسعد وطفة (1)

جامعة الكويت – كلية التربية

***

تعريف:

في عام 1978، نشر إدوارد وديع سعيد (Edward W. Said: 1935-2003) كتابه الرئيس "الاستشراق". وقد تصدّى المفكر الأميركي الكبير، الفلسطيني الأصل، لإعادة بناء صورة "الشرق" على نحو يهدف إلى تبرير المشاريع الاستعمارية والاستعمارية الجديدة للغرب و ما زال متمسكًا بموقفه هذا مع مرور الزمن ومؤكدًا له إذ يرى أن التفاعل الثقافي مع الثقافات الأخرى أصيلةً تهذب الروح وتستبعد كل طموح إلى الهيمنة. هنا تكمن النزعة الإنسانية التي تشكل الحصن الأخير ضد البربرية.

ويعد إدوارد سعيد أحد كبار المفكرين في العصر الحديث، وهو مفكر وناقد أدبي فلسطيني أميركي، وُلد في القدس وتلقّى تعليمه في القاهرة والولايات المتحدة. وقد عمل أستاذًا للأدب الإنجليزي والمقارن في جامعة كولومبيا، ويُعدّ أحد أبرز المفكرين المؤسسين لدراسات الاستشراق ما بعد الاستعمار. وق اشتهر بكتابه «الاستشراق» (Orientalism)، الصادر عام 1978، الذي حلّل فيه الطريقة التي صوّر بها الفكر الغربي الشرقَ، مبيّنًا ارتباط كثير من هذه التصورات بالمشروعات الاستعمارية وعلاقات القوة والهيمنة. ومن أبرز مؤلفاته أيضًا: «الثقافة والإمبريالية: (Culture and Imperialism)، و«تغطية الإسلام" (Covering Islam)، و"العالم والنص والناقد" (The World, the Text, and the Critic)، وسيرته الذاتية «خارج المكان" (Out of Place).

دافع سعيد عن حقوق الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، ودعا في الوقت نفسه إلى التعايش والمساواة والاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. كما عُرف بدفاعه عن النزعة الإنسانية والنقد العلماني، وبمقاومته للصور النمطية والتعصب القومي والديني. وقد ساهم مع الموسيقي دانيال بارنبويم (Daniel Barenboim) «في التاسيس لـ "أوركسترا الديوان الغربي الشرقي" (West–Eastern Divan Orchestra).، التي جمعت موسيقيين عربًا وإسرائيليين في مشروع ثقافي مشترك. توفي في نيويورك عام 2003 بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم.

بداية:

قبل تسع سنوات، كتبتُ خاتمةً إضافيةً لكتاب "الاستشراق"، تناولت فيها طبيعة السجالات العديدة التي أثارها الكتاب منذ صدوره عام 1978 وقمت بتفنيد التأويلات خاطئة التي مني بها من قبل المفكرين والنقاد. وإن كنت سابقا أواجه يواجه الانتقادات بالحدة والغضب، فإني الآن أمّا الآن أنظر إليها بشيء من السخرية والهدوء، وهذا التحول يدل على الهدوء الذي يفرضه النضج الناجم عن التقدم في العمر وليس على زوال الخلافات. ومما لا شك فيها أيضا أن الرحيلُ المؤلم لملهميّ الكبيرين إقبال أحمد, (Eqbal Ahmad) إبراهيم أبو لغد (Ibrahim Abu-Lughod). قد تركا في جرحا عميقا من الشعور الفارق بالأسى والحزن، ومع ذلك فإن هذا الرحيل الصاعق أورثني مزيدا من القوة والرغبة العنيدة في المضي قدما في رحاب الفكر الإنساني العميق ضد كل أشكال التفكير العنصري في هذا العالم الفسيح.

تصف سيرتي الذاتية، "خارج المكان" (À contre-voie)، العوالم الغريبة والمتناقضة التي نشأتُ فيها، وتعطي فكرةً عن التأثيرات التي خضعتُ لها خلال شبابي في فلسطين ومصر ولبنان. غير أن هذه السيرة لم تتوقف حتى بعد انخراطي السياسي، الذي بدأ عام 1967، أي عد حرب الأيام الستة. أما "الاستشراق" فهو أقرب بكثير إلى اضطرابات التاريخ المعاصر، إذ يُفتتح بوصفٍ، كُتب عام 1975، للحرب الأهلية في لبنان عام 1975 التي لم تنتهِ إلا عام 1990. ومع ذلك، فإن العنف وحمّامات الدم ما زالت مستمرةً حتى يومنا هذا. لقد فشلت عملية السلام التي أُطلقت في أوسلو، واندلعت الانتفاضة الثانية، وما زال الفلسطينيون يعانون آلامًا رهيبةً في الضفة الغربية التي أُعيد احتلالها، كما في قطاع غزة المنكوب.

وقد ظهرت ظاهرة التفجيرات الانتحارية بكل عواقبها البشعة، التي لا تقل فظاعةً ولا طابعًا قياميًّا عن أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 وما أعقبها من الحروب التي شُنّت على أفغانستان والعراق. وفي الوقت الذي أكتب فيه هذه السطور، يتواصل الاحتلال الإمبراطوري غير الشرعي للعراق من قِبل الولايات المتحدة وبريطانيا، مخلفًا آثارًا رهيبة. ويُفترض أن يكون كل ذلك جزءًا من "صدام الحضارات" لا نهاية له ولا يعرف الرحمة ولا رجعة عنه مع إنني أرفض هذه الفكرة رفضًا قاطعًا من حيث المبدأ.

وأودّ القول في هذا المقام إن الفهم العام لدى الأميركيين للشرق الأدنى والعرب والإسلام قد أحرز بعض التقدم. لكن الأمر، للأسف، ليس كذلك. ولأسباب عديدة، يبدو الوضع أفضل بكثير في أوروبا. ففي الولايات المتحدة، انعكس تصلّب المواقف، وتزايد سطوة التعميمات المتعالية والصور النمطية الانتصارية، وهيمنة سلطة غاشمة متحالفة مع ازدراء ساذج للمعارضين و"للآخرين"، في نهب المكتبات والمتاحف العراقية وتدميرها. ويبدو أن قادتنا وأتباعهم من المثقفين عاجزين عن فهم الفكرة التي تقول بأن التاريخ عصي على الذاكرة إذ لا يمكن محوه كما تُمحى سبورة سوداء كي نتمكن "نحن" من أن نكتب عليه مستقبلنا الخاص وأن نفرض نمط حياتنا على الشعوب "الدنيا".

كثيرًا ما نسمع كبار المسؤولين في واشنطن، أو في أماكن أخرى، يتحدثون عن إعادة رسم حدود الشرق الأدنى، كما لو أن مجتمعات ضاربةً في القِدم وسكانًا بهذا القدر من التنوع يمكن رجُّهم مثل حبّات الفول السوداني داخل مرطبان. ومع ذلك، فقد حدث هذا كثيرًا مع "الشرق"، ذلك البناء شبه الأسطوري الذي أُعيد تشكيله مرات عديدة منذ غزو نابليون لمصر في أواخر القرن الثامن عشر. وفي كل مرة، تُكنس رواسب التاريخ التي لا تُحصى، والحكايات التي لا تنتهي، والتنوع المذهل للثقافات واللغات والذوات الفردية؛ فيُنسى ذلك كله ويُقصى إلى الصحراء، شأنه شأن الكنوز المسروقة من بغداد والمحوَّلة إلى شظايا مجردة من كل معنى.

في رأيي، يصنع الرجال والنساء التاريخ، لكنه قد يُفكَّك أيضًا ويُعاد تدوينه، بواسطة الصمت والنسيان، والأشكال المفروضة والتشويهات المقبولة؛ على نحو يجعل شرقنا، أو "شرقنا" نحن، يصبح حقًا "ملكًا لنا"، فنتمكن من امتلاكه وإدارته. ويجب عليَّ أن أكرر القول إنه ليس لديَّ شرق "حقيقي" أدافع عنه. وفي المقابل، أكنّ أكبر قدر من الاحترام لقدرة هذه الشعوب على الدفاع عن رؤيتها الخاصة لما هي عليه، ولما تريد أن تصير إليه.

لقد شُنّت هجمات واسعة النطاق، ذات عدوانية مخططة، على المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة، واتُّهمت بالتخلّف، وغياب الديمقراطية، وعدم الاكتراث بحقوق النساء؛ إلى حدّ جعلنا ننسى أن مفاهيم مثل الحداثة والتنوير والديمقراطية ليست، بأي حال من الأحوال، مفاهيم بسيطة وأحادية المعنى، سينتهي كل شخص دائمًا إلى اكتشافها، مثل بيض عيد الفصح المخفي في حديقته. وقد أنتج الجهل المذهل لهؤلاء المروّجين الإعلاميين الشباب المتغطرسين، الذين يتحدثون باسم السياسة الخارجية من دون امتلاك أدنى معرفة حيّة، ولا أدنى إلمام بلغة الناس العاديين، مشهدًا قاحلًا مهيّأً لأن تبني عليه القوة الأميركية بديلًا زائفًا من "ديمقراطية" السوق الحرة. ولا حاجة إلى معرفة العربية أو الفارسية أو حتى الفرنسية، لكي يتفلسف المرء متعاليًا بشأن تأثير الدومينو الديمقراطي الذي يُفترض أن العالم العربي في أمسّ الحاجة إليه.

إن إرادة فهم الثقافات الأخرى، بغرض التعايش وتوسيع الأفق، لا علاقة لها بإرادة الهيمنة. ولا شك في أن هذه الحرب الإمبريالية، التي دبّرتها مجموعة صغيرة من المسؤولين الأميركيين غير المنتخبين، وشُنّت على ديكتاتورية من العالم الثالث سبق أن دُمّرت، لأسباب أيديولوجية مرتبطة بإرادة الهيمنة العالمية، والسيطرة الأمنية، والاستيلاء على الموارد الآخذة في الندرة؛ تُعدّ واحدةً من الكوارث الفكرية في التاريخ، ولا سيما لأنها بُرّرت وعُجّل بشنّها على أيدي مستشرقين خانوا رسالتهم بوصفهم باحثين. فقد مارس خبراء في العالمين العربي والإسلامي، من أمثال برنارد لويس وفؤاد عجمي، تأثيرًا كبيرًا في البنتاغون ومجلس الأمن القومي التابع للسيد جورج دبليو بوش؛ إذ ساعدوا الصقور على التفكير من خلال أفكار شديدة الغرابة والسخف، مثل "العقل العربي" أو "الانحطاط العلماني للإسلام".

في الوقت الراهن، تمتلئ المكتبات الأميركية بمجلدات ضخمة ذات عناوين مثيرة تتحدث عن الصلة بين "الإسلام والإرهاب"، و"الإسلام عاريًا"، و"التهديد العربي"، وغيرها من عناوين "المؤامرة الإسلامية"، كتبها مساجلون سياسيون يزعمون أنهم يستقون معلوماتهم من خبراء يُفترض أنهم نفذوا إلى روح هذه الأقوام الشرقية الغريبة. وقد استفاد دعاة الحرب هؤلاء من دعم قناتَي "سي إن إن" (CNN) و"فوكس نيوز" (Fox News)، فضلًا عن عدد لا يُحصى من الإذاعات الإنجيلية والمحافظة، والصحف الشعبية، بل حتى الصحف المحترمة، التي انشغلت جميعها بإعادة تدوير التعميمات نفسها، غير القابلة للتحقق، بغرض تعبئة "أميركا" ضد الشياطين الأجنبية.

ولولا هذا الانطباع الذي يجري ترسيخه بعناية، والقائل إن هذه الأقوام البعيدة ليست مثلنا "نحن" ولا تتقبل قيمنا "نحن" — وهي صور نمطية تشكّل جوهر العقيدة الاستشراقية — لما أمكن شنّ الحرب. لقد أحاط جميع أصحاب السلطة أنفسهم بمثل هؤلاء الباحثين المأجورين: الغزاة الهولنديون في ماليزيا وإندونيسيا، والجيوش البريطانية في الهند وبلاد ما بين النهرين ومصر وغرب أفريقيا، والقوات الفرنسية في الهند الصينية وشمال أفريقيا. أما الذين يقدمون المشورة إلى البنتاغون والبيت الأبيض، فيستخدمون الصور النمطية نفسها، والقوالب التحقيرية نفسها، والمسوغات نفسها لاستخدام القوة والعنف. وتردد الجوقة: "ففي نهاية المطاف، لا يفهم هؤلاء الناس سوى لغة القوة". ويُضاف إلى هؤلاء المستشارين في العراق جيش حقيقي من المتعهدين الخاصين، سيُعهد إليهم بكل شيء: من نشر الكتب المدرسية إلى صياغة الدستور وإعادة تشكيل الحياة السياسية، وصولًا إلى إعادة تنظيم صناعة النفط.

تزعم كل إمبراطورية جديدة دائمًا أنها تختلف عن الإمبراطوريات التي سبقتها، وتؤكد أن الظروف استثنائية، وأن مهمتها تتمثل في نشر الحضارة وإرساء النظام والديمقراطية، وأنها لا تستخدم القوة إلا بوصفها ملاذًا أخيرًا. والأشد إثارةً للحزن هو وجود مثقفين دائمًا يعثرون على كلمات لطيفة، ويتحدثون عن إمبراطوريات خيّرة أو إيثارية.

بعد خمسة وعشرين عامًا من صدور كتابي الاستشراق نجد أنفسنا مجبرين على التساؤل عمّا إذا كانت الإمبريالية الحديثة قد اختفت يومًا، أم إنها، في الواقع، لا تزال مستمرة منذ دخول بونابرت مصر قبل قرنين. لقد قيل للعرب والمسلمين إن نزعة التمركز حول دور الضحية والإصرار على الحديث عن أعمال النهب والتخريب التي ارتكبتها الإمبراطورية لا يمثّلان سوى وسيلة للتهرب من مسؤولياتهم الراهنة. ولكن المستشرق المعاصر يقول اليوم: "لقد فشلتم، ولقد أخطأتم".

يبدأ كل شيء مع بونابرت، ويتواصل مع تطور الدراسات الشرقية وغزو شمال أفريقيا؛ ثم تتطور أبحاث من النوع نفسه في فيتنام ومصر وفلسطين، وفي مطلع القرن العشرين، مع الصراع من أجل السيطرة على النفط والأراضي في الخليج والعراق وسوريا وفلسطين وأفغانستان. ثم يحلّ زمن ظهور مختلف النزعات القومية المناهضة للاستعمار، مرورًا بالمرحلة القصيرة لحركات الاستقلال التقدمية، وعصر الانقلابات العسكرية، والانتفاضات، والحروب الأهلية، وأشكال التعصب الديني، والصراعات غير العقلانية، وعودة الوحشية المطلقة ضد آخر جماعات "السكان الأصليين". وقد أفرزت كل مرحلة من هذه المراحل رؤيتها المشوّهة للآخر، وصورها الاختزالية، وسجالاتها العقيمة.

من خلال كتاب "الاستشراق"، أردتُ أن أستند إلى النقد الإنساني من أجل توسيع ميادين النضال الممكنة، وأن أستبدل بنوبات الغضب القصيرة وغير العقلانية، التي تسجننا، فكرًا وتحليلًا أكثر عمقًا وعلى مدى أبعد. وقد أطلقتُ على ما أحاول فعله بهذه الطريقة اسم "النزعة الإنسانية"، وهي كلمة ما زلتُ، بعناد، أستخدمها، على الرغم من الرفض الازدرائي الذي تقابلها به الانتقادات ما بعد الحداثية المتحذلقة.

أعني بالنزعة الإنسانية، أولًا، تلك الإرادة التي دفعت وليم بليك (William Blake) إلى تحطيم قيود عقولنا، لكي نستخدمها في تفكير تاريخي وعقلاني. وتتغذى النزعة الإنسانية أيضًا من شعور بالانتماء إلى جماعة تضم باحثين آخرين، ومجتمعات أخرى، وعصورًا أخرى؛ فلا وجود لإنسانيٍّ منعزل عن العالم. إن كل مجال مرتبط بجميع المجالات الأخرى، ولا يمكن لشيء مما يحدث في العالم أن يظل منعزلًا ونقيًّا من كل تأثير خارجي. وعلينا أن نتناول الظلم والمعاناة، ولكن ضمن سياق مندرج، على نطاق واسع، في التاريخ والثقافة والواقع الاجتماعي والاقتصادي. ويتمثل دورنا في توسيع مجال النقاش.

خلال السنوات الخمس والثلاثين الماضية، أمضيتُ جزءًا كبيرًا من حياتي مدافعًا عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، غير أنني حاولت دائمًا أن أفعل ذلك واضعًا الشعب اليهودي ومعاناته في الحسبان بصورة كاملة، من الاضطهادات إلى الإبادة الجماعية. وأكثر ما يهمني هو أن النضال من أجل المساواة بين إسرائيل وفلسطين ينبغي ألا يكون له سوى هدف إنساني واحد، هو التعايش، لا مواصلة الإقصاء والرفض.

وليس من قبيل المصادفة أنني بيّنتُ أن الاستشراق ومعاداة السامية الحديثة يمتلكان جذورًا مشتركة. ولذلك، فإن ابتكار نماذج بديلة من العقائد الضيقة والتبسيطية القائمة على العداء المتبادل، التي سادت في الشرق الأدنى وفي غيره منذ زمن طويل جدًا، يمثّل ضرورة حيوية لكل مثقف مستقل.

وبوصفي إنسانيًّا يعمل في مجال الأدب، فقد بلغتُ من العمر ما يكفي لأكون قد تلقيتُ، قبل أربعين عامًا، تعليمًا في الأدب المقارن تعود أفكاره المؤسسة إلى ألمانيا في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وينبغي أيضًا التذكير بالإسهام الأساسي لجيامباتيستا فيكو (Giambattista Vico)، الفيلسوف وفقيه اللغة النابولي، الذي استبقت أفكاره أفكار مفكرين ألمان مثل هيردر (Herder) وفولف (Wolf)، ثم تبنّاها غوته (Goethe)، وهومبولت (Humboldt)، وديلتاي (Dilthey)، ونيتشه (Nietzsche)، وغادامير (Gadamer)، وأخيرًا كبار فقهاء اللغة في القرن العشرين: إريش أورباخ (Erich Auerbach)، وليو سبيتزر (Leo Spitzer)، وإرنست روبرت كورتيوس (Ernst Robert Curtius).

بالنسبة إلى شباب الجيل الحالي، يوحي فقه اللغة بعلم قديم بقدر ما هو عتيق، في حين أنه أكثر مناهج التأويل أساسيةً وإبداعًا. وأروع مثال على ذلك اهتمام غوته بالإسلام، وبالشاعر حافظ الشيرازي (Hafiz) خصوصًا؛ فقد قادته هذه العاطفة الملتهبة إلى كتابة "الديوان الغربي الشرقي" (West-östlicher Divan)، وأثّرت في أفكاره حول "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، أي دراسة آداب العالم جميعها بوصفها سيمفونيةً كليةً يمكن فهمها، نظريًّا، على نحو يحفظ فردية كل عمل، من دون إغفال الكل.

ومن المفارقات أن عالمنا المعولم يتقدم نحو ذلك التوحيد المعياري، وذلك التجانس اللذين كانت أفكار غوته تهدف تحديدًا إلى الحيلولة دونهما. ففي مقالته "فقه أدب العالم" (Philologie der Weltliteratur)، المنشورة عام 1951، حذّر إريش أورباخ من هذا التطور في بداية مرحلة ما بعد الحرب، التي شهدت أيضًا بزوغ الحرب الباردة. وكان كتابه الكبير "المحاكاة" (Mimésis)، المنشور في برن عام 1946، ولكنه كُتب في أثناء الحرب حين كان لاجئًا في إسطنبول، حيث كان يدرّس اللغات الرومانسية، يُراد له أن يكون شهادةً على التنوع والواقع المُمثَّلَين في الأدب الغربي، من هوميروس إلى فرجينيا وولف (Virginia Woolf). ومع ذلك، فعند إعادة قراءة مقالة عام 1951، ندرك أن كتاب أورباخ الكبير كان نشيدًا لعصر كانت النصوص تُحلَّل فيه بمصطلحات فقه اللغة، بطريقة عينية وحسّاسة وحدسية؛ عصر كان فيه التبحر العلمي والإتقان التام لعدد من اللغات يسهمان في ذلك الفهم الذي كان غوته ينادي به، من خلال فهمه الخاص للأدب الإسلامي.

كانت هذه المعرفة باللغات والتاريخ ضرورية، لكنها لم تكن كافيةً قط؛ تمامًا مثلما لا يشكّل مجرد تراكم الوقائع، على سبيل المثال، منهجًا ملائمًا لفهم ما يمثله مؤلف مثل دانتي (Dante). وكان المطلب الرئيس للمنهج الفيلولوجي، الذي تحدث عنه أورباخ وأسلافه وحاولوا ممارسته، يتمثّل في النفاذ، بطريقة ذاتية وتعاطفية، إلى المادة الحية للنص، انطلاقًا من منظور عصره ومؤلفه، أي "التقمص الوجداني" (Einfühlung)..

كان فقه اللغة، المطبَّق على "الأدب العالمي" (Weltliteratur)، يتنافى مع الابتعاد عن عصر آخر وثقافة مختلفة أو مع معاداتهما؛ إذ كان ينطوي على روح إنسانية عميقة تنفتح بسخاء، و— إن جاز لي استخدام هذه الكلمة — بضيافة. وينبغي لعقل الباحث أن يفسح دائمًا، وبفاعلية، مكانًا في داخله للآخر الغريب. وهذا الفعل الخلّاق المتمثل في الانفتاح على الآخر، الذي يظل لولاه غريبًا وبعيدًا، هو البعد الأهم في رسالة الباحث.

في ألمانيا، تعرّض ذلك كله، بطبيعة الحال، للاهتزاز، ثم دمّرته الاشتراكية القومية. وبعد الحرب، يلاحظ أورباخ بحزن أن توحيد الأفكار توحيدًا معياريًّا، والتخصص المتزايد باستمرار في المعارف، قد ضيّقا تدريجيًّا إمكانات ذلك النوع من أعمال البحث والتقصّي الدؤوبة التي كان يمثّلها. والأشد إثارةً للكآبة أنه منذ وفاة أورباخ عام 1957، فقدت فكرة البحث الإنساني وممارسته مكانتهما المركزية. فبدلًا من القراءة، بالمعنى الحقيقي للكلمة، يتعرض طلابنا باستمرار للتشتيت بفعل المعرفة المجزّأة المتاحة على الإنترنت، والتي تنشرها وسائل الإعلام الجماهيرية.

وهناك ما هو أخطر من ذلك. فالتعليم مهدَّد اليوم بالعقائد القومية والدينية الجامدة التي تنشرها وسائل الإعلام، والتي تركّز، بطريقة لا تاريخية ومثيرة، على الحروب الإلكترونية البعيدة، فتمنح المشاهدين انطباعًا بوجود "دقة جراحية"، وتحجب بذلك المعاناة الرهيبة وأعمال التدمير التي تولّدها الحرب الحديثة. ومن خلال شيطنة عدو مجهول تُلصق به صفة "الإرهابي"، بغرض إبقاء الرأي العام في حالة غضب، تُفرط الصور الإعلامية في تركيز الانتباه، ويمكن التلاعب بها بسهولة في أوقات الأزمات وانعدام الأمن، كما حدث بعد اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول.

وبوصفي أميركيًّا وعربيًّا، يتعيّن عليَّ أن أطلب من القارئ ألا يستهين أبدًا بذلك النوع من الرؤية التبسيطية للعالم، التي صاغها عدد قليل من المدنيين العاملين في البنتاغون لتحديد السياسة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي بأكملهما. فالإرهاب، والحرب الوقائية، وتغيير الأنظمة بالقوة، وهي أمور أتاحتها أكبر ميزانية عسكرية في التاريخ، تمثّل الأفكار الوحيدة التي تناقشها بلا نهاية وسائل إعلام تنتج "خبراء" مزعومين لتسويغ التوجه العام للحكومة. لقد استُبدلت بالتفكير والمناقشة والحجاج العقلاني والمبادئ الأخلاقية القائمة على الرؤية العلمانية، التي ترى أن البشر يصنعون تاريخهم بأنفسهم، أفكارٌ مجردة تمجّد الاستثنائية الأميركية، أو الغربية، وتنكر أهمية السياق، وتنظر إلى الثقافات الأخرى بازدراء.

خطاب عالمي علماني وعقلاني

ربما يتهمني القارئ بإجراء انتقالات شديدة الفجائية بين التأويل الإنساني والسياسة الخارجية، ولا سيما حين أؤكد أن مجتمعًا متقدمًا تكنولوجيًّا، يمتلك، بقوة غير مسبوقة، الإنترنت والمقاتلة "إف-16" (F-16) في الوقت نفسه، لا بد أن يديره، في نهاية المطاف، خبراء تقنيون وسياسيون مقتدرون مثل السيد دونالد رامسفيلد (Donald Rumsfeld) أو السيد ريتشارد بيرل (Richard Perle). لكن ما فقدناه في الطريق هو الإحساس بكثافة الحياة الإنسانية وترابطها المتبادل، وهو ما لا يمكن أبدًا اختزاله في صيغة، ولا استبعاده بوصفه خارج الموضوع.

هذا جانب من جوانب النقاش العالمي. أما في البلدان العربية والإسلامية، فالوضع ليس أفضل كثيرًا. وكما بيّنت الصحافية رولا خلف (Roula Khalaf) في مقالة ممتازة، انزلقت المنطقة إلى نزعة معادية للولايات المتحدة، لا تُظهر إلا قدرًا ضئيلًا من فهم حقيقة المجتمع الأميركي. ولأن الحكومات عاجزة عن التأثير في موقف الولايات المتحدة تجاهها، فإنها تكرّس طاقتها كلها لقمع شعوبها والسيطرة عليها. ومن هنا تصاعد الاستياء والغضب واللعنات العاجزة، التي لا تسهم في انفتاح المجتمعات التي اكتسحت فيها الإخفاقات والإحباطات، إلى جانب إسلاموية تقوم على الحفظ عن ظهر قلب ومحو كل ما يُنظر إليه بوصفه أشكالًا أخرى منافسة من المعرفة الحديثة، الرؤيةَ العلمانية للتاريخ الإنساني والتطور.

لقد كان التلاشي التدريجي لتقليد الاجتهاد الإسلامي، أو التأويل الشخصي، إحدى الكوارث الثقافية الكبرى في عصرنا؛ إذ أدى إلى اختفاء كل تفكير نقدي، وكل مواجهة فردية مع الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر.

لا أدّعي أن العالم الثقافي قد تراجع ببساطة، فسقط، من جهة، في استشراق جديد عدواني، ومن جهة أخرى، في تعصّب مطلق. ففي أواخر أغسطس/آب 2002، كشفت قمة الأمم المتحدة في جوهانسبرغ، على الرغم من جميع حدودها، عن ظهور مجال واسع من الاهتمام العالمي المشترك، مبشّرةً بنشوء "دائرة انتخابية كوكبية" قادرة على بث روح جديدة في مفهوم "العالم الواحد" الذي أُفرط كثيرًا في ابتذاله. لكن، هنا أيضًا، ينبغي الإقرار بأنه لا أحد يستطيع معرفة الوحدة المركبة والاستثنائية لعالمنا المعولم، حتى وإن كانت الطبيعة المتكاملة على نحو متزايد لكل جزء من أجزائه تجعل عزل أحد هذه الأجزاء أمرًا صعبًا منذ الآن.

إن الصراعات الرهيبة التي أُشير إليها هنا، والتي تجمع السكان تحت رايات زائفة التوحيد، مثل "أميركا" أو "الغرب" أو "الإسلام"، وتختلق هويات جماعية لأفراد يختلفون، في الواقع، اختلافًا كبيرًا بعضهم عن بعض، لا يمكن أن تواصل أعمالها التدميرية. ولا بد من الوقوف في وجهها. وفي مواجهتها، لا تزال في حوزتنا قدراتنا التأويلية العقلانية، وهي إرث تربيتنا الإنسانية. ولا يتعلق الأمر هنا بتقوى عاطفية تدعونا إلى العودة إلى القيم التقليدية وإلى الأعمال الكلاسيكية، بل يتعلق حقًا باستئناف ممارسة خطاب عالمي علماني وعقلاني.

إن الفكر النقدي لا يمتثل للأمر بالاصطفاف في الصفوف للذهاب إلى الحرب ضد هذا العدو الرسمي أو ذاك. وبعيدًا عن صدام حضارات مصنوع سلفًا، ينبغي لنا أن نركّز على العمل المشترك البطيء بين ثقافات تتداخل، ويستعير بعضها من بعض، وتتعايش بطريقة أعمق بكثير مما توحي به أنماط الفهم الاختزالية والزائفة. غير أن هذا الشكل الأوسع من الإدراك يتطلب وقتًا، وبحوثًا صبورة ودائمة النقد، تغذيها الثقة بوجود جماعة فكرية يصعب الحفاظ عليها في عالم يقوم على فورية الفعل ورد الفعل.

تتغذى النزعة الإنسانية من المبادرة الفردية والحدس الشخصي، لا من الأفكار الجاهزة والامتثال للسلطة. وينبغي قراءة النصوص بوصفها نتاجات تعيش في التاريخ بصورة ملموسة.

وأخيرًا، وليس آخرًا، تمثّل النزعة الإنسانية حصننا الوحيد، بل أقول حصننا الأخير، في مواجهة الممارسات اللاإنسانية والمظالم التي تشوّه تاريخ البشرية. وأصبح في حوزتنا الآن ذلك الفضاء الديمقراطي المشجّع للغاية الذي يمثّله الفضاء السيبراني، المفتوح أمام الجميع على نطاق لم يكن في وسع الأجيال السابقة، ولا أي طاغية أو عقيدة جامدة، أن تتخيله يومًا. ولم يكن ممكنًا للمظاهرات العالمية التي سبقت الحرب على العراق أن تصبح حقيقةً واقعةً لولا وجود جماعات أخرى منتشرة في جميع أنحاء العالم، تغذيها معلومات مختلفة، وتعي القضايا البيئية وحقوق الإنسان، وكذلك التطلعات التحررية التي تجمعنا جميعًا على هذا الكوكب الصغير.

***

......................

المصدر: "لوموند ديبلوماتيك" (Le Monde diplomatique).

(1) - Edward W. Said, " L’humanisme, dernier rempart contre la barbarie ", Le Monde diplomatique, no 594, septembre 2003, pp. 20-21. Disponible en ligne: Le Monde diplomatique.

مُقاربة فلسفية جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة

من الاستعارة إلى التأصيل:

حين كنت أكتب تعليقاً على منهجيّة القراءة للقراءة، تذكرت القيمة المُضافة لماركس، وخطر لي إذْ ذاك فصل في كتابي (حديث الولايّة: إضاءات معرفيّة للدعائم والمرتكزات) صدر في العام ٢٠١٩م، وأعيد طباعته في العام ٢٠٢٢م، كان عنوان هذا الفصل هو (المعرفة، والمعرفة الثالثة) يعني استحضار معرفين في القلب؛ لينتج عنهما معرفة ثالثة، وهذه موجودة في تعريف معنى الفكر في كتابات الغزالي (ت ٥٠٥)، وهي عندي لب لباب منهجيّة القراءة على القراءة. بالإضافة إلى أنها فكرة أعمق ما تكون شرحاً لمنهجيّة القراءة على القراءة، وربما كانت أكثر قرابة بل وأكثر أصالة من نظريّة ماركس في فائض القيمة.

إنّ تشبيه "فائض المعرفة" بـ "فائض القيمة" عند ماركس، تشبيه قوي من الناحية البلاغية والمنهجيّة؛ لأنه يلفت الانتباه إلى أن المعرفة يمكن أن تكون منتجة لا مستهلكة. لكنه يبقى تشبيهًا خارجياً مستعارًا من حقل الاقتصاد.

أمّا الحديث عن المعرفة الثالثة (المُولَّدة) فهو ينبع من داخل التراث المعرفي الإسلامي نفسه، من الحقول نفسها التي مارست منهجيّة القراءة على القراءة خلال الشروحات التي لا حصر لها لشتى فروع المعارف الإنسانية، ولذلك يبدو حديثاً أكثر أصالة واتّساقاً مع منهجيّة القراءة على القراءة. وأغلب الظن أن العلاقة بين الفكرتين ينبغي ألا تكون علاقة استبدال، بل علاقة تأسيس يستتبع نتيجة، حتى إذا كانت المعرفة الثالثة هي الآليّة أو المبدأ المولِّد، كان فائض المعرفة هو الأثر أو النتيجة.

هنالك يستحضر القارئ معرفتين في ذهنه، فتتفاعلان، ومن هذا التفاعل تتولد معرفة ثالثة لم تكن موجودة في أي منهما منفردة.

ومع تكرار هذه العمليّة عبر القراءات، يتراكم فائض المعرفة؛ فيصبح البناء المنهجي، على هذا أكثر إحكاماً، فالقراءة الثانية إذا أضيفت إلى القراءة الأولى، أنتجت المعرفة الثالثة، ثم إنّ المعرفة الثالثة بالإضافة إلى معرفة جديدة تشكل معرفة رابعة، فخامسة، وهكذا كلما أضفنا معرفة إلى أخرى، نتج نتاج جديد لم يكن موجوداً من ذي قبل، فتصبح المعرفة، كما سنرى، في حالة توالد مستمر.

ولا تكون المعرفة ها هنا مجرد جمع معلومات كما ذكرنا في السابق، بل تتحوّل إلى نسق توليدي؛ فكل معرفة تصبح مادة خام لإنتاج معرفة أخرى.

وممّا يُلفت النظر أن الغزالي يُقرر في مواضع من كتبه من حيث يتناول معنى الفكر، أن الفكر حركة بين معلومين ينتج عنها مجهول يصير بدوره معلوماً.

ونحن اذا وسعنا هذا المفهوم لمعنى الفكر ونقلناه من كونه مجرد عمليّة عقلية فرديّة إلى منهج معرفي في القراءة، أمكننا إجراء توظيف مبكر لمنهجية القراءة على القراءة في صيغتها الفلسفية الإسلامية. وبالعودة الى النقلات الفلسفيّة يمكن كذلك نقل فكرة الغزالي من مستوى المنطق المعرفي إلى مستوى المنهج الثقافي.

وبما أن المعرفة الثالثة هي المركز النظري لمنهجيّة "القراءة على القراءة"، فإنّ فائض المعرفة يعدُّ مفهوماً يصف الثمرة التراكمية لهذا المنهج؛ فحينئذ لا يعود مفهوم فائض المعرفة مستعارًا من ماركس، بل يصبح مفهومًا يفسَّر من داخل النسق الفلسفي الإسلامي كما تبيّن لنا.

فإنّه من الملاحظ على تصور الغزالي السابق أن كل إبداع إنما يبدأ من اجتماع معرفتين تُنتجان معرفة ثالثة، فهذه ليست نظريّة في التفكير أو في القراءة فحسب، بل هي نظريّة في الإبداع المعرفي نفسه. وطالما وصلنا الى هذا الابداع المعرفي العام فقد وصلنا في الوقت نفسه إلى ما هو أوسع في الدلالة من القراءة؛ ليشمل الفلسفة، والاجتهاد، والتفسير، والنقد، وحتى الإبداع الأدبي، وأنا لن أنسى إن نسيت مقالاً كنت قرأته في صغري للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي (ت١٩٣٧) في كتابه "وحي القلم"، كان بعنوان "سر النبوغ الأدبي"، يرى فيه أن سر هذا النبوغ يكمن في التوليد.

ومن هنا؛ فليست المعرفة الثالثة مُجرد فصل سابق في كتابنا المُشار اليه سلفاً، بل قد تكون البذرة التي كانت تنتظر أن تنمو لتصبح الأساس الفلسفي الكامل لمنهجيّة (القراءة على القراءة) كما نتصوره، بينما يكون (فائض المعرفة) الاسم الذي يعبّر عن حصيلة هذا التوليد المستمر للمعرفة، كما حققناه.

فمثل هذا التوالد لا يحدث مرة واحدة بل يتكرر بلا نهاية، ومن ثم فنحن لا نكتفي بجعل المعرفة الثالثة ثمرة اجتماع معرفتين في القلب، ولكن أيضاً هنالك استمراريّة في التوالد المعرفي. المعرفة الأولى والثانية تنتجان الثالثة. والثالثة لا تتوقف عند كونها نتيجة، بل تتحول هى أيضاً إلى معرفة أولى في دورة جديدة؛ إذ تلتقي بمعرفة أخرى، فتولد رابعة ثم تستمر العمليّة. فهذه المعرفة الثالثة الناتجة ليست رقماً في عدد معلوم، بل وظيفة.

كان يمكن تسميها "المعرفة المولَّدة"، لكن اختيار "الثالثة" يشير إلى لحظة الميلاد الأولى، لا إلى أنها تقف عند العدد ثلاثة. فإذا صّح هذا الفهم، فإنّ مصطلح المعرفة الثالثة نموذج لكل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين.

وهكذا يُلاحظ القاريء إنه إذا كان الجزء الأول قد وضع "القراءة على القراءة " في أفق التراكم المعرفي، فإنّ هذا الجزء ينقلها إلى أفق أعمق من التراكم هو: أفق التوليد، والتوالد، والصيرورة، وإعادة إنتاج القدرة المعرفيّة. وهنالك نقلة ملحوظة في هذا الجزء من استعارة فائض المعرفة إلى محاولة تأصيلها من داخل مفهوم المعرفة الثالثة. وهذه ليست مجرد مراجعة اصطلاحيّة، بل نقلة فلسفية حقيقية. ففي الصياغة الأولى كان فائض المعرفة يستمد قوته الإيحائية من مقارنته بفائض القيمة عند ماركس؛ أما هنا فقد أصبح فائض المعرفة نتيجةً لنظرية أسبق منه: المعرفة لا تنتج فائضاً لأنها تشبه رأس المال، بل لأنها تدخل في علاقة توليديّة مع معرفة أخرى. ومن ثم أصبح "فائض المعرفة" أثراً، بينما أصبحت "المعرفة المولدة" مبدأً. وهذه النقلة إضافة واضحة ممّا لا شك فيه.

والأقوى من ذلك؛ أن الارتهان بماركس لم يعد هدفاً لنا. فماركس كان مدخلًا استعاريّاً خصباً، لكنه لم يعد الأساس النظري. وهذا مهم جدًا؛ فنحن لم تعد نقول: إنّ المعرفة تشبه رأس المال من حيث إنها تنتج فائضاً، بل نقول شيئًا أكثر أصالة: إنّ المعرفة تملك في بنيتها الداخلية قدرة على توليد معرفة أخرى، ولذلك يكون فائضها نابعاً من طبيعتها التوليديّة لا من استعارتها من الاقتصاد السياسي. وهنا يتحول ماركس من مصدر تأسيسي إلى مجرد قرين مُقارن، وربما تكون هذه النقلة ضرورية في الصياغة النهائيّة لما نحن بصدده. ثم إننا مع تطور الفكرة أضافنا شيئًا آخر بالغ الأهمية حين جعلنا "المعرفة الثالثة" وظيفة لا رقماً. هذه العبارة تحديدًا قويّة جدًا: المعرفة الثالثة ليست مرحلة تنتهي عند الرقم ثلاثة، بل هي الاسم الذي نطلقه على كل معرفة ناشئة من تفاعل معرفتين. وبذلك يتحول المصطلح من تسمية لنتيجة محددة إلى مفهوم عام للتولد المعرفي.

فالمعرفة الثالثة التي تولدت من معرفتين تصبح بدورها مادة لتولد معرفة أخرى، ثم تتحول المعرفة الجديدة إلى طرف في علاقة توليديّة لاحقة. وهنا يظهر أن التوليد ليس حدثاً معرفيّاً منفردًا، بل سلسلة حية لا تنقطع؛ إذ المعرفة الثالثة لا ينبغي أن تُفهم فقط باعتبارها نتيجة تفاعل معرفتين، بل باعتبارها تحولاً في طبيعة العلاقة بين المعرفتين. فالجديد لا يأتي بالضرورة من مضمون جديد يضاف إلى المضمونين السابقين، وإنما قد ينشأ من أن المعرفة الأولى أصبحت تُرى في ضوء الثانية، والثانية أصبحت تُرى في ضوء الأولى. أي إن المعرفة الثالثة قد تكون علاقة جديدة قبل أن تكون مضمونًا جديدًا. وهذه، في تقديري، نقطة فلسفية جديدة بالاعتبار.

قانون التوالد الذاتي:

كنّا في مطلع المقال ضربنا مثلاً عمليّاً بسيطاً من واقع حياتنا الشخصية، وهو الجانب العملي الجدي في الموضوع كله، والذي كنّا استعرناه من كلمة كان الوالد رحمة الله يقولها لنا ونحن أطفال، حرصاً منه على بذل الجهد في المذاكرة والصبر عليها في كل حين.

كان يقول: يا ولدي !

النوم يأتي بالنوم، والمذاكرة تأتي بالمذاكرة.

ويقولها بالعاميّة المصريّة: النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة. والقصد واضح هو بذل الطاقة فيما ينفع لا الاستسلام للخمول. وكذلك المعرفة تجيب معرفة، والعلم يجيب علم، والجهل والبلادة لا يولدا إلا جهالة وبلادة.

هذه ليست حكاية شخصية فحسب، بل مدخل فلسفي شديد القوة؛ لأنه ينقل النظريّة من التجريد إلى الخبرة الإنسانية المباشرة في الواقع الملموس.

ولعّل هذا المثال العملي هو الشاهد التجريبي الذي كان ينقص النظريّة، حتى إذا كنا نبحث في السابق عن تأصيل فلسفي وكفى، فإذا أمامنا الآن تأصيلًا وجوديّاً ظاهراً من واقع الحياة العمليّة.

تأمل هذه السلسلة: النوم يجر النوم. الكسل يجر الكسل. المذاكرة تجر المذاكرة. المعرفة تجر المعرفة. الجهل يجر الجهل. هذه ليست أمثالًا متفرقة، بل وقائع مُشاهدة تعبر عن قانون واحد:  هو قانون التوالد الذاتي للأفعال والملكات. فالفعل إذا تكرّر لا يبقى فعلًا منفردًا، بل يتحوّل إلى قوة تولِّد أفعالًا من جنسها. ولعل هذا ما يذكرنا بما كان أرسطو يقوله في اكتساب الفضائل، فالفضيلة تُكتسب بممارسة فعلها؛ والإنسان لا يكون شجاعاً ثم يعمل أعمال الشجاعة، بل يعمل أعمال الشجاعة أولاً حتى يصبح شجاعاً ثانياً. لكننا هنا نتجاوز هذا من جهة أننا لا نتحدّث عن تكوين الملكة فقط، بل عن إنتاج الشيء لمثله. فإذا كان أرسطو يتحدّث عن الاكتساب والممارسة لتتكون الملكة؛ فإننا نقصد من الدرجة الأولى تنمية القدرات المبدعة التي تنتج الشيء ذاته، وانتاجه لمثله كذلك، وربما أفضل منه.

وعليه، تصبح منهجية القراءة على القراءة خاضعة لما يمكن تسميته بقانون التوالد الذاتي؛ فالقراءة تولد قراءة. والمعرفة تولد معرفة. والفكر يولد فكراً. وكذلك على الضد: الجهل يولد جهلًا، والبلادة تولد بلادة، والكسل يولد كسلًا، وهكذا ...

وإذن؛ فنحن أمام قانون عام، والقراءة ليست إلا تطبيقاً عملياً من تطبيقاته .. غير أن هذه الفكرة لم تعد تدور حول منهج "القراءة على القراءة" وحده، بل حول مبدأ أعم هو:

(كل قوة وجوديّة تنمو بما تمارسه، وتضمحل بما تهمله).

والقراءة ليست إلا المثال الأوضح لهذا القانون. ويُلاحظ فيما ذهبنا إليه في السابق: أن مفهوماً شديد الخصوبة قد أضيف هاهنا، هو "قانون التوالد الذاتي"، بمقتضاه يمكن توسيع النظر في نمو القوى الإنسانية. فالقراءة لا تولد معرفة فحسب، بل تولد قابلية للقراءة؛ والمعرفة لا تنتج معرفة فحسب، بل تزيد القدرة على إنتاجها. وهذا يختلف عن التراكم التقليدي اختلافًاً جوهريّاً.

ففي التراكم تزداد الموجودات؛ أما في التوالد فتزداد القدرة على الإيجاد. ولسوف نعود لاحقاً إلى التفرقة الفارقة بين اصطلاحي التراكم والتوليد.

وهذه، في رأيي، إضافة فلسفية حقيقية فوق ما قيل في الجزء الأول. لأننا لم تعد نقول فقط إن "المعرفة تنتج"، بل قلنا إن الفعل المتكرر ينتج القوة التي تجعل الفعل اللاحق أكثر قدرة على إنتاج نفسه. وهنا لا يعود التكرار مجرد إعادة للفعل، بل يصبح بناءً للقدرة على الفعل. المذاكرة لا تزيد المعلومات فقط، بل تزيد قابليّة العقل للمذاكرة، والقراءة لا تزيد الكتب المقروءة فقط، بل تزيد القدرة على القراءة، والفكر لا ينتج أفكاراً فحسب، بل ينمي القدرة على التفكير.

ويمكن أن تصبح هذه الفكرة أكثر دقة إذا ميزنا بين التولد الذاتي والتولد التفاعلي؛ فالمعرفة لا تولد من ذاتها بالمعنى الحرفي؛ إذ لا بد لها من مادة أو معرفة أو تجربة تدخل معها في علاقة. لكنها بعد أن تولد لا تبقى نتيجة خاملة، بل تصبح قوةً قادرةً على الدخول في توليد جديد. ولذلك؛ ربما يكون القانون الأعم هو: كل معرفة متولدة تتحول إلى قدرة مولدة. وربما كانت هذه الصياغة أكثر دقة من كون "المعرفة تولد المعرفة"؛ لأنها تكشف التحول من النتيجة إلى القوة.

أمّا المثال الذي استقيناه من قول الوالد رحمه الله، إذْ كان ينصحنا في ريعان الطفولة: "النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة"، فهو أصيل حتماً من الناحية الفلسفيّة؛ لأنه يخرج الفكرة من برج التجريد، ويكشف أن القانون ليس فكرة مصطنعة من أجل بناء نظريّة، بل هو مبدأ يمكن أن يُرى في الخبرة اليوميّة. وهذا مهم جدًا؛ لأن الفلسفة القويّة الفاعلة لا تظل مُعلقة في التجريد، بل تستطيع أن تعود إلى أبسط خبرة إنسانية وتكشف فيها قانوناً عاماً.

ومن هذه الجهة أرى أن هذا المثال لا يثبت فقط قانون التوالد الذاتي، بل يكشف شيئًا أعمق: أن الأفعال لا تنتج نتائجها فحسب، بل تنتج شروط إمكان تكرارها. النوم لا يؤدي فقط إلى مزيد من النوم، والمذاكرة لا تؤدي فقط إلى مزيد من المعرفة؛ بل إن الفعل المتكرر يعيد تشكيل الذات بحيث يصبح الفعل اللاحق أسهل أو أقدر أو أكثر رسُوخًا. ومن هنا يمكن أن نقول إنّ التولد المعرفي ليس توليداً للمحتوى فقط، بل توليد للقدرة؛ الأمر الذي يفتح باباً لمفهوم جديد هو: فائض القدرة المعرفيّة.

وعليه؛ فالمعرفة المُولّدة ليست فقط معرفة جديدة، وفائض المعرفة ليس فقط مجموع ما تراكم من معارف؛ بل كل قراءة عميقة قد تترك وراءها قدرة إضافية على القراءة والفهم والربط والتوليد. وهذا الفائض (فائض القدرة) هو الذي يجعل المعرفة اللاحقة أقوى من السابقة وأقدر على التوالد إذا أضيفت إليها معرفة لاحقة.

ونلاحظ هنا أن النّص يتجاوز بالفعل مفهوم التراكم؛ فالتراكم يفترض أنّ ما يأتي لاحقاً يُضاف إلى ما سبق، أمّا التولد فيفترض أن ما يأتي لاحقاً يستفيد من تغير القدرة التي أحدثها ما سبق. ولذلك لا تكون القراءة الثانية مجرد قراءة أولى مكررة، بل قراءة أولى وقد تركت في الذات قدرة جديدة على القراءة.

وربما ألتقت هذه النقطة بصورة مباشرة مع ما ذكرناه من قبل في غير هذا الموضع عن قراءة القرآن على السّعة والحضور؛ فالآية لا تتغير، لكن القارئ لا يعود إلى الآية بالقدرة نفسها التي كان عليها في القراءة السابقة؛ الأمر الذي يوجد صلة عميقة جدًا بين هذا الجزء من المقال وبين حديثنا المُوسّع عن "القرآن والتجربة البشريّة".

فالقانون (أي قانون التوالد الذاتي) يمكن أن ينتقل من المعرفة إلى التجربة: التجربة لا تنتج خبرة فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على استقبال تجربة أخرى؛ والقراءة القرآنيّة لا تنتج استنباطًا فحسب، بل تنتج قدرة جديدة على قراءة الآية. ومن ثم فإنّ المعرفة المُولدة في القرآن لا تكون فقط مجرد "معنى جديدًا"، بل قابلية جديدة لرؤية ما لم يكن الإنسان قادراً على رؤيته من ذي قبل.

وبادي الرأي عندي أن النص الذي تضمنه القانون أضاف انتقالًا بالغ الأهمية من منهجيّة "القراءة على القراءة" إلى نظريّة عامة في الإبداع. وذلك حين نقول إن الفلسفة والاجتهاد والتفسير والنقد والإبداع الأدبي كلها يمكن أن تُفهم من خلال توليد معرفة من معرفة، فإننا نوسّع نطاق النظرية بصورة كبيرة. لم تعد القراءة على القراءة منهجاً خاصاً بالقراءة، بل أصبحت القراءة مثالاً حاضراً على قانون أوسع يحكم الإبداع الإنساني. وهذا، في تقديري، هو أحد أكبر مكاسب نص أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة. لكننا من جهة أخرى نرى أن هذا التوسُّع يحتاج إلى احتراز فلسفي مهم:

ليس كل اجتماع معرفتين توليداً، وليس كل معرفة جديدة ناتجة عن معرفتين بالضرورة معرفة ثالثة بالمعنى الاصطلاحي الشديد لقوة التفكير. فقد تجتمع معرفتان في الذهن دون أن يحدث بينهما تفاعل حقيقي. وقد تكون النتيجة مجرد جمع أو نقل أو إعادة ترتيب آلي. ولذلك فإنّ التوليد يحتاج إلى شرط جوهري، وهو أن يحدث تحول في بنية الفهم، لا مجرد اجتماع في الذاكرة. وهنا يمكن أن يكون شرط "الحضور" الذي تحدثنا عنه في قرائتنا للقرآن شرطاً عاماً للتوليد. فالمعرفة لا تتولد من مجرد اجتماع معرفتين وكفى، بل من حضور معرفتين في وعي قادر على إقامة علاقة منتجة بينهما. وهذا الوعي هو الذي يحول المجاورة إلى تفاعل، والتفاعل إلى انكشاف، والانكشاف إلى معرفة جديدة.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

يقول أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354 - 430 ه" في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس": "الحق مطلوب لذاته، وكل مطلوب لذاته فليس يعني طالبه غير وجوده. ووجود الحق صعب، والطريق إليه وعر، والحقائق منغمسة في الشبهات. وحسن الظن بالعلماء في طبع جميع الناس... وما عصم الله العلماء من الزلل، ولا حمى علمهم من التقصير والخلل، ولو كان ذلك كذلك، لما اختلف العلماء في شيء من العلوم، ولا تفرقت آرائؤهم في حقائق الأمور، والوجود خلاف ذلك. فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل الذي هو إنسان، المخصوص في جبلّته بضروب الخلل والنقصان. والواجب على الناظر في كتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه. ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضاً نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبه"1.

أول من نبهني إلى أهمية كتاب "الشكوك على بطليموس" لابن الهيثم هو الصديق العزيز الأستاذ عبد الأمير المؤمن، الباحث المتمرس في التراث العلمي، وذلك قبل أكثر من أربعين عامًا. كما حفزتني على كتابة هذا المقال قراءة ترجمة الأستاذ عبد الرحمن المرزوقي المهمة لكتاب برادلي ستيفنز "ابن الهيثم: أول عالم تجريبي"2.

كانت الشكوك منهجًا في التراث العلمي، فقد تغلب العقل العلمي نسبيًا على سلطة المنطق الأرسطي عندما احتكم إلى الملاحظة والمشاهدة والتجربة. ظهرت كتب "الشكوك" الناقدة للعلم الطبيعي اليوناني، لأن التجربة منحت العالِم مرجعيةً مستقلة عن النص، فاستطاع اختبار آراء القدماء، وكشف أخطائها، وتصحيح نتائجها، من دون أن يجعل مكانة أصحابها بديلًا عن الدليل. في المقابل، لم أعثر، في حدود ما اطلعت عليه، على كتاب يحمل عنوان "الشكوك" خصص لنقد تسلط المنطق الأرسطي على الفلسفة والكلام وأصول الفقه.3083 alhasan

لا يعني ذلك غياب نقد المنطق الأرسطي في تراثنا، فقد نقد شهاب الدين السهروردي، 549–587هـ/1154–1191م، عددًا من أسسه في القسم الأول من كتاب "حكمة الإشراق"، كما ناقش قضاياه بتفصيل أوسع في قسم المنطق من كتاب "المشارع والمطارحات"، فراجع نظرية الحد والتعريف، واختزل أشكال القياس، واعترض على بعض التقسيمات والمقولات المنطقية المشائية. وخصص ابن تيمية، 661–728هـ/1263–1328م، كتابه "الرد على المنطقيين"، المعروف أيضًا باسم "نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان"، لنقد الحد الأرسطي والقياس، ورفض دعوى حصر اليقين فيهما، وأكد إمكان تحصيل المعرفة من الحس والتجربة والخبر والقياس التمثيلي.

 وفي العصر الحديث ظهر كتابان مهمان في مدرسة النجف، ألّف الأول علي كاشف الغطاء، 1331–1411هـ/1913–1991م، بعنوان: "نقد الآراء المنطقية وحل مشكلاتها" في جزأين؛ خصص الأول للتصورات، والثاني للتصديقات، وألحقهما بخاتمة في المغالطات، فناقش آراء المناطقة، وراجع قواعدهم، واقترح حلولًا لبعض مشكلاتها. وقدم محمد باقر الصدر، 1353–1400هـ/1935–1980م، في كتابه "الأسس المنطقية للاستقراء" محاولة جديدة لمعالجة الثغرة التي تركها المنطق الأرسطي في الاستقراء الناقص، وسعى إلى تأسيس الانتقال من ملاحظات جزئية محدودة إلى تعميم علمي مرجح، مستعينًا بحساب الاحتمالات، ومميزًا بين مرحلتي التوالد الموضوعي والتوالد الذاتي للمعرفة.

 غير أن هذه المحاولات، على أهميتها، لم تؤسس منطقًا بديلًا يحل محل المنطق الأرسطي في التفكر الديني والتعليم، ولم تتحول إلى نموذج معرفي "براديغم" تتبناه جماعة علمية ومؤسسات معرفية، وظل أكثرها يتحرك داخل أسئلة المنطق القديم ومفاهيمه، أو ينقده من دون أن يعيد بناء مناهج العلوم على أساس المشاهدة والتجربة والاستقراء. فقد لبثت عملية التفكير خاضعة للنموذج المعرفي اليوناني قرونًا طويلة، فتحول هذا النموذج من أداة يستخدمها العقل إلى سلطة تحدد شروط التفكير وحدود السؤال ومعايير البرهان. ظل العقل ينقد النتائج بأدوات المنطق الأرسطي، من دون أن ينقد الأداة التي ينتج بها تلك النتائج.

سنشير في مقال قادم إلى أسباب انحسار منهج الشكوك في التراث العلمي، وانصراف جانب كبير من طاقة العقل إلى علوم لا تحتكم إلى المشاهدة والتجربة. فقد ظهر في تاريخنا عدد من العلماء الأفذاذ الذين كانت لهم ريادة في علوم متنوعة، واعتمدوا الملاحظة والقياس والتجربة، غير أنهم ظلوا يعملون، بدرجات متفاوتة، داخل النموذج المعرفي "البراديغم" الأرسطي البطلمي الجالينوسي الموروث من اليونان. وإن كان ذلك لم يمنعهم من نقد بعض آراء اليونان، وكشف أخطائها، وتصحيحها وتجاوزها في مسائل أساسية، كما فعل الرازي في الطب، والبيروني في الفلك والمعادن، وابن الهيثم في البصريات والفلك، وابن النفيس في التشريح. غير أن هذه المنجزات بقيت جهودًا فردية متفرقة، ولم تنتظم في نموذج معرفي "براديغم" بديل، تتبناه جماعة علمية، وتتوارثه مؤسسات مستقلة، وتعمل على اختباره وتطويره وتراكم نتائجه. حضر العالم التجريبي في تراثنا، وغابت البيئة المعرفية والمؤسسية القادرة على تحويل منجزه إلى تقليد علمي مستدام، يقود إلى ثورة شاملة في فهم الطبيعة ومعايير إنتاج المعرفة.3082 alhasan

 يمثل أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري "354–430هـ/965–1040م" مرحلة متقدمة في تاريخ العقل العلمي في الحضارة الإسلامية. كان الشك لديه أداة منهجية لتحرير العقل من هيبة الأسماء وسلطة الموروث، ومدخلًا إلى اختبار الآراء ومراجعة الأدلة والكشف عن مواطن التهافت والقصور فيها. الشك عند ابن الهيثم يفتح الطريق إلى معرفة أكثر دقة، كما أعلن ذلك بوضوح في مقدمة كتابه "الشكوك على بطليموس"، إذ حذر من اختلاط المعرفة بالأوهام والعادات والأحكام المسبقة، ونبّه إلى الكيفية التي يحجبها حسن الظن بالأعلام. أشار إلى أنه لا تكفي شهرة العالم، ولا قدم كتابه، ولا اتفاق الناس على تعظيمه لإثبات صحة آرائه، فقيمة القول تستمد من حجته، لا من مكانة قائله. ينبه ابن الهيثم إلى أن "حسن الظن بالعلماء في طباع جميع الناس"، وأن القارئ إذا استسلم لهذا الميل تلقى أقوال المتقدمين كأنها حقائق نهائية. العلماء بشر يصيبون ويخطئون، ولم يعصمهم الله من الزلل أو التقصير، ولو كانوا معصومين من الخطأ لما اختلفوا في مسائل العلم وحقائق الأشياء. يضع ابن الهيثم قاعدة معرفية حاسمة: "فطالب الحق ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجة والبرهان، لا قول القائل". تبدأ المعرفة عند ابن الهيثم بنقد الثقة العمياء بالمكانة العلمية للقائل، وإخضاع كل قول للسؤال مهما علا شأن صاحبه.

لا يكتفي ابن الهيثم بالشك في أقوال الآخرين، وإنما يطالب الباحث أن يشك في فهمه وأحكامه أيضًا، فيقول إن على الناظر في كتب العلوم "أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وفي جميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمح فيه". يتجه النقد هنا في مسارين متلازمين: نقد الموضوع الذي يدرسه الباحث، ونقد الذات التي تمارس الفهم والحكم. ربما يخطئ المؤلف، وربما يسيء القارئ فهمه، وربما يقوده التعصب إلى رفض قول صحيح أو قبول قول ضعيف، لهذا يشترط ابن الهيثم الإنصاف، فلا يتحامل الناقد على النص، ولا يتساهل معه. طبّق ابن الهيثم هذا المبدأ في كتاب "الشكوك على بطليموس"، فدرس ثلاثة من أهم كتب بطليموس.

لم يرفض ابن الهيثم تراث بطليموس، فقد أدرك قيمته العلمية وأفاد من منجزاته، لكنه فصل بين احترام العالم والتسليم بأقواله. استوعب نظامه، وقارن بين مقدماته ونتائجه، وبين نماذجه الرياضية وما يمكن وجوده في العالم الطبيعي. تركز اعتراضه على أن نجاح النموذج في وصف حركة الكواكب والتنبؤ بها لا يثبت أن البنية التي يفترضها موجودة فعلًا في السماء. ميز ابن الهيثم بين مطابقة النتائج للرصد وصدق تفسير الظاهرة، وطالب بنظرية تجمع بين الدقة الحسابية والإمكان الطبيعي. رفض إخضاع الواقع للنموذج، ودعا إلى إعادة بناء النموذج بما يلائم الواقع، ففتح نقده الطريق أمام إصلاح الفلك البطلمي.

 استعادت مدرسة مراغة هذه المعرفة في سياق مشروع علمي جماعي هدفه بناء نماذج تطابق الرصد، وتحافظ على انتظام الحركة الدائرية، وتتخلص من تناقضات نظام بطليموس. ابتكر نصير الدين الطوسي "597–672هـ/1201–1274م" نماذج هندسية أكثر اتساقًا، أشهرها "مزدوجة الطوسي"، التي تولد حركة خطية من حركتين دائريتين منتظمتين. ووضع مؤيد الدين العرضي "نحو 597–664هـ/نحو 1200–1266م" قاعدته الهندسية المعروفة بـ "قاعدة العرضي"، واستعملها في إعادة بناء حركات الكواكب من دوائر منتظمة من دون الحاجة إلى بعض افتراضات بطليموس. وطور قطب الدين الشيرازي "634–710هـ/1236–1311م" نماذج مدرسة مراغة، وأعاد تركيب أدواتها الرياضية بحثًا عن هيئة تجمع بين دقة الحساب والإمكان الطبيعي. بلغ هذا المسار مرحلة أكثر نضجًا عند ابن الشاطر "704–777هـ/1304–1375م"، الذي أنشأ نماذج جديدة لحركة الشمس والقمر والكواكب، وتخلص من "معدل المسير"، وهو نقطة افتراضية جعل بطليموس حركة الكوكب منتظمة بالقياس إليها، مع أنها لا تتطابق مع مركز العالم أو مركز فلكه. لم تكن إنجازات هؤلاء نقلًا مباشرًا عن ابن الهيثم في كل تفاصيلها، وإنما كانت استئنافًا لمطلبه المعرفي: ألا يكتفي النموذج الفلكي بالنجاح الحسابي ومطابقة الرصد، وأن يكون متماسكًا وقابلًا للتصور في العالم الطبيعي.

كان كتاب "الشكوك على بطليموس" إعلانًا مبكرًا على أن العلم لا يتقدم بتقديس النماذج الموروثة، وإنما بفحصها واختبار اتساقها، والكشف عن تناقضاتها، وفتح الطريق أمام بناء بدائل أكثر دقة. لم يقدم ابن الهيثم في هذا الكتاب بديلًا فلكيًا متكاملًا لنظام بطليموس، لكنه كشف أزماته، خاصة التعارض بين نجاح بعض نماذجه في الحساب وتعذر وجود هيئاتها المفترضة في العالم الطبيعي. تجلى هذا المنهج بصورة أوسع في "كتاب المناظر"، إذ لم يقبل نظرية خروج أشعة البصر من العين التي تبناها إقليدس وبطليموس، ولم يكتف بما ورثه من التراث الطبي، خاصة وصف جالينوس لتشريح العين ووظائف أجزائها. جمع بين الهندسة والطبيعيات ووصف بنية العين والملاحظة والاختبار، وحلل ظواهر الضوء والإبصار إلى عناصرها، ثم فحص فروضه بتغيير شروط التجربة ومقارنة نتائجها. انتهى إلى أن الإبصار يحدث بوصول الضوء من الأجسام إلى العين، مع احتفاظه ببعض تصورات جالينوس في وظائف أجزائها. كانت التجربة عنده وسيلة لامتحان الفرضية ومواجهة نتائجها بالواقع، وعندما تتعارض سلطة الموروث مع ما تثبته الملاحظة والحجة والبرهان، يمنح الأولوية للدليل.

نسبت إلى ابن الهيثم مؤلفات تتصل بهذا المسار، من أشهرها "حل شكوك كتاب إقليدس في الأصول وشرح معانيه". وسبق محمد بن زكريا الرازي "251–313هـ/865–925م" ابن الهيثم إلى تأليف كتاب "الشكوك على جالينوس"، الذي ناقش فيه آراء جالينوس الطبية والفلسفية، مستندًا إلى خبرته السريرية ومشاهدته الطويلة للمرضى. لم يمنعه تقديره لجالينوس من الاعتراض عليه، فميز بين ما تثبته الممارسة الطبية وما يقرره الكتاب النظري. رأى الرازي أن الوفاء للعلم لا يتحقق بترديد أقوال المعلم، وإنما بمراجعتها وتصحيحها. لهذا يمثل كتابه نموذجًا مبكرًا لمقاومة الأبوة المعرفية، ويثبت أن التلميذ يستطيع تجاوز أستاذه حين يمتلك دليلًا أقوى.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.........................

1- ابن الهيثم، الحسن، الشكوك على بطليموس، تحقيق: د. عبد الحميد صبرة، ود. نبيل الشهابي، تصدير: د. إبراهيم مدكور، ص3، 1971، مطبعة دار الكتب، القاهرة.

2- ستيفنز، برادلي، ابن الهيثم: أول عالم تجريبي، ترجمة: عبد الرحمن المرزوقي، 2025، جمعية الفلسفة السعودية، الرياض.

فلسفة المهرجان بين تحقيق مطلب الترفيه عند الجمهور وتهذيب الذوق الفني من الفنان.. مقاربة استطيقية

مقدمة: يُمثل المهرجان ظاهرة إنسانية أصيلة، تمتد جذورها إلى أعماق الطقوس الدينية والاجتماعية القديمة، حيث كان يجمع الناس في لحظة استثنائية تتجاوز الزمن اليومي الرتيب. في جوهره، يمثل المهرجان فضاءً جماعياً يحتفل بالحياة، بالجسد، بالروح، وبالإبداع. ومع ذلك، ينطوي هذا الفضاء على توتر فلسفي عميق: بين حاجة الجمهور إلى الترفيه الفوري الذي يُشبع الرغبات الحسية والنفسية، وبين دور الفنان في تهذيب الذوق الفني، أي رفع الوعي الجمالي نحو مستويات أعمق من التأمل والإدراك. من منظور استطيقي، لا يُقصد بالمهرجان مجرد حدث ترفيهي، بل هو تجربة جمالية متعددة الأبعاد تجمع بين الإحساس والتأمل. يسعى هذا البحث إلى استكشاف هذه الفلسفة المزدوجة: كيف يحقق المهرجان مطلب الترفيه دون أن ينحدر إلى التسطيح، وكيف يمارس الفنان دوره التهذيبي دون أن يبتعد عن متناول الجمهور؟ سنتناول هذا التوتر كديالكتيك إيجابي يُثري التجربة الإنسانية، لا كتناقض يجب حله بالقضاء على أحد طرفيه. ماهي الارهاصات التي مهدت لقيام فلسفة المهرجان؟ وكيف ارتبطت بالمسرح الاغريقي وبالاحتفالات الدينية في المعابد؟ وكيف قطعت الفلسفة مع هذه الممارسات؟ ومتى ظهر المهرجان؟ وما الفرق بينه والكرنافال؟ ماهي أغراضهما؟ وماهي الأبعاد الفنية الجمالية لكليهما؟

فلسفة المسرح الإغريقي القديم

المسرح كفعل فلسفي وديني

يُعد المسرح الإغريقي القديم أحد أعظم الإنجازات الثقافية والفلسفية في تاريخ البشرية. لم يكن مجرد ترفيه أو عرض فني، بل كان فعلاً جماعياً يجسد رؤية الإغريق للوجود الإنساني، للعلاقة بين الإنسان والآلهة، ولطبيعة المصير والحرية. نشأ المسرح في سياق المهرجانات الديونيسية (مهرجانات ديونيسوس إله الخمر والخصوبة والنشوة)، حيث تحول الطقس الديني تدريجياً إلى فن درامي منظم.

فلسفياً، يمثل المسرح الإغريقي تجسيداً للتوتر الأبدي بين «الأبولوني» (النظام، الشكل، الوضوح) و«الديونيسي» (النشوة، الفوضى، الغريزة)، كما تجلى لاحقاً في الفكر الفلسفي. إنه فن يجمع بين المحاكاة والتطهير، بين المتعة والمعرفة، وبين الفرد والمجتمع. في هذه الدراسة، سنستكشف أبعاده الفلسفية والاستطيقية بعمق، مع التركيز على جوهره كوسيلة لاستكشاف الإنسانية.

النشأة والسياق الديني-الاجتماعي

بدأ المسرح الإغريقي في أثينا القرن السادس قبل الميلاد، مرتبطاً بمهرجان «الديونيسيا الكبرى». كان العرض يُقام في «مسرح ديونيسوس» المبني على منحدر تل، حيث يجتمع آلاف المواطنين. الجوقة تمثل الصوت الجماعي، الذي يعكس قيم المجتمع ويعلق على الأحداث، بينما يواجه البطل مصيره. دينياً، كان المسرح احتفالاً بقوى الحياة والموت. ديونيسوس يرمز إلى التحول والانبعاث، والمسرح يسمح للجمهور بمواجهة الرعب والشفقة في بيئة آمنة. اجتماعياً، كان المسرح مدرسة ديمقراطية: يناقش قضايا الحرب، العدالة، السلطة، والأخلاق. المواطنون الأثينيون، الذين يشاركون في الجمعية، يرون على المسرح انعكاساً لصراعاتهم السياسية والأخلاقية.

فلسفة المأساة: الشفقة، الرعب، والتطهير

تمثل المأساة قلب فلسفة المسرح الإغريقي. هي ليست مجرد قصة حزينة، بل استكشاف للحدود الإنسانية. البطل المأساوي عادة نبيل ومثالي، لكنه يقع في خطأ  — قد يكون خطأً أخلاقياً أو جهلاً أو عناداً — فيواجه قوى أكبر منه: القدر ، الآلهة، أو قوانين الكون. أرسطو في «فن الشعر» يصف المأساة بأنها تقليد لفعل جليل، يثير الشفقة والخوف، ويؤدي إلى التطهير. هذا التطهير ليس مجرد تنفيس عاطفي، بل تحول معرفي: الجمهور يتعلم من خلال معاناة الآخرين، فيخرج أكثر نقاءً ووعياً. المأساة تُظهر أن الإنسان حر في اختياراته، لكنه محكوم بقوانين عليا، مما يولد إحساساً بالرهبة الدينية أمام الكون. عند إسخيلوس، تكون المأساة تعليمية ودينية، تركز على العدالة الإلهية (مثل ثلاثية أوريستيا). أما سوفوكليس فيبرز الصراع بين الإرادة الفردية والقدر (أوديب ملكاً). ويوربيدس يُدخل شكاً أكبر في الآلهة والتقاليد، مما يجعل المأساة أكثر إنسانية ونفسية.

فلسفياً، تطرح المأساة أسئلة أنطولوجية: ما طبيعة العدالة؟ هل الإنسان مسؤول أم ضحية؟ كيف نواجه الموت والمعاناة؟ إنها فلسفة عملية تُعلم التواضع والحكمة من خلال العاطفة لا الجدل النظري فقط.

فلسفة الكوميديا: السخرية والاحتفاء بالحياة

لم يكن المسرح الإغريقي مأساوياً فقط. الكوميديا تمثل الجانب الديونيسي الاحتفالي. عند أريستوفانيس، تكون الكوميديا ساخرة سياسية، تهاجم الساسة والفلاسفة والمفكرين (مثل «السحب» التي تسخر من سقراط). تستخدم الإباحية، التهريج، والمبالغة لتعريض المتناقضات الاجتماعية.

فلسفياً، الكوميديا تحتفل بالجسد والغرائز والحياة اليومية. هي رد فعل على الجدية المأساوية، تُذكر الإنسان بطبيعته الأرضية. من خلال الضحك، تُحرر الكوميديا من الخوف والسلطة، وتُعيد التوازن إلى المجتمع. إنها تُظهر أن الحقيقة قد تكون في السخافة أكثر مما في الوقار.

استطيقياً، يعتمد المسرح الإغريقي على مبادئ صارمة: وحدة الزمان والمكان والفعل. التمثيل يستخدم الأقنعة التي تكبر الصوت وتُعمم العواطف، مما يجعل الشخصية أسطورية لا فردية بحتة. اللغة شعرية، موسيقية، والجوقة تربط بين العالم الإنساني والكوني. الجمال هنا ليس زخرفياً، بل عضوياً: يخدم الغرض الأخلاقي والمعرفي. المسرح يجعل المشاهد مشاركاً، لا متفرجاً سلبياً. من خلال «المحاكاة»، يقلد الفن الطبيعة والحياة، لكنه يرتقي بها إلى مستوى أعلى من الوضوح والنظام.

نقد أفلاطون والدفاع الأرسطي

يُعتبر موقف أفلاطون من المسرح مثيراً للجدل. في «الجمهورية»، ينتقد الشعر والمسرح لأنه يقلد الظلال (عالم المحسوسات)، ويثير العواطف الدنيا، مما يُضعف السيطرة العقلية. يرى أن المأساة تُغذي الشفقة والخوف اللذين يجب السيطرة عليهما. يطالب بطرد الشعراء من المدينة المثالية، إلا إذا أثبتوا فائدتهم الأخلاقية. في المقابل، يدافع أرسطو عن المسرح كوسيلة تربوية. التطهير يُنقي النفس، والمأساة تُعلم الفضيلة بالمثال السلبي. هذا الجدل يعكس توتراً فلسفياً أعمق: هل الفن يُفسد أم يُرقي؟ هل العاطفة عدو العقل أم مكمله؟

دلالة المسرح الإغريقي في الفكر الإنساني

يظل المسرح الإغريقي نموذجاً للفن الذي يجمع بين الترفيه العميق والتأمل الفلسفي. هو يُظهر أن الفن ليس هروباً من الواقع، بل مواجهة له بكل أبعاده: السياسية، الأخلاقية، الميتافيزيقية. في عصرنا، يذكرنا بأهمية الفن الجماعي الذي يُربي المواطن ويُطهّر العواطف، بدلاً من الاستهلاك السطحي. المسرح الإغريقي يُعلمنا أن الإنسان كائن مأساوي-كوميدي: عظيم في طموحه، هزيل أمام القدر، مضحك في تناقضاته. من خلال هذا الفن، يصل الإنسان إلى وعي أعمق بذاته وبعالمه، في لحظة احتفالية مشتركة ترفع الروح وتُنير العقل.في الختام، فلسفة المسرح الإغريقي القديم هي فلسفة الحياة نفسها: مواجهة المصير بشجاعة، الاحتفاء بالوجود رغم المعاناة، والسعي إلى الحكمة من خلال الجمال. إنه إرث يتجاوز الزمن، يدعونا إلى إحياء فن يُعيد اكتشاف ما هو إنساني فينا.

الكاثارسيس كمحور فلسفي في نظرية التراجيديا عند أرسطو

يُعد مفهوم «الكاثارسيس» أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفكر الأرسطي، وخاصة في كتاب «فن الشعر». ليس الكاثارسيس مجرد مصطلح فني يتعلق بالمسرح، بل هو مفهوم فلسفي يجمع بين علم النفس، الأخلاق، والاستطيقيا. يشير إلى التأثير الذي تمارسه المأساة على المتلقي، حيث تثير عواطف معينة ثم تؤدي إلى تخليص النفس منها أو تهذيبها. في سياق فلسفة أرسطو الشاملة، يرتبط الكاثارسيس بمفهوم الاعتدال الأخلاقي، وبفكرة أن النفس تحتاج إلى توازن بين العواطف المضطربة والعقل المنظم. إنه ليس تنفيساً عشوائياً، بل عملية منظمة تحول العاطفة الخام إلى خبرة معرفية وأخلاقية. سنحلل هنا المفهوم من جذوره النصية، معانيه المحتملة، دلالاته الفلسفية، وعلاقته بالعناصر الأخرى في نظرية أرسطو للتراجيديا.

السياق النصي في «فن الشعر»

يظهر مصطلح الكاثارسيس في تعريف أرسطو للتراجيديا:

«التراجيديا إذن تقليد لفعل جليل... تثير الشفقة والخوف، وتؤدي بهما إلى الكاثارسيس».هنا، تكمن أهمية النقطة: المأساة لا تثير الشفقة والخوف فقط، بل تُحقق بهما كاثارسيس. الشفقة تنشأ من رؤية بطل يعاني أكثر مما يستحق، بينما ينشأ الخوف من الشعور بأننا معرضون لمثل هذا المصير. أما الكاثارسيس فهو النتيجة النهائية لهذه الإثارة. كما يربط أرسطو الكاثارسيس بالبنية الدرامية: الحبكة يجب أن تكون موحدة، تؤدي إلى انقلاب وتعرف ، وتنتهي بسقوط البطل بسبب خطأ ما. هذه العناصر تخلق التوتر العاطفي الذي يبلغ ذروته ومن ثم يتحرر.

معاني الكاثارسيس: التعدد التأويلي

كلمة «كاثارسيس» في اليونانية تحمل دلالات طبية ودينية وأخلاقية:

المعنى الطبي (التطهير أو التنقية): يُشبه أرسطو تأثير المأساة بدور الدواء. تماماً كما يُخرج الدواء الرطوبات الضارة من الجسد، تُخرج المأساة التراكمات العاطفية (الخوف والشفقة) من النفس. هذا التفسير «التنفيسي» يرى الكاثارسيس كعملية إفراغ تُعيد التوازن النفسي. النفس بعد المسرحية تكون أهدأ وأكثر صفاءً.

المعنى الديني-الطقسي (التطهير): مستمد من الطقوس الدينية حيث يُطهر الإنسان نفسه من الدنس. في المسرح، يُطهر المتفرج نفسه من العواطف «الزائدة» أو «الغير منضبطة» من خلال مشاهدة الآخرين.

المعنى الأخلاقي-التربوي: الأكثر توافقاً مع فلسفة أرسطو الأخلاقية. الكاثارسيس ليس إزالة العواطف، بل تهذيبها واعتدالها. المتفرج يتعلم كيف يشعر بالشفقة والخوف بشكل صحيح ومتناسب. بدلاً من أن تكون العواطف عمياء ومدمرة، تصبح مدربة ومفيدة للحياة الأخلاقية.

المعنى الاستطيقي (التوضيح أو الإدراك): بعض التفسيرات ترى الكاثارسيس كـ«توضيح» للعواطف. من خلال الشكل الفني المنظم (الوحدة، الإيقاع، اللغة الشعرية)، يرى المتفرج عواطفه بوضوح أكبر، فيفهم طبيعتها وأسبابها. هنا يتحول العاطفي إلى معرفي.

أرسطو لا يُفصل المعنى بدقة، مما أدى إلى الجدل عبر العصور. لكنه يميل إلى الجانب التربوي-النفسي، بما يتوافق مع رؤيته للفن كوسيلة لتحقيق السعادة والاعتدال.

علاقة الكاثارسيس بالعناصر الأخرى في نظرية أرسطو

بالمحاكاة: المأساة تقلد الفعل الإنساني. الكاثارسيس يحدث لأننا نرى «مقلداً» لا واقعاً مباشراً، مما يسمح بالمسافة العاطفية اللازمة للتطهير دون الغرق في الألم الحقيقي.

بالخطأ: سقوط البطل بسبب خطأ غير شرير تماماً يثير الشفقة (لأنه غير مستحق) والخوف (لأنه محتمل). هذا يجعل الكاثارسيس أكثر فعالية، لأنه يتجنب الاشمئزاز (من شر مطلق) أو اللامبالاة (من عدالة كاملة).

بالبنية الدرامية: الكاثارسيس هو ذروة وخاتمة العملية الدرامية. الحبكة الجيدة تبني التوتر ثم تحرره بطريقة مرضية.

هكذا يُعكس الكاثارسيس رؤية أرسطو للنفس البشرية ككيان يحتاج إلى التوازن. العواطف ليست شراً يجب قمعه، بل طاقات تحتاج إلى تهذيب. هذا يختلف عن النزعة الأفلاطونية التي ترى العواطف خطراً على العقل. عند أرسطو، الفن يساعد في تحقيق الفضيلة بالتدريب العاطفي لا بالقمع. كما أنه يربط الاستطيقيا بالأخلاق: المتعة الفنية الناتجة عن المأساة ليست متعة رخيصة، بل متعة «نقية» تنبع من إرضاء الغريزة المعرفية والعاطفية معاً. المسرح إذن ليس ترفيهاً فقط، بل تربية للمواطن. من الناحية النفسية، يُعد الكاثارسيس سابقاً لما طورته علم النفس الحديث حول التنفيس العاطفي والتعرض العلاجي للمخاوف. ورغم قدمه، يظل مفهوم الكاثارسيس ذا صلة عميقة. في زمن الدراما التلفزيونية والسينما والألعاب، نرى كيف تثير القصص المأساوية الشفقة والخوف ثم تمنح المتلقي إحساساً بالتحرر أو الفهم.

الكاثارسيس عند أرسطو هو عملية استطيقية-نفسية-أخلاقية تحول الإثارة العاطفية إلى توازن ومعرفة. إنه يُبرهن على قوة الفن في تهذيب النفس البشرية دون إنكار عواطفها. من خلال إثارة الشفقة والخوف ثم تحريرهما بشكل منظم، تُصبح المأساة مدرسة للحياة: تُعلمنا الرحمة، التواضع أمام المصير، والاعتدال العاطفي.بهذا المفهوم، يرتقي أرسطو بالمسرح من مجرد تسلية إلى فلسفة عملية تُساهم في تحقيق السعادة الإنسانية. الكاثارسيس ليس نهاية العمل الفني، بل بداية لتأثيره الدائم في نفس المتلقي، فيجعله أكثر إنسانية وأعمق وعياً. يساعدنا أرسطو على التساؤل: هل ما نشاهده يُطهّرنا فعلاً أم يُغرقنا في العواطف دون تحرير؟ هل يُهذب ذوقنا أم يُنميه بشكل مرضي؟ وكيف ساهمت أفكار أرسطو في نشأة المهرجان؟

طبيعة المهرجان وأبعاده الاستطيقية

المهرجان، في أعمق معانيه، هو تعليق مؤقت للنظام الاجتماعي اليومي. إنه زمن الكرنفال حيث تذوب الحدود بين المشاهد والمشارك، وبين الفن والحياة. استطيقياً، يعتمد على مبدأ «الانغماس الحسي» الذي يجعل الجسد والعواطف شركاء أساسيين في إنتاج المعنى الجمالي. الإيقاعات، الألوان، الحركات، والأصوات تُشكل وحدةً عضوية تتجاوز التمثيل إلى «الحضور» الحي. هنا يبرز الفرق بين الترفيه البحت والتجربة الاستطيقية الحقيقية. الترفيه يُشبع الحاجة إلى المتعة اللحظية: الضحك، الدهشة، الإثارة، والإلهاء عن هموم الواقع. أما التهذيب الفني فيتطلب «مسافة استطيقية» تسمح بالتأمل، حيث يتحول الإحساس إلى وعي جمالي يُعيد تشكيل ذوق المتلقي. الفنان في المهرجان ليس مجرد مُسلٍّ، بل هو مهندس تجربة تحول المتعة إلى معرفة، والانفعال إلى بصيرة.

مطلب الترفيه عند الجمهور: البعد النفسي والاجتماعي

يحتاج الإنسان، بطبيعته، إلى لحظات انفلات من قيود الواقع. الترفيه في المهرجان يُلبي هذه الحاجة من خلال تحرير الطاقة المكبوتة، سواء على مستوى الجسد (الرقص، الغناء الجماعي) أو على مستوى النفس (الضحك من السخرية، الفرح بالجمال الزائل). من الناحية النفسية، يعمل الترفيه كآلية توازن: يُفرغ التوترات ويُعيد شحن الطاقة الحيوية.

اجتماعياً، يُتيح المهرجان «الانقلاب المؤقت» الذي يسمح للفئات المختلفة بالمشاركة في تجربة مشتركة، مما يعزز الشعور بالانتماء والتسامح. الجمهور لا يطلب دائماً «فنًا عالياً» بقدر ما يطلب لحظة مشتركة من الفرح. هنا تكمن قوة المهرجان: قدرته على الوصول إلى الجميع، بغض النظر عن مستوى الثقافة أو الذوق. الترفيه إذن ليس ترفاً سطحياً، بل ضرورة وجودية تجعل الحياة محتملة وممتعة.

ومع ذلك، يحمل الترفيه خطراً استطيقياً: خطر الوقوع في «الإغراق الحسي» الذي يُفقد المتلقي قدرته على التمايز. عندما يصبح المهرجان مجرد سلسلة من المؤثرات السريعة، يتحول إلى استهلاك فني يُضعف الذوق بدلاً من تهذيبه. هنا يبرز دور الفنان كعامل توازن.

دور الفنان في تهذيب الذوق: التربية الاستطيقية

يُعرف الفنان في السياق المهرجاني بأنه «الوسيط الجمالي» الذي يمتلك القدرة على تحويل المادة الخام (الإيقاع، الصورة، الكلمة) إلى تجربة معنى. تهذيب الذوق لا يعني فرض ذوق نخبوي، بل تدريج المتلقي نحو إدراك أدق للجمال. يبدأ ذلك من الإحساس المباشر (المتعة الحسية) ويصعد إلى التأمل (الوعي بالشكل والمضمون) ثم إلى التحول الوجودي (إعادة النظر في الذات والعالم).

استطيقياً، يعتمد التهذيب على مبدأ «اللعب الجمالي» حيث يجمع الفنان بين الحرية والانضباط. هو يُمتع الجمهور ليُفتح له أبواب الإدراك. على سبيل المثال، يمكن لعرض موسيقي شعبي أن يحتوي على طبقات معقدة من الإيقاع والانسجام تُربي السمع دون أن يشعر الجمهور بالجهد. الفنان الحقيقي لا يحتقر المتعة، بل يستخدمها كبوابة للعمق. في هذا السياق، يتحول المهرجان إلى مدرسة استطيقية مفتوحة. الفنان يُدرب الذوق على التمييز بين الجمال الحقيقي (الذي يجمع بين المتعة والمعنى) والتقليد الزائف. هذا الدور يتطلب من الفنان وعياً مزدوجاً: وعياً باحتياجات الجمهور، ووعياً بمسؤوليته التربوية. إنه يمشي على حبل مشدود بين الشعبية والعمق.

الديالكتيك بين الترفيه والتهذيب: نحو توازن استطيقي

التوتر بين مطلب الترفيه ومهمة التهذيب ليس تناقضاً يجب إلغاؤه، بل هو طاقة دافعة. عندما ينجح المهرجان، يصبح الترفيه وسيلة للتهذيب، والتهذيب مصدر متعة أعمق. هذا التوازن يتحقق عندما يُصمم الفنان تجربته بحيث تكون «متعددة المستويات»: سطحها يُمتع الجميع، وباطنها يُثري من يرغب في الغوص.استطيقياً، يمكن فهم هذا الديالكتيك من خلال مفهوم «الجمال كلعب» الذي يجمع بين الحرية (الترفيه) والقانون (الهيكل الفني). الفنان الذي يفهم جمهوره يخلق «فضاءً انتقالياً» يسمح بالانتقال التدريجي من المتعة الحسية إلى المتعة التأملية. هنا يتحقق «الارتقاء الجمالي» دون إقصاء أحد. ومع ذلك، تواجه هذه الفلسفة تحديات معاصرة. في عصر الاستهلاك الرقمي والمهرجانات التجارية الضخمة، غالباً ما يُهيمن الترفيه السطحي بحثاً عن الربح السريع، مما يُضعف دور الفنان التربوي. كما أن بعض الفنانين يميلون إلى النخبوية المغلقة، فيبتعدون عن الجمهور ويفقدون قدرتهم على التأثير. الحل يكمن في «الفن الشعبي الراقي» الذي يحافظ على أصالته دون أن يخون متعة الجمهور. هكذا يمتد تأثير المهرجان إلى أبعاد وجودية أعمق. استطيقياً، هو لحظة «تجسيد» للجمال في العالم. الجمهور يعيش تجربة جماعية تُعيد اكتشاف الجسد كمصدر للفرح لا للكبت فقط. الفنان، من جهته، يمارس حريته الإبداعية كفعل مسؤول يُساهم في تشكيل الذائقة العامة.كما أن المهرجان يُعيد الاعتبار للحواس في زمن الهيمنة الرقمية. فبدلاً من النظرة السطحية على الشاشات، يُقدم تجربة كلية تجمع الرؤية والسمع واللمس والشم والذوق في وحدة حية. هذا الإحياء الحسي هو أساس التربية الاستطيقية الحقيقية.

مفهوم الكرنفال عند ميخائيل باختين

يُشكل مفهوم الكرنفال (Carnival) أحد أبرز المفاهيم في فكر ميخائيل باختين (1895-1975)، ويُعتبر محور كتابه الشهير فرانسوا رابيليه وثقافة العصور الوسطى والنهضة (1965). ليس الكرنفال مجرد احتفال موسمي أو مهرجان شعبي، بل رؤية كونية ومبدأ جمالي واجتماعي يعبر عن فلسفة باختين في الثقافة الشعبية، الجسد، الضحك، والحوارية. يرى باختين في الكرنفال تعبيراً عن "ثقافة شعبية مضادة" للثقافة الرسمية الجادة والهرمية. كما يستمد باختين مفهومه من الكرنفال التاريخي في العصور الوسطى والنهضة، خاصة في أعمال فرانسوا رابيليه (غارغانت وا وبانتاغرويل). الكرنفال ليس مجرد ترفيه، بل عالم مقلوب يعلق فيه النظام الرسمي مؤقتاً. الطابع الشعبي: ينتمي إلى "ثقافة السوق" أو الثقافة الشعبية ، بعيداً عن قصور الملوك والكنيسة.

الطابع اليوتوبي: يخلق مساواة مؤقتة بين الناس، يختفي فيها التراتب الاجتماعي، والخوف، واللياقة الرسمية.

الطابع المؤقت: هو "احتفال الزمن" الذي يدمر القديم ويبشر بالجديد، مرتبطاً بدورات الطبيعة (الموت والتجدد).

خصائص الكرنفال الرئيسية

أ. الضحك الكرنفالي

الضحك عند باختين ليس سخرية فردية بل ضحكاً جماعياً عالمياً. هو ضحك "مفرح ومنتصر" يسخر من السلطة والموت والخوف، ويحرر الإنسان من الرهبة الرسمية. يختلف عن الضحك الساخر الحديث (الذي يستهدف فرداً) بأنه يشمل الجميع، بما في ذلك الضاحكين أنفسهم.

ب. الواقعية البشعة

يحتفل الكرنفال بالجسد "السفلي": البطن، الأعضاء التناسلية، الفم، البراز، الأكل، الشرب، والجنس. هذا الجسد "المفتوح" يرمز إلى التجدد والخصوبة. يقابل الجسد "الكلاسيكي" المغلق والمثالي (مثل تماثيل اليونان). البشع يمزج بين الموت والحياة، الجميل والقبيح، العالي والسفلي.

ج. التبادل والمقلوب

قلب الهرميات: الملك يصبح مهرجاً، والمهرج ملكاً.

الإهانة المجددة: الشتائم والإهانات جزء من الاحتفال، لأنها تدمر السلطة القديمة وتفتح الباب للتجدد.

الإكليل والخلع: تتويج الملك الكرنفالي ثم خلعه يرمز إلى دورة الزمن.

د. الحوارية والتعددية الصوتية

يرتبط الكرنفال ارتباطاً وثيقاً بمفهومي باختين الأساسيين: الحوارية والتعددية الصوتية. في الكرنفال، تتصادم الأصوات واللغات والأساليب (لغة السوق، اللهجات، الشتائم، الصلاة) في حرية مطلقة. لا صوت واحد مهيمن.

الكرنفال كمبدأ أدبي وثقافي

يطبق باختين المفهوم على الأدب:الرواية الكرنفالية: روايات مثل أعمال رابيليه، دستويفسكي، أو حتى بعض أعمال جيرارد مانلي هوبكنز. تتميز بالفوضى، التنوع، الضحك، والجسدية.

النوع الأدبي: يؤثر الكرنفال في أجناس مثل "المينيبية" التي تسمح بحرية كبيرة في الخيال والفلسفة والسخرية.

الانتقال إلى الحداثة: مع صعود الدولة الحديثة والرأسمالية، يتراجع الكرنفال الحقيقي، لكنه يبقى كإمكانية في الأدب والثقافة الشعبية (المهرجانات، السيرك، الكوميديا).

فلسفة الجسد: يعيد باختين تأهيل الجسد الشعبي ضد الروحانية المسيحية الرسمية أو النزعة الكلاسيكية.

نقد السلطة: الكرنفال شكل من أشكال المقاومة الشعبية غير العنيفة، يسمح بالتنفيس عن التوترات الاجتماعية دون ثورة دموية.

رؤية زمنية: الزمن الكرنفالي "شعبي"، يرتبط بالدورات الطبيعية، مقابل الزمن الرسمي الخطي والجاد.

الطابع الطوباوي: يقدم صورة مؤقتة لعالم بدون خوف ولا سلطة، لكنه لا يدعو إلى ثورة دائمة، بل إلى تجدد مستمر.

قوى المفهوم: يوفر أداة تحليلية قوية لفهم الثقافة الشعبية والأدب.

يربط بين الجماليات والسياسة والاجتماع.

يؤثر تأثيراً كبيراً في الدراسات الثقافية، ما بعد الكولونيالية، ودراسات الجسد.

الانتقادات:المثالية: يبالغ باختين في الحرية الكرنفالية، وقد تكون هذه الاحتفالات في الواقع تابعة للسلطة (تفريغ الضغط).

الرومانسية للشعبي: يُتهم باختين بتجميل الثقافة الشعبية وتجاهل عنفها أو تناقضاتها.

السياق السوفييتي: كُتب الكتاب في ظروف قمعية، فالكرنفال يُقرأ أحياناً كرمز للمقاومة ضد الستالينية.

خاتمة

في الختام، تكمن فلسفة المهرجان في قدرته على الجمع بين طرفي الثنائية: ترفيه الجمهور وتهذيب ذوقه. هذا الجمع ليس تسوية رخيصة، بل توليف استطيقي يُثري الإنسانية. الفنان الذي يفهم هذه الفلسفة يصبح مهندساً لتجارب تحول المتعة إلى وعي، والاحتفال إلى تحول.المهرجان الحقيقي هو ذلك الذي يجعل الجمهور يخرج منه أكثر حيوية وأعمق ذوقاً. إنه ليس مجرد حدث، بل مناسبة وجودية تُذكرنا بأن الجمال ليس رفاهية، بل ضرورة إنسانية. وبهذا، يظل المهرجان شاهداً على قدرة الفن على التوفيق بين الحاجات الأرضية والتطلعات الروحية، بين الجسد والروح، بين اللحظة والأبدية. هذه المقاربة تدعو الفنانين والمنظمين إلى تبني وعي استطيقي يرفض كلا التطرفين: الترفيه التسطيحي والنخبوية المعزولة، لصالح مهرجان يحتفل بالإنسان ككل. مفهوم الكرنفال عند باختين ليس احتفالاً تاريخياً فقط، بل فلسفة للحرية والتجدد من خلال الضحك والجسد والحوار. هو دعوة للنظر إلى الثقافة من أسفل، من منظور الشعب والسوق والجسد، لا من أعلى (القصر أو الكنيسة). في عالمنا المعاصر، الذي يسيطر عليه الجدية الاستهلاكية أو السلطة الرقمية، يظل الكرنفال تذكيراً بإمكانية قلب الأوضاع، والضحك من الخوف، واحتفال الجسد المفتوح بالحياة. هو، في النهاية، تعبير عن تفاؤل باختين بالقدرة البشرية على التجدد المستمر رغم كل أشكال القمع. فكيف يتم تطوير ثقافة المهرجات لكي تحوز على معنى مرموق؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد جعل تطور العقل البشري الإنسان العاقل أنجح الكائنات الحية ومنحه الحق في احتلال قمة شجرة التطور، ولكن ربما في المستقبل، مع استمرار التطور، سيتم استبدال موقعه بآلات أكثر ذكاءً ذات قدرات عقلانية فائقة.

سيناقش هذا المقال مفهوم العقلانية وعلاقتها بالدين والعلم، ومفارقات العقلانية التي يواجها الإنسان.

تُعرَّف العقلانية بأنها اتجاه فلسفي ينظر إلى العقل باعتباره المصدر الأكثر موثوقية للمعرفة، وأن الإنسان يستطيع الوصول إلى الحقائق الكبرى عبر التفكير المنطقي والاستدلال، وليس من خلال الحواس وحدها.

برزت العقلانية في أوروبا خلال القرن السابع عشر، مع فلاسفة اعتبروا العقل أساسًا لكل معرفة يقينية، وكان أبرزهم ديكارت الذي جعل التفكير أساس الوجود، وسبينوزا الذي رأى أن الكون منظم وفق قوانين عقلية. هؤلاء الفلاسفة حاولوا بناء معرفة شاملة تعتمد على العقل وحده، وتفسر الطبيعة والإنسان وفق مبادئ منطقية صارمة.

يؤمن العقلانيون بأن الإنسان يولد مزوّدًا ببديهيات عقلية فطريه، مثل مبادئ الرياضيات والمنطق، وان العقل قادر على إدراك حقائق سابقة على التجربة، وان الشك المنهجي أداة لتصفية الأفكار، ومقاومه الاعتماد على الحواس، التي تُعتبر مصدرًا غير موثوق به للمعرفة اليقينية٠وهناك أيضاً اعتقاد بأن قوانين العقل تتوافق مع قوانين الطبيعة، وأن الكون منظم بطريقة يمكن للعقل أن يفهمها تماماً.

تُعد العلاقة بين العقلانية والإيمان الديني واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل في الفلسفة، ويجب تحليل هذه العلاقة من منظور أكاديمي محايد لفهم هذه العلاقة المعقدة التي تتشابك فيها أسئلة المعرفة والوجود والغاية. فالعقلانية والإيمان نظامين معرفيين مستقلين نسبيًا، لكل منهما أدوات هو حدوده ومجاله الخاص، والتوتر بينهما هو تعبير عن اختلاف في طبيعة الأسئلة التي يسعى كل منهما إلى الإجابة عليها.

العقلانية هي الافتراض بأن الواقع نفسه له بنية عقلية يمكن إدراكها من خلال مبادئ الرياضيات والمنطق دون الحاجة إلى تجربة حسية، وأن الواقع منظم بطريقة تسمح للعقل بفهمه. في المقابل، يعتمد الإيمان الديني على الوحي، الذي يوفر معرفة تتجاوز حدود العقل التجريبي. ويقوم الإطار المعرفي للإيمان على تفسير غاية الوجود، واستنباط الأخلاق من مصدر غير بشري، وقبول ما هو غير مرئي، الذي لا يستطيع العقل وحده إدراكه. وهكذا، يُقدّم الإيمان نوعًا آخر من المعرفة المرتبطة بالغاية والمعنى. تُبيّن الفلسفة الحديثة، ولا سيما وفقًا لكانط، أن للعقل حدودًا لا يمكن تجاوزها، أبرزها عجزه عن إثبات الغايات النهائية وتقديم معنى شامل للوجود.  وبالمثل، فإن للوحي حدود معرفية، كعجزه عن تقديم برهان عقلاني واعتماده على الإيمان بدلًا من الاستدلال.

توجد نماذج مختلفة لفهم العلاقة بين العقلانية والإيمان. أحدها نموذجٌ توافقي، يفترض أن العقل والوحي يكشفان الحقيقة نفسها بطرق مختلفة. وآخر نموذجٌ انفصالي، يميز بين العقل والإيمان، ويربط العقل بالمعرفة والإيمان بالمعنى والأخلاق. أما نموذج الصراع فينظر إلى الدين على أنه ينتمي إلى مرحلة ما قبل العقلانية.

ربما أفضل موقف هو اعتبار أي توتر بين العقلانية والإيمان بمثابة تعبير عن ثراء التجربة الإنسانية، حيث يسعى العقل إلى الحقيقة البرهانية ويسعى الإيمان إلى الحقيقة الروحانية٠

تتداخل العلاقة بين العقلانية والمعرفة العلمية في مسائل المنهج، واليقين، والحدود المعرفية. تؤكد العقلانية أن العقل قادر على إنتاج مبادئ عامة تُنظّم التفكير، وانها قادره علي فهم الواقع ضمن إطار نظري يسبق التجربة. في المقابل، يعتمد العلم علي الملاحظة المنهجيه، وصياغة الفرضيات، والاختبار التجريبي، والتفسير السببي للظواهر.

في الواقع، تتكامل العقلانية مع المعرفة العلمية على مستويات عديدة. فالعقلانية هي أساس العلم لأنها تفترض السببية، وإمكانية قياس الظواهر، وصحة الاستدلال المنطقي. ويرتكز العلم على بنية عقليه تسبق التجربة، حيث توفر العقلانية مبادئ عامة، ويختبر العلم صحتها، مما يجعل العلم تصحيحًا مستمرًا للعقلانية النظرية. مع ذلك، هناك نقاط توتر بينهما، فالعقلانية تبحث عن يقين ضروري، بينما يقبل العلم اليقين الاحتمالي، وتفسير الواقع عبر نماذج قابلة للتعديل، فالعلم يتغير بتغير الأدلة، بينما العقلانية أكثر ثباتًا.

توجد نماذج مختلفة تُعبّر عن العلاقة بين العقلانية والعلم: النموذج العقلاني الكلاسيكي، حيث يُنظر إلى العلم على أنه تطبيق للمبادئ العقلانية؛ والنموذج التجريبي، حيث تُختزل المعرفة إلى التجربة وحدها؛ والنموذج النقدي، حيث يُنظر إلى العقل على أنه يُهيئ الظروف للتجريب العلمي؛ والنموذج المعاصر، الذي جسّده فيلسوف العلم كارل بوبر، حيث يُنظر إلى العلم على أنه عملية مستمرة لنقد الفرضيات العقلانية. وبالتالي، يمكن القول إن العقلانية تُوفّر الإطار النظري الذي يجعل العلم ممكنًا، والعلم يُوفّر الاختبار التجريبي الذي يجعل العقلانية قابلة للتحقق. وهكذا، تُثري هذه العلاقة فهم البشرية للعالم.

توجد مفارقات جوهرية في العقلانية. يسعى العقل إلى توحيد وجهات النظر ودمجها، ولكنه في الوقت نفسه يخلق اختلافات من خلال عملياته التحليلية، مما ينتج عنه عدد لا حصر له من التفسيرات المختلفة. وهكذا، تقوم العقلانية على التناقض والاختبارات المتتالية للتناقض والتوفيق. ولا يستقر المسار الجدلي للعقل على حالة نهائية، وأي محاولة لتجميد العقل في معرفة نهائية تتلاشى سريعًا، لأن العقلانية، في جوهرها، هي فلسفة للاختلاف بقدر ما هي فلسفة النظام.

إن العقل، كاللغة، نظام واحد يوحد المتحدثين به، ولكنه أيضاً أداة لإنتاج عدد لا يحصى من الخطابات المختلفة. وبينما تؤدي العقلانية إلى وحدة الإطار والمنهجية، فإنها لا تستبعد الاختلاف، بل تُضفي الشرعية على كل تفسير٠

وهكذا، يبقى العقل في حالة توتر، يطرح الأسئلة، ولا يستقر على إجابات نهائية. لا تؤدي العقلانية إلى يقين مطلق، بل إلى يقين مؤقت قابل للتفكيك وإعادة البناء، وكل تفكيك ينتج عنه اختلاف معرفي جديد.

تحوّلت العقلانية في العصر الحديث، إلى أداة لتبرير مشاريع سياسية متعددة، ولم تعد معيارًا للتمييز بين الصواب والخطأ٠مع ذلك، تبقى العقلانيه أداة فعّالة لدحض الخرافات والادعاءات الباطلة.

يدرس العقل النقدي الأدلة، ويبحث عن البدائل، ضمن إطار من المسؤولية. فهو لا يترك الأمور للفوضى العارمة، بل يُخضعها لمنطق الحوار الموضوعي.

ختاماً، العقلانية هي تفسير متواصل لعالم يتحدى اختزاله إلى حقيقة واحدة. ورغم أنها قد لا تقدم الحقيقة المطلقة عن العالم، إلا أنها أداة حيوية لتفكيك المعرفة الزائفة. ومن خلالها، تتعلم البشرية مواجهة المجهول وإدراك أن السعادة تكمن في السعي وراء المعرفة، متقبلةً كل الصعوبات ومدركةً وجود وسائل متنوعة لاكتسابها.

***

د. سامح مرقس

 

"إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا نحن، فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم هم؟" مايكن كاريدرس الأنثربولوجيا الثقافية

يشيع في الكتابات الفكرية والأكاديمية استعمال كلمتي المفهوم والمصطلح كما لو أنهما مترادفان، حتى أصبح الخلط بينهما أمراً مألوفاً لا يكاد يلتفت إليه كثير من الباحثين. غير أن هذا الخلط ليس مجرد خطأ لغوي أو اصطلاحي، بل يعكس في العمق خللاً في طريقة التفكير نفسها. فحين نخلط بين المفهوم والمصطلح فإننا نخلط بين الفكر واللغة، وبين المعنى واللفظ، وبين ما ينتجه العقل وما تنقله الكلمات.

ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه أن المفهوم يسبق المصطلح وجوداً، بينما المصطلح يسبق المفهوم تداولاً. فالإنسان يدرك الأشياء أولاً، ثم يحاول التعبير عنها. غير أن هذه العلاقة البسيطة سرعان ما تصبح أكثر تعقيداً حين ندخل عالم المعرفة العلمية والفلسفية؛ إذ لا تعود الكلمات مجرد أسماء للأشياء، بل تتحول إلى أدوات لإنتاج المعرفة نفسها.

المفهوم هو بناء عقلي مجرد، أو صورة ذهنية منظمة، تتكون في العقل نتيجة التجربة والتأمل والمقارنة والتجريد. إنه ليس الشيء ذاته، ولا اسمه، وإنما المعنى الكامن وراء الاسم. أما المصطلح فهو الوعاء اللغوي الذي يحمل هذا المعنى، وهو الكلمة أو العبارة التي يتفق أهل الاختصاص على استخدامها للدلالة على مفهوم معين.

إذ إن العلاقة بين المفهوم والمصطلح تشبه العلاقة بين الروح والجسد؛ فالمفهوم يمنح المصطلح حياته ودلالته، بينما يمنح المصطلح المفهوم شكله القابل للتداول والتواصل. فإذا انفصل أحدهما عن الآخر فقد كلاهما وظيفته؛ فالمفهوم بلا مصطلح يبقى فكرة حبيسة الذهن، والمصطلح بلا مفهوم يتحول إلى لفظ أجوف تتداوله الألسن دون أن يحمل معنى حقيقياً.

غير أن السؤال الفلسفي لا يتوقف عند العلاقة بين المفهوم والمصطلح، بل يمتد إلى سؤال أكثر عمقاً: ما طبيعة العلاقة بين الكلمة والشيء؟ هل الاسم هو المسمى؟ وهل الألفاظ تحمل المعاني في ذاتها أم أنها مجرد رموز تشير إليها؟ هنا ندخل إلى أحد أهم ميادين الفلسفة المعاصرة، وهو فلسفة اللغة، التي كشفت أن الكلمات لا تمتلك معانيها بصورة طبيعية، وإنما تستمدها من السياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تُستعمل فيها. فالكلمة ليست الشيء ذاته، وإنما علامة عليه. إنها، كما يقول موريس بلانشو، تحضر بوصفها إعلاناً عن غياب الشيء لا عن حضوره؛ فعندما ننطق بكلمة “بحر” لا يحضر البحر، بل تحضر صورته في وعينا، بما تحمله من ذكريات وتجارب وانفعالات تختلف من إنسان إلى آخر ومن هنا كان الخطأ المعرفي الأكبر هو المطابقة بين الكلمة والشيء، أو بين الدال والمدلول، وهو ما نبه إليه ألفرد كورزيبسكي حين صاغ عبارته الشهيرة: “الخريطة ليست الأرض”. فالكلمات ليست الواقع، وإنما أدوات لفهمه، وكلما ظن الإنسان أن اللفظ هو الحقيقة ذاتها، وقع أسيراً لما يمكن تسميته “عبودية الكلمات”

أن مثل هذة الإشكال من التجارب الثابتة مع الكلمات هي نوع من التحيز والتعصب الأعمى، عند الذين يبدو وكأن لديهم في ادمغتهم نقطة مكشوفة بحيث انها لو مست بكلمات لا يرغبون بحدث لديهم لتماس كهربائي أو شرت قد يحترق المصباح الكهربائي" المين سوتش"كله. ويعتقد الفريد" كورز يبسكي" مؤسس علم تطور المعنى العام": أن مثل هذا النوع من الاستجابات المكهربة: هي استجابة التسوية في الهوية،وهذا نمط من العقول يمكن وصفه بالعقول الأحادية البعد، التي لا تميز بين الرمز وما يرمز إليه، ولا بين الاسم والمسمى، فتتعامل مع الكلمات وكأنها حقائق مقدسة أو مدنسة في ذاتها. وما إن تسمع ألفاظاً مثل: الاشتراكية، أو العلمانية، أو الليبرالية، أو السلفية، حتى تستجيب لها انفعالياً قبل أن تسأل عن معناها أو سياقها. إنها لا تناقش المفاهيم، بل تحاكم الألفاظ، وتخلط بين الخريطة والأرض، وبين الرمز والواقع. ومن هنا يتولد التعصب، ويضيق أفق الحوار، وتتحول اللغة من جسر للتفاهم إلى أداة للاستقطاب والصراع ولعل الصحابي علي بن أبي طالب ، أدرك هذه الحقيقة مبكراً حين أوصى أبا موسى الأشعري في مناظرته للخوارج قائلاً: “لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمّال أوجه”. وهي إشارة بليغة إلى أن النصوص والكلمات لا تنطق بذاتها، وإنما يفسرها البشر وفق عقولهم وخبراتهم وأطرهم الثقافية.

إن كثيراً من الأزمات الفكرية في ثقافتنا العربية ترجع إلى التعامل مع المصطلحات وكأنها حقائق نهائية، بينما هي في الأصل مجرد علامات لغوية تشير إلى مفاهيم قابلة للنقد والمراجعة وإعادة البناء. ولهذا نختلف حول كلمات مثل: الحداثة، الهوية، الحرية، الديمقراطية، العقلانية، الأصالة، التراث، والعلمانية، لأننا كثيراً ما نناقش المصطلحات قبل أن نتفق على مفاهيمها.

فالخلاف في الغالب لا يكون حول اللفظ، وإنما حول المعنى الذي يحمله هذا اللفظ. وقد يستخدم باحثان المصطلح نفسه بينما يقصد كل منهما مفهوماً مختلفاً تماماً، فتتحول المناظرة إلى حوار بين عالمين لا يلتقيان. ولذلك فإن أول شروط التفكير العلمي هو تحرير المفاهيم قبل استعمال المصطلحات.

وهنا تظهر أهمية الفلسفة؛ فالفلسفة ليست علماً للمصطلحات، وإنما هي علم للمفاهيم. إنها لا تكتفي بتعريف الكلمات، بل تسأل عن المعاني الكامنة وراء الكلمات، وعن العلاقات التي تربط المفاهيم بعضها ببعض، وعن الشروط التاريخية والثقافية التي أنتجتها. ولهذا وصف جيل دولوز الفلسفة بأنها فن خلق المفاهيم، لأن المفهوم ليس معطى جاهزاً، بل بناء فكري يتطور باستمرار.

ومن هذا المنطلق يصبح التفكير الفلسفي انتقالاً من الكلمات إلى المعاني، ومن الألفاظ إلى البنى العقلية، ومن اللغة إلى الفكر. فليس المهم أن نحفظ المصطلحات، وإنما أن نفهم المفاهيم التي تشير إليها. ولهذا فإن كثرة المصطلحات لا تعني بالضرورة عمقاً فكرياً، كما أن بساطة اللغة لا تعني بالضرورة بساطة المفاهيم.

والفرق الجوهري بين الصورة والمفهوم أن الصورة تمثل شيئاً معيناً، بينما المفهوم يمثل فئة كاملة من الأشياء. الصورة تقول: هذا الإنسان، وهذه الشجرة، وهذا البحر. أما المفهوم فيقول: الإنسان، والشجرة، والبحر بوصفها معاني كلية تتجاوز الأفراد.

ومن هنا يمكن القول إن الحضارة الإنسانية هي تاريخ الانتقال التدريجي من سيادة الصور إلى سيادة المفاهيم. فالأسطورة تفكر بالصور، بينما الفلسفة تفكر بالمفاهيم. والخرافة تقدم صوراً مدهشة، بينما العلم يقدم مفاهيم قابلة للاختبار. وحتى الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته الهائلة على إنتاج الصور، فإنه لا يصبح ذكياً بالمعنى الحقيقي إلا حين يستطيع التعامل مع المفاهيم والعلاقات المجردة.

إن الأمم التي تفكر بالمفاهيم تمتلك القدرة على إنتاج العلوم والنظريات وصناعة المستقبل، أما الأمم التي تكتفي بتداول المصطلحات أو الانبهار بالصور، فإنها تظل تدور في دائرة الاستهلاك المعرفي، مهما بلغت ثروتها اللغوية أو كثافة خطابها الإعلامي.

ختاما، يمكن تلخيص العلاقة بين المفهوم والمصطلح في عبارة واحدة: المفهوم المجرد هو عقل المعرفة، والمصطلح هو لسانها؛ فإذا صلح العقل استقام اللسان، وإذا ضاع المفهوم أصبحت المصطلحات أقنعة تتخفى وراءها الأوهام. ومن هنا فإن أولى خطوات التجديد الفكري ليست اختراع ألفاظ جديدة، بل إعادة هندسة المفاهيم التي نفكر بها، لأن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما تصوغه مفاهيمه.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

تهافت العقلانية الجيوسياسية للشرق الأوسط

الشخصيات المفاهيمية: يوضح ألان دونو أن الهيمنة الشاملة لنظام التفاهة يستدعي تصنيف شخصيات مفاهيمية محددة تجسد ردود الفعل المختلفة تجاه هذا النسق الشمولي، وتكشف في الوقت ذاته كيف يعيد النظام إنتاج أدواته بفاعلية. تعكس هذه الشخصيات (نماذج رمزية مجردة وبروفايلات سلوكية) أنماط التكيف الذاتي مع المنظومة الرأسمالية على النحو الآتي:

الرافض المنسحب: وهو الذي يرفض النظام القائم كلياً ويختار الانسحاب المنعزل من دائرته، فيظل معزولاً ومفتقراً للفعالية السياسية والتغييرية الميدانية.

التافه بالطبيعة: وهو الكائن الذي يصدق أكاذيب النظام، ويعتنق أيديولوجياته بلا مسألة، ويرى ممارسات العصر النفعية أمراً طبيعياً، مشكلاً بذلك القاعدة الشعبية الصلبة والمستهلكة والداعمة لاستقرار المنظومة.

أستاذ المكائد: الانتهازي الشغوف بالسلطة، والذي يتصف بعدم الاقتناع العميق بأي مبدأ، ويكون متاحاً باستمرار لكل الاصطفافات المصلحية؛ وهو ما يمثل النخب السياسية والإدارية الصاعدة التي تدير آليات الفساد.

التافه رغماً عنه: وهو الذي يعي رداءة النظام وهشاشته لكنه يضطر للامتثال لمتطلبات الوظيفة والبقاء المادي، فيغذي عجلة الاقتصاد اليومي تحت وطأة الحاجة والإكراه البنيوي.

إن هذه الشخصيات المفاهيمية تجد ترجمتها المادية في الشرق الأوسط من خلال صعود "الأشباه" إلى سدة النفوذ وصناعة القرار. فالأنظمة التبعية وبُنى الفساد لا تعتمد فقط على القمع المباشر، بل تعتمد بشكل حيوي على "أشباه السياسيين"، و"أشباه المثقفين"، و"أشباه الإعلاميين"، و"أشباه رجال الأعمال"، ليكونوا بمثابة الدورة الدموية الفاسدة التي تضمن بقاء التبعية وتمرير سياسات الليبرالية الجديدة المهلكة للشعوب.

من سيولة المقاومة إلى شلل الانتباهة

تتبدى القوة التدميرية الكبرى لنظام التفاهة في قدرته البالغة على دمج حركات الرفض وردود الفعل المقاومة، وإعادة إنتاجها داخل أطر التفاهة والاستهلاك ذاتها. إن هذا الاحتواء الممنهج يمكن تفسيره فلسفياً من خلال التقاطع الحرج بين "مجتمع الاستعراض" لغي ديبور و"الحداثة السائلة" لزيجمونت باومان.

يطرح ديبور أن الاستعراض ليس مجرد تراكم للصور، بل هو علاقة اجتماعية بين الأفراد تتوسطها الصور، حيث يغدو حضور الفرد مشروطاً بظهوره ضمن منطق الصورة والسلعة. وهنا يبرز الدور الوظيفي للكذب السياسي الإعلامي؛ إذ لا يكتفي الإعلام المعاصر بنقل الخبر، بل يمارس هندسة مأجورة للوعي تتمأسس على التزييف وتفريغ المفاهيم. عبر الضخ الإعلامي المكثف والمحترف، يتم نزع السياق التاريخي والعمق الدلالي للمأساة الإنسانية، لتتحول المقاومة ودماء الضحايا إلى ما يشبه "الاستعراض الشاشاتي الحي".

إن هذا الكذب السياسي المتواصل عبر وسائل الإعلام يخلق حالة مرضية من الموت الشعوري؛ إذ يُغمر المواطن بسيل لا ينقطع من المشاهد المتناقضة والصدمات المتتالية، مما يؤدي تدريجياً إلى تخدير الوعي العام، وغياب "الانتباهة النقدية"، وتلاشي "الدهشة " الفلسفية التي تتولد عادةً عند مواجهة الظلم والقهر.اذ يتحول المواطن بفعل هذا التسطيح الإعلامي من ذائقة متأملة وفاعلة إلى حالة متقدمة من "اللااهتمام" والحياد السلبي تجاه ما يدور حوله.

في هذا الفضاء، سيقع الفعل المقاوم في فخ التسييل والاستهلاك الرقمي؛ إذ يتسمر المشاهد المعاصر أمام شاشته مستهلكاً لصور القتل والدمار كأنه منتج (فرجوي) يومي. ويتحول التضامن مع القضايا العادلة إلى تضامن مشروط بحجم المشاهدات والتفاعلات على المنصات الرقمية، مما يحول الفعل الأخلاقي الصلب إلى "تضامن استهلاكي" مؤقت وهش. إن الرغبة في التعبير واستعراض التضامن تفضي بالذات الرقمية إلى إنتاج وهم "السعادة الافتراضية"، بينما تظل القوى الحقيقية على الأرض محكومة بصراعات دموية وتوازنات قوة مادية غاشمة لا تؤثر في مجرياتها الفضاءات الافتراضية.

تتعزز هذه السيولة بفعل بنية الحداثة السائلة، حيث تذوب الروابط الاجتماعية المستقرة والهويات الصلبة لتستبدل بعلاقات افتراضية عاجلة تهيمن عليها نزعة الاستهلاك الفوري. إن الفرد الذي يسعى للمقاومة يضطر لاستخدام أدواته ومنصاته ولغته الرقمية لكي يُسمع صوته خارج الدوائر الضيقة. هذا الاستخدام الاضطراري يفرض على المقاوم صياغة خطابه بلغة النظام وصوره المبتورة، مما يؤدي فلسفياً إلى ابتلاع المقاومة داخل قيم المنظومة التي يسعى لتفكيكها.

تناول الفيلسوف بيونغ تشول هان هذه الظاهرة في نقد "مجتمع الشفافية"، مبيناً أن طغيان المرئي يمثل نوعاً من الفحش البصري الذي ينفي جلال الحضور الحقيقي والقداسة. فالصورة المستمرة من دون مسافة حجاب تحول التفكير النقدي الكثيف إلى مجرد عمليات حسابية خوارزمية سريعة. وعلى النحو ذاته، يرى تيودور أدورنو في نظريته الجمالية أن السوق الرأسمالية تهدد الفن وفاعلية الموقف النقدي حين تحول العمل الإبداعي والمقاوم إلى مجرد مروج إعلاني وتجاري، مما يستوجب الحفاظ على مسافة نقدية جمالية صلبة لمواجهة الهيمنة الرأسمالية التي تسعى لتسليع كل أشكال التمرد.

السياسة بين سلطة القوة وسيولة الرد

تتجلى الهزيمة الفلسفية الكبرى للعقلانية المعاصرة في صعود "العقلانية الأداتية" التي انتقدتها مدرسة فرانكفورت بقوة؛ حيث أُحيل العقل من أداة لتحقيق التحرر والانعتاق الإنساني إلى محض تقنية رياضية وحسابية تهدف إلى السيطرة على الطبيعة والإنسان لإعادة إنتاج علاقات الهيمنة. في ظل هذا النسق الأداتي، تُقصى الأحكام القيمية والأخلاقية والتأويلية بوصفها خارجة عن نطاق العلم الوضعي الضيق، وتُوظف التقنية الحديثة كأيديولوجيا تبرر السيطرة والقهر وتزاوج على نحو مقيت بين التقدم الصناعي والخرافات السياسية والاجتماعية لتثبيت الواقع القائم.

يترافق هذا الانهزام مع ما شخصه (باومان) من انفصال مأساوي بين "السلطة" و"السياسة". فبينما تحررت السلطة من الحدود والقيود القومية والترابية لتستقر في الفضاءات السائلة لرأس المال المعولم، بقيت السياسة محلية وعاجزة ومقيدة بالحدود الجغرافية. هذا الانفصال أفرغ السياسة من محتواها وصنع القرار الفعلي، تاركاً الساحة الدولية والمحلية لـ "سلطة القوة" العارية التي تفرض إرادتها من دون سند قيمي أو تواصل عقلاني. ضمن هذا الإطار الجيوسياسي، تبرز ظاهرة "سيولة الرد" كأثر مباشر لغياب الأطر المؤسسية الصلبة وتفكك الدولة الوطنية المستقلة؛ إذ يصبح الفعل المقاوم أو المعترض متغيراً ومؤقتاً وخاضعاً للظروف اللحظية، مما يمنع تشكيل مشروع تحرري دائم ومتماسك.

البعد الفلسفي للاستسلام وتفكيك السيادة من الداخل

يتخذ الاستسلام الممنهج لمجتمعات التفاهة في الشرق الأوسط بعداً فلسفياً عميقاً ينبع من فقدان السيادة التاريخية وتعميق التبعية البنيوية للمراكز الرأسمالية. فالرأسمالية النفعية في سياق حروب المنطقة لا تكتفي بوضع اليد على الموارد الطبيعية كالنفط، بل تعمل بنشاط على إعادة صياغة الوعي الجمعي المحلي لتقبل الهزيمة والاستسلام بوصفهما خياراً "عقلانياً" وحيداً. يتحقق هذا من خلال آليات ممنهجة تقودها السلطة المحلية الموالية للرأسمالية، والتي تقتضي قوانينها تركيز الثروات في يد أقلية طفيلية والاعتماد على الأنشطة المالية الموازية لتبييض الأموال.

يتجلى هذا الاستسلام الممنهج من خلال خطوات بنيوية متكاملة، تجريف الوعي النقدي الجماهيري واستبدال السياسة الحقيقية بثقافة استهلاكية متوحشة، ومحتويات ترفيهية مسطحة، ورياضات جماهيرية لتبديد طاقات الجماهير.

مأسسة التدليس الثقافي والأكاديمي

ان خضوع الجامعات ومراكز البحث والتعليم لإملاءات التمويل، تحولها إلى مصانع تنتج خبراء وظيفيين فاقدي القدرة على التفكير التأملي والنقد الاجتماعي، ومستعدين لتبرير السياسات الاقتصادية والاجتماعية الكارثية بذريعة السلطوية الإدارية والتقنية.لذا تكشف القراءة التفكيكية الفلسفية لتاريخ الصراعات الطويلة في الشرق الأوسط عن قانون صارم يحكم حركتها الجيوسياسية.

اذ لا يمكن بناء دولة مستقلة أو صيانة كرامة مجتمعية عبر تجريد الذات طوعاً من عناصر القوة المادية مقابل وعود خطية وضمانات دولية وهمية. إن الاستسلام الطوعي يمثل شكلاً من أشكال التفكيك الأحادي للسيادة من الداخل، وهو ما يتضح بجلاء عند تحليل المحطات التاريخية الكبرى في المنطقة.

أثبتت التجارب أن الدولة لا تُبنى بالتجريد النظري بل بخاصية الاستبدال والاستعاضة؛ أي عدم نزع الدرع أو كسر الأداة الحامية قبل بناء مؤسسة وطنية بديلة مكافئة وقادرة على صد سيف العدو. غير أن لغة الإدارة الجوفاء والوعود الدولية المدعومة لا تتبنى هذا الموقف المقاوم، بل تسهم في إدامة الارتهان.

استنتاجات فلسفية ونقدية

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن تمكّن منظومة التفاهة من المشهد الصراعي في الشرق الأوسط يُحدث قطيعة مع القراءات التبسيطية السائدة، مُفضياً إلى رؤية نقدية تُعيد قراءة الصراع بوصفه أزمة وعي وهشاشة بنيوية، لا مجرد تجاذبات سياسية عابرة من خلال:

نزع الفاعلية الرقمية

إن حصر حركات التضامن والمقاومة في المساحات الافتراضية والشبكات الرقمية يسلبها قدرتها التغييرية الفعلية، ويحولها إلى سلع وصور قابلة للاستهلاك اليومي، مما يخدم البنية التحتية للرأسمالية والشركات المالكة للمنصات.

تحرير اللسان الفلسفي

لا يمكن مواجهة نظام التفاهة باستخدام قاموسه اللغوي الأجوف، بل يجب استعادة شحنة المعنى للمفاهيم التاريخية الكبرى كالمواطنة، والصراع البنيوي، والسيادة المادية، والحقوق الجمعية للشعوب.

تفكيك نخب التبعية

تتطلب مجابهة الاستسلام الممنهج تعرية "أشباه النخب" والمثقفين التابعين لتمويل الشركات والمؤسسات العابرة للحدود، وإعادة الاعتبار للمثقف العضوي والوعي النقدي والجامعات بوصفها حصوناً لإنتاج المعرفة الحرة الملتزمة بقضايا التحرر والإنسان.

***

غالب المسعودي

من منظور الدكتور جورج طرابيشي.. مقاربة ما بعد نقدية

مقدمة: في مواجهة أزمة الفكر العربي المعاصر، يبرز جورج طرابيشي (1939-2016) كمفكر سوري عميق النقد، يقدم رؤية شاملة لمصائر الفكر الفلسفي العربي الإسلامي. مشروعه الرئيسي "نقد نقد العقل العربي" (في أربعة مجلدات) ليس مجرد رد على محمد عابد الجابري، بل هو مقاربة ما بعد نقدية تتجاوز النقد السطحي إلى إعادة بناء فهم التراث. يرى طرابيشي أن الفكر الفلسفي العربي الإسلامي يواجه مصيراً محكوماً بالتوتر بين الوحدة البنيوية للعقل العربي والانقسامات الإيديولوجية التي فرضتها الحداثة والأصولية. مقاربته ما بعد نقدية تتسم بتجاوز مرحلة "النقد" البسيط (نقد التراث) إلى "نقد النقد"، ثم إلى إعادة القراءة والتأسيس. يرفض التقسيمات الجغرافية أو المذهبية التي تجزئ العقل العربي، مؤكداً وحدته عبر التاريخ، وداعياً إلى علمانية إسلامية حضارية تسمح بتحرير العقل دون قطع مع التراث. هذه الرؤية تنبع من تحول طرابيشي الشخصي: من الماركسية والقومية إلى مواجهة التراث بعد هزيمة 1967 وفشل المشاريع الحداثية. على ماذا أقام جورج طرابيشي نقده المزدوج للفلسفة العربية وقراءة الجابري للتراث؟

وحدة العقل العربي الإسلامي: نقد التقسيمات

يبدأ طرابيشي من تأكيد وحدة بنية العقل العربي الإسلامي، رافضاً تقسيم الجابري للتراث إلى "عقل بياني" مغربي و"عقل عرفاني" مشرقي. يرى أن هذا التقسيم إيديولوجي، يخدم أجندات سياسية معاصرة أكثر مما يعكس الواقع التاريخي. الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، من الكندي والفارابي إلى ابن رشد والغزالي، يشكل نسيجاً واحداً، يجمع بين العقلانية والروحانية، رغم التوترات الداخلية. مصير هذا الفكر، حسب طرابيشي، محكوم بهذه الوحدة: فهو قادر على الإبداع عندما يحتضن تناقضاته، لكنه يتعثر عندما يُجزأ أو يُسجن في قراءات أحادية. ينتقد طرابيشي "الإبستمولوجيا الجغرافية" التي تجعل المغرب رمزاً للعقلانية والمشرق للعرفان، معتبراً إياها تشويهاً للتاريخ. العقل العربي واحد في بنيته، يستوعب اليوناني والإسلامي، ومصيره مرتبط بقدرته على استيعاب الذات والآخر.

ابن رشد في منظور طرابيشي

يمثل ابن رشد (1126-1198) ذروة الفكر الفلسفي العربي الإسلامي في نظر جورج طرابيشي، لكنه أيضاً نموذج لمصائر هذا الفكر بين الإمكانية العقلانية والركود التاريخي. يطبق طرابيشي منهجه "ما بعد النقدي" – الذي يتجاوز نقد التراث إلى "نقد النقد" ثم إعادة البناء – على ابن رشد ليؤكد وحدة العقل العربي الإسلامي، ويبرز "العلمانية الحضارية" في الإسلام، ويشخص أسباب "السبات" الذي أصاب الفلسفة بعد ابن رشد. هذا التطبيق ليس تكراراً لقراءات سابقة، بل إعادة قراءة أثرية وتفكيكية تعيد بناء صورة ابن رشد كرمز للعقل المستقل، قادر على التوفيق بين الفلسفة والشريعة دون إخضاع أحدهما للآخر. لذلك يرفض طرابيشي تقسيم العقل العربي إلى تيارات متعارضة (بياني/عرفاني، مغربي/مشرقي). ابن رشد، الأندلسي المغربي، يثبت هذه الوحدة: هو يستلهم التراث المشرقي (الفارابي، ابن سينا) ويطوره، ويواجه تحديات مشابهة لتلك التي واجهها المتصوفة أو المتكلمين في المشرق. تطبيق منهج طرابيشي يكشف أن "فصل المقال" و"كشف المناهج" و"تهافت التهافت" يعبر عن بنية عقلية واحدة: عقل يؤمن بالتوافق بين الحقيقة الفلسفية (البرهان) والحقيقة الدينية (الشريعة)، مع تفوق البرهان للخاصة. هذا ليس تناقضاً، بل تعبيراً عن وحدة العقل العربي الذي يستوعب اليوناني (أرسطو) داخل الإسلامي. ابن رشد لم يكن "مفكراً غربياً" سابقاً لعصره، بل امتداداً طبيعياً لتيار عقلاني إسلامي متواصل.

العلمانية الحضارية عند ابن رشد

يؤكد طرابيشي أن الإسلام الأول كان علمانياً حضارياً، والفصل بين الدين والدولة/الفلسفة كان ممكناً. ابن رشد يجسد هذا: يدافع عن استقلال الفلسفة عن الشريعة في "فصل المقال"، معتبراً أن الوحي يخاطب العوام بالمجاز، بينما يخاطب الخاصة بالبرهان. تطبيق المنهج الطرابيشي هنا يفكك "الأسطورة الغزالية" التي ترى في الغزالي قاتل الفلسفة. ابن رشد لم يهزم تماماً؛ بل بقي "عقلاً مستقلًا" في الإسلام، يمثل إمكانية حداثة داخلية. مصيره (النفي والحرق) يعكس انتصار التيار الفقهي، لكنه لا يلغي الإمكانية العقلانية الكامنة في التراث. طرابيشي يرى في ابن رشد نموذجاً لـ"العلمانية الإسلامية": فصل الاختصاصات دون إنكار الدين.

ينتقد طرابيشي قراءات الجابري التي تجعل ابن رشد رمزاً "مغربياً بيانياً" مقابل العرفان المشرقي. تطبيق المنهج يكشف أن ابن رشد يجمع بين البيان والبرهان والعرفان (في تفسيره للنصوص). "تهافت التهافت" ليس رفضاً للغزالي فقط، بل دفاعاً عن وحدة الحقيقة. طرابيشي يطبق المنهج الأثري: يعيد قراءة ابن رشد في سياقه التاريخي (الدولة الموحدية، التوتر مع الفقهاء)، ثم يعيد بناءه للعصر الحديث. ابن رشد ليس "أرسطوطالياً" محضاً، بل فيلسوفاً إسلامياً يؤسس لعقلانية توافقية. مصيره التاريخي (التهميش) يفسر "سبات العقل" في الإسلام، لكنه يبقي الباب مفتوحاً للإحياء.

من هذا المنطلق يطبق طرابيشي رؤيته لمصائر الفكر على ابن رشد:

السبات لا الموت: الفلسفة الرشدية لم تمت، بل دخلت في سبات بسبب هيمنة "الأنا الأعلى" الفقهي.

الإمكانية الحداثية: ابن رشد يقدم نموذجاً لتوفيق بين العقل والنقل، يمكن أن يكون أساساً لعلمانية عربية إسلامية.

الانجراح التاريخي: نفي ابن رشد وإحراق كتبه يمثل انجراحاً جمعياً أدى إلى "المرض بالغرب" أو الأصولية لاحقاً.

إعادة البناء: القراءة الطرابيشية تدعو إلى إحياء الروح الرشدية: عقل برهاني يخدم المجتمع دون خضوع للسلطة الدينية أو السياسية.

هكذا يخرج تطبيق منهج طرابيشي على ابن رشد بصورة فيلسوف يجسد وحدة العقل العربي الإسلامي، وقدرته على الاستقلال والتوفيق. هذا التطبيق ما بعد نقدي يتجاوز الاحتفاء التقليدي أو النقد الجابري، ليؤسس قراءة تجددية: ابن رشد ليس ماضياً بل إمكانية مستقبلية. في زمن الأزمات، يصبح ابن رشد رمزاً للطريق الثالث: حداثة داخلية تنبع من التراث نفسه، تحرر العقل دون قطع مع الدين كحضارة. هذا التطبيق يؤكد رسالة طرابيشي: مصير الفكر العربي الإسلامي ليس محتوماً بالركود، بل رهينة قدرتنا على نقد النقد وإعادة البناء. ابن رشد ينتظر قراءة جديدة تحول سباته إلى يقظة فلسفية معاصرة.

مصائر الفلسفة بين الدين والعلمانية

يخصص طرابيشي جهداً كبيراً لمصير الفلسفة في الإسلام مقارنة بالمسيحية. في "مصائر الفلسفة في المسيحية والإسلام"، يرى أن الفلسفة في الإسلام لم تُقتل كما يُشاع، بل دخلت في "سبات" بسبب هيمنة الفقه والكلام. ابن رشد يمثل ذروة العقلانية، لكن انتصار الغزالي (في قراءة طرابيشي النقدية) لم يكن نهاية للفلسفة، بل تحولاً أدى إلى "عقل مستقل" في بعض جوانبه. مصير الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، إذن، ليس الانهيار بل "الركود" الناتج عن سيطرة النقل على العقل. يدعو طرابيشي إلى "علمانية إسلامية" تفصل بين الدين كثقافة حضارية والدولة، دون إقصاء الإسلام. الإسلام حضارة علمانية في جوهرها الأول (في عهد النبوة والخلافة الراشدة)، والمصير المأساوي للفكر يأتي من "أسلمة" السياسة والمجتمع في العصور اللاحقة. في عصر الحداثة، يواجه هذا الفكر مصيراً مزدوجاً: إما الاستسلام للغرب (المرض بالغرب) أو الرجوع الأصولي إلى الماضي. طرابيشي يرفض الثنائية، داعياً إلى "حداثة عربية" تنبع من نقد ذاتي حقيقي، لا من تقليد أو رفض.

تعقيب على مشروعي "نقد العقل العربي" و"نقد نقد العقل العربي"

يمثل مشروع محمد عابد الجابري "نقد العقل العربي" (1980-1990) محاولة رائدة لتفكيك بنية العقل العربي الإسلامي من خلال منهج إبستمولوجي حديث. أما جورج طرابيشي فيرد عليه بمشروع ضخم "نقد نقد العقل العربي" (1996-2004، أربعة مجلدات)، يشكل مرحلة ما بعد نقدية. المقارنة بينهما تكشف اختلافات جذرية في المنهج، الرؤية للوحدة/الانقسام، تقييم التراث، والمصير المقترح للفكر العربي. الجابري ينطلق من نقد تاريخي إبستمولوجي يهدف إلى تحرير العقل من "القراءة الأيديولوجية"، بينما طرابيشي يرى في مشروع الجابري نفسه عقبة إبستمولوجية تحتاج إلى نقد أعمق.

المنهج: التفكيك مقابل نقد النقد

يعتمد الجابري منهجاً إبستمولوجياً مستلهماً من فوكو (الإبستيم) وليفي-ستراوس، يقسم العقل العربي إلى ثلاثة أنماط: بياني (مغربي، مرتبط بالفقه والأصول)، عرفاني (مشرقي، صوفي)، وبرهاني (يوناني-رشدي). يرى أن الغلبة للبياني أدت إلى ركود، ويدعو إلى إحياء البرهاني. منهجه تحليلي تفكيكي يفصل بين "العقل" كبنية والتاريخ. أما طرابيشي فيطبق "نقد النقد": يفكك منهج الجابري نفسه، متهماً إياه بالانتقائية والتشويه. يرفض التقسيم الجغرافي-المذهبي (مغرب/مشرق) كإيديولوجي، ويؤكد وحدة بنية العقل العربي عبر التاريخ. منهجه أثري (استكشاف السياقات)، تفكيكي (كشف التناقضات في قراءة الجابري)، وإعادة بنائي (إعادة صياغة المفاهيم). طرابيشي يستخدم التحليل النفسي أيضاً لتشخيص "العصاب الجمعي" في الفكر العربي. الفرق الأساسي: الجابري نقد خارجي يستورد أدوات غربية، بينما طرابيشي نقد داخلي يدافع عن أصالة التراث ووحدته.

تقييم التراث: الانقسام مقابل الوحدة

يرى الجابري التراث منقسماً: العقل البياني (الظاهر، الفقه) سيطر وأدى إلى الجمود، بينما العقل البرهاني (ابن رشد) يمثل الإمكانية الحداثية. يدعو إلى "قطيعة إبستمولوجية" مع التراث السائد. يرد طرابيشي بتأكيد الوحدة البنيوية: العقل العربي واحد، يجمع البيان والبرهان والعرفان. ابن رشد ليس استثناء مغربياً بل امتداداً لتيار متواصل. ينتقد طرابيشي الجابري بأنه "يقطع" النصوص من سياقها ويعيد تركيبها أيديولوجياً. التراث ليس ميتاً بل حياً، ومصيره يعتمد على إعادة قراءته لا تجزئته.

العلمانية والحداثة: التوفيق مقابل الفصل

يدعو الجابري إلى حداثة تقطع مع "القراءة التقليدية" وتعيد بناء العقل على أساس برهاني. العلمانية عنده ضرورية لتحرير الفكر من هيمنة الدين. يطور طرابيشي مفهوم "العلمانية الإسلامية الحضارية": الإسلام الأول كان علمانياً (فصل الدين عن الدولة عملياً)، وابن رشد يمثل استقلال الفلسفة. يرفض طرابيشي القطيعة الجذرية، داعياً إلى استيعاب التراث نقدياً داخل مشروع حداثي عربي أصيل. "المرض بالغرب" عنده نتيجة لفشل النخب في النقد الذاتي.

الركود مقابل الإحياء

يرى الجابري مصير الفكر مرتبطاً بإحياء العقل البرهاني وكسر هيمنة البياني، مما يفتح أفقاً للديمقراطية والتقدم. يؤكد طرابيشي أن المصير أعمق: بدون نقد شامل للنقد نفسه، يبقى الفكر أسيراً للأيديولوجيا. "السبات" (لا الموت) هو مصير الفلسفة بعد ابن رشد، والإحياء يتطلب علمانية داخلية ونقداً ذاتياً مستمراً. طرابيشي أكثر تشاؤماً من فشل النهضة، لكنه أكثر تفاؤلاً بإمكانيات التراث.

ما بعد الجابري وأزمة الحداثة العربية

الآفاق المستقبلية: نحو إحياء فلسفي

رغم التشاؤم الظاهري، يحمل منظور طرابيشي أملاً. مصير الفكر الفلسفي العربي الإسلامي يمكن أن يكون إحياءً إذا تحقق:

تحرير العقل من هيمنة الفقه والأيديولوجيا.

إعادة قراءة التراث بمنهج أثري وتفكيكي يعيد بناء المفاهيم.

تبني علمانية حضارية تحفظ هوية الإسلام كثقافة.

مواجهة "المرض بالغرب" دون رفض الحداثة.

التقييم العام: إسهامات ومحدوديات

إسهامات الجابري: فتح نقاشاً إبستمولوجياً واسعاً، أعاد التراث إلى الواجهة بأدوات حديثة، وأثر في أجيال من الباحثين. محدودياته (من منظور طرابيشي): الانتقائية، التقسيم الإيديولوجي، والاعتماد المفرط على أدوات غربية دون فهم كامل للوحدة العربية. إسهامات طرابيشي: عمق النقد، دافع عن الوحدة والأصالة، وربط النقد بالتحليل النفسي والحضاري.

محدودياته: التركيز الطويل على الجابري قد يبدو رد فعل، والدفاع عن الوحدة قد يقلل من التنوع التاريخي.

تمثل مقارنة نقد الجابري مع طرابيشي حواراً حيوياً داخل الفكر العربي المعاصر. الجابري فتح الباب لنقد التراث، وطرابيشي نقد النقد ذاته، مما أغنى المشهد. المشروعان يكملان بعضهما: الأول يفكك، والثاني يعيد البناء. في النهاية، يشتركان في الدعوة إلى تحرير العقل العربي، لكنهما يختلفان في الطريق: قطيعة وتقسيم عند الجابري، أو وحدة وإعادة تأسيس عند طرابيشي. هذا الحوار يظل مفتوحاً، وهو يعكس حيوية الفكر العربي وقدرته على نقد نفسه، وهو شرط أي نهضة حقيقية. لذلك يؤكد طرابيشي على دور المثقف في هذا الإحياء: ليس ناقداً سلبياً بل معمراً للعقل، يستلهم ابن رشد كرمز للعقلانية الإسلامية المستقلة.

خاتمة:

يقدم جورج طرابيشي رؤية ما بعد نقدية عميقة لمصائر الفكر الفلسفي العربي الإسلامي. يتجاوز النقد التقليدي إلى إعادة اكتشاف الوحدة البنيوية للعقل العربي، ويحذر من مصائر الركود أو الردة إذا غابت النقد الذاتي الحقيقي. مشروعه دعوة لعلمانية إسلامية حضارية تفتح أفقاً لفلسفة عربية معاصرة قادرة على استيعاب الحداثة دون فقدان الذات. في زمن التطرف والعولمة، تبقى رؤية طرابيشي شاهداً على أن مصير الفكر ليس محتوماً بالفشل، بل هو رهينة قدرتنا على نقد أنفسنا نقداً ما بعد نقدياً يؤسس لمستقبل أفضل. إنها رؤية تجمع بين التشخيص القاسي والأمل في الإحياء، فتجعل من الفكر الفلسفي العربي الإسلامي مشروعاً مفتوحاً على إمكانيات التجدد الحضاري. كما تمثل مقاربة طرابيشي "ما بعد نقدية" في كونها تنتقد النقد نفسه. مشروع الجابري، رغم أهميته، أخفق في تحقيق نقد جذري لأنه اعتمد أدوات غربية دون فهم كامل للبنية العربية. طرابيشي يفكك هذا المشروع، موضحاً تناقضاته المنهجية (استخدام فوكو وليفي-ستراوس بشكل انتقائي). مصير الفكر الفلسفي مرتبط بهذا النقد الثاني: بدون "نقد النقد"، يبقى الفكر العربي أسيراً لإيديولوجيات معاصرة تلبس ثوب التراث. يرى طرابيشي أن النهضة العربية فشلت لأنها لم تنجز نقداً ذاتياً شاملاً، فأدت إلى "الردة" بدلاً من التقدم. في "من النهضة إلى الردة"، يشخص أزمة العولمة والتطرف كنتيجة لهذا الفشل. فكيف تعامل طرابيشي مع ما بعد النقد كفعل تأسيسي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

من الإمكان الأنطولوجي إلى الإمكان التاريخي

يندرج مفهوم الإمكان ضمن أشد المفاهيم الفلسفية استعصاءً على التحديد النهائي لأنه لا يشير إلى موجود متعين بالمعنى المتعارف عليه ولا يرقى إلى مرتبة العدم المحض بل يقيم في منزلة وسطى بين الوجود والعدم، بين ما تحقق فعلاً وما لم يتحقق بعد. هذه الصعوبة البنيوية في تحديد المفهوم هي بذاتها ما أبقاه حاضراً في تاريخ الفلسفة حضوراً متجدداً من أرسطو إلى هايدغر ومن ابن سينا إلى بلوخ، إذ لم يكف الفكر الفلسفي عن إعادة بنائه كلما تغيرت أطره المعرفية وأدواته المنطقية. ولسنا هنا بصدد حصر الإمكان في تعريف جامع مانع، فذلك تسرع منهجي لا يفي بتعقد المسألة بل نروم تتبع البنية الاستدلالية التي انتقل عبرها المفهوم من صيغته الأنطولوجية القائمة على ثنائية القوة والفعل إلى صيغته الميتافيزيقية القائمة على ثنائية الوجوب والإمكان، ثم إلى صيغته الوجودية والتاريخية التي جعلت من الإمكان أفق الحرية والفعل الإنساني في الزمن. ويقتضي التحليل الدقيق التمييز بين ثلاثة مستويات لا يجوز الخلط بينها: مستوى أنطولوجي يعالج الإمكان سمةً للموجود الطبيعي في علاقته بالحركة والتغير ومستوى ميتافيزيقي يعالجه سمةً للماهية في علاقتها بالوجود والعدم، ومستوى تاريخي وجودي يعالجه أفقاً للفعل الإنساني في الزمن. وهذا التمييز على ضرورته المنهجية لا يفضي إلى انفصال تام بين هذه المستويات في تاريخ الفلسفة الفعلي، إذ إن كل صياغة لاحقة تستوعب الصياغات السابقة عليها وتعيد بناءها ضمن أفق مفهومي جديد. فحين ينتقل السؤال من الطبيعة إلى الوجود الإنساني ثم من الوجود الإنساني إلى التاريخ، يبقى جوهر الإشكال واحداً ويتغير الأفق الذي يُطرح ضمنه ومجال التطبيق الذي يستدعيه مما يفرض دراسة المفهوم دراسة تاريخية نسقية لا اقتطاعاً لصياغة بعينها من سياقها الفلسفي العام.

يعود الفضل إلى أرسطو في صياغة أول نظرية فلسفية منهجية للإمكان عبر ثنائيته بين القوة والفعل التي وردت في كتاب الميتافيزيقا. فقد أدرك أن تفسير الحركة والتغير في الطبيعة يستلزم منطقياً افتراض حالة وسطى بين العدم المحض والوجود التام، إذ لا يمكن أن ينشأ الموجود من العدم المطلق كما ذهب بارمنيدس، ولا يمكن أن يكون كل تغير وهماً محضاً كما ذهب أتباعه، فلا مناص من التسليم بأن الموجود يحمل في ذاته إمكانية أن يكون على غير ما هو عليه. فالخشب ليس كرسياً بالفعل، لكنه يحمل في مادته القوة على أن يصير كرسياً، وهذه القوة ليست وجوداً فعلياً للكرسي ولا عدماً محضاً بل إمكان حقيقي متأصل في المادة ذاتها. وقد بنى أرسطو على هذا التمييز نظريته في العلل الأربع وتفسيره لحركة الكون من القوة إلى الفعل حتى بلغ به الاستدلال إلى تصور المحرك الأول فعلاً محضاً لا قوة فيه وهو الكمال الذي لا يعتريه نقص الإمكان. ومكّن هذا التصور الدقيق للحركة بوصفها فعلية الممكن من حيث هو ممكن، أرسطو من الرد على مفارقة زينون الإيلي حول استحالة الحركة وجعل الإمكان مفهوماً مركزياً في الفيزياء الأرسطية بأسرها. غير أن هذه الصياغة تظل محكومة بإطار طبيعي فيزيائي بالدرجة الأولى، فالإمكان فيها صفة عارضة للموجود الطبيعي في سيرورته نحو الاكتمال، تُلغى بمجرد تحقق الفعل النهائي ووصف لحالة ناقصة يُراد تجاوزها لا سمة أنطولوجية جوهرية تلازم الموجود بما هو موجود. فهو مرتبط دائماً بموضوع بعينه يحمل استعداداً لتحقق فعل معلوم سلفاً لا بالوجود المطلق من حيث هو وجود، وهذا هو الحد الذي سيتجاوزه الفكر الميتافيزيقي الإسلامي حين يوسّع مجال الإمكان ليشمل كل ما سوى واجب الوجود.

شكّل ابن سينا نقلة نوعية حاسمة في تاريخ هذا المفهوم إذ حرره من إطاره الطبيعي الضيق وجعله سمة أنطولوجية شاملة لكل موجود ليس واجب الوجود بذاته. فقد ميز بين ثلاث مراتب للوجود: واجب الوجود بذاته الذي تستلزم ماهيته وجوده استلزاماً ضرورياً فيستحيل عدمه، وممكن الوجود بذاته الذي لا تستلزم ماهيته وجوده ولا عدمه فتتساوى نسبته إلى الوجود والعدم في ذاته، وممتنع الوجود الذي تستلزم ماهيته عدمه استلزاماً ضرورياً. وميز كذلك بين الإمكان الذاتي وهو تساوي نسبة الماهية إلى الوجود والعدم في ذاتها بمعزل عن أي اعتبار خارجي، والإمكان الاستعدادي المتعلق باستعداد المادة لقبول صورة معينة دون أخرى. وبهذا التمييز الدقيق فض ابن سينا الاشتباك المنهجي بين مستوى التحليل المنطقي المجرد للماهيات ومستوى التحليل الفيزيائي للمواد والصور، وهو اشتباك ظل عالقاً في كثير من مباحث الفلسفة اليونانية المتأخرة. والإمكان في هذا التصور سمة أنطولوجية جوهرية تلازم كل ما سوى الواجب من جماد ونبات وحيوان وإنسان، لا وصف لحالة عارضة تتلبس بها الموجودات الطبيعية في سياق حركتها فحسب. فكل موجود ممكن يفتقر بذاته إلى الوجود ولا يخرج من حيز الإمكان إلى حيز الفعل إلا بعلة موجبة تمنحه وجوباً بالغير وإلا ظل معلقاً بين الوجود والعدم. ومن هذا الأصل بالذات تنبع عناية ابن سينا بمسألة الحدوث والقدم، إذ إن كل ممكن حتى إن قِيل بقدمه الزماني كما في نظرية الفيض حادث بالذات، متأخر رتبةً عن علته وإن لم يتأخر عنها زماناً. وتترتب على هذا التصور نتيجة فلسفية بالغة الخطورة: الإمكان ليس نقصاً عارضاً يُراد تجاوزه بل الشرط الأنطولوجي الذي يجعل التمييز بين الخالق والمخلوق ممكناً من الأساس. فلولا افتقار الممكنات إلى علة تُخرجها من حيز الإمكان إلى حيز الوجوب بالغير لانطمس الحد الفاصل بين الوجوب الذاتي والوجوب بالغير ولصار الوجود كله ضرورة عمياء لا تحتمل التعدد ولا التنوع.

عالج أرسطو الإمكان الأنطولوجي وعالج ابن سينا الإمكان الميتافيزيقي، وكلاهما ضمن نظرية عامة للموجود بما هو موجود. أما الفلسفة الوجودية المعاصرة وفي طليعتها مارتن هايدغر في كتابه الوجود والزمان، فقد نقلت السؤال من مستوى الموجودات إلى مستوى الوجود الإنساني، الكائن الذي يفهم ذاته من خلال إمكاناته لا من خلال ماهية جاهزة سلفاً. فـ"الآنية" عند هايدغر تتميز عن سائر الموجودات بأن وجودها ليس معطى مسبقاً بل إمكان وجود دائم؛ إذ إن الإنسان لا يكون أولاً موجوداً ثم تُضاف إليه إمكاناته لاحقاً بل هو في جوهره وجود منذور للإمكان منفتح دائماً على ما لم يتحقق بعد. وأطروحة هايدغر القائلة بأسبقية الإمكان أنطولوجياً على الفعلية، خلافاً للتصور الأرسطي الذي جعل الفعل أكمل من القوة وأسبق منها رتبة. فالإنسان في سياقنا هذا لا يُفهم انطلاقاً مما هو حاضر أمامنا بالفعل بل انطلاقاً مما يتقدم إليه من إمكانات يختارها أو يتنصل منها، وهذا ما يجعله كائناً تاريخياً بالضرورة إذ لا معنى للتاريخ من دون هذا الانفتاح البنيوي على المستقبل. وقد حرر هذا التحول الإمكان من كونه مجرد إمكان منطقي أو ممكناً ميتافيزيقياً معلقاً بانتظار علة تحققه وجعل منه بعداً وجودياً يعيشه الإنسان في صميم قلقه وحريته ومسؤوليته؛ فحين يفهم الإنسان ذاته من خلال إمكاناته لا يفر من مسؤولية الاختيار لأن كل تحقق لإمكان إغلاق في الوقت نفسه لإمكانات أخرى كانت متاحة.

وقبل الفلسفة الوجودية بقرن كامل، كان سورين كيركغور قد قارب الإمكان من زاوية نفسية دقيقة، جاعلاً منه موضوعاً أصيلاً للقلق لا للخوف العادي. فالخوف ينصب دائماً على موضوع محدد ومعلوم، أما القلق فينصب على الإمكان بما هو كذلك على ذلك الأفق المفتوح من الاحتمالات الذي لا يتعين بعد. وحين يقف الإنسان أمام إمكاناته المتعددة فإنه يقف في الوقت نفسه أمام دوار وجودي حقيقي، لأن كل اختيار تفريط في جوهره بإمكانات أخرى كان يمكن أن تتحقق، وهو ما سماه كيركغور دوار الحرية أي تلك اللحظة التي يعي فيها الفرد أنه هو من سيقرر مصيره بنفسه دون سند خارجي يعفيه من ثقل الاختيار. ويلاحظ كيركغور أن هذا القلق لا يصيب الإنسان في لحظة عابرة من حياته بل يلازمه ملازمة بنيوية طالما بقي كائناً حراً؛ فحتى الطفل حين يبدأ وعيه بالتفتح على إمكانات وجوده يعيش نذراً أول من هذا الدوار، قبل أن يشتد مع نضج الحرية واتساع دائرة الاختيار. والقلق أمام الإمكان في هذا التصور ليس عارضاً نفسياً يُطلب التخلص منه بل الشرط الذي يجعل الإيمان والالتزام الأخلاقي ممكنين من الأساس لأنهما لا يكونان حقيقيين إلا حين يصدران عن اختيار حر في مواجهة إمكانات متعددة متكافئة الجاذبية.

ويشكل الانتقال من الإمكان الوجودي إلى الإمكان التاريخي تحولاً منهجياً دقيقاً يستحق التوقف عنده، فبينما ينصب الإمكان الوجودي على علاقة الفرد بوجوده الخاص، يتناول الإمكان التاريخي قدرة الجماعات والأفراد على تشكيل مصائرهم في فضاء اجتماعي يتقاطع فيه الفعل الفردي بالبنى الجماعية والصراعات المتعددة. وقد عبّر فريدريش نيتشه عن هذا البعد حين ربط بين الإمكان وفكرة الخطر معتبراً أن المستقبل مجال لا تُضمن فيه القيم ولا المعاني، بل هي عرضة دائماً للانهيار وإعادة التقويم، وأن هذا الخطر ذاته هو الشرط الذي يجعل الإبداع التاريخي ممكناً إذ لا إبداع في عالم مغلق على ضرورة واحدة لا تحتمل التعدد. وذهب جان بول سارتر إلى أبعد من ذلك حين جعل من الحرية قدراً لا مفر منه معتبراً أن الإنسان محكوم عليه بأن يكون حراً، إذ لا يستطيع التنصل من مسؤولية اختياره لذاته عبر مشاريعه المستقبلية. وقد أعاد هذا التصور صياغة العلاقة بين الوجود والماهية بحيث تصبح الماهية الإنسانية نتاجاً لاحقاً على الوجود لا سابقاً عليه، فالإنسان يصنع ماهيته عبر إمكاناته المتحققة لا العكس. وبهذا يلتقي الإمكان الوجودي بالإمكان التاريخي في نقطة واحدة، هي أن الفعل الإنساني ليس تنفيذاً لبرنامج مسبق بل تحقيق متجدد لإمكانات متعددة تتنازع فيما بينها على الظهور في صيرورة الزمن.

ويمثل هيغل محاولة فلسفية طموحة لتوحيد الإمكان بالضرورة عبر منطق الجدل التاريخي حيث يرى أن التاريخ مسيرة تحقق تدريجي للعقل والحرية عبر مراحل ضرورية، تتحول فيها الإمكانات المتعددة إلى ضرورة عقلانية بأثر رجعي، فما تحقق فعلاً هو وحده ما كان ممكناً بالحقيقة وما لم يتحقق يُعد إمكاناً مجرداً لا وزن فلسفياً له. وتكمن قوة هذا التصور في قدرته على تفسير التاريخ تفسيراً كلياً متماسكاً إذ لا يُترك فيه شيء للمصادفة العمياء، فكل حدث مهما بدا عرضياً في لحظته يجد مكانه ضمن سيرورة عقلانية شاملة تكشف عن نفسها بأثر رجعي للوعي الفلسفي المتأمل. غير أن هذا التصور يحمل رغم تماسكه المنهجي خطر تسويغ الواقع القائم بوصفه الإمكان الوحيد المشروع، وهذا ما جعله عرضة لنقد حاد من فلاسفة لاحقين، في مقدمتهم ميشيل فوكو الذي رفض قراءة التاريخ كسيرورة متصلة تحقق غاية واحدة ورآه حقلاً من الانقطاعات والصراعات بين خطابات متعددة يسعى بعضها إلى الهيمنة وبعضها إلى المقاومة. فالإمكانات التاريخية عند فوكو لا تُعطى سلفاً بانتظار تحققها الجدلي بل تُنتج وتُقمع في آن واحد عبر آليات السلطة والمعرفة، ومن ثم يصبح السؤال الأهم عنده هو كيف تُستبعد إمكانات بعينها من حقل الممكن الاجتماعي لا كيف تتحقق الإمكانات وفق منطق ضروري. ومن هذا الأصل تنبع عنايته الشديدة بتحليل ما أسماه أنظمة الخطاب إذ إن كل عصر تاريخي لا يحدد فقط ما يُقال وما يُسكت عنه بل يحدد أيضاً، وهذا هو الأخطر ما يمكن التفكير فيه أصلاً وما يستحيل تصوره ضمن حدود عقلانيته الخاصة فتغدو حدود الممكن التاريخي حدوداً معرفية قبل أن تكون حدوداً مادية أو سياسية. وبذلك يتحول الإمكان التاريخي في هذا المنظور إلى ساحة صراع دائم على تعريف ما هو ممكن أصلاً لا أفق مفتوح بطبيعته وحسب، صراع لا يُحسم مرة واحدة وإلى الأبد كما يوحي الجدل الهيغلي بل يتجدد في كل لحظة تاريخية بحسب موازين القوة القائمة.

وقد يُظن للوهلة الأولى أن الفلسفة الماركسية بتشديدها على الحتمية المادية للتاريخ تُلغي مفهوم الإمكان لمصلحة قانون ضروري صارم، غير أن تفحصاً أدق لجدلية المادية التاريخية يكشف أن التناقض بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج ليس معادلة رياضية تفضي إلى نتيجة محتومة آلياً بل ميدانا مفتوحا للصراع الطبقي والوعي الثوري. فالثورة هنا تحقيق لإمكان كامن في بنية المجتمع، لكنها تظل معلقة بين شروط موضوعية وعوامل ذاتية وبين واقع قائم وإرادة جماعية قادرة على تحويله. ففي الطبيعة يتحقق الإمكان بمجرد توفر الشروط الفيزيائية اللازمة، أما في التاريخ فيبقى تحقق الإمكان رهناً بوعي الفاعلين الاجتماعيين وقدرتهم على الفعل الجماعي المنظم. ومن هذا الفارق بالذات نشأت عناية الفكر الماركسي، من غرامشي إلى مدرسة فرانكفورت بمسألة الوعي الطبقي وآليات إنتاج الرضا الاجتماعي بالواقع القائم، إذ إن استمرار الهيمنة لا يقوم فقط على القمع المادي المباشر، بل يقوم أيضاً على حجب الإمكانات البديلة عن وعي الفاعلين أنفسهم حتى يُخيَّل إليهم أن ما هو قائم هو الممكن الوحيد المتاح.

غير أن الاحتفاء بالإمكان التاريخي لا ينبغي أن يقود إلى تصور الحرية الإنسانية مطلقةً لا تحدها قيود، فقد نبّه بيير بورديو من خلال مفهومه عن الهابيتوس إلى أن البنى الذهنية والسلوكية التي يكتسبها الفرد عبر تنشئته الاجتماعية تحدد سلفاً نطاق الإمكانات المتاحة أمامه بحيث يصبح ما يبدو اختياراً حرا محكوماً في الواقع بشروط موضوعية سابقة على الوعي ذاته. وهذا النقد لا يلغي الإمكان التاريخي بل يضبطه ويعيده إلى واقعيته، فالإمكان أفق محدود بشروط مادية ومعرفية واجتماعية لا أفق مطلق، والسؤال الفلسفي الأخلاقي الحقيقي هو كيفية توسيع هذا الأفق المحدود لا افتراض انعدام حدوده من الأساس. ويكمن عمق أطروحة بورديو في أنها تكشف أن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تفرض على الفرد إمكانات بعينها قسراً بل تلك التي تجعله لا يتصور أصلاً وجود إمكانات أخرى غير التي اعتاد عليها فيغدو الخضوع اختياراً يبدو حرا في ظاهره وهو في جوهره نتاج تكييف بنيوي سابق على كل وعي فردي.

ويقدم إرنست بلوخ في أطروحته عن مبدأ الرجاء صياغة فلسفية أصيلة تجعل من الإمكان قوة وجودية فاعلة لا مجرد شرط نظري معلق. فالمستقبل عنده ليس امتداداً آلياً للحاضر بل أفق ما لم يتحقق بعد، مقولة أنطولوجية قائمة بذاتها تستحق أن تكون موضوعاً للتفكير الفلسفي بقدر ما يستحقه الوجود المتحقق فعلاً. وإمكان العدالة والخلاص عند بلوخ ليس وهماً تعويضياً بل قوة كامنة في الواقع ذاته تدفع التاريخ نحو تجاوز نفسه وتجعل من كل لحظة حاضرة ساحة صراع بين نزعة محافظة تسعى إلى إعادة إنتاج الماضي ونزعة تجاوزية تسعى إلى تحقيق ما لم يوجد بعد. وبهذا ينتقل الرجاء الفلسفي من موقف نفسي عابر إلى مبدأ أنطولوجي يقظ، يذكّر بأن ما هو قائم ليس كل الممكن وأن ثمة دوماً إمكاناً آخر ينتظر من يفتح له طريقاً عبر الفعل التاريخي الواعي.

وعلاقة بما سبق يتضح لنا أن مفهوم الإمكان لم يكن يوماً مقولة منطقية باردة تُحصر في تعريف واحد جامع بل مفهوم متحرك تحول بتحول أطره الفلسفية من ثنائية القوة والفعل عند أرسطو إلى ثنائية الوجوب والإمكان عند ابن سينا، إلى الإمكان الوجودي عند هايدغر وكيركغور، إلى الإمكان التاريخي عند نيتشه وسارتر وهيغل وفوكو وماركس وبورديو وبلوخ. وتتفق هذه الصياغات المتعددة على اختلاف مقدماتها ونتائجها وعلى أن الإمكان ليس عدماً محضاً ولا وجوداً تاماً، بل ذلك الفضاء الوسيط الذي يجعل التغير والحرية والتاريخ ممكنة من الأساس. والسؤال عن الإمكان يحمل في صميمه بعداً عملياً وأخلاقياً لا ينفصل عنه إذ إن الوعي بالإمكانات المتاحة وبحدودها معاً هو الشرط الضروري لأي فعل تاريخي مسؤول. فالإمكان ليس مجرد وصف لما قد يكون بل دعوة فلسفية متجددة إلى الفعل الواعي بحدوده والقادر على تحويل ما هو مسكوت عنه أو مقموع من الإمكانات إلى واقع متحقق دون الوقوع في وهم الحرية المطلقة من جهة ودون الاستسلام لضرورة عمياء لا تحتمل التغيير من جهة أخرى. وتكشف دراسة هذا المفهوم والفذلكة حوله عن سمة جوهرية في الفلسفة ذاتها، هي أنها لا تكتفي بوصف ما هو كائن بل تنفتح دوماً على مساءلة حدوده وعلى استكشاف ما يتجاوزه من احتمالات لم تتحقق بعد. وفي هذا الانفتاح الدائم يكمن معيار التمييز بين فلسفة تبرر الواقع وفلسفة تسعى إلى تجاوزه وبين فكر يستسلم لمنطق الضرورة وفكر يظل يقظاً أمام ما لم يتحقق بعد من إمكانات الوجود والتاريخ معاً.

***

د. حمزة مولخنيف

صراع الفكرة والواقع في تشكيل الفكر الإنساني

منذ أن بدأ الإنسان يرفع رأسه نحو السماء متسائلاً عن الحقيقة، نشأ الصراع الأبدي بين ما يجب أن يكون، وما هو كائن فعلاً.

ذلك الصراع لم يكن مجرّد اختلاف فكري عابر، بل كان معركة فلسفية عميقة بين المثال والواقع، بين الحلم والعالم الملموس، بين الروح التي تبحث عن الكمال، والعقل الذي يفتّش داخل المادة والتجربة والخبرة.

في قلب هذا الصراع وقف عملاقان من عمالقة الفكر الإنساني " أرسطو وأفلاطون " أحدهما رأى أن الحقيقة الكبرى تسكن في عالمٍ علويّ متعالٍ عن الحواس، عالمٍ خالد من المُثُل المطلقة، وأن الواقع الذي نعيشه ليس سوى ظلّ ناقص لتلك الحقيقة الكاملة.

أمّا الثاني، فقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض، واعتبر أن الحقيقة تُكتشف داخل العالم المحسوس، وأن المعرفة لا تُبنى على التأمل المجرد وحده، بل على الملاحظة والتجربة والعقل العملي.

ومن هنا، لم يكن الخلاف بينهما مجرد خلافٍ فلسفي، بل كان انقساماً جذرياً في رؤية الإنسان للعالم ولذاته ومصيره.

هل يعيش الإنسان من أجل المثال؟.

أم من أجل الواقع؟.

هل تُبنى الحضارات بالأحلام الكبرى أم بالمعرفة العملية؟.

وهل يمكن للإنسان أن يحقّق التوازن بين المثال الأخلاقي والواقع السياسي والاجتماعي؟.

في القرن السادس قبل الميلاد، تأسّست أو نشأت الفلسفة اليونانية، وتناولت مجموعة واسعة من المواضيع بشكلٍ مُجمل، بما في ذلك الأخلاق والسياسة، والميتافيزيقيا والمنطق، وعلم الوجود وعلم الأحياء، والبلاغة وعلم الجمال.

ومرّت الفلسفة اليونانية بثلاثةِ مراحل هي:

مرحلة النشوء: ما قبل سقراط، وتمتاز باتحادٍ وثيق بين العلم الطبيعي والفلسفة.

مرحلة النضوج: مرحلة أفلاطون وأرسطو، حيث اشتغل أفلاطون بالمسائل الفلسفية، ومزج الحقيقة بالخيال، والبرهان بالقصّة، وعندما جاء أرسطو، عالج الأمور بالعقل الصرف، وأعطاها وضعها النهائي.

مرحلة الذبول: حيثُ تمّ في هذه المرحلة تجديد المذاهب القديمة، والعودة إلى الأخلاق والتأثّر بالشرق، والميل إلى التصوّف والاهتمام بالعلوم الواقعية.

لقد تجاوز تأثير هذين الفيلسوفين حدود اليونان القديمة، ليشكّل أساس الفكر الغربي والعالمي في السياسة والأخلاق والفن والعلم والدين. فما تزال الإنسانية حتى اليوم تتأرجح بين المثالية التي تبحث عن العدالة المطلقة، والواقعية التي تفرض قوانين القوة والمصلحة والتجربة.

ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث، بوصفه محاولة فلسفية لتحليل العلاقة الجدلية بين المثالية والواقعية، عبر دراسة فلسفة أرسطو وأفلاطون، والكشف عن أثرهما العميق في تشكيل الوعي الإنساني قديماً وحديثاً.

ظهرت الفلسفة اليونانية في مرحلة شهدت تحولات سياسية وثقافية كبيرة داخل المدن اليونانية، وخاصة في أثينا. فبعد أن كان الإنسان يفسّر العالم عبر الأساطير والآلهة، بدأ العقل اليوناني يبحث عن تفسير منطقي للوجود والطبيعة والإنسان.

وقد ساعدت الحياة الديمقراطية النسبية، والانفتاح التجاري والثقافي، على نشوء بيئة فكرية سمحت بظهور الفلاسفة والمفكرين. وهنا بدأت الفلسفة تنتقل من مرحلة الأسطورة إلى مرحلة العقل، ومن التفسير الغيبي إلى البحث المنهجي.

وفي هذا المناخ ظهر أفلاطون متأثراً بأستاذه سقراط، ثم جاء تلميذه أرسطو ليؤسس لاحقاً اتجاهاً مختلفاً وأكثر التصاقاً بالعالم الواقعي.

الباحث الذي يُتابع آراء أفلاطون، يستطيع أن يتبيّن بأنها تحمل في كوامنها جملة من الأفكار النقدية التي تبحث عن الحقيقة، وأكّد أفلاطون أن الشعر هو رسالة أخلاقية، وعلى الشاعر أن يلتزم بذلك، وإلاّ أصبح فاسداً.

أفلاطون هو أهم تلامذة سقراط، وتعلّم على يديه الكثير من الممارسات الفلسفية، حيثُ أوجد فلسفة واسعة الملامح، وجاءت أغلب فلسفته على شكلِ محاورات قدّم فيها منهجه الفلسفي الذي حاول الابتعاد عن الأسلوب المباشر لأُستاذه سقراط.

حيث سعى أفلاطون من خلال نظرياته الفلسفية في الأفكار " نظرية المثل "، إلى إيجاد المأوى الحقيقي للروح، فالحقيقة عنده هي الأفكار، وإنّها المثل الأبدية الثابتة والقائمة في أساس الظواهر الطبيعية، حيث توصّل أفلاطون إلى أن الطبيعة الإنسانية تتكوّن من العقل " الروح "، والمادة " الجسم "، والعقل عند أفلاطون بمعنى الروح، والروح في نظره هي خالدة غير ماديّة، أمّا الجسم الإنساني فإنّه يُولد وينمو ومن ثُمّ يذبل. ومن أهم القضايا التي عني بها الفكر المثالي فهي العقل والقيم، المجتمع والخير والشر، والحقيقة والمعرفة والعالم.

اعتقد أفلاطون أن العالم الحسي الذي نراه ليس الحقيقة الكاملة، بل مجرد انعكاس ناقص لعالم أعلى سماه “عالم المُثُل”.

ترتكز فلسفته على وجود حقائق مطلقة وثابتة وخالدة، مثل الخير والجمال والعدالة، وهذه الحقائق لا توجد في الواقع المادي، بل في عالمٍ عقليّ متعالٍ.

الحقيقة عند أفلاطون → عالم المُثُل لا العالم الحسي.

وبحسب أفلاطون، فإن الإنسان لا يدرك الحقيقة عبر الحواس، لأن الحواس خادعة ومتغيرة، بل يدركها بالعقل والتأمل الفلسفي.

في كتاب المدينة الفاضلة قدّم تصوراً لمدينة مثالية يحكمها الفلاسفة، لأنهم وحدهم القادرون على معرفة الخير المطلق.

وقد قسّم المجتمع إلى:

طبقة الحكّام الفلاسفة.

طبقة الجنود.

طبقة العمّال والحرفيين.

ورأى أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد وظيفته دون تعدٍ على وظائف الآخرين.

كان أفلاطون ينظر إلى الفن بشيء من الحذر، لأنه يعتبره “ تقليداً للتقليد”، أي ابتعاداً إضافياً عن الحقيقة. كما ربط الأخلاق بفكرة الخير المطلق، معتبراً أن الفضيلة الحقيقية تنبع من معرفة الخير.

رؤية أرسطو الواقعية لم تكن بعيدة عن أخلاق وواقع المجتمع اليوناني بكافة تقاليده واعتقاداته، وبنفس الوقت لم تغفل الواقع الحياتي والمعيشي والخارجي، فكانت الواقعية الأخلاقية عند أرسطو تبحث في الفضائل الأخلاقية وفق رؤيةٍ واقعية.

إنّ الفضيلة عند أرسطو بمعناها الحقيقي هي الاستعداد التام والتنفيذ الكامل لعملٍ ما، وهي الكيفية الأخلاقية التي تُحوّل الإنسان ليكون رجلاً خيّراً حين يؤدّي عمله الخاص على أكمل وجه.

والفضيلة عند أرسطو هي " عقلي " يكون بالطبع، وينتج وينمو بالتعليم، ويحتاج بالتالي إلى التجربة والزمان. و" أخلاقي "، مكتسب، ينتج ويتولد من العادات والشيم. أمّا الفضيلة الأخلاقية فهي حالة توازن طبيعي عقلاني وسطي بين الإفراط والتفريط

جاء أرسطو ليعترض على كثير من أفكار أستاذه، ويرى أن الحقيقة لا توجد خارج العالم، بل داخله.

رفض أرسطو الفصل بين الفكرة والشيء، واعتبر أن الأشياء الواقعية تحمل جوهرها في ذاتها، ولا تحتاج إلى عالم منفصل لتفسيرها.

وأعطى أهمية كبرى للحواس والتجربة والملاحظة.

المعرفة عند أرسطو = ملاحظة + تجربة + عقل.

ولهذا يُعدّ أرسطو من أوائل المؤسسين للمنهج العلمي القائم على التصنيف والتحليل والاستنتاج.

أسّس أرسطو علم المنطق الصوري، ووضع قواعد الاستدلال العقلي التي أثرت في الفكر الإنساني لقرون طويلة.

كما كتب في:

السياسة.

الأخلاق.

الطبيعة.

الشعر.

علم الحيوان.

وكان يرى أن الفضيلة تقوم على “ الوسط الذهبي ”، أي التوازن بين الإفراط والتفريط.

أفلاطون وأرسطو كلاهما من أشهر فلاسفة اليونان القديمة، ولقد تشكّلت الآراء والأفكار عندهما متأثّرة بالفلسفةِ الغربية، ومع أنهما كانا من تلامذة " سقراط "،إلاّ أن الفلسفة عندهما تختلف في جوانب عديدة، حيث دعا أفلاطون إلى وجود عالمٍ من الألإكار الكاملة والأبدية، بينما أكّد أرسطو معتقداً أنّ المعرفة تأتي من الملاحظة والتجربة الحسّية.

وبنفس الوقت تُبرز نظرياتهما في الأخلاق والسياسة، ونظرية المعرفة والميتافيزيقيا اختلافات جوهرية فيما بينهما، ممّا يجعلهما من الشخصيات الأساسية في دراسة الفلسفة وإدراكها.

يكمن أحد أهم الإختلافات بين أفلاطون وأرسطو في نظرتهما للواقع، حيث اعتقد أفلاطون أنّ العالم المادي ليس سوى ظل ناقص لعالم الأفكار، الذي هو الواقع الحقيقي.

أمّا أرسطو فقد أعتقد أن الواقع يكمن في العالم المادي، وأن الأفكار المُجردة ليست سوى مفاهيم مُستمدّة من التجربة الحسّية.

وهنا فرق جوهري وأساسي آخر بينهما، يتعلق بالأخلاق، حيث دعا أفلاطون إلى فكرة أن الفضيلة هي معرفة الخير، وأن الناس يتصرفون بشكلٍ صحيح عندما يدركون الصواب. أمّا أرسطو فقد آمن بأن الفضيلة تكتسب بالعادة والممارسة، وعلى الناس السعي لتحقيق التوازن في كل شيء.

كما أن أفلاطون آمن بوجود روح خالدة موجودة قبل الحياة الأرضية وبعدها، بينما رأى أرسطو أن الروح لا تنفصل عن الجسد والموت.

إن أفلاطون يرى أن العالم المحسوس ليس سوى نسخة ناقصة وزائلة من عالم الأفكار، وهو العالم الحقيقي والواقعي والكامل.

أمّا أرسطو فقد رأى أن الأفكار لا توجد منفصلة عن الأشياء الملموسة، بل هي الجوهر نفسه.

في المعرفة:

أفلاطون: المعرفة عقلية وتأملية.

أرسطو: المعرفة حسية وتجريبية.

في الوجود:

أفلاطون: الحقيقة في عالم المُثُل.

أرسطو: الحقيقة في العالم الواقعي.

في السياسة:

أفلاطون: الدولة المثالية يحكمها الفلاسفة.

أرسطو: الدولة الواقعية تقوم على دراسة المجتمع كما هو.

في الفن:

أفلاطون: الفن قد يضلّل الإنسان.

أرسطو: الفن وسيلة للتطهير والتعبير الإنساني.

لقد ركّزت الفلسفة المثالية على عنصر الروح، وأغفلت عنصر الجسم، فأدّى ذلك إلى إهماله واحتقاره، بينما ركّزت الفلسفة الواقعية على جانب الجسم وأهملت جانب الروح، حيث ذهبت الفلسفة المثالية إلى أن النفس الإنسانية عبارة عن أنفس متعددة، في الوقت الذي اتفقت فيه الفلسفة الواقعية في أن النفس الإنسانية واحدة وليست أنفساً متعددة.

لقد ضيّقت الفلسفة المثالية فرصة الإنسان في الرقي والتطور، ورأت أن كل إنسان له طبقة معينة لا يمكنه أن يخرج منها وعنها طوال عمره، في الوقت الذي ترى فيه الفلسفة الواقعية أن النفس الإنسانية قابلة للتنمية والتطوير في جميع مراحل العمر، وتؤمن بأن التطوير ليس حكراً على طبقة دون أخرى، كما رأت الفلسفة المثالية.

لقد شكّلت العلاقة بين القيم والمصالح محوراً واضحاً لصراع فكري متشعب ومستمر بين مدرستين اساسيتين في الفكر الإنساني، " المثالية والواقعية ".

فبينما تنطلق المدرسة المثالية من أولوية القيم الأخلاقية في توجيه السلوك الإنساني، ترى المدرسة الواقعية أن المصلحة هي البوصلة الحقيقية والوحيدة التي يمكن أن تبرّر الأفعال، بصرف النظر عن الاعتبارات الأخلاقية.

ففي الوقت الذي تستند فيه المدرسة المثالية إلى رؤية مفادها أن الإنسان كان أخلاقي بطبعه، يسعى نحو العدالة والسلام والحق والحرية، ممّا يجعل هذه القيم ليست مجرد شعاراتٍ وحسب، بل معايير تحكم سلوك الأفراد والدول.

في المقابل تقوم المدرسة الواقعية على تصوّر مختلف للطبيعة البشرية، إذ تنظر أن الإنسان بوصفه كائناً جامحاً مدفوعاً بغريزة البقاء والقوة والسيطرة، وتحقيق المصالح الذاتية، وهو يظهر تقديره للقيم ويتخذها شعاراً عندما تقدم تبريراً مناسباً لتحقيق مصالحه، وعند التقاطع بين قيمه ومصالحه تكون الأولوية للمصالح على حساب القيم.

ولكن يجب على الإنسان تحقيق التوازن بين المسار الأخلاقي للقيم والحكمة للمصالح، لجعل المصالح تسير في ركب القيم، وهذا لا يتحقق إلاّ بالتخلّص من أنانيته وهيمنة قيمه ومعتقداته الخاصة والخاطئة، وانفتاحه على ما هو جديد وصالح من القيم، وترشيد المقاصد الإنسانية وحملها وتجسيدها على؟أرض الواقع.

لقد أثرت فلسفة أفلاطون في الفكر الديني والروحي، وفي التصورات المثالية للعدالة والسياسة والأخلاق.

أما فلسفة أرسطو فقد شكّلت أساس العلوم الطبيعية والمنهج التجريبي والمنطق.

ولا يزال العالم الحديث يعيش هذا الصراع:

بين السياسة المثالية والسياسة الواقعية.

بين القيم والمصالح.

بين الحلم الإنساني والوقائع القاسية.

حتى الأدب والفن والإعلام الحديث يعكس هذا التوتر المستمر بين ما ينبغي أن يكون، وما هو موجود بالفعل.

تربّعت ثلاث مدارس أساسية على تفسير العلاقات الدولية، وهي الواقعية وتفرعاتها، والليبرالية وتفرعاتها، والبنائية وامتدادها، وإذا أردنا الدقّة والاختزال، نستطيع أن نقول ثمّة توجهين اثنين " الواقعية والمثالية ".

حيث تُعتبر الواقعية هي الأقدم بحكم طبيعة النظام الدولي القديم، " حرب الكل ضد الكل ".

يحكم المثاليون على السياسة الخارجية بناءً على المصالح الخاصّة لكل دولة، وهي مصالح ليست ثابتة، حيث ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، ولكن المصالح هي التي تُسيّر الأمور.

ومع ذلك يدّعي المثاليون بوجود مبادئ عالمية مزعومة، الديمقراطية وحقوق الإنسان والقانون الدولي، والثقة بقدرة التغيير عن طريق التجارة والإقتصاد، ووضع الحروب جانباً.

لكن تحولات المشهد الجيوسياسي اليوم، وعودة الجيوبوليتيك، ومناخ التنافس بين القوى الكبرى، يجعل من حيث المبدأ التيار الواقعي هو الأقدر على تفسير عالمنا اليوم، حيث ترتبط القرارات بعقلانية صُنّاع القرار، وسعيهم لتحقيق المصلحة الوطنية كما يتصوّرونها.

لكن قد يُخطئ صانع القرار أيضاً ممّا يجعل العالم على حافة الهاوية.

في عالم اليوم، تبدو الواقعية أكثر حضوراً في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، حيث تُبنى القرارات غالباً على المصلحة والقوة.

لكن الإنسان، رغم ذلك، لا يستطيع العيش بلا مثال أعلى. فكل الثورات الفكرية والإنسانية الكبرى انطلقت من حلمٍ مثالي بالعدالة والحرية والمساواة.

ومن هنا، فإن الحضارة الإنسانية لا تقوم على الواقعية وحدها، ولا على المثالية وحدها، بل على التوتر الخلّاق بينهما.

لقد أراد أفلاطون أن ينقذ الإنسان عبر المثال الأعلى، فرفع الحقيقة إلى عالمٍ خالدٍ لا تفسده المادة ولا تشوّهه المصالح.

بينما حاول أرسطو أن يفهم الإنسان كما هو، داخل العالم الحقيقي، بعقله وتجربته واحتكاكه بالحياة.

غير أن التاريخ أثبت أن الإنسانية تحتاج إلى الاثنين معاً، تحتاج إلى المثالية كي لا تفقد روحها وقيمها، وتحتاج إلى الواقعية كي لا تتحول الأحلام إلى أوهامٍ عاجزة عن الحياة.

فالحضارات التي تعيش على المثال وحده قد تسقط في الطوباوية والانفصال عن الواقع، بينما الحضارات التي تعيش على الواقعية وحدها قد تتحول إلى أنظمة باردة تحكمها المصالح والقوة المجردة.

ومن هنا، تبقى القيمة الكبرى لفلسفة أفلاطون وأرسطو أنها لم تقدّم أجوبة نهائية فقط، بل فتحت أمام العقل الإنساني أبواب الأسئلة الكبرى:

ما الحقيقة؟.

ما العدالة؟.

كيف يجب أن يعيش الإنسان؟.

وهل يمكن للعالم أن يجمع بين المثال والواقع دون أن يخسر أحدهما؟.

وربما كانت الفلسفة، في جوهرها العميق، ليست انتصاراً للمثالية أو الواقعية، بل محاولة دائمة لصناعة الجسر الصعب بينهما.

لم ينتهِ الصراع بين المثالية والواقعية عند حدود الفلسفة اليونانية، بل انتقل عبر القرون إلى الفلسفة الحديثة، ثم إلى الفكر العربي المعاصر، حيث ظلّ الإنسان يعيش الانقسام ذاته بين الحلم والواقع، بين القيم والمصالح، وبين العقل المجرّد والتجربة العملية.

وقد أعادت الفلسفات الحديثة إنتاج هذا الصراع بأشكال جديدة، متأثرة بالتحولات العلمية والسياسية والاقتصادية التي عرفها العالم.

تطورت المثالية بعد أفلاطون لتأخذ أشكالاً فلسفية أكثر تعقيداً، خاصة مع الفيلسوف الألماني " إيمانويل كانت " الذي رأى أن العقل لا يدرك الأشياء كما هي في ذاتها، بل كما تظهر لنا عبر بنيتنا العقلية.

ثم جاء " هيغل " ليحوّل المثالية إلى فلسفة تاريخية كبرى، معتبراً أن التاريخ نفسه هو تطور للعقل والروح.

وكان هيغل يرى أن:

الأفكار تحرّك التاريخ.

الوعي الإنساني يتطور جدلياً.

الدولة تمثل تجسيداً للعقل التاريخي.

وهنا أصبحت المثالية مرتبطة بمشروع فكري شامل يحاول تفسير حركة الحضارة الإنسانية.

في المقابل، تعزز الاتجاه الواقعي مع صعود العلوم الطبيعية والثورات الصناعية، حيث أصبح الإنسان أكثر ميلاً إلى التجربة والوقائع الملموسة.

وقد مثّل " أوغست كونت " النزعة الوضعية التي اعتبرت أن المعرفة الحقيقية هي المعرفة العلمية فقط.

كما ظهر " ماركس " ليقدّم واقعية مادية تقوم على تفسير التاريخ انطلاقاً من الاقتصاد والصراع الطبقي، رافضاً التفسيرات المثالية المجردة.

التاريخ عند ماركس = صراع طبقي + بنية اقتصادية.

ورأى ماركس أن:

الواقع المادي هو الذي يصنع الأفكار.

الاقتصاد يحدد شكل السياسة والثقافة.

الإنسان يتغير عبر العمل والصراع الاجتماعي.

وهكذا انتقلت الواقعية من مجال المعرفة إلى تحليل المجتمع والتاريخ والسياسة.

ثانياً: المثالية والواقعية في الفكر العربي المعاصر.

عانى الفكر العربي الحديث من أزمة عميقة بين المثال والواقع، خاصة بعد الاصطدام بالحداثة الغربية والاستعمار والتراجع الحضاري.

فبرز تياران أساسيان:

1- التيار المثالي:

وهو التيار الذي حاول بناء نهضة عربية قائمة على:

القيم الأخلاقية.

الهوية الثقافية.

الحلم القومي أو الديني.

استعادة “ المجد الحضاري ”.

وقد ظهر هذا الاتجاه لدى مفكرين رأوا أن أزمة الأمة ليست مادية فقط، بل روحية وأخلاقية أيضاً.

ومن أبرز الأسئلة التي طرحها هذا التيار:

كيف نستعيد الإنسان العربي؟.

كيف نبني مشروعاً حضارياً أخلاقياً؟.

كيف نواجه التفكك الثقافي والاغتراب؟.

وكان هذا الخطاب يحمل نزعة مثالية واضحة، تؤمن بأن النهضة تبدأ من الفكرة والقيم والوعي.

2- التيار الواقعي:

في المقابل، ظهر تيار آخر أكثر التصاقاً بالواقع السياسي والاجتماعي، ركّز على:

البنية الاقتصادية.

أنظمة الحكم.

التخلف العلمي.

العلاقات الدولية.

تأثير الاستعمار والرأسمالية.

وقد تأثر هذا الاتجاه بالفكر الماركسي والوجودي والنقدي، معتبراً أن التغيير لا يتم عبر الأحلام والشعارات فقط، بل عبر فهم الواقع وتحليله مادياً وسياسياً.

يعيش الإنسان العربي المعاصر حالة انقسام شديدة بين:

خطاب مثالي مليء بالشعارات الكبرى.

وواقع سياسي واجتماعي واقتصادي مأزوم.

ففي الوقت الذي ترتفع فيه شعارات:

الحرية،

العدالة،

الوحدة،

الكرامة،

تصطدم المجتمعات العربية بواقع:

الاستبداد،

الفقر،

الانقسام،

التبعية،

والتراجع العلمي.

ومن هنا، تبدو الأزمة العربية الحديثة امتداداً جديداً للصراع القديم بين أفلاطون وأرسطو:

بين الحلم النظري والواقع العملي.

بين المثال الأخلاقي والحسابات السياسية.

بين الوعي الفكري والبنية المادية.

رابعاً: هل يمكن التوفيق بين المثالية والواقعية؟.

ربما تكمن المشكلة الحقيقية في تحويل المثالية إلى وهمٍ منفصل عن الحياة، أو تحويل الواقعية إلى تبرير دائم للقوة والمصلحة.

فالمثالية دون واقع قد تتحول إلى خطابٍ عاجز، بينما الواقعية دون قيم قد تتحول إلى قسوة سياسية وأخلاقية.

ولهذا فإن المجتمعات الحية هي التي تستطيع:

أن تحلم دون أن تنفصل عن الواقع،

وأن تواجه الواقع دون أن تقتل الحلم.

إن العالم المعاصر، رغم كل تقدمه العلمي، ما يزال يعيش داخل السؤال القديم نفسه:

هل الإنسان كائن تحرّكه الأفكار أم المصالح؟.

هل تصنع الحضارات القيم أم القوة؟.

وهل يمكن للإنسان أن يبني عالماً عادلاً دون أن يجمع بين مثالية الروح وواقعية العقل؟.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم التي تفقد المثال تموت أخلاقياً، بينما الأمم التي تهرب من الواقع تنهار عملياً.

ومن هنا، فإن أعظم ما قدّمته الفلسفة، منذ أفلاطون وحتى الفكر المعاصر، ليس الحلول الجاهزة، بل إبقاء العقل الإنساني في حالة سؤال دائم، لأن السؤال الفلسفي الحقيقي ليس ترفاً فكرياً، بل محاولة مستمرة لإنقاذ الإنسان من السقوط في العمى ؛ عمى الحلم المطلق، أو عمى الواقع المجرد.

إن الصراع بين المثالية والواقعية ليس مجرد فصلٍ قديم من تاريخ الفلسفة، بل هو صراع يسكن أعماق الإنسان نفسه.

فالإنسان كائن ممزّق دائماً بين ما يحلم به، وما تفرضه عليه الحياة؛ بين السماء والأرض، بين المثال والحقيقة، بين الرغبة في الكمال والاصطدام بحدود الواقع.

***

د. أنور ساطع أصفري

اشتهر المتكلمون بانصرافهم إلى معالجة القضايا العقدية والكلامية التي دارت حول ما اصطلح عليه العلماء بـ«جليل الكلام ودقيقه»، حتى غدا هذا اللون من البحث السمة الأبرز في نتاجهم الفكري. غير أن انشغالهم بعلم الكلام لم يحُلْ دون الإفادة من علوم أخرى أو التداخل معها، كالفقه والتصوف والمنطق والأدب، الأمر الذي أضفى على مؤلفاتهم طابعًا موسوعيًا، وجعلها تتجاوز حدود الاختصاص الضيق.

ومن الشواهد على هذا التداخل ما نجده عند الجاحظ (ت255هـ)، الذي جمع بين مباحث الأدب وأصول النظر الكلامي، كما يتجلى ذلك أيضًا عند الشريف المرتضى (ت436هـ)، الذي أقام مشروعه الفكري على المزاوجة بين علم الكلام والشعر، حتى عُدَّ من كبار شعراء القرن الرابع الهجري.

وإذا كان المتكلمون لم يجعلوا العشق موضوعًا مستقلًا من موضوعات علم الكلام، فإن ذلك لا يعني خلوَّ تراثهم من معالجات دقيقة لهذا المفهوم؛ إذ وردت في ثنايا مؤلفاتهم، وفي بعض المختارات الأدبية التي حفظت أقوالهم، نصوصٌ تكشف عن رؤية فلسفية ونفسية عميقة لطبيعة العشق وآثاره في النفس الإنسانية. وتكتسب هذه النصوص أهميتها من كونها صادرة عن أعلام اشتهروا بالبحث الكلامي، لا بالكتابة في الأدب الوجداني، الأمر الذي يمنحها قيمةً خاصةً في دراسة تطور مفهوم العشق في الفكر الإسلامي. وهذا ما زاد شغفي بإبراز هذه النصوص لهؤلاء الأعلام في هذا الجانب.

وقبل استعراض آراء هؤلاء المتكلمين، يحسن الوقوف عند المعنى اللغوي والاصطلاحي للعشق. فالعشق في اللغة هو فرط الحب وشدته، كما ذكر ابن منظور (ت711هـ). أما في الاصطلاح، فهو انجذاب باطن المحب إلى المحبوب حال الوصال؛ طلبًا لازدياد اللذة واستدامتها، وهو التعريف الذي أورده الجرجاني (ت816هـ) في معجم التعريفات.

وقد نقل لنا المسعودي (ت346هـ) في مروج الذهب مجموعةً من التعريفات التي صاغها عدد من هؤلاء المتكلمين، وهي، وإن اختلفت في أساليبها البيانية، فإنها تكشف عن تصور متقارب للعشق بوصفه حالةً نفسيةً وروحيةً تستولي على الإنسان وتؤثر في إدراكه وسلوكه.

ومن أهم هذه النصوص ما يراه هشام بن الحكم (ت179هـ)، أن العشق أشبه بشَرَكٍ ينصبه الدهر، فلا يقع فيه إلا أصحاب الطباع المتوافقة والهمم المتجانسة، فإذا استحوذ على صاحبه استعبد قلبه وعقله، حتى ينقلب السيد خادمًا لما كان يملكه، في تصوير بليغ لسلطان العشق على الإنسان.

أما إبراهيم بن سيار النظام (ت231هـ)، فيقدمه بوصفه حالةً تمتزج فيها الرقة بالعذاب؛ فهو في بدايته لذة عذبة، غير أن الإفراط فيه يقلبه إلى داءٍ قاتل، يورث السهر والقلق، ويجعل صاحبه أسير اللوعة وطول الفكر، فيجمع بين لذة الابتداء ومرارة الانتهاء.

ويصف أبو الهذيل العلاف (ت235هـ) العشق بأنه قوة تستولي على الحواس والمشاعر، فتختم على الأبصار والقلوب، وتغير الأحكام والتصورات، حتى يصبح العاشق أسير أوهامه، فلا يصفو له حاضر، ولا يطمئن إلى مستقبل، ومع ذلك يبقى العشق عنده مقرونًا بما في النفس من رقةٍ وجودٍ وصفاء طبع.

أما علي بن هيثم (من متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري)، فيربط العشق بالمشاكلة والانسجام بين الأرواح، ويعده ثمرةً لتمازجها وتوافقها، ويصفه بأنه بحر اللطافة وصفاء الجوهر، مع الإشارة إلى أثره في إضعاف الجسد كلما ازداد تمكنه من النفس.

ويذهب أبو مالك الحضرمي (من متكلمي الإمامية في القرن الثاني الهجري) إلى أن العشق قوة خفية نافذة، تشبه في تأثيرها السحر، ولا يتحقق إلا مع توافق الطباع وامتزاج الأمثال، ثم ينفذ إلى القلب نفوذ المطر في الرمل، فيستولي على العقل والإرادة، ويصبح الإنسان منقادًا لأحكامه وآثاره.

وفي الختام، تكشف لنا هذه النصوص، على اختلاف صياغاتها، أن هؤلاء المتكلمين لم ينظروا إلى العشق بوصفه انفعالًا عاطفيًا مجردًا فحسب، وإنما عدوه حالةً مركبةً تتداخل فيها الأبعاد النفسية والعقلية والروحية، وهو ما يفسر استعانتهم بصورٍ بيانيةٍ كثيفةٍ للتعبير عن شدته وآثاره في كينونة الإنسان.

***

د. علاء كاظم الجابري

.................

المصادر

* ابن منظور، لسان العرب، ج10، ص161.

* الجرجاني، معجم التعريفات، ص26.

* المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ج3، ص302-303.

"الفلسفة أسلوب تفكير أكثر من كونها شيئاً آخر ..."

الأسلوبُ في الفلسفة يفتح آفاقَ الحياةِ أمام العقول الحُرة، سواء أكان تساؤلاً أم حواراً أم بحثاً عن غاية أم طرحاً لإشكالية ... هذا الوضع هو " الجين الأول " للفلسفة في حياة المجتمعات الإنسانية. لا تُوجد مسافةٌ تُذكر بين الحياة والمعنى. العالم مليء بالمعاني ونحن البشر من يكتشفها ويخترعها اختراعاً. لا أحد بإمكانه العيش بلا معنى. أنْ تعيش هو أمرٌ دال على أنك تُجسد المعنى الذي تراه وتشعُر به. فليس الأسلوبُ قدرةً للفلسفة على اختراق ِالفكر السائد فقط، بل رسم خطوطٍ موازٍية أكثر رحابةً. ولا يعد وقوفاً خارج الواقع تجاه الأحداث والبشر. إنه إمكانية التفكير الطلْق لفهم أحوال المجتمع والثقافة والتاريخ، مُشكِّلاً بصمةً مميزةً دون كل الجوانب الأخرى.

الأسلوب يعيدُ عقارب الفلسفة إلى زخمها الحي، حيث كانت ممارسة مباشرةً متماهيةً مع كافة أنشطة الحياة. الفلسفة هي علامة الوجود الحر داخلنا. ذلك قبل أنْ يغيب التفلسف في أنفاق البراهين والحجاح والتأويلات والأدلة والمقولات والمعايير والايديولوجيات. فهذا التراكم التاريخي قد أخفى روح الفكر ونبض التجارب خلف المصطلحات ووارى تلقائية الطبيعة البشرية الثرى. أخطر ما حدث في تراث الانسان هو قمع دفقات الحياة في عروق الأفكار بعناوين شتى. فتبدو يابسةً كأغصان جافةٍ لا تنتظر إلاَّ هبوب الرياح حتى تسقط. بالغ الضرورة أن تتنفس الفلسفة هواء الحرية الطازجة. وفي كل مرةٍ تتنفس الفلسفة هكذا حريةً، كانت أفكارها مؤثرةً وقادرةً على اختراق الحواجز والاسوار. ومع اختفاء هذه السمة تتقهقر وراء ممارسات لاعقلانية. وهذا يفسر انزواء الفلسفة في بيئات لا تمتلك حرية طازجة. ربما تخضع للدراسة وقد ينقب عنها الباحثون .. فلا مانع، ولكن لا يُسمح لها بأنْ تمارس أسلوبها الحُر.

الأسلوب الفذ يُحدث سيولةً لما تجمد وتكلّس من أفكارٍ. لا لشيء إلّا لتحرير العقل من قوالبه الجاهزة. التفلسف مفادّه أنْ تَجد طريقاً ملائماً لإبداع المعاني وممارسة الحياة. أي الممارسة الفلسفية حينما تعبر عن إمكانية التأثير وإبتكار الرؤى اتصالاً بحياتنا الحرة. من ثمَّ لا يتقلص الاسلوب داخل مناورات التعبير والبلاغة والمنطق، بل يتجاوز الحدود القصوى ومقاومة القيود واعياً بالتغيير. ويستحيل فصل الفلسفة عن إيقاع الحياة التي انتجتها، لأنَّ الحياة نسغ يمد التفلسف بتفاعلاته. وكل الفلسفات التي تعاند الفناء بها شيء من فنون الحياة الخطيرة. لأنَّ خوض غمار الحياة مجازفة لا تنتهي. المغامرة، التمرد، الابداع، الجنون، الانطلاق، الخيال، الشغف، الأمل، الشقاء، البؤس، الألم، الحب ... جميعها معالم تحمل روحاً حيّاً ما. وكل فلسفة تفسحُ مجالاً لأبعادٍ كهذه ستواصل مسيرتها مع الزمن.

نقطة انطلاق

الاسلوب بهذا المعني شكَّل نقطةَ انطلاق جامحة للفلسفة في تاريخ الإنسانية. لأنَّ الفيلسوف كائن حُر قد فَكّر واكتشف نمط حياته بطريقة مختلفةٍ. الاختلاف هو أساس التفلسف دون مقارنةٍ. أصلاً ... لا نستطيع المقارنة بسهولةٍ بين الفلسفة وغيرها، لأنَّ عمل الفلسفة ليس من طبيعته التماثل مع الأعمال الأخرى. والطريقة هي قدرة الفيلسوف على شق رؤى مغايرة أمام الوجود البشري. حيث يأخذ في اكتشاف امكانياته كما لو لم تُكتشف من قبل. ليس الأمر أنَّ هناك افكاراً (غريبة أو مألوفة). ولكن أصبحت الأفكار تعرضُ نفسَها بصورةٍ مبتكرةٍ. وغدت أنماط الحياة تتجلى مع تطور التفكير الفلسفي، لأنَّ الأخير كان متصلاً بكيفية العيش وحركة الواقع وفنون الحياة. ومن ثمَّ كان الاسلوب اسلوب حياةٍ بالمقام الأول في مستواه العام أو الخاص. ومنه رسم الفيلسوف موقعاً آخر للإنسان، سواء أكان في الأنظمة الاجتماعية أم السياسية أم سواها.

الفيلسوف عضوياً إلتحم بتفاصيل البشر، كابد ظروف المجتمع وتحولاته، فهو أحد الكائنات التي تعيش مع الآخرين. لم تكن هناك قوة تستطيع انتزاعه من بين الناس. لأنه رأى أنَّ مهمته هو تجديد تصوراتهم الحياتية. وفتح طرق مبتكرة لفهم الواقع. وهذا الأخير نتاج التفاعل الحي داخل المجتمع . وإذا كان الفيلسوف يتكلم بعبارات مغايرةٍ، فلأنه رأى أبعد وأعمق من سواه. الحوار والنقاش ولدّا الفلسفة عبر الأسواق والساحات المفتوحة والمنتديات العمومية والمناقشات الحرة. وهي بهذا الميلاد كانت البذرة الخطيرة في تربة أنظمة التسلط والقهر باتساع رقعة المجتمعات. لأن مركزية التفكير كانت محل صراع ونزاع متواصلين. ولم يظن أحدٌ أن يكون ثمة كائن آخر يضع هذا المركز في نظام الحياة بما هو كذلك. وأن يستشعر خطورة انتزاعه من الإنسان كإنسان. فوضّعه الفيلسوف وفقاً لضوابط وقوانين من جنس ما هو عام. وليس ثمة ما يرسي هذا القوانين إلاَّ العقل الحر. وكانت القوانين والآليات عصيةً على الاختطاف أو المصادرة. لأنه كيف سيتم سرقة العقل؟!

طوال تاريخ الفلسفة كان الأسلوب بمثابة الوسيط الذي تطل من خلاله على العالم. لكم عبر الأسلوب عن وجود الأفكار وعن شكل حيواتنا وتأثيرها في المجتمعات المختلفة. ولعلَّ ما كونته الفلسفة من زخم فكري واستفهامي ظل بارزاً نتيجة تلك الخاصية الفذة. لأنَّ وجود الفلسفة في الثقافات التقليدية شيء شاذ وغير قابل للتأقلم وعسير على الهضم الفكري. وتلك معالم أي فلسفة تستحق هذا الاسم، فلا يوجد أسلوب بإمكانه أنْ يتعشق فكرياً مع المحيط الذي يعمل خلاله. نظراً لكونّه عاملاً على الخلفيات التي تنتج الثقافة من جهةٍ ويطرح بدائل مغايرةٍ من جهة أخرى.

حتى باتت أصالة الفلسفة شيئاً مختلفاً عما جاورها من ممارسات إنسانيةٍ أخرى. تبقى المعرفة معرفةً محكومةً بأطر انتاجها، وتبقى المعلومات كماً مرناً قابلاً للتشكيل والاستعمال، وتظل الثقافة قادرةً على ترسيخ آليات وقوانين السلوك، غير أنّ الفلسفة وحدها لا تبقى في هذه المكانة، لأنها تترك أثراً بعيداً بحكم الإمكانية القصوى التي تحملها. إمكانية أن تقدم طريقاً غير مألوف للتفكير الجذري إزاء قضايا الوجود والحقيقة والإنسان. فهي أسلوب لا يريدك أنْ تكون كما يُراد لك، بل أن تشكل بنفسك ما تتطلع إليه وما تتمرد إزاءه. إنَّ التطلع والتمرُد يشكلان أسلوب الفكر المبدع على الأصالة. ولذلك تحاول كل ثقافة السيطرة على هاتين: (الخيال وحركة الفكر) ضماناً لربط العقول بمرجعيات ثابتة.

في حين تمثل الفلسفة أسلوباً ماهراً لهدم هاتين النقطتين دون توقفٍ. هدم منتج لا هدم إفناء، إعادة بذر واستزراع لا اقتلاع. إنها تتساءل حول الإمكانيات والقوى الصامتة التي لم تُستنطق بعد. وما لم تشحذ الفلسفة خيالاً جموحاً في حياة الناس، فليست أكثر من بوقٍ لمجتمع يردد صداه. وما لم تحرر الفلسفة حركة الفكر إلى اقصاها، فلن تكون غير حيلةٍ خادعةٍ لأدوار المرجعيات الغالبة في المجتمع. لا تقدم الفلسفة (علفاً ثقافياً)، ولا تصنع نماذج مغلقة، بل تصقل أساليبنا لاكتشاف فضاءات حرة. حتى أنها لا تقول لنا ماهية الفضاءات المقترحة، ولا تحدد أمامنا محظورات، ولكنها تُقوّي إرادة التفكير دون حدودٍ. الاكتشاف مختلف عن الصناعة، الاول أنت ما تتطلع إليه ليأخذك الشغف والاندهاش والحيرة وصولاً إلى الجديد. أمَّا الصناعة، فهي عملية تاريخية للمجتمعات تتجاوز حدود الأفراد. هكذا أشعلت الفلسفة فتيل الدهشة لدى الانسان على مر العصور. لانها دهشة خلق وابداع لا دهشة موقف.

أساليب الفلسفة

عبرت الفلسفات الكبرى عن خطورة أساليب التفكير وأنماط الحياة في تراث المجتمعات ... بهذا المعنى سقراط كان اسلوباً، أفلاطون كان اسلوباً، الفارابي كان اسلوباً، ابن عربي كان اسلوباً، الحسين بن منصور الحلاج كان اسلوباً، أبو حيان التوحيدي كان أسلوباً، فريدريك نيتشه كان اسلوباً، إيميل سيوران كان اسلوباً، جاك دريداً كان اسلوباً، جاك لا كان كان اسلوباً، سلافوي جيجك كان وما زال اسلوباً، جان لوك ماريون كان اسلوباً. وعلينا أن نغير فهمنا لمعنى الأسلوب ومفاهيمه وتأويلاته الفلسفية. فالاسلوب في الفلسفة ليس وسيلةً، لكنه فضاء حُر قائم بذاته، مهارة كبرى يستعملها الفيلسوف لنحت أفكاره التي يحياها.

لا يُقصد بالاسلوب طريقة الكتابة والتدوين المادي للأفكار ، ولكنه إمكانية التأثير والقدرة على طرح القضايا وابداع الحياة كأنّها لم تُوجد من قبل. الأسلوب يكشفُ شيئاً أصيلاً لدى الإنسان. أسلوب الفيلسوف يجسد طاقات المعنى العميق، الجوانب المجهولة من الوجود، وبجانب تفكيره الخصيب في الثقافة واللغة والمجتمع.

هل توجد مساحة حرة للتفلسف دون الأساليب المجسدة له؟

الأمر واضح أنَّ هؤلاء جميعاً جاءَ تفلسفُهم بمثابة الفكر الحي المُقام بالأسلوب ذاته. أي تشكلّت الأفكار وأخذت طريقها في التكوين عبر الأساليب الحرة ليس أقل. وكذلك يصح العكس وفقاً للسياق: (إنه الأسلوب المتجسد في الفكر الحر). لعلَّ ما يُمثله أسلوبُنا ضمن نطاق التفكير هو امكانيتنا بأنْ نشكل أفكاراً وحيوات مدهشة. وحده الإنسان من يستطيع الاندهاش. وأخطر ما يميزه هو قدرته على انتاج الدهشة. أي أنَّ كل أسلوب هو طريقة اكتشاف معنى، أحد ضروب التواجد المبدع في العالم.

ليس الأسلوب بعيداً عن منطق الأفكار إلاَّ بمقدار ما ينتجها ويجعلها قابلة للتبرير. ليس الاسلوب سطحاً أملس، بل هو عمق الأعماق معبراً عن طبيعة الطرح وقوة الرؤية وكشف الحقائق وصياغة التصورات. ولا يشكل الأسلوب برقاً خاطفاً سرعان ما ينطفيء، ولكنه يبقى سحاباً قوياً فائضاً بالوابل إنْ أراد. وقد يشكل عاصفةً تلوح في الأفق وتزحزح ما يعترضها من مسائل ومعضلاتٍ. وعليه سيكون الأسلوب بمثابة المحدد العام لما يتطارحه الفيلسوف من مفاهيم ودلالات وطاقات للمعنى في الحياة.

البعض يتعامل فلسفياً مع الأسلوب على أنه الطريقة المعبرة عن جوهرٍ ما منفصل عنها، وهذا خطأ شائع على نطاق واسعٍ، كأنّ هناك لباباً داخلياً عصياً على الوصف أو ماهية غامضة بمنأي عن التناول!! الأسلوب الفلسفي لا يُنتزع عن مضمونه وإلاَّ لغدا قالباً جامداً يصعب التخلص منه. وبخاصة أن الفلسفات تطرح أفكاراً خارج المألوف. كيف للأسلوب أن يشكل قيداً عليها؟! كما أن اساليب الفلسفة تتشكل في موضوعاتها. فهي ليست أدوات بل قضايا ومشكلات. يعاد اكتشافها، لأنها محل لمعان أعمق. المعنى هو ال الذي لا يفضل الغاية عن الوسيلة. إنه يضمن عدم وجود فجوة ويجد المادة هي الموضوع وهي الفكر في الآن.

الأسلوب هو مزج التفكير مع متطلبات الفعل انتاجاً للمعنى، فتبدو الأفكار طازجة وقادرة على الاقناع، بل قد تزداد تأثيراً. ليست المشكلة فيما إذا كان الاسلوب مناسباً أم لا، بل فيما يستطع تجسيده من إضافات مبتكرة. لأن الفلسفة تعتمد على ابتكار الرؤى والنفاذ إلى مساحات الحياة واستكشاف عوالم مجهولة من المعنى والوجود. بعض الناس يعتقد أن الفلسفة صناعة المرفهين تحليقاً خارج السرب.

و هذا أحد أسباب اهدار التفكير في مجتمعاتنا الإنسانية. لأن الفلسفة لا تكون حرةً إلاّ حين تكون الأفكار على حافة المصير. أي أما أن تفكر بكل طاقتك أو أن تساق إلى حتفك بصيغة الجمع وسط زحف القطيع. التفكير بطلاقة أو الموت لانقاذ المجتمعات من التخلف. الموت يعبر عن حلول الغسق وانحطاط الواقع وضياع الحضارة. وكل الحضارات كانت حاملة لبذور أسلوبية في غاية الأهمية بهذا المضمون. لأن اسلوب الفلسفة يبلور نمط الحياة الأكثر تحرراً.

أسلوب التفلسف يحدد اختلاف المفكرين والفلاسفة وأصحاب الرأي والسياسيين وأعلام المجتمعات، إنّه تباعاً يميز أفكارهم ويرسم إطار تأثيرها على نطاق واسعٍ. لا يؤثر الفيلسوف في متلقي أفكاره إلاّ بقدر ما يكون صاحب أسلوب نوعي عما سواه. قوة منطق التفكير الذي يشعر متلقيه بإثارة الأسئلة التي تُراود عقولهم. إنها قوة الطرح كوسيط من التفاصيل التي يجد فيها المجتمع فضاءً للتغيير، ويجد فيها الفرد مساحة للتطور والتنوع.

ولكن هل أسلوب الفلسفة مؤثر إلى هذه الدرجة؟ هل يمكن تطوير الأفكار طالما لدينا طرائق مميزة في طرحها؟ ما إطار الأسلوب فلسفياً من تلك الزاوية؟ أيُّ جديدٍ قدمه فيلسوف صاحب أسلوب في هذا السياق؟ ما السلبيات التي عساه أن يقع فيها فيلسوف طالما أن الأسلوب له قوة الفعل؟! هذه الاسئلة تعبر عن تطور الأسلوب في الفلسفة وتراجع دوره الحيوي. وبدلاً من أنْ يكون أسلوب الفلسفة غدا أسلوباً في الفلسفة. أي يبحث الدارسون والقراء عن أدوات دراسة الفلسفة لا الأسلوب كفعل حي. والبون شاسع تماماً، تحولت الفلسفة نفسها إلى أداة لا نمط حياة وفكر ورؤى للعالم. وهذا أمر يرجع إلى الحداثة التي أسست لمفهوم المجتمع بمعناه الحديث. نظام يخضع لمركزية سلطة ويجب حكمه بآليات خادمة لها. واعتبرت الأساليب أدوات تطبيق لا ابداع طرق جديدة في الحياة والعيش.

داخل / خارج الفلسفة

ليس الفكر منعزلاً عن الأسلوب. لأنَّ كل فكر فلسفي يحمل أسلوبه الخاص ويصح لبوجه الآخر: أن كل أسلوب مميز يستند إلى فكر مختلفٍ. فهما شيء واحد لا شيئان منفصلان بالضرورة. وقد درجت ألفاظنا العامة على التمييز بينهما دون مبرر إلاّ من تقليد موروث. الفكر الذي يغير يحتاج إلى إمكانية الطرح والتّحقُق. وليس ثمة ما نريد الوصول إليه دون أسلوب التفكير تجاه موضوعاته. الأسلوب يعني الطريقة، آليات العمل الفكري، بلورة التصورات والمفاهيم، إثارة القضايا، اختراق المألوف، تحقيق الأداء، إبلاغ الرسالة والمعنى، أدوات الطرح، تعميق المعاني، كشف المضمون لما هو قائم. الاسلوب يهدف إلى إنشاء محتوى قادر على مخاطبة عقولنا وأفعالنا جنبا إلى جنب.

وهذا معناه أنّ كل أسلوب هو طريقنا للتفكير الحقيقي، لا مجرد موضوع مطروح حيادياً. الأسلوب هو الفكر نفسه خلال معطياته التي يريدها. أنه ينحت مساراً باحثاً عن موضع قدم. وليس الطرح من نسيج العلاقة بين اللفظ والمعنى على طريقة الأدباء، ولا ثنائية الروح والجسد على غرار المتصوفة، ولا مفارقة التنظير والتطبيق فيما يري السياسيون، ولا بتراتب القيم والممارسة على شاكلة مواعظ رجال الاخلاق ولا على غرار الكهانة والطاعة في الأديان. ولكن أسلوب الفلاسفة يبلور محتوى الفكر والحياة كمادة للتناول، إنه (استراتيجية قائمة بذاتها) لا محض إلقاء تجاه موضوعات على مرمى النظر. كذلك لا يتعامل أسلوب الفلاسفة مع الأفكار كأنّها معطيات برانية، لكونه في اللحظة التي يعبر فيها هو يفكر ويعيد تشكيلها. وحينما يفكر، فإنَّه يغير نمط التعقل تجاه العالم بشكل متزامن لا متعاقب. ثم إن الفكر هو المجرى الحقيقي للحياة المعيشة. والحياة لا تعطينا كلمة نهائية، ولكنها عملية تجريب متواصل وادهاش ممتد.

استناداً إلى هذا، رأى فلاسفة مثل فتجنشتين أن الأسلوب مرهون بأثر اللغة، واللغة فكر تحت الاشتغال اليومي. اللغة متصل من المعاني يحقق الأسلوب والفكر معاً. ليس الأسلوب قشرة خارجية ولا يشكل وجوداً خفياً وراء العبارات، ولكنه الشخصية المفهومية المعبرة عن عمق الأفكار. حاول فتجنشين في مرحلة "الرسالة المنطقية الفلسفية Tractatus" أنْ يجعل الاسلوب إطاراً للفكر، حتى من جهة كتابة الرسالة. كتب هذا الفيلسوف صفحاتها (سطراً سطراً) في محاولة طموحة لتدوين الأفكار دون انحراف. أراد فتجنشتين محاصرة اللغة لكيلا تنفرط من المعنى. واعتقاده الجاري أنْ تحديد العباراة هو تحديد للمعنى في ذاته. اختزل الكلمات وقام بضغطها في جمل مقتضبة دالةً من أقصر الطرق. لا يترك الجمل مترهلة وسع التصورات، بل مشدودة إلى توتر عبر حالات من التفكير الدقيق. صحيح أن يقصد مطاردة افراغ المعنى، لكنه انزلق إلى تأكيد الاسلوب المتفرد للفلسفة. أنه لا انفصال بين المعنى والفكر ، بين المادة والصورة، بين الحقيق والدلالة، بين الكلمات والحياة.

أخطر ما أثاره فتجنشتين أن الاسلوب هو طريق الفكر والمعنى . أي في اللحظة التي نعبر فيها عما نفكر إنما يكون التفكير طريقاً للرؤية بما هي كذلك. وتقوم اللغة ليس بدور الناقل كما فهم بعض القراء، ولكن التفكير فعل لغة، فعل تعبير ، فعل معنى، فعل أسلوب يضم جميع هذا. بالتحديد سيكون فعل حياة طالما الإنسان كائن حي. وتلك المرحلة تمثل أصالة الفلسفة لا هدماً لها. على أساس أنَّ شبكة اللغة تجسد حضور المعنى. وهو اعتقاد خارج التحقق المباشر، ولكنه موجود في كل الأحوال، حتى وإنْ حاولنا صياغة العبارات باقتضاب وبصورة دالة. لأن الأسلوب يمثل– فيما يعتقد فتجنشتين– وسيلة احضار لا إشكال، مساحة أصالة لا أداة هامشية.

في مجمل تاريخ الفلسفة: " لا يعد الأسلوبُ وسيلةً مؤقتة، ولكنه فضاء من الحرية ..."، كل فلسفة لا تري في اسلوبها بُعداً كهذا لن تحقق امكانيات اللغة. ولن تكون مجديةً إزاء حركة الواقع. والاسلوب لا يقف عند حدود، لأنَّه قد يصبح هادماً لكل ما يواجهه. قد نطلق على ذلك نقداً أو فكراً متمرداً، غير أنَّ الفلسفة تتجاوز كل حالة هي لها. تقف الفلسفة أبعد وأقرب مما نتصور عن الأشياء في اللحظة نفسها. ذلك نتيجة كون الاسلوب قوةً (داخل / خارج الفلسفة). الفلسفات المؤثرة لا تعود إلى حصونها المظلمة كثيراً. بل هي ضرب من الاكتشاف المتواصل.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

هل التجربة تسبق التعبير أم أن اللغة تصنع ما نشعر به؟

من أكثر الأسئلة توترًا في فلسفة الوعي ذاك الذي لا يكتفي بالبحث في علاقة الخبرة بالدماغ أو بالمادة أو بالعالم، بل يتجه إلى الوسيط الذي به نعترف بالخبرة ونتداولها ونفهمها ونبني صورتنا عنها: اللغة. هنا تتخذ المشكلة شكلًا بالغ الدقة: هل توجد التجربة أولًا، في عمق صامت سابق على العبارة، ثم تأتي اللغة لاحقًا لتصف ما حدث؟ أم أن اللغة ليست مجرد وعاء محايد، بل قوة تكوينية تُعيد تشكيل ما نحسه، وتحدد حدوده، وتمنح التجربة نفسها ملامحها الممكنة؟ هل الألم ألم قبل أن يسمى؟ وهل الحزن حزن بالصورة ذاتها قبل أن يدخل في شبكة الكلمات والاستعارات والسرد؟ أم أن ما نسميه “الخبرة الخالصة” ليس خالصًا كما نتصور، بل مشبع من البداية بأفق لغوي ورمزي؟

في النظرة الحدسية الأولى، يبدو الجواب بسيطًا: بالطبع التجربة تسبق التعبير. الطفل يشعر قبل أن يتكلم، والحيوان يتألم من غير لغة بشرية، والإنسان نفسه قد يعيش انفعالًا غامضًا يعجز عن تسميته ثم يبحث عن الكلمات بعد ذلك. من هذه الزاوية، تبدو اللغة متأخرة عن الوعي، أشبه بمحاولة لاحقة لإمساك شيء حدث في العمق قبل العبارة. نحن لا نحتاج إلى كلمة “ألم” كي نتألم، ولا إلى كلمة “أحمر” كي نرى الأحمر. ولذلك يبدو طبيعيًا أن نقول إن التجربة أصل، واللغة شرح أو ترجمة أو إبلاغ.

غير أن هذا التصور، رغم قوته المباشرة، يخفي تحت بساطته مسألة أكثر تعقيدًا. صحيح أن هناك مستوى من الإحساس أو الانفعال أو الانتباه يسبق التسمية، لكن هل يظل هذا المستوى هو نفسه عندما يدخل اللغة؟ وهل يمكن أصلًا فصل “ما نشعر به” عن الطريقة التي نتعلم بها تمييزه، وتقسيمه، والتعرف عليه، وتذكره، وتأويله؟ هنا تبدأ اللغة في الظهور لا بوصفها غلافًا خارجيًا، بل بوصفها بنية تمييز. فاللغة لا تقول فقط ما نشعر به، بل تساعدنا أحيانًا على معرفة ما نشعر به. كثير من الناس لا يعانون فقط من الألم، بل من عجزهم عن تعيينه: هل هو قلق، أم حزن، أم خيبة، أم وحدة، أم غضب مقنّع؟ وفي اللحظة التي يجد فيها المرء الاسم، لا يكون قد أضاف كلمة إلى شعور مكتمل فقط، بل قد يكون قد أعاد تنظيم هذا الشعور نفسه.

من هنا يمكن القول إن التجربة تسبق اللغة من جهة، لكنها لا تبقى هي نفسها بعد دخولها في اللغة. هناك بعد خام، أو بالأحرى قبل-تصنيفي، في الخبرة، لكن اللغة لا تأتي فقط لتصوره؛ إنها تقطعه، وتربطه، وتؤطره، وتمنحه شكلًا يمكن تداوله وتذكره والدخول به في علاقة مع الذات والآخر. إن ما لا اسم له لا يكون بالضرورة معدومًا، لكنه قد يبقى ضبابيًا، متشظيًا، غير مستقر في الإدراك. واللغة هنا تعمل كجهاز بلوري: لا تخلق المادة من العدم، لكنها تعطيها انتظامًا ورؤية وهيئة.

ولهذا السبب كان فلاسفة كثر مترددين بين طرفين. فمن جهة، هناك التقليد الذي يرى أن الوعي أسبق من اللغة، وأن اللغة تبقى دومًا متأخرة عن سرّ التجربة. هذا نجده بصيغ مختلفة لدى الظاهراتيين والشعراء والمتصوفة وبعض فلاسفة الوجود. فالتجربة، عندهم، تتضمن فائضًا لا يُستنفد في القول. هناك دائمًا شيء يفلت من العبارة: نبرة الحزن، رائحة الذاكرة، كثافة الحضور، فرادة اللحظة، الطابع الصامت لبعض الانكشافات. اللغة تقترب، تشير، تلمح، لكنها لا تطابق ما تُحيل إليه. في هذا المنظور، الوعي أوسع من اللغة، وأغنى منها، والعبارة ليست إلا ظلاً أو أثرًا أو محاولة.

لكن من جهة أخرى، هناك تقليد آخر، يتغذى من هيردر وهيغل وفتغنشتاين إلى بعض البنيويين وما بعد البنيويين، يرى أن الإنسان لا يشعر فقط داخل فراغ داخلي خالص، بل داخل عالم رمزي. الوعي الإنساني ليس حيوانًا محايدًا أضيفت إليه الكلمات من الخارج، بل هو وعي تشكل تاريخيًا وثقافيًا عبر اللغة. نحن لا نحس العالم ككتلة خام فقط، بل من خلال مفاهيم، وفروق، واستعارات، وأسماء، وبنى سردية. ما نعدّه “شعورًا داخليًا” قد يكون، جزئيًا على الأقل، متكونًا من خلال تعلمنا للكلام عن أنفسنا. الطفل لا يكتسب فقط مفردات، بل يكتسب أيضًا خرائط شعورية: يتعلم ما هو الخجل، وما هو الفخر، وما هو الذنب، وما هو الحنين، وما هو الإحراج. فيتعلم بذلك كيف يقطّع عالمه الداخلي نفسه.

هذا لا يعني أن اللغة تخلق التجربة من العدم كما يخلق الساحر أرنبًا من الفراغ، بل يعني أنها تشارك في تكوين خبرة إنسانية مخصوصة تختلف عن مجرد الانفعال الخام. هناك فارق بين أن ينتفض الجسد خوفًا، وبين أن يُعاش هذا الاضطراب بوصفه “قلقًا وجوديًا” أو “توترًا اجتماعيًا” أو “هلعًا من الفقد”. اللغة لا تخلق الاضطراب الفيزيولوجي، لكنها تمنح الاضطراب أفقًا معنويًا وشبكة تأويلية. ومن هنا فإن الشعور الإنساني ليس مجرد كيمياء عصبية، ولا مجرد حالة خام تسبق كل رمز، بل هو تداخل بين الإحساس والتسمية، بين الاندفاع العضوي والتنظيم الرمزي.

وهنا تكتسب أطروحات فتغنشتاين أهمية خاصة. فقد كان شديد الحذر من فكرة “اللغة الخاصة”، أي من التصور الذي يفترض أن لكل فرد عالمًا داخليًا خالصًا يعرفه مباشرة ثم يلصق به كلمات لاحقًا. الاعتراض الفتغنشتايني لا ينكر الألم مثلًا، لكنه يشكك في تصورنا له بوصفه جوهرًا باطنيًا معزولًا لا معنى له إلا في الداخل. فمعنى كلمة “ألم” لا يتحدد من خلال نظرة باطنية صامتة فقط، بل من خلال استعمالها في حياة مشتركة، في أشكال العيش، في التعبير، في السلوك، في التعلم. ومن هنا لا يعود الشعور الإنساني شيئًا نملكه وحدنا ثم نعلن عنه، بل يصبح أيضًا جزءًا من لعبة لغوية ووجودية مشتركة. هذا لا يثبت أن الألم “مجرد لغة”، لكنه يكشف أن تجربتنا له، كما نفهمها وننقلها ونميزها، لا تنفصل عن شروط التعبير.

ومع ذلك، لا ينبغي أن ندفع هذا الموقف إلى حد الذوبان الكامل للخبرة في اللغة. لأن في هذا خطرًا مضادًا: خطر أن نحسب كل ما لا نستطيع قوله غير موجود أو غير ذي شأن. لكن التجربة تعلمنا أن هناك دومًا شيئًا يسبق الاكتمال الدلالي. هناك لحظات من الذهول، أو الحزن، أو الحب، أو الألم، أو الجمال، نجد أنفسنا فيها أمام كثافة لا تلحق بها الكلمات. لا لأن هذه الخبرات “فوق طبيعية”، بل لأن اللغة، مهما اتسعت، تعمل عبر التعميم والتصنيف والربط، بينما الخبرة تعيش أحيانًا في فرادتها، وفي نبرتها غير القابلة للاستنساخ. لهذا كثيرًا ما يشعر الإنسان أن قوله عن تجربته ليس تجربته، بل أثر لها. اللغة تمنح الإمساك، لكنها أيضًا تفرض خسارة ما.

ومن هنا يظهر التوتر الحقيقي: الوعي الإنساني ليس سابقًا على اللغة بالكامل، ولا مصنوعًا بها بالكامل. إنه يقع في منطقة بينية. هناك طبقة معيشة أولية من الإحساس والانفعال والانتباه والتوتر الجسدي والزمن الداخلي، وهذه لا تنتظر اللغة كي توجد. لكن هناك أيضًا طبقة انعكاسية-رمزية لا تتشكل إلا عبر اللغة، أو على الأقل تتعمق بها جذريًا. فالإنسان لا يشعر فقط، بل يعرف أنه يشعر، ويعيد سرد شعوره، ويؤوله، ويقيسه على كلمات الآخرين، ويخضعه لذاكرته وثقافته ومخزونه المجازي. هذا البعد الثاني ليس زينة خارجية، بل جزء من بنية الوعي البشري كما نعرفه.

بل يمكن القول إن اللغة تمنح الوعي شيئًا أخطر من مجرد الوصف: تمنحه الارتداد على نفسه. عبر اللغة يستطيع الوعي أن يصير موضوعًا لذاته. أنا لا أغضب فقط، بل أقول: أنا غاضب. ثم أقول: لِمَ أنا غاضب؟ ثم أراجع قصتي عن غضبي، ثم أكتشف أن غضبي حزن مقلوب، أو جرح قديم، أو خوف من فقدان المكانة. هنا لا تكون اللغة تقريرًا عن شعور ثابت، بل أداة كشف وتحويل. كثير من الشعور الإنساني لا يُكتشف إلا عبر هذا الرجوع اللغوي. وهكذا لا تكون اللغة تابعة للوعي فقط، بل إحدى قواه التأويلية.

ومع ذلك، فإن اللغة قد تشوه كما تكشف. فهي لا تمنح فقط الوضوح، بل تفرض أحيانًا قوالب جاهزة. قد تجعلنا نسمي انفعالًا مركبًا باسم مبتسر، أو نعيش شعورًا وفق سردية ثقافية لا تخصه تمامًا، أو نبالغ في عقلنة ما كان يحتاج إلى إنصات أكثر من تفسير. وكما أن اللغة تساعدنا على فهم ما نشعر به، يمكنها أيضًا أن تبعدنا عنه. فقد نستعير كلمات الآخرين حتى نفقد تماسنا مع توترنا الأصلي. وقد نكرر أسماء مثل “القلق” و“الصدمة” و“الحب” و“التحرر” على نحو يجعل التجربة نفسها أسيرة خطاب جاهز. من هنا ليست اللغة خلاصًا خالصًا، بل قوة مزدوجة: تكشف وتحجب، تفتح وتؤطر، تمنح صوتًا لكنها تفرض نحوًا.

وهذا البعد المزدوج يجعل العلاقة بين الوعي واللغة ذات طابع جدلي. التجربة تحتاج إلى اللغة كي تصير معرفة قابلة للمشاركة، لكن اللغة تحتاج إلى التجربة كي لا تتحول إلى قشرة فارغة. لا توجد ذاتية بشرية ناضجة خارج الرمز، لكن لا يوجد رمز حي إذا انفصل عن النبض المعيش الذي يغذيه. ولهذا فإن السؤال: هل التجربة تسبق التعبير أم أن اللغة تصنع ما نشعر به؟ لا يُجاب عنه بخيار واحد. الأصح أن نقول: التجربة تبدأ قبل اللغة، لكنها تصير خبرة إنسانية كاملة عبر اللغة. واللغة لا تخلق الشعور من لا شيء، لكنها تعيد تشكيله، وتمنحه حدوده، ومكانه في الذاكرة، وقدرته على أن يعود إلى ذاته.

في ضوء هذا، يمكن إعادة قراءة كثير من مشكلات الوعي نفسها. فالكواليا تبدو للوهلة الأولى سابقة على اللغة، لأنها تتعلق بالكيفيات المعاشة. لكن حتى الكواليا كما نفكر فيها فلسفيًا لا تنفصل عن قدرة لغوية على الإشارة إلى الفروق، وعلى القول: هذا اللون يختلف عن ذاك، وهذا الألم يختلف عن ذاك، وهذه النبرة الشعورية لا تختزل في أخرى. وحجة ماري نفسها تكشف فرقًا بين معرفة الوقائع ومعايشة التجربة، لكنها تكشف أيضًا أن المعايشة وحدها لا تدخل في أفق الفهم إلا حين تصير قابلة للتعبير والمقارنة والتأمل. حتى ما يبدو عصيًا على اللغة يظهر لنا بوصفه عصيًا على اللغة داخل اللغة نفسها.

لا ينبغي أن نفكر في الوعي واللغة كشيئين منفصلين ثم نسأل عن الجسر بينهما. في الإنسان على الأقل، هما متداخلان على نحو عميق. هناك صمت أولي في الخبرة، نعم، لكن هذا الصمت لا يبلغ وعيه الكامل بنفسه إلا حين يقترب من العبارة. وهناك قوة تشكيل في اللغة، نعم، لكنها لا تخلق من العدم، بل تعمل على مادة معيشة تسبقها جزئيًا. الإنسان ليس كائنًا يشعر أولًا ثم يتكلم لاحقًا فقط، ولا كائنًا تصنعه اللغة من الصفر، بل هو الكائن الذي يتشكل وعيه في المسافة بين الانفعال والقول، بين ما يعيشه وما يستطيع أن يقوله، بين ما ينكشف له وما يتعثر في التعبير عنه.

لهذا فالسؤال عن الوعي واللغة ليس هامشيًا، بل يمس صميم الكينونة الإنسانية. لأن الإنسان لا يسكن العالم بحواسه فقط، بل بأسمائه أيضًا. ولا يتألم بجسده فقط، بل بتفسيره لألمه. ولا يحب بانفعاله فقط، بل بالسرد الذي يمنح حبه زمنًا ومعنى وذاكرة. وهكذا لا تكون اللغة مجرد أداة خارجية للوعي، بل بيتًا جزئيًا له، وإن كان بيتًا لا يتسع أبدًا لكل ما يسكنه.

***

عبد الله الهميلي

تقديم: الرواقية مذهب فلسفي قديم حيث نشأت هذه الفلسفة باليونان مع زينون الرواقي في القرن الثالث الميلادي، مذهب فلسفي متكامل الغايات والأهداف، ويمكن التمييز بين الرواقية المبكرة والرواقية المتأخرة، عصر زينون وباقي الفلاسفة اليونان في مدينة أثينا والفلاسفة الرومان أمثال إبكتيتوس وسينيكا والإمبراطور ماركوس أوريليوس، كما تدور الفلسفة الرواقية في ثلاث قضايا: المنطق و الطبيعة والأخلاق، وتدريب العقل على الحكمة والتأمل في الحياة إيمانا بقيمة العقل في تدبير شؤون الانسان، والإيمان بالراحة النفسية أو التوازن النفسي، ملامح الفلسفة في غنى دلالتها وقوتها بوصفها فلسفة تعنى بالحكمة العملية في الحياة، وليست الفلسفة نابعة من التفكير المجرد أو التنظير النظري إلا إذا كانت الرؤية النظرية مهمة في ثنايا الحياة والغايات الخاصة بالوجود الانساني. كتب الرواقي عن الحياة والرغبات والانفعالات، كتب عن الصفات المميزة في الطبيعة الإنسانية، عن الحسد والغضب والانفعالات، كتب عن الانسان والسعادة والفضائل العملية، عناية الرواقي بالحياة والعقل ودعوته للعيش وفق الطبيعة، وكل ما يتطابق مع العقل الكلي. فكل من يرتمي في أحضان الرواقية، وكل من يريد أن يسلك طريقه على خطى الرواقية يستجيب في عمله للخطوات العملية في تحقيق الحكمة والطفر بالسعادة، كما يرغب الرواقي دائما في السلام الداخلي، يريد أن تكون الارادة الموجه لحياتنا، أن يكون الفعل نابع من الذات والتأملات الذهنية للحياة، كذلك التحرر من القلق والتركيز على كل ما يقع تحت سيطرتنا. إننا نواجه الحياة بجرأة وإرادة، الحياة قصيرة جدا ويجب أن يعيش المرء على طبيعته، العفو يطفئ الغضب، والانسجام مع الذات مبدأ ثابت، والصفح يخمد نار الحقد والحسد، والعقل والتوازن في الذات يطفئ لهيب الرغبات والانفعالات، رسائل الرواقي سينيكا وتأملات ماركوس أوريليوس كلها نابعة من الحكمة العملية، نابعة من الفضائل وغايتها، أن يكون الانسان سعيدا بعقله، الغضب مصدره التوقعات الخاطئة، التفاؤل المفرط يولد الإحباط، أن تتوقع كل الاشياء، وأن تأخذ نصيبا من الاحتياط، كما تعتبر العفة فضيلة سامية، فلا يجب الافراط في التفاؤل والزيادة في جرعة الأشياء بالتمني والتقدير الخاطئ، يجب أن يكون الرواقي على استعداد لتقبل الأشياء أي التقليل من التفاؤل، بحيث لا نرسم أحلاما فوق طاقتنا، ولا شيء مستقر لأن مصائر البشر في خطر عندما لا نملك ما يجعلنا نعيش بتناغم مع الطبيعة، أن نترك للعقل يدير أمور حياتنا، كل ما هو جزئي ينتهي، وما هو كلي يبقى خالدا، أن نمدح العقل والروح، ولا نجعل من العطاء المادي أساس حياتنا. لقد كان سقراط شجاعا أمام الموت إيمانا منه بالمبدأ وقناعة راسخة في انفصال النفس عن الجسد، الشجاعة فضيلة، ويعلم الحكيم أن الفضائل العملية تقود الانسان نحو السعادة وسكينة النفس، الفضيلة علم والجهل رذيلة، طريقة سقراط في تعلم الحقيقة وبناء الذات من الداخل، شخصية سقراط لا بد أنها حاضرة في الفلسفة الرواقية مع الميل لتعلم الأشياء والعمل بالحكمة العملية يؤدي الى محبة الحكمة ومزاولتها في الواقع، يحيا الرواقي على أمل أن يحيا وفق الطبيعة وانسجاما مع الذات، كما يدرك الرواقي قيمة العقل واستقامة الحكم ونزاهة الإنسان في الحياة، كلها أدوات مهمة في السمو والرفعة، التجاوز للغضب والانتقام، عدم السماح للنفس بالانحراف، ولادة الانسان بالعقل والحكمة ولادة للسياسة الرشيدة بالعفو والصفح وعدم الانتقام، توزان النفس الانسانية وبناء الانسان أو تحقيق المواطنة العالمية عندما يتم ترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة. الرواقية القديمة والرواقية المتأخرة عناوين عريضة لاسم واحد يتعلق الأمر بالفلسفة الرواقية أو المذهب الجامع للفلسفة والتفلسف، التفكير هنا لا يشمل الأخلاق والفضائل الأخلاقية، بل يشمل علم المنطق والطبيعة، وإذا كان علم المنطق لا يتطابق مع منطق وطبيعيات أرسطو فإن الجانب العملي والحكمة أساس الأفكار القائمة في الرواقية، ولذلك استلهمت الرواقية كفلسفة عملية مبادئها من تيارات ومذاهب مختلفة، من سقراط وحكمته في قول الحقيقة وتدريبه للعقل من خلال المنهج التوليدي، وتدريب الإنسان على الحوار والنقاش في الساحات العمومية إيمانا من الفيلسوف سقراط بقيمة التفلسف، وقوة المنهج في توليد واستخراج الأفكار، والعمل على إعادة تعريفها، وليست الرواقية في عداء مع الأبيقورية رغم قول الفيلسوف أبيقور باللذة الحسية، وعدم التشديد على العقل في تدبير الأشياء أو محاولة الرفع من اللذات الحسية كعامل لإزالة التوتر، ومنح السكينة والهدوء للنفس لأن الرواقية في مبدئها الأصيل تشدد على تطويع الرغبة، وضبط الانفعالات من خلال ترك الأمور للعقل، والتدريب العقلي والروحي لأن قانون الطبيعة يسري على الانسان، وقانون الإنسان حسن تدبير الأمور، كما يبتغيها العقل، والحياة ليست طويلة بل قصيرة جدا، ويجب أن يحيا الإنسان على الأمل أن يحيا وفق قوانين الطبيعة، ولذلك أخرج الرواقيون فكرة المواطنة العالمية، وفكرة الأخوة والمحبة، وسؤال الرواقي المهم: كيف يعيش الانسان؟ هل يحيا الانسان حياة العقل؟ ولماذا نحتاج للفلسفة؟

- الرواقية والتدريبات الروحية

الرواقية مذهب فلسفي يشمل مرحلتين أساسيتين، المرحلة اليونانية والمرحلة الرومانية، وما يجمع المرحلتين مبادئ الرواقية وقناعات الرواقي، جملة من الرسائل والتأملات، والمختصر المفيد في فن الحياة وطرق نيل السعادة، وكذلك العيش بتناغم مع قوانين الطبيعة وقواعد العقل، الحياة بالمعنى البسيط ليست سوى معارك الإنسان مع ذاته، والمعركة الشرسة مع الرغبات الجامحة، وما يهدد سلامة الإنسان في الوجود إذا لم نحسن التعامل مع الرغبات، إذا جنح العقل والنفس جنوحا سلبيا نحو تدمير الذات. فوظيفة الانسان أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن يترجم عنه بأفعاله، أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل، وقد وهبتنا الطبيعة حب البقاء ميلا أساسيا يهدينا الى التمييز بين ما هو موافق لها وما هو مضاد، فنحن نطلب ما ينفعنا ونجتنب ما يضرنا بالطبع(1)، ومدخل الاستكشاف البحث عن الذات في ركام الرغبات، وانحراف الميولات نحو كل ما هو سلبي وهدام لبناء الانسان على قناعات مهمة تؤدي للحكمة العملية، مبادئ أصيلة في المذهب الرواقي تجعل من هذه الفلسفة مرآة الانسان في الواقع، أن يكون إيمان الرواقي شديدا بالفعل المطابق لذاته وللواقع، كل ما يتعلق بالنوايا الطيبة والغايات النبيلة في الحياة القصيرة أصلا، وليست الحكمة سوى استقامة العقل وسلامة الحكم، الحياة ليست ثابتة ولا جامدة، الحياة سيل من الأحداث والوقائع التي يمكن أن تنال من الإنسان، تنال من الجهد والفعل، ويمكن أن يصاب الانسان بخيبات الامل، وهنا تتراخى الهمم والعزائم، وخير للرواقي أن يتوقع كل الاشياء في الحياة، التفاؤل المفرط وانحراف النفس نحو اللذات الهدامة، وكل ما يؤدي للضجر والقلق، أسباب وأشياء تقلل من سعادتنا وبهجتنا في الحياة، وطريق السعادة من خلال وضع قواعد للسلوك الانساني، كل ما يتعلق بالأخلاق وحكم العقل واستقامة الانسان في الحياة، وأن الفعل الاخلاقي لا يكون صحيحا إلا إذا كان موافقا لما تقتضيه قوانين الطبيعة أعني أن الفعل الأخلاقي يتجه إلى تحقيق ما يجري عليه نظام الطبيعة(2)، في الطبيعة كل شيء معلل ومنظم بقوانين ثابتة، وفي الانسان العقل القائم على قواعد ومبادئ تثير في الإنسان الرغبة في المعرفة، وتعليل الأشياء بمنطق وحكمة. حقيقة المذاهب الفلسفية اليونانية كلها تنبع من تفكير عميق في الوجود والموجودات، تفكير عميق في الذات، الفلسفة وليدة تساؤلات وأسئلة جمة في غمار الطبيعة والانسان معا، سؤال الوجود والطبيعة في حكمة قدماء اليونان، وسؤال الفحص والتحري عن حقيقة الانسان، وعلاقته بالطبيعة والوجود، والرواقية بهذا المعنى فلسفة تهتم بالإنسان، وتدريب العقل على المعرفة وفن العيش، فلسفة تلقي على عاتقها هم الانسان وسعادته عندما تنخرط في الحياة وتجعل من وجود الانسان وسلامته أساس بناء منطق سليم للحياة والذوق معا، الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة وبناء الانسان على منطق سلوكي سليم بعيدا عن الانفعالات والأهواء المنفلتة، مهمة الفلسفة علاجية في تقويم الغضب، والنأي بالذات عن القلق وكل ما يزيد الذات توترا، والعيش وفق للطبيعة يعني العيش وفق العقل دون العودة إلى الماضي أو تذكر ماسي الإنسان في الماضي، ودون التطلع أكثر زيادة على المستقبل. إن الرواقية بهذا المعنى تنصب على الحاضر أولا حيث يعيش الإنسان لذاته بتناغم، والتدريبات الروحية على الطريقة السقراطية، يعني تمرين الذات على تعلم الحقيقة وتعلم الفضيلة، والتمارين الروحية ترياق للنفس في توازنها، وشفاء للروح من سقم وهموم الواقع، شفاء من تلك التطلعات أو السقف الذي يضعه الانسان في ابتغاء شيء ما، فلا ينال منه إلا خيبات الأمل في عدم التطابق بين الأفكار والواقع، الحسرة والسقوط في الاستحالة، والتوقع الخاطئ للمستقبل، شيآن يجب أن ننفصل عنهما كما قال سينيكا، الخوف من المستقبل وذكريات الماضي الأليمة، هذا لا يعنيك وذلك لم يعرض لك بعد، خير لنا التفكير في الحاضر، والعيش بتناغم مع الطبيعة، أفضل لنا تعلم الفضيلة، وتدريب العقل على الحوار والتواصل وفن العيش، الفلسفة هي السعادة ذاتها، وليس ما يقوله الأبيقوريون أن الفلسفة أداة من أجل تحقيق السعادة، يعني ضرورة التفلسف والأخذ بمنطق الفلسفة الذي يعتبر كمنطق العقل والحكمة العملية أولى الأشياء بالعناية والقول، والحكمة عند أصحاب الرواق هي استقامة العقل فحسب، ولما كان العقل خلوا من الهوى والانفعال، فإن الرجل إذا بلغ مرتبة الحكمة فلن يستطيع شيء مهما يكن أن يسلبه إياها(3)، فضيلة الإنسان في التعلم والفهم، والرذيلة منبعها الجهل، وبذلك كانت الحكمة نافعة للخير والاستقامة، والشر نابع من الجهل وعدم التعلم، الحقيقة كما يراها الحكماء نابعة من الداخل وقابعة في الذات وبالتالي نحن في حاجة للتأمل، تأملات في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس تنطلق من اعتبار الذات مركز الحقيقة، والفهم للذات في فهمها وقدرتها على إدراك طبيعة العالم، لابد أن تكون تأملات الإنسان نوع من التدريبات الروحية للعقل والجسد معا، التدريبات تزيل الهموم والقلق، التدريبات تنأى عن الهوى والعواطف الجياشة، الإنسان جزء من نطام كوني غايته أن يكون سعيدا في الوجود، أن يحيا على طبيعته، وطبيعة القوانين لأن الحياة قصيرة ويجب أن نعيش بتناغم، ومبدأ العمل يقتضي منا تقدير كل لحظة في الحياة، أن لا تصير حياتنا عبثا ولهوا، أما الفضائل التي كان يدعو إليها أفلاطون وسقراط فهي: الحكمة والشجاعة والعفة والاعتدال، أعلى الفضائل تحقيق العدالة كانسجام وتناغم بين الإنسان وذاته، وبين الطبقات الاجتماعية، تبقى العدالة أم الفضائل مشروطة بالقوة المعنوية والقدرة في التدبير والاتزان، حكمة الفلاسفة، وقوة العقل في تحقيق التوازن النفسي والذهني، تتحقق العدالة بين مجموع القوى النفسية كالغضب والشهوة والعقل، ومجموع قوى المجتمع بين الطبقات الاجتماعية أي بين طبقة الفلاسفة وطبقة الجنود وطبقة عامة الشعب. الفكرة الجوهرية هنا تتعلق باطلاع الرواقيون على الفلسفة السابقة، وعنايتهم بالمذهب وليدة التأثير بالسابقين منهم: هيراقليطس في الطبيعيات، وسقراط في الأخلاق، وطبعا أرسطو في المنطق مع وجود اختلاف في البناء والرؤى، ولا يمكن أن يكون التطابق كاملا، بل في وحدة المذهب الرواقي ما يدل على الإبداع في النظر للذات والعالم، ومن يعتبر أن الرواقية مذهب متعدد المواقف والتأملات، إنها مذهب هيراقليطس كما ذهب إلى ذلك يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية"، الرواقيون ماديون، فكل معرفة عندهم معرفة حسية أو ترجع إلى الحس، والأصل في المعرفة أن الشيء يطبع صورته في الحس بفعل مباشر لا بواسطة " أشباه" كما يقول الابيقوريون(4)، حوادث الكون محكومة بقواعد ثابتة، والعقل الإنساني محكوم بمبادئ، وكل ما في العالم معلل ومحدد بالغايات في خدمة الانسان، وقوة الرواقية في جوهر فلسفتها القائمة على مبادئ تتعلق بقوانين الطبيعية والحرية الإنسانية، ملامح الفلسفة الرواقية في بعدها الأخلاقي المعياري، في قوة الفلاسفة على بناء نظرة شمولية عن الإنسان وسعادته من منطلق السؤال الجوهري: كيف يحيا الانسان؟ الحياة وفق قانون العقل يعني الحياة وفق قانون الطبيعة الذي يحكم العالم، طبيعة الحياة أن تكون عاقلة، أن يحكمنا العقل ويدبر أمرنا وإذا كان الأمر كذلك فإن الرواقي ملزم بتملك مجموعة من الصفات الخاصة بالتعامل وفن العيش معا، مهمة الفلسفة تتعلق بالفهم، حسن توجيه السلوك نحو المفيد للعيش الرغيد، الفلسفة علاجية، فقد صدع الرواقيون بأن الفلسفة بالنسبة لهم تدريب، الفلسفة ليست تعليم نظرية مجردة، وهي أبعد ما تكون عن عملية تفسير نصوص، إنما الفلسفة هي فن العيش(5)، فن تدبير الحياة بطرق عقلانية، فن العيش والتناغم مع الذات. إن الفلسفة بهذا المعنى تدريب روحي، تقويم سلوك لاستقامة النفس واستقامة الفعل، نتعلم كيف نحيا، نعيش كيف نواجه الموت والمصير، نحسن التفكير والانهمام بذواتنا، هناك حوار يجري بن الذات وذاتها وحوار يجري مع الاخر، قوة الحوار في السؤال والتواصل، الحوار الذي يقود إلى التحول، ولطالما يعطي الرواقيون مثالا بالحكيم سقراط الذي اتخذ من فن التهكم أسلوبه المميز في سبيل إحداث التحول في النفس والفكر، أن يكون الإنسان على استعداد لتعلم الحقيقة، أن يتدرج سقراط بالمحاور في سبيل بناء الذات، تحرير المحاور من الجهل والمغالطات الفكرية، قناعة الفيلسوف سقراط نابعة من الحجة وطريقته في التفلسف، ولذلك كان مزعجا يكثر من طرح الأسئلة ولا يعطي جوابا محددا، ويمتاز بميزة أساسية في فلسفته التي تتعلق بالتعريفات وإقامة الحجة والدليل على زيف المغالطات، وعندما ينتهي من السؤال يتولد لديه سؤال جديد، وهكذا يتحول المشهد الخاص بالنقاش والحوار إلى فضاء ممتع دون أن ينتهي إلى أجوبة قطعية إلا أن الأمور كانت واضحة كما يؤكد على ذلك ويل ديورانت في كتابه "قصة الفلسفة"(6)، في سؤال لسقراط عن الفلسفة الطبيعية حيث اعتبر هذه الفلسفة حسنة لأنها تزيل الغموض عن الأشياء من خلال سؤال في الوجود وطبيعة الأشياء، لكن أرقى فلسفة وأعلاها قيمة تلك التي تعنى بالإنسان، ولذلك ظل السؤال السقراطي أخلاقي بامتياز يروم بناء قيمة الإنسان في بعده الفكري والأخلاقي معا، الثناء على الفلسفة السابقة يعني أن للفلسفة خطوط متوازية ومتكاملة الأجزاء، ولا يمكن للنسق الفلسفي أن يلغي جزء من هذه الأجزاء، الفلسفة ممارسة علاجية ضد الألم والقلق، علاج مفيد لأشكال القهر النفسي، تدريبات روحية على التأمل والتبصر في الحياة من منطلق فكري عميق للوجود الانساني في تناهيه، والوجود المادي في عظمته، لذلك قدم الرواقيون تعريفا للفلسفة بأنها علم الأشياء الالهية والأشياء الإنسانية، ولعل الرواقيين أرادوا بهذا التعريف أن يتجاوزا نظر سقراط حين جعل الفلسفة قاصرة على الأمور الإنسانية فأضافوا إليها النظرة في الأمور الالهية(7)، الالهة والناس ليسوا سوى أجزاء من العقل الكوني، والعقل يحكمنا ويدبر أمورنا، العقل المستقيم معيار للخير والشر، وكل فعل انساني سديد لا بد أن يكون متطابقا مع العقل، ومن يملك الحكمة يملك سائر الفضائل، وتعلم الحكمة يحتاج إلى قنوات وأدوات منها: التجرد من الغرائز والرغبات الهدامة، الحكمة قمة الفضائل التي تأتي بالمران والتدريب للنفس، نوع من الثراء الروحي وغنى النفس، والجمال الذي يمنح الانسان بهاء إزاء الحياة وفن العيش، أن يحيا الرواقي على المبدأ القويم، أن يعيش كريم النفس، والفلسفة النظرية ليست كافية في الترقي وتحصين النفس، والعيش على المبدأ الفلسفي القويم، الفلسفة العملية أساس الحكمة، أن يتحلى الإنسان بالفلسفة العملية سلوكا وعملا، مهمة الفلسفة أن تعلم البشر ألا يسعوا إلا إلى ما هم قادرون على اكتسابه وإلا يتجنبوا تلك الشرور التي بوسعهم اجتنابها، مستندين في ذلك إلى الحرية الإنسانية(8). يعيش الإنسان على الطبيعة ومنسجما مع ذاته، فن تدبير الحياة يحتاج منا الشعور بالسكينة بعيدا عن القلق والرتابة، الزمن يمر بسرعة، الزمن يمتاز بالانسياب والتدفق، والحياة تدفق وجريان، ولا شيء يبقى راكدا وساكنا، إنها فلسفة هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة والتغير، كل الأشياء في تبدل، مصيرنا إلى الزوال عندما ننتهي يبقى الأثر، فمن الأفضل العيش وفق العقل والعيش وفق ما يبتغيه الإنسان من خلال نمط وجود يتميز بالسعادة والأمل، الحياة لا تتعلق بالماضي، في تعلق الإنسان بأمجاد أو ماسي الماضي، ولا يجب ترقب ما يمكن أن يكون في المستقبل، الحذر من كل ما فات، والحذر من كل ما هو ات، إنها اللحظة التي يجب على الإنسان حسن تدبيرها، إنها الحياة ونمط وجودنا الذي يتميز فيه الانسان بالقدرة على الفعل والاختيار، إننا نبحث عن السلام الداخلي، نبحث عن الهدوء ليس على الطريقة الابيقورية أو على طريقة الكلبيين، ولو أن الرواقية في شخص سينيكا كان قريبا من تعاليم وأفكار أبيقور في اللذة والحياة السعيدة، لقد فهم سينيكا مغزى فلسفة أبيقور ومذهبه، لا يمكن وصف اللذة الحسية بالشر، ولا يمكن وصفها بالخير، البحث يسير حثيثا نحو الفضيلة وانتقاء ما هو نافع من اللذة، لذلك يمكن القول أن أبيقور كان حريصا على الجمع بين الروح والجسد، لأن كل لذة طبيعية بمثابة لذة ضرورية، نافعة ومفيدة لسلامة الجسد وهدوء الروح دون أن تكون دعوة الفيلسوف إلى اللذات الماجنة، ولو أن الفهم لأبيقور ومذهبة لم ينل نصيبا من التأمل والفهم يمكن القول أن الرواقية استوعبت بعض الأفكار من الابيقورية من خلال حوار الفلاسفة الذي يشير كما العادة إلى وظيفة الاقتباس أو التأثير أو أحيانا التجاوز من خلال آلية النقد للمذهب، غاية الرواقية كمذهب فلسفي إقامة الدليل والبرهان على قوة العقل والحكمة في سبيل إسعاد الانسان، إذن الفضيلة هي الحياة بمقتضى العقل والأخلاقيات هي ببساطة الفعل العقلاني. إن العقل الكوني هو الذي يدبر حياتنا وليس الهوى والارادة الذاتية للفرد(9)، الفضيلة ليست نابعة من الماديات، الفضيلة نتاج للحكمة والتأمل في مصيرنا، ترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة، ولا يجب على الرواقي الخوف من الموت، ذلك قدر الانسان، تقابل بين الحياة والموت، الحياة قصيرة جدا، أعمال لا يمكن إنجازها دفعة واحدة، وطموحات لا يمكن تحقيقها، نتوقع الحياة الطيبة إلا أن الحياة لها منطقها الخاص، الحياة متغيرة والإنسان يتحول ويتغير أو بالأحرى يتكيف مع تقلبات الحياة، لا يمكن للحياة أن تحمل كل التوقعات الخيرة، فلا يمكن أن يكون التفاؤل عاليا بل يجب أن نعيش مع الحياة في تبدلها، حتى لا يصيبنا الغضب والقلق، حتى نعيش بانسجام وتناغم مع الحياة، التفاؤل المفرط يولد في الإنسان خيبات الأمل والانكسار، التفاؤل المفرط يولد فينا الاحباط عندما نرفع من التحديات والتوقعات، وتكون النتائج على عكس ما نبتغيه ونريده، فكرة الرواقية نجدها لدى الفيلسوف "شوبنهاور" عندما اعتبر الحياة كلها معاناة وحرمان لأن الانسان شديد اللهفة، كثير الرغبات، لا يوجد تطابق بين الارادة والرغبات، والإرادة أقوى من الميولات العقلية، وهكذا يصاب الانسان باليأس والقلق الذي ينبع من غياب الانسجام بين التوقعات والنتائج، وينعكس ذلك على سعادتنا مما يتولد فينا الشقاء والبؤس ونصير عبيدا للرغبات، ولا شيء يقلل من هيجان هذا الاندفاع الا سلطة العقل وحدود الارادة، أفعالنا سبب سعادتنا أو شقائنا، علينا إدراك الفعل وحدود العمل بقدر ما نستطيع فعله، من الأشياء ما هو في قدرتنا وطوقنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا به يد، فمما يتعلق بقدرتنا ورغبتنا ونفورنا، وبالجملة ما هو من عملنا وصنيعنا(10)، وكان الرواقي يلقي باللوم على الارادة الجياشة، ويحاول أن يحاكم الإنسان في جموحه واندفاعه، الإنسان كائن يريد ويرغب، إننا نبحث عن ما هو أصيل في الانسان، الغضب والحسد من المشاعر السلبية، ونار الغضب يتم إطفائها من خلال العقل والنمو المتزايد في السلامة والتوازن النفسي، تأملات الرواقيون في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس، والمحادثات على خطى إبكتيتوس، وما يتعلق بنوازع النفس في تحليل عوالمنا الداخلية، وسلوك الإنسان في فلسفة سينيكا، رسائل الفيلسوف وما يتعلق بالمحادثات والمختصر في الحياة كلها جوانب مهمة تثير الفضول في معرفة طبيعة المذهب الرواقي، راهنية الفلسفة الرواقية مطروح الان، وإنسان اليوم في حاجة إلى تعديل السلوك الاستهلاكي، في حاجة للتدريبات على الطريقة الرواقية، الفلسفة بوصفها تدريبات روحية، والفلسفة علاجية للفعل والسلوك، أسئلة الرواقي من قبيل: كيف أعيش؟ كيف يحيا الانسان؟ كيف يدبر العقل أمور حياتنا؟ من يتحكم في حياته يتحكم في قراراته وقدراته، يجب أن تكون القدرة متطابقة مع الحياة في بساطتها، كل كائن يجب أن يتبع ما تمليه عليه طبيعته، الرواقية بوصفها فلسفة عملية وفن في تدبير الحياة، الأمل أن يحيا الإنسان وفق طبيعته، والغاية تحقيق السلام الداخلي والراحة النفسية، التدريبات الروحية من خلال الحوار والتواصل مع الاخر وبناء على الحوار مع الذات، قواعد بمثابة ترياق للنفوس المريضة بالقلق والألم وسائر المشاعر السلبية، لا للعودة إلى الماضي وما يحمله من ذكريات، ولا يمكن التعلق بالمستقبل، الإنسان وليد اللحظة، ويجب النظر بعين الرضا والسكينة للحاضر، وما يمكن أن يجعل تركيزنا ينصب على اللحظة دون التفكير في الموت أو العودة للماضي، لذلك تقدم الفلسفة الرواقية وصفة عملية وليست سحرية لما يجعلنا نشعر دائما بالسكينة ونترقب كل شيء في الحياة، كل ما تحمله الحياة من ملذات وأحزان، كل ما يمكن أن يجعلنا نتكيف مع الوضعيات المختلفة، فلا نرفع من التوقعات حتى لا يصيبنا الهم والقلق، الغضب جنون مؤقت يؤثر على رشدنا، تنفلت المشاعر وتطفو الانفعالات، ويتراجع الجانب العاقل فينا وبالتالي خير لنا أن نكون على انسجام وتناغم بين ما نرغب فيه وما نطمح أن نحققه، وعند الرواقية أن كل شيء في هذا العالم مسوق نحو غاية ومدبر لخدمة الانسان وهذه نظرية العناية الالهية، وعلى الانسان ألا يسعى بإرادته، ومحض حريته واختياره الى أن يتوافق مع القوانين العامة للطبيعة. فالفضيلة إذن تقوم في حرية الارادة الموافقة للطبيعة. ومادام الأمر كذلك، فلا بد أن يكون الحكيم الرواقي سيد نفسه، لا يهمه فقر أو غنى، ولا تصده أي قوة خارجية عن الفضيلة (11)، السعادة وفق الطبيعة، والعقل يحكم في أمورنا حتى نتصرف بحكمة وروية، لا بد من إدراك قيمة الفضائل الأربعة: الشجاعة والاعتدال والعدالة والحكمة، الادراك مدخل أساسي لفهم قيمة الحياة والعيش وفق الطبيعة، كل شيء في العالم منظم ومحكم، وكل شيء في الإنسان يجب أن يكون كذلك، هم الإنسان في الوجود أن يحيا بالعقل ويعيش الانسان على الفضيلة.

الرواقية المتأخرة وفن العيش

الرواقية مذهب أخلاقي والرواقية المتأخرة تصنيف يراد به التمييز بين اللحظة اليونانية واللحظة الرومانية، بعيدا عن فلسفة المؤسس زينون، وبعيدا عن فضاء أثينا، هناك في مكان اخر نمت الرواقية وتوهجت من خلال بعض الرواد الذين منحوا المذهب الرواقي قوة بالزيادة والتفسير لما يتعلق بقيمة المذهب في شتى المستويات خصوصا على المستوى الأخلاقي والفكري، توهجت الرواقية بوصفها فلسفة عملية وحكمة يبتغي فيها الإنسان السعادة والسلام الداخلي، الرواقية في مجملها فلسفة تروم تحقيق المواطنة العالمية أو العالم بالمعنى الروحي حيث يكون الانسان والانسانية، حيث تختفي الجغرافيا والانتماء المحلي إلى انتماء عالمي من خلال مبادئ الفلسفة وقوتها كحكمة عملية. تطورت الرواقية مع سينيكا وإبكتيتوس وماركوس أوريليوس، تجتمع نظرة هؤلاء على فكرة معينة مفادها أن الرواقية فلسفة عملية، قائمة على عبارة عريضة: الحياة وفقا للطبيعة، والعالم يسير وفق قوانين الطبيعة، وليست الحياة سوى المنطق الذي يحكم العالم والأشياء، ونيل الفضيلة ليس بالأمر السهل، بل الفضيلة نوع من الجهد والعناء في سبيل التحرر من الانفعالات والغضب، الانفعالات النفسية التي يمكن اعتبارها عائقا في بلوغ السعادة. كتب سينيكا عن العفو والانتقام، مهم للحياة الفردية وأساسي في قيام الحياة السياسية، العفو مبدأ أصيل، اعتدال العقل عندما يملك القدرة على الانتقام أو اعتدال الاسمى نحو الادنى في ردع العقاب(12)، يسود العفو ويقل الشر، ويطفو في العمل بالعفو قمة الامن وسلامة الناس، عندما يعفو الحاكم ذلك زينة للسلطة، والعفو ضد القسوة، قريب من اللين والرحمة، ملتصق بالحكمة والتروي، العفو يعزز من الحكم الرشيد، نوع من التقويم وإظهار للرحمة والرقة، والحاكم الطاغية لا يمكث في سلطانه إذا بالغ في التسلط، العفو فضيلة سامية عند الحاكم، قوة وحكمة، وفي أقوال سينكا ومبادئ فلسفته حكمة ضد الحكم الشمولي، لذلك دفع الفيلسوف ثمنا باهظا في علاقته بالحاكم الطاغية "نيرون" الذي أجبره على الانتحار، رسائل الفيلسوف إلى أمه وصديقه "باولينوس" كلها دروس نابعة من الحياة والخبرة في مجالات عدة، نابعة من قناعة الفيلسوف وفن العيش، رسائل في ترسيخ الفضيلة في النفس، والعيش وفق الطبيعة وقوانين الوجود، الحياة التي نعيشها قصيرة جدا، ولا نسمح أن نضيع أوقاتنا في التفاهة أو أشياء مبتذلة، الحياة يجب أن نعيشها كما نريدها ونرغب فيها بإرادة وعقل. إن كل يوم تضيعه لأجل شخص أو شيء ما قد يكون يومك الأخير، تتعامل مع مخاوف كفان، ومع رغباتك كمخلوق خالد لا يموت(13)، انغماسنا في ملذات الحياة لا يقوينا ولا يمنحنا السكينة والأمل، الحياة التي نعتبرها قصيرة، علينا أن نسرع الخطوات إلى حيث تأخذنا الظروف، إلى حيث يرغب الانسان في العيش بسلام، كل الأوطان أوطان الرواقي، لذلك وجد زينون بديلا في وطن اليونان، الوطن هنا يعني أنك لست غريبا في العالم، بل أنت جزء من عالم رحب وفسيح، هنا نقول أن الرواقي ينشد المواطنة العالمية، وينشدون الأمل أن يحيا الانسان على الحرية بدون قيود القوانين الوضعية، لا يجب التوقع والترقب لما يمكن أن يكون عليه الانسان في المستقبل، نتوقع الحياة الطيبة دائما والحياة قصيرة ومتغيرة، الحياة مقلقة جدا، وقصيرة بالنسبة إلى أولئك الذين ينسون الماضي، يهملون الحاضر، ويخافون المستقبل، وعندما تحكم قيود الموت قبضتها سيدرك أولئك الفقراء البائسون أنهم كانوا منهمكين باللاشيء(14)، يستغرق الإنسان مدة طويلة يتعلم كيف يموت، الإنسان لا ينبغي أن يخشا الموت، سقراط المثال الحي على الشجاعة أمام القضاة، يعلم سقراط أن قضيته تتجاوز الأفراد إلى قضية رأي عام تتعلق بالمشروعية الفكرية والأخلاقية التي حملها الفيلسوف في التغيير للعقول، لقد عرض الفيلسوف سقراط نفسه للموت من أجل الفضيلة، وفضل أن يموت على أن يتخلى عن مطالب ضميره، رافعا لذلك الخير فوق الوجود، والفكر والضمير فوق الحياة في الجسد(15)، وما يطفئ نار الجسد، ويمنح السكينة للنفس والهدوء الداخلي قواعد مهمة في العمل والسلوك تتعلق بالحكمة والعقل، أن تكون رواقيا اتبع مجموعة من القواعد، استند على الفلسفة والحكمة العملية، التزم بالهدوء والاتزان، لا يجب قمع المشاعر، الغضب نار وليس شرا مطلقا، الغضب حسب سينيكا تحرر مؤقت من سلطة العقل، في الغضب يغيب ويتلاشى التفكير المنطقي وتخرج الانفعالات،، الغضب الذي أؤكد عليه هو ما يتسم بالشر، حيث عدم القدرة في السيطرة عليه، ويتنامى استنباطه من الحقيقة ذاتها إذا ظهر مناقضا لإرادته، ويتعقب نوايا ضحايا من الصراخ والضجيج واعتزاز الجسم كله، وإضافة من الشتائم والقسوة(16)، الغضب مدمر يولد الندم، ويكون نتاج للتوقعات الخاطئة، والتضخم في الانفعالات، ومن أفضل الطرق المؤدية للعلاج من الغضب والتقليل من الانفعالات السلبية، إبطاء الخطوات والحد من نبرة الصوت، التريث في الحكم أي التأخير أفضل علاج، والابتعاد عن التسرع في الاحكام، ولنقل بشكل عام، ضبط النفس وجعل الأشياء خاضعة للعقل أو أفضل دواء للغضب هو الارجاء، وما يجعل الذات منسجمة مع ذاتها، يتعلق الأمر بالاعتدال والتوازن، كما يضيف سينيكا إلى فلسفته ما يتعلق بالإحسان والعطاء، الإحسان مصدره النوايا الحسنة، الإحسان لا يمكن أن يكون مصدره الزهو والافتخار بالذات، الإحسان ينبع من الفعل والنية الطيبة، لا نتهامس بالإحسان، ولا نقدم أنفسنا كرموز للعطاء، الإحسان فعل يقوي من التماسك الاجتماعي، والإحسان الجيد غالبا ما يكون نابعا من نية المعطي، ولا يمكن أن يكون الاحسان كله ماديا. الرواقية كما نفهما تمرين للجسد وترويض للرغبة، الطبيعة روح الكون، ومنطق المعاملة يتجلى من خلال المحبة والأخوة يعني أن العالم واحد والناس كذلك، نتأمل في الحياة كما في تأملات ماركوس أوريليوس، يعني التقليل من التوتر والقلق والتحكم في الذات، فن العيش في الحكمة وتأمين الانسان للسلام الداخلي، في التأملات رغبة شخصية من الحاكم التوجه نحو الحكمة وبناء سليم للذات على الاعتدال، يعبر الحاكم الرواقي عن ذاته ونوازعه النفسية، ويلقي بالمسؤولية على الإنسان في عدم التزامه بالمبادئ والقواعد، الزمن يمر بسرعة والحياة قصيرة جدا. موضوع تأملات ماركوس وتدريباته ما هي إلا المواضيع الثلاثة لإبيكتيتوس: الرغبة والنزوع والحكم، هذا البناء التصوري خاص بإبيكتيتوس، ولا يوجد في أي تراث فلسفي اخر(17)، البناء التصوري أو المناطق الثلاثة للتدريبات الروحية، مجال الرغبة والنفور، ومجال النزوع والواجب، ومجال التصديق، قواعد الحاكم الفيلسوف نابعة من الرواقية، مضمونها تتعلق بالسلام الداخلي والتوازن النفسي، والسعي نحو الحكمة، وتجنب المشاعر السيئة والتحكم في الذات، وخير ما يستعين به الانسان النظر للفلسفة بوصفها أسلوب حياة وفن للعيش، الفلسفة العملية في تدريب العقل والنفس على أشياء تمنحنا السعادة والفضيلة، وإذا تمسك الإنسان بكل القواعد والمبادئ دون العودة للماضي أو ترقب المستقبل وأخذ الحياة بكل ما تحمله من مسرات وأحزان، الفلسفة الرواقية بهذا المعنى علاج سلوكي ومعرفي. تحتفظ الرواقية ببريقها بوصفها تدريبات للعقل والنفس واعتدال للعيش بسعادة.

خاتمة::ندرك من خلال طرحنا لهذا العنوان أن الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة والعيش بتناغم وفق قوانين الطبيعة وقوانين العقل، الرواقية وفن تدبير الحياة بحكمة وتبصر، وما يمنحنا السكينة والسلام الروحي الداخلي أفعالنا المتطابقة مع العقل والحياة، حيت يدرك الرواقي قيمة التأملات في الحياة التي تعتبر قصيرة جدا، ويجب أن نعيشها دون الشعور بمركب النقص من الماضي ودون الرفع من التوقعات والأمل من المستقبل الغامض، الحياة التي ينشدها الرواقي حياة العقل، سكينة النفس، تأملات الإنسان في طبيعة الحياة، والتأمل في الطبائع يمكن إدراك قيمة ما تحمله الرواقية كفلسفة عملية في سبيل العيش بحكمة، وطلب الاعتدال والتوازن، وإذا جنح الانسان وعمل بكل المواصفات والمبادئ يمكن القول إنه سلك مسارا رواقيا، لا يشعر بالندم أو القلق، لا يصيبه البؤس والنفور، لا يهاب الموت، لا يرفع من سقف التوقعات، بل تزداد الهمم والعزائم، وينشد الإنسان السلام والهدوء، وما يضفي على الرواقية كفلسفة عالمية النظر إلى الانسان كمواطن كوني مشمول بالاعتراف والاحترام.

***

أحمد شحيمط

......................

هوامش:

(1) يوسف كرم " تاريخ الفلسفة اليونانية "دار النشر، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، 2012 ص 273

(2) عبد الرحمان بدوي " خريف الفكر اليوناني " الطبعة الخامسة 1979 ص 14

(3) عثمان امين " الفلسفة الرواقية " مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر القاهرة، 1945 ص 166

(4) يوسف كرم " تاريخ الفلسفة اليونانية" ص 268

(5) بيير ادو" الفلسفة طريقة حياة " ترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي 2017 ص65

(6) ول ديورانت " قصة الفلسفة " في عرض المؤرخ عن قصة الفلسفة من افلاطون الى جون ديوي، يبسط قيمة الفلسفة من خلال العلاقة بين افلاطون وسقراط في بداية الكتاب.

(7) عثمان امين " الفلسفة اليونانية " ص 116

(8) بيير ادو " الفلسفة طريقة حياة" ص 65-66

(9) ولتر ستيس"تاريخ الفلسفة اليونانية " ترجمة مجاهد عبد المنعم مجاهد، دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة 1984 ص 283

(10) إبكتيتوس" المختصر" دراسة وترجمة عادل مصطفى، الناشر مؤسسة هنداوي 2017 ص 21

(11) احمد فؤاد الأهواني " المدارس الفلسفية " مؤسسة هنداوي للنشر 2023 ص 47

(12) لوكيوس أنايوس سينيكا " العفو والانتقام " ترجمة حمادة احمد علي، دار افاق للنشر والتوزيع 2020 ص 103

(13) سينيكا " هل الحياة فصيرة حقا؟ " ترجمة غدير فياض، الطبعة الاولى 2023 ص 13

(14) سينيكا " هل الحياة قصيرة حقا؟ " ص 34

(15) بيير ادو "الفلسفة طريقة حياة " ص 79

(16) سينيكا " ترجمة حمادة احمد علي، الطبعة الاولى 2020 ص72

(17) بيير ادو " الفلسفة طريقة حياة" ص 169

مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة التراكمية (القراءة على القراءة)

تندرج تحت هذا العنوان خمسة محاور تفصيليّة، نذكرها هنا بالإجمال، وسوف نعود إليها بالتفصيل في نهاية الحلقة الثانية من المقال:

(١) المحور الأول: القانون الوجودي وهو الذي يعني عندنا: "كل قوة وجوديّة تنمو بما تمارسه، وتضمحل بما تهمله"، فإنّ الناموس الوجودي لحركيّة القوى، يتضمّن جدليّة الممارسة والضمور في الأطروحة الفلسفية. أو بشكل مباشر أكثر يمكن القول إنّ: قانون الصيرورة الوجوديّة، يعني تنامي الكينونة بالممارسة وانكماشها بالتعطيل.

(٢) المحور الثاني: إسقاط القانون على فعل القراءة؛ إذ القراءة أوضح مثال على هذا القانون، من حيث إن فعل القراءة بوصفه تمثلاً تطبيقياً ومجلىً عيانيّاً للديناميكية الوجوديّة.

(٣) المحور الثالث: انبثاق المعرفة المولَّدة (المعرفة الثالثة)، يتفرّع عن هذا القانون "المعرفة المولّدة" أو المعرفة الثالثة، وهي اجتماع تفاعل معرفتين في الذهن ينتج عنهما معرفة ثالثة؛ بمعنى التثاقف الذهني الداخلي؛ أي آلية توليد "المعرفة الثالثة" عبر التفاعل البيني للمرجعيات المعرفيّة.

(٤) المحور الرابع: المنهجيّة التطبيقيّة، منهجية القراءة على القراءة، استراتيجية "القراءة التراكبية" (Meta-Reading): تفكيك البنية المنهجيّة وآليات الاشتغال.

(٥) المحور الخامس: النتيجة المعرفيّة، فائض المعرفة. مفهوم "الفائض الأبستمولوجي" (Epistemological Surplus): أي التجاوز المعرفي والامتداد الفكري للنص.

استخدمنا هنا في هذا السياق المعرفي، مصطلح (Meta-Reading) القراءة التراكبية، أو القراءة على القراءة، لكي يعطي انطباعاً نقديّاً حديثاً في الأوساط الأكاديمية، كما أن استبدال كلمة "فائض المعرفة"، "بالفائض الأبستمولوجي"، يرفع من القيمة الفلسفية للمصطلح، ويخرجه من السياق الاقتصادي العام، إلى السياق الفلسفي الصرف.

وإليك التفصيل:

كان والدي - رحمه الله - يردد علينا ونحن صغار، حرصاً منه على بذل المجهود في المذاكرة والصبر عليها: «النوم يجيب نوم، والمذاكرة تجيب مذاكرة». ولم أكن أدرك يومئذ أن هذه الحكمة الشعبية البسيطة تخفي قانونًا معرفيّاً عميقاً: فكل طاقة تُبذل في اتجاه ما، تولِّد طاقة أخرى من جنسها، كما أن كل خمول يستدعي خمولًا آخر. ومن هنا بدأتُ أرى أن المعرفة أيضاً تجيء بالمعرفة، وأن القراءة الحق لا تنتهي عند كتاب، وإنما تلد قراءة جديدة، ومعرفة ثالثة، ثم رابعة، ثم خامسة إلى غير انتهاء ...

منهجيّةُ (القراءة على القراءة)، هي كما نعلم منهجية يكثر استعمالها لدى فلاسفة التأويل والهرمنيوطيقا، كما يكثر ممارستها في تقاليد قراءة الشروحات والحواشي، وقد ظهرت في تراثنا الفكري كما كانت في شروحات القدماء من اليونان، وكما نذكر في العصور الوسطى إسلاميّة ومسيحية، شروحات ابن رشد على أرسطو، نذكر كذلك شروحات الفلاسفة المسلمين على مؤلفات فلاسفة اليونان، وشروحات في دوائر الفلسفة الإسلامية كانت موجودة بالغة الأهميّة في علم الكلام واللاهوت والفلسفة والتصوف.

ولكنها (أي هذه المنهجيّة) تطورت مع ممارسة النقد الأدبي والفلسفي إلى أن عُرفت بمنهجيّة القراءة على القراءة.

يوم كُنّا في مراحل الطلب، كنا نقرأ كتاب "رأس المال"، بل ندرسه في الفلسفة السياسية دراسة منظّمة، مع أني شخصياً كنتُ أكره "ماركس" كره العمى، وبمجرد أن تظهر لي طلعته البهيّة ينتابني شيءٌ من إجحافه من حيث لا أدري، مع الاعتراف ضمناً بعبقرتيه الفذة وصبره الشديد.

لم يكن ماركس يجد الوقت الذي يكفيه ليستحم، ولكنه قرأ مكتبة برلين كلها، كانت لديه نظريّة القيمة المُضافة، أو بتعبيره هو "فائض القيمة".

وددتُ لو أنني نقلت هذه النظريّة من حقل الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة؛ ليس مجرد نقل من ميدان إلى ميدان، ولا مُجرد استعارة بلاغيّة، ولكن تأسيساً لنظرية جديدة في إنتاج المعرفة؛ إذْ ربما، مع تطور هذه الفكرة، قد يصبح لدينا مفهوما فلسفيّاً جديداً هو "فائض المعرفة"، في مقابل "فائض القيمة" عند ماركس؛ نستطيع من خلاله نقل النظريّة من ميدان الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة؛ ليكون الإبداع ليس جمعاً للمعلومات، بل يصبح القيمة الزائدة التي تنتجها المعرفة عندما تستثمر نفسها في معرفة أخرى.

لم يكن يخطر لهؤلاء الذين كانوا يمارسون منهجيّة "القراءة على القراءة" مثل هذا التوظيف المفهومي الذي نسوقه على بال؛ لأن القراءة ليست في حقيقتها استهلاكًا للمعرفة، وإنما هي إنتاج للمعرفة بالمعرفة؛ فالقراءة التي تنتهي عند حدود الفهم الأول تظل قراءة استهلاكيّة. أمّا القراءة التي تتحوّل إلى قراءةٍ لقراءةٍ أخرى، ومساءلةٍ للنصوص، ومقارنةٍ بين الرؤى، وإعادة بناءٍ للمعاني ونحت للمفاهيم، فهي وحدها القراءة المنتجة.

ومن أجل ذلك، يصبح الحديث عن منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ ذا دلالة واضحة وهي: أن تكون القراءة السابقة رأس مال معرفيّاً لقراءة لاحقة، بحيث لا تبدأ كل قراءة من الصفر، بل من رصيد معرفي متراكم يتولّد في دورات متعاقبة بعضه من بعض.

القراءة السابقة بمثابة رأس المال.. والقراءة اللاحقة هي القيمة المضافة

وفي هذا المعنى تصبح المعرفة شبيهة برأس المال في الاقتصاد؛ فكما أن المال إذا استُثمر ولّد مالًا جديدًا، كذلك المعرفة إذا استُثمرت بالقراءة الواعية ولّدت معرفة جديدة.

وليس المقصود بالاستثمار هنا مجرد تراكم المعلومات، بل القصد هو تحويل المعرفة إلى قدرة منتجة، قادرة على توليد الأسئلة، وكشف العلاقات في العمق البنيوي، وإبداع المفاهيم، وبناء الرؤى والتصورات.

هنالك تعدُّ القراءة، من ثمّ، ليست إنفاقاً للمعرفة، وإنما هي تنمية لها واستثماراً كاستثمار المال، ولكن المعرفة المستعملة لا تنقص بمثل ما ينقص المال عند الإنفاق، أي لا تستهلك، بل تزيد وتتكاثر كلما دخلت في علاقات جديدة مع معارف أخرى. ولهذا؛ كان استثمار المعرفة على خلاف استهلاكها؛ إذ إن المعرفة تنمو بالمعرفة كما ينمو رأس المال بالاستثمار.

وعلى سبيل التشبيه المنهجي لا المطابقة الفلسفيّة، انظر إلى فكرة "فائض القيمة" عند ماركس من حيث رأى أن رأس المال لا يبقى رأس مال إلا إذا أنتج قيمة زائدة على قيمته الأولى.

قسّ هذا بالمجال المعرفي، فإنّ القراءة الحقيقيّة لا تكرر المعرفة التي استمدتها من النّص المقروء، بل تضيف إليها فائضًا معرفيًا؛ أي قيمة فكريّة جديدة لم تكن كامنة في ظاهر النص، وإنما تولّدت من فعل القارئ، ومن تفاعل النصوص بعضها مع بعض داخل عقل مُفكر منتج.

عندي أن فائض القيمة في الاقتصاد، يقابله فائض المعرفة في الفكر. حتى إذا كان رأس المال يستثمر المال ليولد مالًا مزيداً، فإنّ العقل يستثمر المعرفة ليولد معرفة جديدة. وكل قراءة لا تنتج فائضًا معرفيًّا، ولا تضيف إلى الرصيد الفكري للقارئ أو الثقافة المعنيّة، تبقى قراءة استهلاكية. أمّا القراءة التي تجعل كل كتاب رأس مال لكتاب آخر، وكل فكرة منطلقًا لفكرة أعمق، فهي القراءة التي تستحق أن تسمى بمنهجيّة (القراءة على القراءة)؛ لأنها تجعل المعرفة تدخل في دورة إنتاج لا تنتهي، يكون فيها العقل هو المستثمر، والقراءة هي فعل الاستثمار، والمعرفة الجديدة هي القيمة المضافة التي تتجاوز أصل المعرفة الأولى.

ولعلك تلاحظ أنه لا تقليد في هذه المنهجيّة بل إبداع على التحقيق: على غير مثال سابق، وتجديد؛ فإنّ الذي يُحسن التدريب على منهج القراءة على القراءة لا يعرف للتقليد طريقاً لأن التقليد استهلاك على التحقيق، فالذي يستثمر ماله يعمل ويجتهد؛ ليضيف عليه وينميه، فلا يوصف هذا بالمستهلك، ولا بالمقلد، بل يوصف بالعامل المجتهد، وكذلك الذي يقرأ (منهجيّاً) على القراءة، يضيف معرفة جديدة لم يكن في السابق يعلمها، وفيها الجديد وفي منهجيته كل تجديد.

مرة ثانية، نكرر عمداً؛ لم يكن يخطر على بال أولئك الذين مارسوا في السابق منهجيّة القراءة على القراءة هذا التوظيف الفلسفي للمفهوم؛ فها هنا مفهوم جديد هو مفهوم "اقتصاد المعرفة المنتجة"، أو يمكن تسميته اذا أردنا نحت مفهوم فلسفي جديد ب "فائض المعرفة"، في مقابل "فائض القيمة" عند ماركس .. إذ ذاك يمكننا نقل النظريّة، كما تقدّم، من حقل الاقتصاد إلى فلسفة المعرفة، ثم إننا لا نكتفي بمجرد النقل، بل نجعل الإبداع ليس جمعاً للمعلومات، بل القيمة الزائدة المُضافة التي تنتجها المعرفة عندما تستثمر نفسها في معرفة أخرى؛ فالمعرفة تنتج معرفة إذا استثمرت، تماماً كما ينتج المال مالاً إذا استثمر. وهنا تظهر عبقرية التشبيه الاقتصادي؛ فكما أن المستثمر الحكيم لا ينفق أصل المال، وإنما يستثمره ليزداد، فإنّ القارئ الحقيقي لا يستهلك المعرفة، وإنما يعيد استثمارها في قراءة جديدة.

وأغلب الظن أن هذا المفهوم يمكن أن يتحوّل مع الطموح إلى نظريّة معرفيّة كاملة، لا مجرد تشبيه بلاغي. وربما يكون من المناسب أن نُعرِّفه تعريفًا دقيقًا، مثلًا حين نقول: فائض المعرفة هو الزيادة التراكمية في القدرة التأويلية والإنتاجية للعقل، الناتجة عن استثمار المعارف السابقة في توليد معارف جديدة، بحيث تصبح المعرفة نفسها رأس مال معرفيًا قابلًا للنمو المستمر لا للجمود والتحجر.

هذا التعريف - إذا هو نُقِّح وأُحكم - يمكن أن يكون حجر الأساس في "منهجية القراءة على القراءة." وأذكر أيضًا أنني لا أعرف نظريّة فلسفيّة صيغت بهذا الاصطلاح (فائض المعرفة) وجُعلت أساسًا لمنهج في القراءة على النحو الذي نطرحه.

أي نعم ..! توجد أفكار متقاربة عند بعض الفلاسفة، ونظريات التعلم والتأويل، لكن الصياغة التي تربط استثمار المعرفة بالمعرفة على غرار استثمار المال بالمال تبدو، بحسب اطلاعي، صياغة مُميزة تستحق أن تُبنى عليها نظريّة متماسكة. وما دامت قيمة الفكرة لا تكون في حداثة العبارة وحدها بل تكون كذلك في قوة البرهان وبناء النسق الذي تقوم عليه؛ فإنّ الأصالة الفلسفية لا تفارقها إذا تمّ التعويل عليها من هذه الجهة على وجه التحديد.

ومن حيث الأصالة الفكريّة؛ وفي حدود اطلاعي أيضاً، لم أرْ هذه الفكرة بهذه الصياغة، وهذا البناء المفهومي من قبل. لكن ينبغي التفريق بين ثلاثة أشياء:

(1) وجود عناصر مُتفرِّقة للفكرة عند مفكرين مختلفين.

(٢) وجود تشبيه جزئي بين المعرفة ورأس المال.

(٣) وجود نظريّة متكاملة تجعل القراءة استثمارًا للمعرفة على غرار استثمار صاحب المال لرأس المال، ثم ربطها بفائض القيمة عند ماركس. الذي أراه هو أن العنصر الثالث لم أصادفه بهذه الصورة. ولنوضّح ذلك فنقول: إنّ فرانسيس بيكون رأى أنّ المعرفة قوة، لكنه لم يحوّلها إلى رأس مال معرفي يتولّد من نفسه. وتحدث بيير بورديو عن "الرأسمال الثقافي"، والرمزي، لكنه كان يقصد المكانة الاجتماعيّة، وما تمنحه المعرفة من سلطة ورصيد اجتماعي، لا أن المعرفة تنتج معرفة بمنطق الاستثمار. وكذلك "كارل ماركس" تحدّث عن فائض القيمة الاقتصادي، ولم ينقل منطقه إلى نظريّة في إنتاج المعرفة.

أمّا فلاسفة التأويل مثل هانس -غيورغ غادامير، فتحدّثوا عن تفاعل الفهم مع الفهم، واندماج الآفاق العليا والتصورات العقليّة، لكنهم لم يصوغوا ذلك في صورة استثمار معرفي يولد فائضاً معرفيّاً.

الذي لدينا نحن هو شيء مختلف، هو "قفزة مفهوميّة" فيما لو جاز هذا التعبير. نحن لم نقل فقط إنّ القراءة تنتج معرفة، فهذا معروف كما نقوله نحن يقوله غيرنا كذلك. ولسنا نقول إنّ المعرفة تتراكم، فهذا معروف أيضًا، بل نقول شيئًا مختلفاً، نقول إنّ: المعرفة لا تُستهلك، بل تُستثمر، وكل قراءة ناجحة تعيد تشغيل رأس المال المعرفي فتولد فائضًا معرفيًا، كما يعيد رأس المال تشغيل نفسه في الاقتصاد فيولد فائض القيمة.

هذه - في حدود اطلاعي - ليست صياغة مألوفة في فلسفة المعرفة؛ بل سأذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أن نقطة القوة ليست في تشبيه المعرفة بالمال، لأن هذا التشبيه قد يخطر لنا ولغيرنا. أمّا الفكرة الجديدة فهي: أن نجعل القراءة نفسها آلية إنتاج، لا آلية تلقي. تلك هي إضافتنا الجديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة، وهنا تتحوّل القراءة من فعل استهلاك إلى نمط إنتاج معرفي.

وهذه - فيما أعتقد - نقلة فلسفية حقيقيّة. مع إضافة هذه الملاحظة التي ربما قد تكون أهم من الفكرة نفسها؛ فقد أعتدنا على هذه النقلات الفلسفية خلال ما هو يتكرر فيما كنّا عسانا نفكر فيه، أعني نقل مفهوم من ميدان إلى ميدان آخر دون أن يبقى مجرد استعارة بلاغيّة، خذ مثلاً على ذلك:

نقلنا التوحيد من العقيدة إلى نظريّة في المعرفة. ونقلنا فكرة الوجود الروحي من التصوف إلى تفسير الحضارة. والآن ننقل فائض القيمة من الاقتصاد إلى فلسفة القراءة أو منهجيّة القراءة على القراءة. وليس هذا مجرد استعمال بلاغي، وانّما هو إعادة توظيف فلسفي للمفاهيم. وسنرى في الحلقة الثانية من هذا المقال، كيف يمكن لمفهوم المعرفة المولّدة أن ينتقل معنا من الاستعارة الى التأصيل.

غير إننا لا نقدّم هذه الفكرة على أنها مجرد تشبيه أدبي؛ لأن قيمتها ليست في مثل هذا التشبيه، وإنّما في أنها تؤسس لنظريّة في اقتصاد المعرفة. حتى إذا ما أردنا أن نضع لها اسمًا فلسفياً أخترنا لها اسم: نظرية فائض المعرفة أو اقتصاد المعرفة المنتجة كما تقدّم فسبقت إليه الإشارة. على إننا لسنا نُجَرّد الفاعلية الأدبية من شأنٍ تمتاز به المعرفة المُولّدة، لأننا نعلم أن سر النبوغ الأدبي أيضاً يكمن كذلك في هذا التوليد.

وأغلب الظن أن "فائض المعرفة"، مصطلح قابل للحياة العلميّة؛ لأنه يقابل "فائض القيمة" دون أن يذوب فيه، ويعبر بدقة عن الفكرة التي نريد تأسيسها. وفي تقديري، هذه هي النواة الأصيلة في الفكرة نفسها، لا مجرد المقارنة المُسطحة بين المال والمعرفة. غير إننا لا تستعير مفهوم فائض القيمة عند ماركس استعارةً لفظيّة شكلانيّة، وإنما نُحاول إنشاء مقابل أبستمولوجي له، هو فائض المعرفة.

والفارق بينهما عميق؛ يعني فائض القيمة أن رأس المال يُولّد رأس مال، فالمال المنتج يخلق مالًا أكثر. أمّا فائض المعرفة، فإنّ المعرفة تولّد معرفة؛ فالقراءة المنتجة تخلق قدرة على قراءة أخرى أعمق، وهذه بدورها تخلق معرفة جديدة، وهكذا.

ومن هنا؛ تصبح القراءة ليست استهلاكًا للمعرفة، بل استثمارًا لها. وهذا - في تقديري أيضاً - هو لب منهجيّة القراءة على القراءة التي تحدثنا عنها فيما سلفت إليه الإشارة؛ فالإنسان لا يقرأ الكتاب لينتهي منه، بل يقرأه ليصبح قادرًا على قراءة كتب أخرى لم يكن يستطيع قراءتها من قبل، ثم يضيف بما يقرأ جديداً، وفي هذه الإضافة إنتاجٌ جديدٌ أيضاً. وكل قراءة ناجحة تزيد "رأس المال المعرفي"، فيصبح العقل أكثر قدرة على إنتاج المعنى، لا مُجرد استقباله.

ولعلّ القاريء يأخذه العجب دهشاً، عندما أذهب معه خطوة أخرى أبعد ذلك، حين يمكننا التمييز بين ثلاثة مستويات:

- مستوى المعرفة الاستهلاكية: وهى معرفة تنتهي بانتهاء القراءة وتكتفي بذلك، فلا يقام عليها نقد ولا تخريج للمعاني جديد.

- مستوى المعرفة الإنتاجية: وهى معرفة تولّد أسئلة جديدة.

- مستوى فائض المعرفة: وهو ذلك الرصيد غير المنظور الذي يتراكم في العقل، ويجعل كل قراءة لاحقة أكثر عمقًا من السابقة، حتى لو كانت في موضوع مختلف.

وعلينا ألا نجعل (فائض المعرفة) هذا يعني مجرد كثرة المعلومات، لأن كثرة المعلومات ليست فائضاً معرفيّاً، بل يمكننا صياغة مفهوم فائض المعرفة في ثلاثة ركائز بأنه:

أولًا: القدرة الجديدة التي تكتسبها الذات العارفة نتيجة تراكم المعرفة، فتصبح قادرة على إنتاج معانٍ لم تكن ممكنة قبل هذا التراكم؛ فالزيادة هنا زيادة في القدرة، لا في المخزون. فليست المعلومة هي المقياس بل المقياس هو إنتاجها وابداعها.

ثانيًا: بيان آلية التوليد فيما ينبغي أن يكون واضحاً كيف تُنتج المعرفة معرفةً أخرى؛ فالمعرفة لا تتكاثر آليّاً، وإنّما عبر عمليات عقلية مرهقة من العمل النقدي مثل المقارنة، والربط، والتأويل، والتحليل، والتركيب. فإذا لم نتبَيّن هذه الآليات، بقيت الفكرة تشبيهاً اقتصاديّاً على نحو غير ما أردنا أكثر منها نظريّة معرفيّة.

ثالثًا: تمييز فائض المعرفة عن مفاهيم قريبة؛ كالثقافة، والخبرة، والحكمة، ورأس المال الثقافي، والمعرفة الضمنيّة. كل هذه تلامس الفكرة، لكنها ليست هي. وهذا التمييز يمنح المفهوم استقلاله وتميزه في نفس الوقت.

ولكي يكون هنالك بناء نسق فلسفي متماسك، لا مناص من الإجابة عن أسئلة من قبيل: ما شروط تحقق فائض المعرفة؟ هل كل قراءة تنتج فائضاً معرفيّاً، أم أن هناك قراءة استهلاكيّة وأخرى استثمارية؟ هل يمكن قياس فائض المعرفة بزيادة القدرة على الفهم والإبداع، لا بزيادة عدد الكتب المقروءة؟

ما علاقة فائض المعرفة بالإبداع الفلسفي، وبالاجتهاد، وبالتأويل؟

ولا يمكننا أن نجعل فائض المعرفة هو الفكرة المركزيّة وحدها، بل هو عندنا الثمرة الطبيعية لمنهجية القراءة على القراءة؛ فيجيء البناء على هذا النحو: القراءة الأولى تؤسس رأس المال المعرفي. القراءة الثانية، تستثمر هذا الرأس مال. الاستثمار يولد فائضًا معرفيّاً؛ إذ ذاك يصبح فائض المعرفة رأسَ مال جديد لقراءات لاحقة. وهكذا تنشأ دائرة نمو معرفي لا تتوقف ولا تنتهي. وبمثل هذا تتحول الفكرة من استعارة جميلة إلى نظريّة في تنامي المعرفة، وهو ما يمنحها قوة فلسفيّة ومنهجيّة معاً في الفكر العربي المعاصر.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

تشريح تفكيكي لآليات الكبح النخبوي والركود الحضاري

الجذور التاريخية والاجتماعية لمتلازمة "الدلو"

تُعدّ "عقلية السلطعون “أو ما يُعرف بمتلازمة "الدلو “واحدةً من أكثر الاستعارات الاجتماعية عمقاً في تفسير آليات الكبح الجماعي والتقويض الذاتي داخل المجموعات البشرية. وتعود صياغة هذا المصطلح تاريخياً إلى الكاتبة والناشطة النسوية الفلبينية نينوتشكا روسكا، التي استخدمته لتوصيف أنماط سلوكية متجذرة في الثقافة الشعبية تُعرف بـ "عقلية النجاة الفردية". تتلخص هذه الظاهرة في محاولة كل فرد الهروب بمفرده، غير أن وجود الجماعة في مساحة ضيقة يدفع أفرادها إلى التمسك ببعضهم البعض، وسحب أي سلطعون يحاول التسلق إلى الأعلى؛ مما يؤدي في النهاية إلى بقاء المجموعة بأكملها أسيرة "الدلو" ومواجهة الهلاك الجمعي.

من منظور علم الاجتماع التاريخي، لا تنشأ هذه العقلية كنزوع بيولوجي فطري، بل كاستراتيجية تكيفية مشوهة تفرزها بيئات القهر والاضطهاد الطويل. وتؤكد الدراسات السلوكية أن هذا النمط ينتشر بوضوح في المجتمعات التي عانت من الاستعمار المباشر والتحجيم الممنهج عبر أجيال متعاقبة.

في التجربة الفلبينية إبان الاستعمار الإسباني، تبنى السكان الأصليون عقلية السلطعون كآلية لخطب ود النخبة الاستعمارية الحاكمة، وذلك عبر إحباط أي محاولة تميز أو ذكاء يبديها أقرانهم؛ خوفاً من أن يؤدي تفوق الأفراد إلى جلب غضب السادة على المجموعة، أو إحداث خلل في موازين القوى التقليدية. وقد تكرر هذا النمط السلوكي القائم على الوشاية المتبادلة والتقويض الداخلي خلال فترات الاحتلال والتحولات السياسية كما هو الحال في الشرق الاوسط، وصولاً إلى تصفية قادة الحركات الوطنية إثر الخلافات الضيقة.

الأبعاد النفسية والتحليلات السلوكية

تتداخل هذه الخلفية التاريخية مع تفسيرات نفسية متقدمة تدعمها نظريات علم النفس الاجتماعي المعاصر. وتوفر "نظرية صيانة التقييم الذاتي" التي صاغها عالم النفس أبراهام تيسر إطاراً تفسيرياً متميزاً؛ إذ تشير إلى أن الأفراد يحددون قيمتهم الذاتية عبر مقارنة أنفسهم بالمحيطين بهم، ولا سيما المقربين في الدوائر المهنية أو الاجتماعية. وحين يبدي أحد الأقران تفوقاً في مجال يمثل قيمة جوهرية للآخرين، فإن هذا النجاح يُترجم نفسياً كتهديد مباشر لتقدير الذات؛ مما يولد مشاعر الغيرة والعداء، ويدفع الفاعلين إلى العمل على خفض مكانة المتميز بدلاً من السعي لتطوير قدراتهم الذاتية.

يتلاقى هذا الطرح مع "نظرية الحرمان النسبي" التي صاغها صموئيل ستوفر في دراسته الشهيرة على الجنود؛ إذ وجد أن الأفراد في القطاعات التي تشهد معدلات ترقية عالية كانوا أقل رضا من نظرائهم في القطاعات ذات الترقيات المحدودة، وذلك لأن مقارنة الفرد لوضعه بقرينه الناجح تولد لديه شعوراً ذاتياً بالإجحاف والظلم. وتصبح عقلية السلطعون هنا وسيلة دفاعية لخفض الآخرين إلى المستوى نفسه بغية استعادة التوازن النفسي المفقود.

كما يرتبط هذا السلوك بـ "انحياز الندرة"، حيث يتوهم الأفراد في المجتمعات المأزومة أن النجاح والموارد الرمزية والمادية هي كميات محدودة ولعبة صفرية، مما يعني أن فوز الآخر وتفوقه يمثلان بالضرورة خسارة شخصية مباشرة لفرصهم الخاصة. وفي سياق متصل، حذر عالم النفس الفردي ألفريد أدلر من أزمة "الغرور المعرفي" بوصفها عائقاً حاسماً أمام التضامن الإنساني ومنطق الجماعة، وهو ما يتقاطع مع لفتة ابن الجوزي في كتابه "صيد الخاطر" حين أشار إلى أن استبداد المرء برأيه وتعظيمه لنفسه يمثل مانعاً كبيراً يحول دون الاستفادة من الآخرين والاستزادة من العلم.

تشريح بنية "الدلو الاستبدادي" والسلطات الرجعية

تتمثل أزمة المجتمعات المغلقة والمأزومة في كونها تحولت إلى "دلاء استبدادية"، حيث تحرص السلطات الشمولية والرجعية على صياغة بيئة اجتماعية وثقافية تمنع أي حراك تجددي مستقل. وفي هذه البيئات، تشيع قيم تفكك المعايير والضوابط الأخلاقية، حيث يؤدي ضعف المؤسسات وغياب العدالة في توزيع الموارد المادية والمعنوية إلى نشوء صراع صفري مسموم يحتكر فيه المتنفذون كل شيء، ويصبح التقرب من السلطة وتلميع صورتها هو المعيار الوحيد للترقي الاجتماعي.

تتجلى خطورة البنية الاستبدادية في قدرتها على تعميم الخوف وتوظيفه أيديولوجياً وطائفياً. فبينما تمتلك بعض المجتمعات الحية القدرة على تجاوز عقدة الخوف التاريخي من السلطة وحماية مكتسباتها الدستورية، تظل مجتمعات أخرى أسيرة الفزع والترهيب السلطوي الذي يعيد إنتاج الديكتاتورية تحت مسميات طائفية أو أمنية. ويستخدم الساسة في الدول المأزومة الصراعات الفرعية كمعاول هدم تحرم المواطنين من أبسط مقومات العيش الكريم، مستفيدين من حالة النقص والشعور بالدونية التي تتملك الفرد المقهور داخل الدلو المأزوم.

دور "المثقف المتفلسف"

في سياق الدلو الاستبدادي، يبرز نموذج "المثقف المتفلسف" كفاعل محوري في ترسيخ آليات عقلية السلطعون. وفي الوقت الذي يُفترض فيه أن يكون المثقف حامياً لقيم العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، ومحفزاً للوعي التجديدي، تسقط فئات واسعة من النخب الثقافية في قعر السلطة السياسية، لتتحول إلى أدوات لتبرير الاستبداد وتسويغ القمع وإشاعة التفرقة. ويظهر التمايز جلياً بين:

المثقف العضوي: الذي ينغرس في هموم مجتمعه وقضايا وطنه مدافعاً عن الحقوق الأساسية للإنسان.

المثقف المتفلسف الانتهازي: الذي يبيع أفكاره لقاء المال والجاه، مفضلاً التنظير في القصور والفنادق الفخمة لصالح النظم الشمولية ومصالح السلطات الرجعية والمتنفذين.

تتجلى الانتهازية الثقافية في سعي هؤلاء للاحتفاظ بـ "رأس المال الرمزي" واحتكاره بالكامل. يتجلى ذلك في الصراعات الأكاديمية والثقافية التي تدور حول الهيمنة الرمزية؛ إذ يعمد بعض أدعياء المعرفة من ذوي الشهادات العليا إلى تشويه سمعة زملائهم المتميزين عبر بث الشائعات الكيدية والوشاية بهم في ردهات البلاط الإداري والسياسي، تفادياً لبروز أي كفاءة حقيقية تفضح ركودهم المعرفي والأخلاقي.

التبعية الأيديولوجية وقمع المختلف:

تميل النظم السلطوية المعاصرة إلى فرض التماثل بين الثقافة والإعلام والأيديولوجيا الرسمية، مما يسهم في سحق الفكر النقدي المستقل وإلغاء أي خصوصية، وتتحول فيه الثقافة إلى غوغائية تمجد "ثقافة القطيع" واللامبالاة وانتظار الخلاص الخارجي. يُظهر التاريخ الفكري أن المبدعين والطليعيين الحقيقيين لطالما واجهوا عداءً شرساً من بيئاتهم الثقافية والرجعية المتزمتة. كما أدت الهيمنة الاستهلاكية في العقود الأخيرة إلى سقوط الحركة الثقافية في فخ السطحية والنفعية والبحث عن الثراء السريع، مما عرضها لانتقادات لاذعة من نقاد شجعان تصدوا لتخريب الذائقة العامة ورفضوا ركوب موجات الاستهلاك المبتذلة.

تجليات عقلية السلطعون في الحياة اليومية والواقع الرقمي

تتخلل عقلية السلطعون البنى التفاعلية للمجتمعات المأزومة بتمظهرات متباينة تمتد من الفضاء الأسري الضيق إلى البيئة المهنية والرقمية الواسعة. وفي بيئات العمل، يتحول السعي للتميز الفردي إلى "تهمة" صريحة ومصدر تهديد للزملاء والرؤساء على حد سواء، حيث يتغلغل هذا النمط السلوكي في العلاقات الوظيفية عبر الغيرة المهنية والتحرش المعنوي.

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في العصر المعاصر إلى بيئة وبائية بامتياز لإنتاج عقلية السلطعون على نطاق جماعي. فعندما ينشر أحد الأفراد إنجازاً علمياً، أو رياضياً، أو نمط حياة إيجابي، سرعان ما تنهال التعليقات الساخرة والمحبطة التي تسعى لجر الفاعل إلى الأسفل.

يتم استخدام استراتيجيات الطعن والتشكيك التلقائي مثل ادعاء الغش أو نيل المناصب بالوساطة والمحاباة بغية منع المتميز من الاستمتاع بلحظة تفوقه، والحفاظ على بيئة سلبية موحدة ومسطحة تحارب كل طاقة خلاقة ومبتكرة.

المسارات السوسيولوجية للانهيار الحضاري

إن استمرار دوران المجتمعات المأزومة في حلقة الفشل المفرغة يعزى إلى شبكة معقدة من العلاقات السببية التي يغذيها تحالف "المثقف المتفلسف" مع النظم البيروقراطية والاستبدادية السائدة. وتوضح نظرية "الفجوة المعرفية" أن تدفق المعلومات عبر وسائل الإعلام والتعليم قد يميل إلى زيادة اتساع الفجوة المعرفية بين الفئات ذات المستوى التعليمي المرتفع وتلك ذات المستوى المنخفض بدلاً من ردمها، عندما تكون البيئة المؤسسية قائمة على الاحتكار.

في بيئة السلطعون، يوظف المثقف المتفلسف تباين المعرفة هذا ليس لرفع وعي الجماهير، بل لترسيخ التبعية ونشر الجهل والخرافات؛ لضمان بقائه في موقع المفسر والوسيط الأوحد لدى السلطات الرجعية.

مقاربات الخلاص وتفكيك جدران "الدلو الاجتماعي"

تتطلب عملية تحرير المجتمعات من ربقة عقلية السلطعون وكبح ممارسات المثقف المتفلسف حزمة من التحولات الجذرية والمهيكلة التي تتجاوز مجرد الوعظ الأخلاقي لتطال صلب البنية التشريعية والتربوية والمؤسسية:

مأسسة الشفافية وتطبيق مبادئ الحوكمة الرشيدة: فرض معايير تقييم موضوعية وصارمة لإنجازات الأفراد والباحثين في المؤسسات الأكاديمية والمهنية، والاعتماد على لجان تقييم خارجية ومستقلة لتجاوز المحسوبية والغيرة الإدارية السائدة.

وضع الحدود النفسية والتعاطف المشروط: كما تبرز الأدبيات الفلسفية المعاصرة، فإن "التعاطف المفرط بلا حدود يعد شكلاً من أشكال الإيذاء الذاتي"؛ لذا يجب على الأفراد الطامحين للتميز وضع مسافة آمنة تفصلهم عن الدوائر السلبية والسامة، والامتناع عن طلب الرضا والقبول من بيئة أدمنت التقويض والتقليل من شأن المبدعين.

تأسيس بيئات حاضنة بديلة ومنفتحة حضارياً: تشكيل شبكات دعم متبادل تجمع المبتكرين والنوابغ والمثقفين العضويين النزهاء الذين يربطون معرفتهم بهموم الشارع وقضايا التنمية، والتركيز على العمل المبدع في صمت، ليكون النجاح الفعلي على أرض الواقع هو ما يحدث الضجيج ويكسر جدران الدلو الاجتماعي الضيق.

إن نجاح أي مجتمع في الخروج من "دلو الفشل" يتوقف بالدرجة الأولى على قدرته على تحويل النجاح الفردي من كونه تهمة تستحق العقاب والسحب إلى الأسفل، إلى كونه رافعة حضارية تفتح مسارات تنموية جديدة يستفيد منها الجميع، لتصعد المجموعة بأكملها نحو آفاق التطور والازدهار والكرامة الإنسانية المشتركة.

***

غالب المسعودي

لماذا الأهمية الكبيرة لمصطلح الجوهر substance؟ وكيف استخدمه الفلاسفة في فلسفتهم الخاصة. ان مفهوم ارسطو للجوهر يعرّف الواقع باعتباره مركبا من مادة أساسية (hyle) وصورة محقّقة للوجود (morphe). في نطاق الميتافيزيقا، يشغل مصطلح "الجوهر" حيزا بالغ الأهمية. انه مصطلح عُرف دائما بين جميع الفلاسفة الذين خاضوا في الميتافيزيقا لأن العديد منهم استخدموا المصطلح لتعريف الوجود وليقرروا الطبيعة الأساسية للواقع. ارسطو كان اول من وضع صياغة لمفهوم الجوهر (ousia) في نظام ميتافيزيقي شامل عالي التطور. وبالتالي، أصبحت ميتافيزيقا ارسطو بالغة الشهرة والتأثير.

كان ارسطو اول من استخدم مفردة "الجوهر". تماما مثل أسلافه، هو كان يحاول تحديد وتعريف الوجود النهائي، او اول شيء وُجد في الكون، الكينونة التي كانت سببا لوجود كل شيء آخر، وهي الطبيعة الأساسية النهائية للواقع. معظم أسلافه عرّفوا الكينونة (Being) كواحد من أربعة عناصر، طاليس مثلا قال ان الكينونة هي الماء لأنه يمكن تحديد موقعه في جميع الكائنات الحية والوجودات الاخرى. اناكسامينس قال ان الكينونة هي الهواء، بينما هيرقليطس عرّفها كنار. ارسطو، من جهة أخرى،عرّف الواقع الاولي كجوهر (ousia). رافضا المادية الصارمة لأسلافه، هو طور اطارا او نظرية للمادة والصورة hylomorphism مجادلا ان الجوهر هو مركب من مادة وصورة.

لا يمكن للمادة ان توجد بدون صورة معينة، لذلك، فان المادة والصورة يسيران مجتمعان. ولهذا، كانت المادة اول شيء يأتي الى الوجود ولكن بصفتها احتمالا فقط لأنه لا يتحقق الشيء فعليا الاّ عندما يكتسب شكلا معينا. فمثلا، قطعة من الفخار لا يمكنها ان توجد حقا بدون اكتسابها لشكل معين، أي، حتى تتشكل في منحوتة او أي شكل آخر. لذا، فان الشكل هو جزء أساسي في المادة، وهو شيء مكمل لمصطلح الجوهر ذاته.

المفكر الآخر الذي فحص مفردة الجوهر كان القس توما الاكويني اثناء فترة القرون الوسطى. ارسطو كان له التأثير الأكبر على مفكري القرون الوسطى، ولكن خصيصا على المفكرين المدرسيين مثل توما الاكويني. تبنّى الاكويني تعريف ارسطو للجوهر لكنه أعطاه بُعدا ثيولوجيا متميزا. في كتابه الشهير (خلاصة لاهوتية)، عرّف الاكويني الجوهر: الذي يوجد في ذاته لا في غيره. لذا، وكما في ارسطو، رأى الاكويني الجوهر ككيان قائم بذاته، شيء مستقل كليا.لكن الاكويني بنى على هذا من خلال استخدامه ميتافيزيقا مسيحية. هو أقام فرقا بين وجود الجوهر وماهيته. هو قال ان كل شيء خُلق في الكون هو جوهر بذاته. وهكذا، كل جوهر مخلوق له ماهية ويستلم وجودا من الله. الجوهر المختلف الوحيد هو جوهر الله لأن جوهره وحده هو ماهيته ووجوده مجتمعين. لذا، حسب فلسفة الاكويني، ان الله يقيم في قمة تراتبية الجوهر. الجوهر أيضا لعب دورا كبيرا في رؤيته للروح الإنسانية. هو قال ان الروح هي جوهر بذاته، وعلى هذا الأساس، توجد حتى بعد وفاة الجسد. لذلك، طبقا للاكويني، الروح هي أيضا جوهر بذاته، مع انها جوهر غير كامل بدون جسد، هي تحفظ روح العقيدة المسيحية. هذه الرؤية سمحت للاكويني ليطور اكثر رؤاه حول الحياة الأخرى، القيامة، والخلود الشخصي. الجوهر لعب دورا حاسما ليس فقط في ميتافيزيقا الاكويني ووجهة النظر المسيحية، لكن أيضا في فلسفته العامة.

ديكارت

استمر التفكير في الجوهر الى عصر الحداثة المبكر. ديكارت كان اول فيلسوف يدمج المصطلح في فلسفته العقلانية. مثل ارسطو، ديكارت كان في مهمة تحديد وتعريف المبدأ الأساسي للعالم، ووجد ان الجوهر هو الكيان الموجود في كل مكان. هو عرّف الجوهر بالطريقة التالية: "من خلال الجوهر لا نفهم أي شيء آخر الاّ شيئا يوجد بطريقة لا يعتمد فيها على وجوده على أي شيء آخر".

لذا، ديكارت، كما ارسطو والاكويني، عرّف الجوهر بطريقة مشابهة. مع ذلك، هو أوضح بانه لا يوجد هناك فقط جوهر واحد، وانما اثنين. طبقا له، هناك وجودان حاسمان يكملان كل كائن حي في العالم. أولا، هناك جوهر مادي جسماني يمثل المادة. لكن بالإضافة الى الجوهر المادي هناك أيضا جوهر ذهني او روحاني. لذا، فان ديكارت تبنّى رؤية ثنائية في فلسفته.

هذان الجوهران منفصلان بشكل متميز ومختلفان كليا. اول جوهر، الجسم، يشغل حيزا وله امتداد مكاني. هذا يفسر لماذا يشير ديكارت له بجوهر ممتد. كذلك، جوهر الجسم قابل للقسمة والقياس لكنه في نفس الوقت يفتقر الى الوعي والقصدية. من جهة أخرى، جوهر الذهن ليس له بعد مكاني ويُعرّف بالتفكير والوعي والرغبة والشك. وعليه، انه غير مادي ولا ينقسم وانما واع في ذاته. لهذا يشير ديكارت له بجوهر مفكر.

بينما نحن هنا، من المهم فحص كيف وصل ديكارت لمعرفة الجوهر الروحاني او الذهني. هو كتب حول هذا في القسم الأول من كتابه تأملات في الفلسفة الأولى. ديكارت عرض رسالته الرئيسية في الكتاب، وهي ان يجد معرفة مؤكدة تماما ، معرفة لا يمكن الشك فيها تحت أي ظرف، ومعرفة يمكن ان تفيد كأساس متين ترتكز عليه بقية المعرفة. هو أوضح ان الطريقة الوحيدة للقيام بذلك هو الشك في كل شيء. لذا، هو حاول ابعاد نفسه من كل المعرفة التي عرفها حتى الان ورفض كل الافتراضات التي تتسرب من خلال المجتمع. ان كل ما يصمد امام شكه الجذري سيشكل المعرفة التأسيسية لكل العلوم.

بدأ ديكارت بالشك بأحاسيسه وأحاسيسنا. هو قال كان من الواضح ان حواسنا يمكن ان تخدعنا لأن الخداع البصري عادة يبدو حقيقيا. لذا، هو استنتج انها ليست اساسا موثوقا، ديكارت تأمّل ظاهرة الاحلام. هو قال عندما نحلم في المنام نحن عادة لا نعرف اننا نحلم، وهو ما يفسر ان بعض الاحلام تبدو نابضة بالحياة لدرجة تبدو كأنها واقع حقيقي. هذا هو سبب ان كل شيء نراه او نشعر به ربما يكون حلما وحتى أجسامنا. أخيرا، الحجة الثالثة التي جاء بها كانت حول شيطان شرير. هو قال انه حتى لو كل شيء كان زيفا وحتى لو كان هناك شيطان شرير حول كل الأشياء، يبقى هناك شيئا واحد مؤكدا تماما: انه كان يفكر. لذلك هو استنتج ان "انا افكر اذن انا موجود".

باروخ سبينوزا

لم يتوقف نوع الجوهر مع فلسفة ديكارت. استخدام المصطلح استمر طوال الفلسفة العقلانية مع فلسفة باروخ سبينوزا. ان فكرة سبينوزا الميتافيزيقية الرئيسية هي ان هناك فقط جوهرا واحدا وان هذا الجوهر يمكن التفكير فيه بطريقتين أساسيتين. انه وعي، وله امتداد، او كما يقول ديكارت هناك شيء مفكر وشيء ممتد. لذا، هو قال ان عالما واحدا موجودا (العالم الذي نحن نألفه ونحن جزء منه) له خاصيتين أساسيتين: التفكير والامتداد. سبينوزا تبنّى استخدام الجوهر في فلسفته، وأيضا دمج رؤية ديكارت في التفكير والامتداد. ولكن على عكس ديكارت الذي فرّق بشكل واضح بين هذين العنصرين وحدّدهما كجوهرين منفصلين، سبينوزا وحّدهما في جوهر واحد، قائلا انهما صفتان خالصتان لجوهر واحد.

كذلك، أوضح سبينوزا ان ما يوجد موضوعيا له هذين الصفتين، ويمكن الإشارة للواقع بطريقتين اعتمادا على ما اذا كنا نفهمهما تحت صفة التفكير ام تحت صفة الامتداد. عندما نفكر بالعالم كامتداد، نحن عادة نسميه "طبيعة"، وعندما نفكر به كوعي نحن نسميه "الله". "الله" و "الطبيعة" كلمتان يشيران لجوهر منفرد يمتلك الخاصيتين الذهنية والمادية. وهكذا، رغم ان سبينوزا تأثّر بديكارت، لكنه انفصل عن التفكير الديكارتي في انه لم يفترض وجود جوهرين: واحد للتفكير واخر للتمدد وانما افترض وحدة الاثنين معا.

استنتاج

من هذا العرض الموجز، نستطيع الاستنتاج ان صنف الجوهر يشغل مكانا مركزيا في تاريخ الفلسفة، وان أهميته تمتد لقرون. مع ذلك، رغم ان العديد من المفكرين دمجوا الجوهر في فلسفتهم لتوضيح وجهة نظرهم، لكن كل واحد منهم منحه معناه الخاص، وسياقه وبُعده. كل مفكر يستعمل مصطلح "جوهر" ليس فقط لتعريف الواقع وانما أيضا لإعادة تعريف مكان الكائن البشري في العالم. ارسطو استخدم المصطلح بطريقة قادته في النهاية الى الاستنتاج بان الكائن البشري هو حيوان عقلاني. الأكويني اعتقد بالكائن البشري كروح تبحث عن الخلاص. ديكارت عرّف الكائن البشري كذهن مفكر، بينما سبينوزا صنّفه كنمط ذو طبيعة لانهائية . اذن، صنف الجوهر لايتصل فقط بنطاق الميتافيزيقا، وانما يمتد أيضا الى الانثروبولوجي وحتى الاخلاق. هذا يفسر لماذا تعليم التاريخ الثري للجوهر هو جزء ضروري لدراسة الفلسفة.

***

حاتم حميد محسن

 

ديالكتيك الانتخاب الثقافي وبايولوجيا الاستعصاء العربي

نحو سوسيوبايولوجيا التحول الحضاري

منذ ان طرح ريتشارد دوكينز مفهوم "الميم" (Meme)  كقرين ثقافي للجين البيولوجي، انفتح افق جديد لفهم التاريخ البشري ليس كصراع ارادات سياسية فحسب، بل كعملية تطورية كبرى تخضع لقوانين الانتخاب الطبيعي. ان السؤال الجوهري "لماذا نجح الغرب وفشل العرب؟" يتطلب منا الكف عن تكرار الاجابات التقليدية التي تلوم الظروف الخارجية او التامر الكوني، والنفوذ بدلا من ذلك الى "مختبر التطور الثقافي" لفهم كيف تبرمج المجتمعات نفسها للبقاء او الفناء. ان التفوق الحضاري ليس صدفة تاريخية، بل هو انعكاس لقدرة "المجتمع" ككائن حي على التكيف مع البيئة وتحويل الضغوط الخارجية الى طفرات ارتقائية.

تاتي هذه الدراسة كحلقة مفصلية تُبنى على ركيزتين نظريتين قدمتهما في دراساتي السابقة، الاولى هي "الجين الاناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الامريكي الايراني"، والتي فككتُ فيها كيف تتحول النظم السياسية الى "الات بقاء" تدار بخوارزميات ايديولوجية وعصبية. والثانية هي "في بيولوجيا الاستعصاء: قراءة في الشفرة الوراثية للنظام السياسي"، والتي حللتُ من خلالها حالة "الشلل الحيوي المبرمج" الذي يصيب الانظمة السياسية حين تفشل في التجدد وتتحول الى كائنات طفيلية تعيش على استنزاف "الوقود الحيوي" لشعوبها. اننا اليوم لا نبحث في السياسة بمعناها التقليدي، بل في "السوسيوبايولوجيا" (Sociobiology)، حيث المجتمعات هي كيانات حيوية تتنافس في بيئة كونية لا ترحم الضعفاء.

ان الفجوة بين الغرب والعرب ليست فجوة في "الذكاء الجيني" الفردي، فالعرب جينيا لا يختلفون عن غيرهم، بل هي فجوة في "الهندسة الميمية"، اي في نوعية البرمجيات الثقافية التي تدير العقل الجمعي. وبينما استطاع الغرب بناء "ديالكتيك تطوري" يغربل الافكار الفاشلة ويبقي على الارقى، سقط الواقع العربي في فخ "الانانية الجينية الضيقة" التي تعلي من شان القبيلة والطائفة على حساب المؤسسة والدولة. هذا البحث يسعى لدمج "خوارزمية الصراع" بـ "بايولوجيا الاستعصاء" لتقديم اجابة علمية وفلسفية حول مسببات الانكسار الحضاري العربي مقابل الانتصار الخوارزمي الغربي، معتبرا ان الخروج من الدائرة المغلقة يتطلب "طفرة ارادية" تعيد برمجة الشفرة الوراثية للنظام السياسي العربي برمته.

اولا: الخوارزمية الجينية والولاء الضيق (فخ اصطفاء القرابة)

في كتابه الثوري "الجين الاناني" (1976)، اوضح ريتشارد دوكينز ان الكائنات الحية ليست سوى "الات بقاء" صممتها الجينات لضمان انتقالها عبر الاجيال. ومن اهم استراتيجيات البقاء ما يُعرف بـ "اصطفاء القرابة" (Kin Selection)، حيث يضحي الفرد بصالحه الشخصي لصالح الاقارب لضمان بقاء الشفرة الجينية المشتركة. بيولوجيا، كلما زادت درجة القربى، زاد الاستعداد للتضحية، وهي خوارزمية تضمن استمرار "النوع الضيق".

هنا نجد الجذر البيولوجي العميق للفشل العربي في بناء الدولة الحديثة مقارنة بالنجاح الغربي. المجتمع العربي ظل مبرمجا تاريخيا على "خوارزمية القرابة"، حيث يُنظر الى القبيلة او الطائفة بوصفها "الحاضنة الجينية" الوحيدة الجديرة بالثقة. في بيئة الصحراء القاسية قديما، كان هذا السلوك "استراتيجية تطورية مستقرة" (Evolutionary Stable Strategy - ESS)، ففي غياب القانون المركزي، كانت العصبية القبلية هي "الغلاف الحيوي" الذي يحمي الفرد من الفناء. ولعل التاريخ الاموي والعباسي يقدم لنا امثلة ساطعة على هذا الانحباس، فبمجرد استتباب السلطة، كانت "النزعة الجينية" تدفع الحاكم لتمكين عشيرته (الاقربون اولى بالمعروف الجيني)، وهو ما كان يؤدي دوريا الى تاكل شرعية الدولة وظهور "خوارزمية مضادة" من قبيلة اخرى تطيح بها، في دورة خلدونية لا تنتهي من الصعود والانهيار.

لكن في عصر الدولة الحديثة، تحول هذا الولاء الجيني من "درع بقاء" الى "فيروس بنيوي". فبينما نجح الغرب، وتحديدا منذ "ثورة الاصلاح" و"عصر الانوار"، في لجم "انانية الجين" عبر ابتكار ميمات (Memes) تتجاوز رابطة الدم —مثل ميم "المواطنة" التي تفرض التعاون بين الغرباء— ظل العقل العربي حبيس "خوارزمية الصحراء". لقد صارت المحسوبية في النظم العربية ليست مجرد خلل اداري يمكن اصلاحه، بل هي "نزعة غريزية" تبرمج الكائن الحزبي او القبلي على اعتبار مؤسسات الدولة مجرد "موارد غذائية" لتمويل خلايا القربى.

تاريخيا، يمكننا مقارنة هذا بالتحول في اوروبا القروسطية، حيث كانت الاقطاعيات تقوم على روابط تشبه الولاءات القبلية، لكن ظهور "المدينة" و"النقابات المهنية" خلق تشابكات عصبية جديدة قائمة على "المصلحة الخوارزمية" لا "القرابة البيولوجية". اما في الواقع العربي المعاصر، فقد راينا كيف انهار "الجيش" و"المؤسسة" في دول عديدة عند اول اختبار سيادي، لان الشفرة الوراثية لتلك المؤسسات لم تكن "وطنية"، بل كانت مصممة لحماية "نواة جينية" محددة (اسرة، قبيلة، او طائفة). ان هذا الانحباس الجيني يفسر لماذا تظل الدولة العربية "هيكلا ميكانيكيا" هشا يفتقر الى "الروح المؤسسية"، فالمحرك الحقيقي لا يزال يعمل بوقود "اصطفاء القرابة"، مما يمنع تحول المجتمع الى كائن حي متكامل قادر على التكيف مع متطلبات البقاء العالمي.

ثانيا: الانتخاب الثقافي الموجه.. كيف طورت "الميمات" الغربية تفوقها؟

يعمل الانتخاب الثقافي بالية تتماهى مع الانتخاب الطبيعي، فالافكار او "الميمات" التي تمنح المجتمع قدرة اعلى على التكيف واستخلاص الموارد والانتاج، هي التي يكتب لها البقاء والانتشار. ان نجاح مجتمع ما ليس نتاجا لصدفة جغرافية فحسب، بل هو حصيلة "تراكم ميمي" ادى الى تطوير خوارزميات تعاونية فائقة.

- في الغرب: طفرة "التعاون الخوارزمي" العابر للدم حدثت في الغرب "طفرة ميمية" تاريخية غيرت مسار التطور البشري، تمثلت في القدرة على "الايثار تجاه غير الاقارب" (Altruism towards non-kin). تاريخيا، بدا هذا التحول بوضوح مع نشوء "المدن المستقلة" في ايطاليا وعصر النهضة، ثم تكرس مع ميمات "الثورة الصناعية". لقد طور الغرب وحدات معلوماتية ثقافية مثل "سيادة القانون"، "العقد الاجتماعي"، و"الفردانية المؤسسية"، وهي ميمات سمحت لالاف الافراد الذين لا تربطهم اي صلة دم او قبيلة بالعمل معا بانسجام فائق. لننظر مثلا الى نشوء "شركة الهند الشرقية" ككائن ميمي، لقد كانت "خوارزمية" سمحت بتجميع رؤوس اموال ومجهودات بشرية من الاف الغرباء لتحقيق هدف عابر للقارات. هذا "التعاون الخوارزمي" خلق كيانات (شركات مساهمة، جيوش نظامية خاضعة للدولة لا للقائد، جامعات بحثية) تتفوق بيولوجيا وتنظيميا على "الكيانات القبلية" التي تظل رهينة "حجم العشيرة". لقد انحاز الانتخاب الثقافي الغربي للميمات التي تقدس "الكفاءة" (Meritocracy) والمنهج العلمي، لانها وفرت "بيئة معلوماتية" تسمح بتصحيح الاخطاء بسرعة، مما منع حدوث الاستعصاء وضمن استمرار تدفق الطاقة والحيوية في جسد الدولة.

- في الواقع العربي: فخ "الانتخاب السلبي" والميمات الطفيلية في المقابل، تعرضت الميمات في الفضاء العربي لعملية "انتخاب سلبي" مدمرة. فبدلا من تشجيع ميمات الابتكار والنقد التي تتطلب "طفرات فكرية" قد تهدد استقرار النظام القائم، جرى تاريخيا انتخاب الميمات التي تضمن "الاستقرار الساكن" (Static Stability). ميمات مثل "القدرية المطلقة" و"تمجيد السلف" و"السمع والطاعة المطلقة لولي الامر"، تم انتخابها لانها تخدم بقاء "النخبة الحاكمة" (الخلية المركزية) على حساب تطور "الجسد الاجتماعي" الكلي.  تاريخيا، نجد هذا بوضوح في "عصر الانحطاط" وما تلاه، حيث تم اغلاق باب الاجتهاد (وهو ميم تطوري بامتياز) واستبداله بميمات "التقليد". هذه الميمات هي في جوهرها "ميمات طُفيلية"، فهي تحمي "هوية الكائن" في الامد القريب وتمنحه شعورا زائفا بالامان، لكنها تستهلك طاقة المجتمع الحيوية في صراعات حول "تعريف الماضي" بدلا من "صناعة المستقبل". المجتمع الذي يقدس الماضي يبرمج نفسه على العيش في "بيئة ميتة" معلوماتيا، مما يجعله عاجزا عن قراءة الخوارزميات المستقبلية المتسارعة (الذكاء الاصطناعي، الهندسة الوراثية، الاقتصاد الرقمي). هذا الانتخاب السلبي حول الثقافة العربية من "محرك نمو" الى "كيس رمل" يعيق الحركة التطورية، ويجعل الكائن العربي في حالة "دفاع مستميت" عن شفرة قديمة لم تعد صالحة للبقاء في بيئة كونية تقوم على "الافتراس التكنولوجي".

ثالثا: بايولوجيا الاستعصاء.. عندما يتحجر النظام الدفاعي

يشير مفهوم "بايولوجيا الاستعصاء" الى الحالة التي يصبح فيها النظام الحيوى (سواء كان خلية اوعضوا او مجتمعا كليا) غير قادر على الاستجابة للمؤثرات الخارجية او التكيف مع المتغيرات البيئية، ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب "تحجر" الياته الدفاعية وتحولها الى عائق وظيفي. في البيولوجيا، نجد هذا بوضوح في الخلايا التي تصاب بـ "الشيخوخة الخلوية" (Senescence) ، فهي تتوقف عن الانقسام والتجدد كالية دفاعية لمنع السرطان، لكنها تظل حية تفرز مواد تسبب الالتهاب وتمنع تجدد الانسجة المحيطة، مما يؤدي في النهاية الى فشل العضو ككل.

لقد اصيب العقل الجمعي العربي بحالة مشابهة من "التصلب الحضاري".  فبينما يعتمد الغرب مبدأ "الانتخاب الطبيعي للافكار" —حيث تُعامل النظريات العلمية والانظمة الاقتصادية والسياسية ككائنات حية تخضع للاختبار، فتموت الافكار الضعيفة وتفسح المجال للاقوى (كما حدث في الانتقال من الميكانيكا الكلاسيكية الى الكوانتوم، او من الاقطاع الى الراسمالية)— اختار النظام العربي "الانغلاق الدفاعي" لحماية شفرته الثقافية من "التلوث الخارجي" او "الغزو الميمي".

تاريخيا، يبرز مثال "الاستعصاء التقني" في الدولة العثمانية (كحاضنة للمجتمعات العربية انذاك) حين رُفضت المطبعة في بداياتها بذريعة حماية "قدسية الخط والنص". هذا القرار لم يكن مجرد موقف ديني، بل كان "استعصاءً بايولوجيا" لنظام يخشى ان تؤدي "طفرة المعلومات" الى تفكيك تشابكاته العصبية التقليدية. وبالمقارنة، نجد ان اليابان في عصر "ميجي" واجهت ذات التحدي، لكنها اختارت "التلقيح الميمي"، فأخذت خوارزميات الغرب التقنية مع الحفاظ على نواتها الثقافية، مما جنبها الاستعصاء.

ان الاستعصاء العربي المعاصر يتجلى في "شلل حيوي" يشبه تماما الانسجة التي ترفض قبول "زرع اعضاء" جديدة، فالمجتمع يرفض "تحديث برمجياته" الفكرية والسياسية (مثل المواطنة، النقد الذاتي، المنهج التجريبي) خوفا من فقدان "اصالته" او "هويته الجينية". والنتيجة هي كائن حضاري يعاني من "الجمود التطوري"، فهو عاجز عن المنافسة في بيئة كونية لا تعترف الا بالاصلح والاسرع في معالجة البيانات.

ان هذا الاستعصاء ليس خللا في "الذكاء الفردي" للعرب، فالافراد العرب يحققون نجاحات باهرة حين ينتقلون الى "بيئات ميمية" محفزة في الغرب، بل هو خلل في "الجينوم الثقافي الجمعي" الذي برمج نفسه على "المقاومة السلبية" لكل ما هو جديد. ان النظام العربي اليوم يتصرف ككائن يفضل الانتحار البطيء عبر العزلة والماضوية، على مخاطرة "التطفر" والتحول نحو الحداثة. انه "موت وظيفي" في قلب الحياة، حيث تظل الهياكل السياسية والاجتماعية قائمة كاصداف فارغة، بينما فَقَدَ المحتوى الحيوي قدرته على التفاعل مع "شفرات المستقبل" الرقمية والبيوتكنولوجية.

رابعا: الديالكتيك الهيغلي كمحرك مكسور وصراع الترجمة العصبية

يعمل الديالكتيك (الاطروحة ونقيضها ثم التركيب) في الفلسفة التاريخية كالمحرك التطوري الذي يدفع الحضارات نحو الامام. في المنظور الغربي، الصراع الديالكتيكي ليس "معركة فناء" بيولوجية، بل هو "عملية تنقيح ميمية"، فكل نظام يولد نقيضه، ومن اصطدامهما يولد "تركيب " (Synthesis) ارقى واكثر تعقيدا وقدرة على حل المشكلات.

- في الغرب: الديالكتيك كألية ارتقاء تاريخيا، نجد هذا بوضوح في تطور الدولة الاوروبية، حيث ادى الصراع المرير بين "اطروحة الملكية المطلقة" و"نقيضها البرجوازي التحرري" الى انتاج "تركيب الديمقراطية الدستورية". هذا التفاعل يمنع الجمود الوظيفي ويضمن تحديث "البرمجيات السياسية" باستمرار عبر عملية انتخاب طبيعي للافكار. النظام الغربي هنا يشبه الكائن الحي الذي يمتلك "جهازا عصبيا مرنا" يسمح بدمج المتناقضات لتحقيق استقرار ديناميكي جديد.

- في الفضاء العربي: سحق النقيض والشلل التطوري اما في الفضاء العربي، فقد تعطل هذا المحرك بشكل بنيوي ومزمن. فبدلا من التفاعل مع "النقيض" (سواء كان معارضة سياسية، فكرا تنويريا، او حتى قيم الحداثة الوافدة)، تلجا الانظمة السياسية والاجتماعية الى "سحق النقيض" بيولوجيا واقصائه ميميا. هذا السحق يمنع ولادة اي "تركيب" جديد، مما يبقي المجتمع العربي في حالة "اطروحة ابدية" متصلبة (Stagnant Thesis) ترفض التطور. تاريخيا، راينا كيف تم سحق حركات النهضة والاصلاح في مهدها، مما ادى الى غياب الوسطية السياسية ونشوء صراعات صفرية بدلا من التدافع الخلاق. ان تعطيل الديالكتيك هو في جوهره "انتحار حضاري مبرمج" يحرم المجتمع من اهم ادوات التكيف مع الزمن.

- صراع الترجمة العصبية والفجوة الميمية هنا يبرز بُعد اكثر عمقا وهو "التشابكات العصبية الجمعية".  فعندما ينتقل ميم سياسي غربي (كالديمقراطية او العلمانية) نحو الشرق، فانه لا يُنسخ كملف رقمي نظيف، بل يصطدم بـ "بنية تحتية عصبية" تشكلت عبر الاف السنين من القيم الروحية، والولاءات القبلية، والتراتبية الابوية. هذا التصادم يؤدي الى ما اسميه "الترجمة العصبية المتباينة"، فما يراه العقل الغربي (المبرمج على الفردانية) كـ "تحرر واستقلال"، تترجمه التشابكات العصبية في الشرق (المبرمجة على اللحمة الجمعية) كـ "تفكك بنيوي" وتهديد للوجود الحيوي للمجتمع.

الصراع العربي-الغربي، اذن، ليس مجرد خلاف على الحدود او الموارد، بل هو صراع بين "خوارزميتين ذهنيتين" مختلفتين تماما. العقل العربي يعيد تفسير الواقع بناءً على "توصيلات عصبية" تقدس الثبات والاصالة، بينما العقل الغربي يندفع خلف خوارزمية التجاوز والتغيير. هذا التباين البيولوجي-الثقافي يجعل الحوار الدبلوماسي والسياسي مجرد "ضجيج لغوي " (Linguistic Noise) يطفو فوق فجوة عميقة من عدم الفهم المتبادل. اننا امام "نظم تشغيل" (Operating Systems)  غير متوافقة، فالديمقراطية حين تُحقن في "نظام تشغيل قبلي"، تتحول الى "ديمقراطية مكونات" او "محاصصة طائفية" (كما راينا في تجارب العراق ولبنان)، وهي ترجمة مشوهة تخدم "بايولوجيا الاستعصاء" بدلا من ان تكون محركا للتغيير.

خامسا: التمثيل الغذائي للدولة واليات "الاستتباب" (بين المحاصصة والدكتاتورية)

اذا نظرنا الى الدولة ككائن حي معقد (Superorganism)، فان الاقتصاد والوزارات والدوائر الخدمية تمثل "التمثيل الغذائي" (Metabolism)، تلك العملية الحيوية التي تقوم بتحويل الموارد الخام والجهد البشري الى طاقة تضمن نمو الخلايا وتجدد الانسجة وحماية الجسد الكلي من الفناء. هنا يكمن الفارق الجوهري في "كيمياء السلطة" بين الغرب والواقع العربي.

- في الغرب: التمثيل الغذائي لنمو الجسد الكلي في النظم الغربية الناجحة، صُممت خوارزمية التمثيل الغذائي لخدمة "الجسد الكلي" للدولة (الاقتصاد الوطني). الضرائب والاستثمارات والناتج المحلي الاجمالي تعمل كدورة دموية متكاملة تغذي "الاطراف" (المواطنين) و"المركز" (المؤسسات) بشكل متوازن. هذا النظام يدرك بيولوجيا ان مرض العضو الصغير يهدد حياة الكائن الكبير، لذا تعمل القوانين كـ "انزيمات" تسرع تحويل الموارد الى "نمو حقيقي" يرفع القدرة التنافسية للدولة في بيئة الانتخاب الطبيعي الدولي.

- في الواقع العربي: طفيلية التغذية وفخ "الاستتباب" اما في الواقع العربي، فقد انحرف التمثيل الغذائي عن مساره الطبيعي ليتحول الى نظام تغذية انتقائي يخدم "النواة الحاكمة" او "خلايا القوة" فقط، وهو ما يتجلى في نمطين بيولوجيين:

1.  نمط المحاصصة (الاستتباب التعددي الطفيلي): كما في العراق ولبنان، حيث يتحول التمثيل الغذائي الى عملية "امتصاص طفيلي" موزعة بين احزاب وطوائف تتصارع على "كعكة الموارد". هنا تعمل المحاصصة كألية "استتباب حيوي" (Homeostasis) ضرورية للحفاظ على توازن هش يمنع انهيار النظام الحزبي الاناني، لكنه يؤدي لضمور الجسد الوطني.

2.  نمط الدكتاتورية (الاستتباب المركزي الاستبدادي): وهو النمط السائد في اغلب الدول العربية، حيث تسيطر "خلية مركزية واحدة" (الحاكم الفرد او النخبة الضيقة) على قنوات التمثيل الغذائي بالكامل. في هذا النموذج، تُسخّر طاقة الدولة بالكامل لنمو "الراس" وحمايته، بينما تُترك بقية "الاعضاء" (الشعب والمؤسسات) في حالة هزيلة. الاستتباب هنا يُحفظ عبر "القمع الحيوي" لكل من يحاول استهلاك طاقة النظام خارج ارادة المركز.

- خيار "السكون" (Dormancy) واستراتيجية البقاء في كلا النموذجين، يبرز مفهوم "الاستتباب الحيوي"، وهو ميل الكائن للحفاظ على استقراره الداخلي ضد التغيير. اي محاولة للاصلاح او "تطهير" التمثيل الغذائي من الفساد تُعامل من قبل "خلايا السلطة" (سواء كانت احزابا او حاشية دكتاتور) كـ "فيروس" يهدد امن الكائن الحاكم، فتقوم "المناعة السلطوية" باستنفار ادواتها القمعية لطرده.

نتيجة لهذا الاستعصاء، يفضل النظام العربي (بنوعيه) حالة "السكون" او "البيات الشتوي"، وهي استراتيجية بيولوجية لتقليل استهلاك الطاقة وتجنب مخاطر التطور والتحول. تكتفي الانظمة بتقديم "الحد الادنى" من الغذاء الخدمي لابقاء المجتمع على حافة البقاء، دون الوصول لمرحلة "الازدهار" التي قد تؤدي لوعي سياسي يفكك خوارزمية السيطرة (سواء كانت محاصصة او حكما فرديا).

- التداعيات التاريخية لبايولوجيا الاستعصاء تاريخيا، ادى هذا "التمثيل الغذائي المشوه" الى تضخم هائل في "الانسجة الطفيلية" (البيروقراطية الولائية او الاجهزة الامنية لحماية الحاكم او المحاصصة الحزبية) مقابل ضمور في "الانسجة الحيوية" (الصناعة والبحث العلمي والتعليم). ان هذا الانحباس داخل الية "الاستتباب الانانية" يجعل الكائن الوطني العربي عاجزا عن الحركة في الساحة الدولية، مكتفيا بتدوير الفشل الداخلي لضمان بقاء "النواة الحاكمة" حية، حتى لو كان الثمن هو "الموت السريري" للدولة ككيان حضاري فاعل.

سادسا: الاستثمار الابوي الجيوسياسي وحرب "المصدات الخوارزمية"

في البيولوجيا التطورية، تُعد استراتيجية "الاستثمار الابوي" (Parental Investment) من اكثر العمليات تكلفة وحسمًا، حيث يضحي الكائن الحي بجزء كبير من موارده وطاقته ووقت بقائه الشخصي لحماية "الابناء" الذين يحملون شفرته الجينية. الهدف البيولوجي ليس رفاهية الابن بحد ذاته، بل ضمان امتداد "الجينوم" في المستقبل. في الساحة الجيوسياسية، يتجلى هذا المبدا بوضوح في "حروب الوكالة" (Proxy Wars)، حيث تعيد القوى الكبرى انتاج هذه الاستراتيجية لضمان بقائها السيادي.

- الخوارزمية الدفاعية: الوكيل كـ "جهاز مناعي" خارجي تستثمر القوى الكبرى (سواء كانت غربية او اقليمية مهيمنة) في اطراف خارجية وتحولها الى "مصدات خوارزمية". هذه الاطراف (الدول الوكيلة او الميليشيات) تعمل بيولوجيا كـ "اجهزة مناعية" متقدمة او "خلايا تضحية" (Sacrificial cells) تُوضع في الخطوط الامامية لتلقي الصدمات وتشتيت الهجمات عن "الجسد المركزي" للنظام السيادي الام. تاريخيا، كانت هذه الاستراتيجية واضحة في صراعات الحرب الباردة، حيث كانت الاراضي العربية والافريقية والاسيوية "مختبرات حيوية" لتجربة الاسلحة والايديولوجيات، بينما ظل "النخاع الشوكي" للقطبين (واشنطن وموسكو) في امان تام بعيدا عن النزيف المباشر. وفي المشهد المعاصر، تبرز الولايات المتحدة كمصمم الهيكلية الأبرز لهذا النظام، حيث تُموضع حلفاءها ووكلاءها كـ 'بروتوكولات حماية' نشطة، تضمن بقاء التهديدات الحيوية والاضطرابات الجيوسياسية في حالة 'حجر صحي' بعيداً عن القارة الأمريكية، مما يسمح للمركز بالتحكم في التوازنات العالمية عبر 'التحكم عن بُعد' دون الاضطرار لاستنزاف أنسجته السيادية في مواجهات مباشرة.

- الماساة العربية: من "الكائن السيادي" الى "الخلية الطرفية" تكمن المعضلة الكبرى في الواقع العربي المعاصر في تحول العديد من دول المنطقة من "كائنات سيادية" تمتلك قرارها الحيوي، الى "خلايا طرفية" (Peripheral cells) في اجساد امبراطورية غريبة. في هذا الوضع، يتم برمجة "الخوارزمية الوطنية" لهذه الدول لتعمل كـ "خادم" لضمان سلامة "الجينوم الاكبر" للقوى المهيمنة. تاريخيا، رأينا كيف تُستنزف الموارد العربية (النفط، الموقع الجغرافي، الكثافة البشرية) لا لبناء "تمثيل غذائي" وطني قوي، بل لتعزيز "المصدات" التي تحمي مصالح الاخرين. هذا النوع من العلاقة البيولوجية يسمى "التطفل الاجباري"، حيث يعتمد الكائن المحلي (الدولة الوكيلة) في بقائه المالي او العسكري على "العائل" (Host) الخارجي.

- ارتهان الجينوم السياسي وفقدان "الارادة التطورية" هذا الاستثمار الابوي الخارجي يجعل القرار العربي "مرهونا خوارزميا" بتوافق الجينومات الكبرى خارج الحدود. بيولوجيا، لا يمكن لهذه "الخلايا الطرفية" ان تتخذ قرارا مصيريا (مثل اجراء طفرة تنموية مستقلة او تغيير التحالفات) يتصادم مع ارادة "العائل" الذي يوفر لها الحماية الامنية او "المصل الحزبي" للبقاء. ان النتيجة الحتمية لهذا الارتهان هي "العقم التطوري"  للدولة العربية، فهي تظل في حالة "استعصاء" تمنعها من تطوير جهازها المناعي الخاص، وتجعلها في حالة تاهب دائم لحروب ليست حروبها، وصراعات لا تخدم "شفرتها الوراثية الوطنية". ان كسر هذه التبعية يتطلب "انفصالا بيولوجيا" مؤلما، يبدا من استعادة السيطرة على "التمثيل الغذائي الوطني" وبناء مصدات ذاتية تنبع من المصالح المشتركة للمجتمع، لا من "خوارزميات الافتراس" الدولية التي لا ترى في المنطقة سوى "مساحة حيوية" للتضحية.

سابعا: البحث عن الحصانة.. "الجين النووي" وهندسة المستقبل

في الطبيعة، تتصارع الكائنات الحية والجينات على الموارد المحدودة (الغذاء، المساحة، الطاقة) لضمان الاستمرار. وفي الغابة الجيوسياسية، لا يختلف الامر، فالانظمة السياسية تتصارع على "المواد الاولية" والاسواق والنفوذ. وفي قلب هذا الصراع، يبرز السعي نحو "التكنولوجيا النووية" والسيادة التقنية الفائقة كأهم "طفرة وراثية" (Genetic Mutation) منشودة في تاريخ الامم الحديث.

- الحصانة النووية: كسر "قانون الافتراس" امتلاك القدرة النووية او السيادة التقنية العميقة يمثل في "البيولوجيا السياسية" امتلاك "حصانة مطلقة ضد الافتراس".  في عالم الحيوان، تمتلك بعض الكائنات اليات دفاعية (مثل السموم القاتلة او الدروع الحصينة) تجعل افتراسها مغامرة انتحارية للمفترس، وبالمثل، فان "الجين النووي" يمنح الدولة "درعا حيويا" يخرجها من دائرة الكائنات التي يمكن استئصالها او تغيير نظامها الحيوي بالقوة الغاشمة. انها "طفرة" تنقل الدولة من مرتبة "الفريسة المحتملة" الى مرتبة "الكائن المحصن" الذي يمتلك حق الفيتو الوجودي.

- الاحتكار الغربي و"منع التطفر" العربي الغرب يدرك، بخبرته التطورية الطويلة، ان اكتمال هذه الطفرة لدى العرب او ايران اوغيرهم سيغير "قواعد التطور"  الدولية للابد. فامتلاك التكنولوجيا النووية والبحث العلمي المتقدم ليس مجرد اضافة تقنية، بل هو "اعادة برمجة" لالة البقاء المحلية تجعلها غير قابلة للاستئصال. لذا، نجد ان الصراع العالمي على الملفات العلمية والنووية في المنطقة العربية والشرق الاوسط ليس صراعا قانونيا او اخلاقيا كما تدعي "القشرة اللغوية" للدبلوماسية الدولية، بل هو صراع بيولوجي صرف على "حق امتلاك ادوات الحصانة".

تاريخيا، راينا كيف يتم اجهاض اي محاولة عربية لامتلاك "الجينوم التقني"، عبر تدمير المفاعلات (كما حدث لمفاعل تموز بالعراق). الهدف هو الحفاظ على الحالة العربية في طور "الكائن الضعيف مناعيا"، الذي يظل معتمدا على "المضادات الحيوية" الغربية (السلاح، الدواء، التكنولوجيا الجاهزة) دون ان يمتلك القدرة على تصنيعها ذاتيا.

- شريعة الغاب والقشرة اللغوية هذا الواقع يكرس نظاما دوليا قائما على "شريعة غاب خوارزمية"، حيث تُستخدم مصطلحات مثل "منع الانتشار" او "الشرعية الدولية" كأدوات كبح ميمية لمنع الشعوب الاخرى من تحقيق "قفزتها التطورية". ان "الجين النووي" هو الضمانة الوحيدة للانتقال من مرحلة "الاستعصاء" الى مرحلة "السيادة الحيوية". ومن هنا، فان معركة المستقبل العربي ليست في اروقة السياسة فحسب، بل في مختبرات الابحاث العلمية، فالعلم هو "الحامض النووي" للقوة، وبدونه سيظل الكائن العربي عرضة لـ "التحلل الحضاري" او الافتراس من قبل الانظمة التي نجحت في تحصين شفرتها الوراثية بكل ادوات الفتك والمنع.

ثامنا: الخداع البيولوجي والذكاء الاصطناعي للصراع الحديث

في الطبيعة، يُعد الخداع استراتيجية تطورية اصيلة لضمان البقاء، فالعديد من الكائنات تستخدم "التنكر" (Camouflage) او "المحاكاة" (Mimicry) لتضليل المفترسات او للايقاع بالفرائس. بعض الفيروسات، على سبيل المثال، تمتلك قدرة فائقة على تغيير "غلافها البروتيني" لتبدو كخلايا صديقة، مما يسمح لها باختراق الجهاز المناعي دون اثارة اي استجابة دفاعية.

- الذكاء الاصطناعي كـ "طفرة" في الخداع الحيوي في العصر الحديث، انتقل هذا الخداع من المستوى البيولوجي الصرف الى المستوى السيبراني والمعلوماتي الفائق. لقد طور الغرب "خوارزميات ذكاء اصطناعي" تعمل كـ "مجسات حيوية" قادرة على قراءة الخريطة النفسية والعصبية للمجتمعات العربية. المعلومات المضللة (Disinformation) و"التزييف العميق" (Deepfakes) ليست مجرد ادوات تقنية، بل هي "سموم حيوية" (Biotoxins) ميمية تُحقن في "الجهاز العصبي الجمعي" للخصم. الهدف هو احداث حالة من "التوهان الوظيفي"، حيث يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الصديق والعدو، وبين الحقيقة والوهم، مما يؤدي في النهاية الى شل ارادة المقاومة والرد.

- تفكيك المناعة الثقافية عبر "الاختراق الميمي" نجح الغرب في استخدام هذه "السموم الميمية" لتفكيك المناعة الثقافية للعرب عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تعمل كـ "قنوات حقن وراثي". تاريخيا، كانت الحروب تعتمد على "القوة الصلبة" (الافتراس المباشر)، اما اليوم فالصراع يدور حول "هندسة الوعي ". يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لانشاء "فقاعات معلوماتية" تعزز الانقسامات الطائفية والقبلية (العودة لـ "خوارزمية القرابة الضيقة")، مما يمنع تشكل "كتلة حيوية وطنية" موحدة.

بينما يطور الغرب "دفاعات سيبرانية" تشبه الاجهزة المناعية الذكية، ظل العقل العربي في حالة "استعصاء دفاعي تقليدي".  نحن لا نزال نحاول مواجهة "الطفرات الرقمية" والذكاء الاصطناعي بادوات "الحظر والمنع" القديمة، وهي استراتيجية تشبه محاولة ايقاف فيروس متطور بـ "حاجز ميكانيكي" بسيط. هذا العجز عن بناء "حصانة رقمية" ذاتية جعل الفضاء العربي مختبرا مفتوحا لعمليات "التلاعب الجيني الثقافي"، حيث يتم اعادة صياغة الميمات المحلية لتخدم اهداف القوى الكبرى سواء كانت امريكا او الصين او روسيا او غيرها، مما يرسخ حالة "التبعية الحيوية" ويمنع ظهور اي استقلال خوارزمي حقيقي.

- حرب الظل والسيادة المعلوماتية ان الصراع الحديث هو صراع على "السيادة المعلوماتية".  المجتمع الذي لا يمتلك خوارزمياته الخاصة هو مجتمع "مكشوف جينيا"، فبياناته هي "حامضه النووي" المتاح للاستغلال. الغرب نجح في تحويل المعلومة الى "سلاح تطوري" يضمن له البقاء والسيطرة دون الحاجة لاطلاق رصاصة واحدة في كثير من الاحيان. اما العرب، فبسبب "بايولوجيا الاستعصاء" التي تمنعهم من اللحاق بالركب التقني السيادي، ظلوا في مرتبة "المستهلك الحيوي" لهذه السموم، عاجزين عن انتاج "ترياق" رقمي يحمي عقول اجيالهم الناشئة من الاغتراب الحضاري والتبعية الميمية الكاملة او حتى مجرد استخدامها من اجل تطورهم.

الخلاصة: كسر شفرة الاستعصاء ونحو "انفجار كامبري" حضاري

ان النتيجة الجوهرية التي تخلص اليها هذه القراءة السوسيوبايولوجية هي ان التخلف العربي ليس "قَدرا جينيا" مسجلا في الكروموسومات، بل هو نتاج تراكُمي لسيادة "خوارزميات فاشلة" تم انتخابها ثقافيا عبر قرون من الركود. ان النجاح الغربي، كما حللنا، لم يكن نابعا من تفوق اخلاقي مثالي، بل كان انتصارا في "ادارة الانانية" بذكاء مؤسساتي فائق، حيث استطاع الغرب تحويل "الجين الاناني" الفردي الى "محرك جمعي" عبر تحديث الميمات باستمرار، وخلق بيئة "ديالكتيكية" تسمح بتطور الافكار وتغربل النظم الواهنة،

لكي يخرج العرب من زنزانة "بايولوجيا الاستعصاء"، لا بد من القيام بـ "هندسة ميمية" شاملة وجراحية، عملية تهدف الى تحويل طاقة "الانانية الجينية الضيقة" (الولاء للقبيلة والطائفة والعشيرة) الى "تعاون اجتماعي خوارزمي واسع" يتجسد في الدولة والمؤسسة والمواطنة. اننا بحاجة الى "طفرة ارادية" تقطع مع "بايولوجيا السكون" والبيات الشتوي الحضاري، لتنتقل بنا الى "ديالكتيك الحركة" حيث يُسمح للنقيض بالتفاعل وللنقد بالنمو.

ان استبدال ميمات "الخنوع والقدرية وتقديس الماضي" بميمات "النقد العلمي والابتكار والمساءلة" ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة بيولوجية للبقاء. السيادة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين —عصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية والحروب السيبرانية— لا تاتي من التغني بامجاد "الجينوم التاريخي"، بل من بناء "خوارزمية وطنية" مرنة وقادرة على التكيف. ان العالم المعقد الذي نعيشه اليوم لا يعترف بـ "الاقدم" ولا بـ "الاعرق"، بل يمنح حق البقاء لـ "الاكثر ذكاءً" في ادارة شفراته المعلوماتية وحماية اجهزته المناعية الثقافية من الاختراق.

ان كسر شفرة الاستعصاء العربي يتطلب وعيا يتجاوز الشعارات العاطفية، يتطلب فك الارتباط بـ "العوائل" الخارجية التي تستخدمنا كـ "مصدات خوارزمية" او "خلايا تضحية" لضمان بقائها. انها دعوة لاستعادة "التمثيل الغذائي" الوطني، وبناء "حصانة سيادية" (تقنية وعلمية) تخرجنا من دائرة "الافتراس الجيوسياسي".

في الختام، ان الطريق نحو افق جديد يبدا من ادراكنا لكيفية عمل "الالات السياسية" التي تحاول استهلاكنا كوقود حيوي. ان مستقبل العرب رهين بقدرتهم على احداث "انفجار كامبري" ثقافي، طفرة كبرى تعيد ترتيب "التشابكات العصبية الجمعية" لتتوافق مع منطق العصر، وتعلن نهاية عصر الاستعصاء وبداية عصر "السيادة الخوارزمية" التي تحفظ للذات العربية مكانها اللائق تحت شمس التطور البشري. انها معركة بين "الشفرة القديمة" التي تقود للفناء، و"الشفرة الجديدة" التي تفتح ابواب الحياة.

***

د. محمد الربيعي

بروفيسور متمرس، جامعة دبلن UCD

......................

المصادر

1. الربيعي، محمد. 2026. الذكاء بين بيولوجيا الوعي وهندسة الأرقام. الطريق الثقافي.

2. الربيعي، محمد. 2026. الجين الأناني وصراع البقاء: قراءة خوارزمية في الصراع الأمريكي الإيراني.  صحيفة المثقف.

3. الربيعي، محمد. 2026. في بيولوجيا الاستعصاء: قراءة في الشفرة الوراثية للنظام السياسي. صحيفة المثقف.

4. Dawkins, Richard (1976). The Selfish Gene. Oxford University Press.

5. Wilson, Edward O. (1975). Sociobiology: The New Synthesis. Harvard University Press.

6. Henrich, Joseph (2015). The Secret of Our Success: How Culture Is Driving Human Evolution, Domesticating Our Species, and Making Us Smarter. Princeton University Press.

7. Acemoglu, Daron & Robinson, James A. (2012). Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty. Crown Business.

8. Mesoudi, Alex (2011). Cultural Evolution: How Darwinian Theory Can Explain Human Culture and Synthesize the Social Sciences. University of Chicago Press.

إذا كان الإنسان قد أدرك من خلال الألم أن الحياة ليست طريقا مفروشا بما يشتهي، كما بينت المقالة الأولى "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، وتعلم بالصبر كيف يثبت أمام تقلباتها، كما أوضحت المقالة الثانية "الصبر الإنساني بين حكمة الابتلاء وفلسفة الارتقاء"، واستنار بالتوكل وهو يمضي في دروبها، كما بينت المقالة الثالثة "التوكل الإنساني بين حركة الإرادة وطمأنينة القلب"، فإن رحلته لا تبلغ تمام نضجها إلا حين يصل إلى الرضا. ففي هذا المقام الإنساني لا يتغير الوجود من حول الإنسان، وإنما تتغير رؤيته إليه؛ فلا يعود ينظر إلى الحياة بوصفها ساحة صراع دائم بين ما يريد وما يقع، وإنما يراها نظاما محكما تجري أحداثه وفق حكمة إلهية أوسع من إدراكه، فتسكن نفسه إلى ما قدر الله، ويطمئن قلبه إلى ما قضى، دون أن تنطفئ إرادته، أو يفتر سعيه، أو يتخلى عن مسؤوليته في العمل والإصلاح.

ولعل الرضا من أكثر المفاهيم التي أسيء فهمها في الفكر الديني والفلسفي على السواء. فكثيرا ما يختزل في صورة الاستسلام للأمر الواقع، أو يفسر على أنه ضعف في الإرادة، أو عزوف عن مقاومة الخطأ والسعي إلى تغييره. غير أن هذا الفهم لا يعبر عن حقيقة الرضا، بل عن صورة بعيدة عن جوهره. فالرضا ليس استسلاما، وإنما بصيرة؛ وليس خضوعا للعجز، وإنما تحرر من العجز الداخلي؛ وليس إلغاء للإرادة، وإنما تهذيب لعلاقتها بما خرج عن قدرتها بعد استيفاء الأسباب وبذل الجهد. إنه ليس انصرافا عن الحياة، وإنما طريقة أعمق وأهدأ للعيش فيها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الرضا باعتباره نعمة إلهية ومنحة ربانية يفيض الله بها على من شاء من عباده. فهو ليس مجرد حالة نفسية عابرة، ولا شعورا مؤقتا بالسكينة، وإنما ثمرة وعي يتشكل على مهل، حتى يدرك الإنسان أن الوجود لا تحكمه الفوضى، ولا تجري أحداثه وفق المصادفة العمياء، وإنما تنتظمها سنن ثابتة، وتحيط بها حكمة قد يدرك الإنسان بعض أسرارها، ويغيب عنه كثير منها. ولهذا دعا الله تعالى عباده إلى الاطمئنان إليه، وحسن الظن به، وربط كمال الإيمان بالثقة في حكمته، لأن القلب إذا أيقن أن الله أرحم به من نفسه، وأن تدبيره أكمل من تدبير العبد لنفسه، أصبح أقدر على استقبال ما يقدره الله بسكينة، دون أن يتخلى عن مسؤوليته في السعي أو الإصلاح.

ومن هذه الزاوية يغدو الرضا أحد أهم الأسس التي يقوم عليها الوجود الإنساني المتوازن. فالإنسان لا يعيش في عالم صنعه على هواه، ولا في واقع يستجيب لكل رغباته، وإنما يعيش في وجود تتقاطع فيه إرادته المحدودة مع سنن كونية لا يملك تغييرها. وهنا ينشأ كثير من معاناته؛ إذ لا يتألم دائما بسبب ما يقع، وإنما بسبب مقاومته الدائمة لما وقع، ورغبته في أن يكون العالم على الصورة التي يتخيلها لا على الصورة التي جرى بها القدر. ومن هنا لا يكون الرضا مجرد فضيلة أخلاقية، بل رؤية وجودية تعيد بناء علاقة الإنسان بالعالم، فيتحرر من الصراع مع ما لا يملكه، ويتفرغ لما يستطيع أن يصنعه ويؤثر فيه.

ومن الناحية الفلسفية، يرتبط الرضا بإحدى أعمق القضايا التي شغلت الفكر الإنساني، وهي العلاقة بين الحرية والضرورة، وبين الإرادة الإنسانية وحدودها. فالإنسان يشعر في أعماقه بأنه كائن حر، يسعى إلى تحقيق غاياته، وصناعة مستقبله، وتغيير واقعه، لكنه يكتشف مع مرور الزمن أن كثيرا من الوقائع لا تخضع لرغبته، ولا تستجيب لتخطيطه، وأن هناك دائما مساحة من الوجود تبقى خارج دائرة سيطرته. وهنا تتولد أزمة الإنسان الوجودية؛ لأنه يريد أن يكون سيد كل ما يحدث له، بينما تذكره الحياة في كل مرحلة بأن قدرته محدودة، وأن علمه محدود، وأن تدبيره ليس هو التدبير الوحيد.

غير أن الرضا لا يلغي هذه المفارقة، ولا يقدم لها حلا نظريا مجردا، بل يحولها إلى تجربة إنسانية متوازنة. فهو يعلم الإنسان أن الحرية الحقيقية ليست في أن يمتلك كل شيء، وإنما في أن يحسن التعامل مع ما يملكه وما لا يملكه، وأن يميز بين دائرة الفعل التي كلف بها، ودائرة القضاء التي تجري وفق حكمة الله. فإذا اختلطت الدائرتان عاش الإنسان أسيرا للقلق، أما إذا أدرك حدوده، واستوفى أسباب العمل، ثم سلم ما وراء ذلك إلى الحكمة الإلهية، استعاد اتزانه الداخلي، وانطفأ كثير من الصراع الذي يستنزف روحه.

وإذا تأملنا الرضا وجدناه لا يقتصر على صورة واحدة، بل يتجلى في صور متعددة تعكس اتساع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الرضا بما يقدره الله على الإنسان من ابتلاءات وتقلبات الحياة، كالصحة والمرض، والغنى والفقر، والفقد والعطاء، وهو الرضا الذي يحرر القلب من الاعتراض، دون أن يمنع صاحبه من السعي إلى دفع الضرر والأخذ بالأسباب. وهناك الرضا بالطاعة وما تقتضيه من مجاهدة للنفس، لأن كثيرا من الواجبات لا تؤتي ثمارها إلا إذا أداها الإنسان بقلب مطمئن لا بقلب متبرم. وهناك الرضا عن الشهوات حين يقف الإنسان عند حدود الله، فيؤثر ما يبقى على ما يفنى، وما يسمو بروحه على ما تستدعيه رغباته العابرة. ثم يرتقي الرضا إلى أفق أوسع، هو الرضا بالله، حيث لا يعود الرضا متعلقا بما يعطيه الله أو يمنعه، بل بمن بيده العطاء والمنع، وهي مرتبة تسمو فيها النفس على تقلبات الأحوال، لأنها وجدت سكينتها في الثقة بالله، لا في تغير الظروف.

ومن هنا تتجلى الحكمة الإلهية في الرضا بوصفه ثمرة من ثمار الإيمان بحكمة الوجود. فالإنسان بطبيعته ينظر إلى الأحداث من زاوية اللحظة التي يعيشها، ويحاكمها بما تجلبه له من لذة أو ألم، وربح أو خسارة، بينما تنظر الحكمة الإلهية إلى الوجود في كليته، وإلى ما تؤول إليه الأمور في نهاياتها. ولهذا قد يكره الإنسان أمرا يكون فيه صلاحه، وقد يتعلق بشيء يكون سبب شقائه، لأنه لا يرى من المشهد إلا جزءا يسيرا، بينما تحيط الحكمة الإلهية بما خفي وما ظهر، وبما كان وما سيكون.

ومن هنا كان الرضا انتقالا من ضيق الرؤية الجزئية إلى سعة الثقة بالحكمة الكلية. فالإنسان لا يرضى لأنه أدرك كل أسرار القدر، وإنما لأنه أيقن أن وراء ما يخفى عنه علما لا يحيط به، ورحمة لا تنقطع، وحكمة لا يحدها إدراكه المحدود. ولهذا فإن الرضا ليس تعطيلا للعقل، بل اعتراف بحدوده، وليس استسلاما للغموض، بل ثقة بأن ما غاب عن الإنسان لم يغب عن علم الله وتدبيره.

ولعل أعظم ما يثمره الرضا في حياة الإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بالزمن. فالنفوس القلقة تعيش أسيرة لما مضى، تندب ما فاتها، أو تظل مشدودة إلى ما سيأتي، تخشى المستقبل، وتثقلها الاحتمالات. أما النفس الراضية فإنها تعيش حاضرها بوعي واتزان، لأنها تعلم أن الماضي قد مضى بحكمة، وأن المستقبل بيد الله، وأن اللحظة التي تعيشها هي المجال الحقيقي للعمل، والإصلاح، والعبادة، والعمران. ومن هنا لا يعود الزمن خصما للإنسان، بل يصبح ميدانا ينضج فيه وعيه، وتتسع فيه بصيرته، وتترسخ فيه سكينته.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الرضا بعدا أكثر عمقا واتساعا، إذ ينظر إليه بوصفه من أدق ما تناوله أهل السلوك في حديثهم عن السير إلى الله. وقد اختلفت عباراتهم في توصيفه؛ فذهب فريق إلى أنه مقام يبلغه السالك بالمجاهدة، ودوام الطاعة، وصدق التوكل، حتى تستقر نفسه على التسليم لحكمة الله. ورأى فريق آخر أنه حال يفيضه الله على القلوب بعد اكتمال المجاهدة، فلا يكون ثمرة للكسب وحده، بل موهبة ربانية يختص الله بها من شاء من عباده. ولهذا قال بعضهم إن الرضا نهاية المقامات وبداية الأحوال؛ لأنه الحد الذي تنتهي عنده مجاهدة النفس، وتبدأ فيه سكينة القلب وأنسه بالله.

ولم يكن هذا الخلاف في حقيقته خلافا على جوهر الرضا، بقدر ما كان اختلافا في النظر إلى طريق الوصول إليه. فالكل متفق على أن الرضا من أشرف المنازل الروحية، وأنه لا يتحقق إلا إذا تحرر القلب من الاعتراض على الله، واستقرت فيه الثقة بحكمته، حتى يصبح العبد مطمئنا في السراء والضراء، والعطاء والمنع، لا لأن الأحوال أصبحت سواء، بل لأن نظره تجاوز الأحوال إلى من يجريها بحكمته ورحمته.

غير أن الرضا لا يعني أن يتخلى الإنسان عن مسؤوليته، أو أن يرضى بالظلم، أو يسكت عن الفساد، أو يقبل التقصير. فالرضا إنما يتعلق بما خرج عن قدرة الإنسان بعد أن يستفرغ وسعه في السعي والإصلاح، أما ما كان داخلا في دائرة تكليفه، فإن الرضا لا يعفيه من واجب تغييره، بل يدفعه إلى ذلك بقلب أكثر هدوءا، وعقل أكثر حكمة، ونفس أكثر اتزانا. ولهذا كان الرضا قوة داخلية، لا صورة من صور السلبية، وحافزا على العمل، لا مبررا للتقاعس.

إن أعظم ما يمنحه الرضا للإنسان أنه يحرره من الصراع مع ما لا يستطيع تغييره، ليتفرغ إلى ما يستطيع إصلاحه. فهو يبدل الاعتراض بالتأمل، والقلق بالسكينة، والاضطراب بالثقة، ويعيد إلى النفس توازنها بعد أن أنهكتها مقاومة ما لا سبيل إلى دفعه. ومن هنا يصبح الرضا أحد أهم أسباب السلام الداخلي، لأنه لا يغير العالم الخارجي، وإنما يغير الكيفية التي يسكن بها الإنسان هذا العالم، فيعيش فيه بقلب مطمئن، وعقل واع، وروح متصلة بالله.

خلاصة القول: إن الرضا ليس مجرد خلق من الأخلاق، ولا حالة نفسية عابرة، بل هو رؤية وجودية، وخبرة إنسانية، ومنحة إلهية، تتوج رحلة الإنسان في فهم نفسه والعالم من حوله. إنه ثمرة إدراك أن الوجود لا تحكمه الفوضى، وإنما تنتظمه حكمة إلهية شاملة، وأن الإنسان وإن كان مطالبا بالسعي، فإنه ليس مطالبا بحمل أعباء ما خرج عن حدود طاقته. فإذا استقام له هذا الفهم، اجتمع في قلبه صفاء البصيرة، وطمأنينة النفس، واتزان الإرادة، فأصبح أكثر قدرة على العيش في سلام مع الله، ومع نفسه، ومع الوجود كله.

وإذا كان الرضا قد منح الإنسان سكينة النفس، وأخرجه من الصراع مع أقدار الحياة، فإن الرحلة لا تقف عند حدود السكينة. فالسكينة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية أفق جديد، يتجاوز فيه الإنسان مجرد القبول بحكمة الله إلى التعلق بالله نفسه. وعندئذ لا يعود الرضا غاية مستقلة، بل يصبح جسرا تعبر عليه النفس إلى المحبة؛ لأن من اطمأن إلى حكمة الله، لم يلبث أن يتعلق قلبه بمن له تلك الحكمة. وهنا تبدأ مرحلة جديدة من رحلة الوجود الإنساني، سيكون حديثنا عنها في المقالة القادمة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في راهنية المشروع الفلسفي بين الإبداع وإعادة التأويل

لا تملك الفلسفة موطناً واحداً تستقر فيه ولا تعرف سكينة تطمئن إليها، ذلك أنها في بنيتها الأولى فعلٌ من أفعال القلق تحيا بالسؤال ولا تموت إلا حين يخفت. منذ ميلادها الأول مع الدهشة اليونانية وهي في توتر دائم مع ذاتها، لكنه توتر الخصب لا توتر العجز إذ لا تتجدد الفلسفة إلا بالنقض ولا تبلغ حقيقتها إلا حين ترفض أن تكتمل. وحين نقف اليوم أمام سؤال راهنية المشروع الفلسفي لا نجد أرضاً ممهدة نبني عليها بل نجد أنفسنا أمام قطبين يتنازعان هويتها منذ فجرها: قطب الإبداع الذي يدفعها نحو المجهول، وقطب التأويل الذي يشدها إلى موروثها. فهل تستطيع الفلسفة أن تكون مبدعة دون أن تكون شارحة أو مؤولة دون أن تكون مبتكرة؟ وهل يصح أن نتصور مشروعاً فلسفياً يقوم على قطيعة جذرية مع كل ما سبقه أم أن طبيعتها التراكمية تحكم عليها بأن تعيد قراءة نفسها في كل مرة فيصبح التأويل ذاته إبداعاً ويصبح الإبداع تأويلاً مضاعفاً؟

هذه المعضلة ليست شغلاً أكاديمياً هامشياً بل هي لبّ الحياة الفلسفية وهي ما يمنحها القدرة على أن تكون راهنة في كل لحظة دون أن تحبس نفسها في تلك اللحظة. فما من فلسفة حقيقية إلا وهي حوار مع الماضي وصناعة للمستقبل معاً، وما من مفكر كبير إلا وهو قارئ مبدع وناسخ خائن ومؤسس هادم في آن واحد. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو كيف تخلق الفلسفة مفاهيمها الخاصة وهي لا تملك من أدواتها إلا ما ورثته عن أسلافها؟ وكيف تبرر وجودها في زمن تضيق فيه مساحات التأمل وتتفكك فيه الأنساق الكبرى؟

الفعل الفلسفي الأول كما صاغه جيل دولوز في تحديد مقتضب لكنه عميق الأثر ليس هو التأمل ولا التواصل ولا حتى التفكير الاستدلالي بل هو خلق المفاهيم. وهذا التحديد وإن بدا في سياقه استفزازياً يكشف عن البعد الإنتاجي الكامن في صميم العمل الفلسفي. فالمفهوم عند دولوز ليس تسمية لأمر موجود سلفاً ولا اختزالاً للواقع في صيغة ذهنية جاهزة بل هو حدث وفاعلية وقوة تعيد تشكيل العالم الذي تنتمي إليه. حين صاغ أفلاطون مفهوم المثل أو حين ميّز ديكارت بين الجوهر الممتد والجوهر المفكر أو حين نسج كانط شبكة مقولاته المتعالية، لم يكن هؤلاء يصفون عالماً قائماً بذاته بل كانوا يبنون أبعاداً جديدة للخبرة الإنسانية لم تكن ممكنة قبل ظهور تلك المفاهيم. فالمثل الأفلاطونية لم تكن معلقة في سماء ما بانتظار من يكتشفها بل هي اختراع عقلي أضفى نظاماً وقيمة على تعدد المحسوسات الفوضوي. وكذلك الجوهر السبينوزي أو المقولات الكانطية، فهي ليست اكتشافات بالمعنى الذي تُكتشف به الظواهر الطبيعية بل ابتكارات تحمل رؤى للوجود وتفتح أفقاً جديداً للفعل والمعرفة.

غير أن فعل الخلق هذا لا يجري في فراغ تاريخي ولا ينبثق من رغبة عابرة في التجديد. فالفيلسوف كما يذكّرنا بول ريكور ابن عصره ووارث تقليد من الأسئلة والأجوبة يتفاعل معه ويحاوره ويعيد تأويله. وهنا يبرز البعد التأويلي بوصفه وجهاً مكملاً للوجه الإبداعي لا نقيضاً له. فالتأويل عند ريكور ليس مجرد عملية لفهم نصوص غامضة بل هو إعادة إنتاج للمعنى داخل سياق تاريخي متبدل. حين قرأ هيغل أفلاطون أو أعاد هايدغر قراءة كانط أو استلهم دولوز نيتشه وسبينوزا، لم يكونوا يمارسون عملاً أركيولوجياً محايداً بل كانوا يمارسون ضرباً من الجراحة المفهومية، يقطعون فيها أوصال المفاهيم القديمة ويعيدون تركيبها في نسق جديد يجعلها تتحدث بلغة عصرها وتساءل إشكالياته. هذا الفعل التأويلي إذن عملية إبداع من الدرجة الثانية يتحقق عبر إعادة تعريف علاقة المفهوم بغيره من المفاهيم ووضعه في سياقات سؤال لم تكن مطروحة بهذا الشكل عند مؤلفه الأصلي.

كل تأويل في جوهره مواجهة مع النص ومحاولة لانتزاع معنى جديد منه على نحو يشبه ما يفعله الشاعر حين يعيد تركيب اللغة لإنتاج دلالة مدهشة، تلك الدلالة التي يسميها ريكور بالاستعارة الحية والتي تنبثق من احتكاك مجالين دلاليين متباعدين فتخلق واقعاً جديداً للغة ومن ثم واقعاً جديداً للعقل. ولا يكون تاريخ الفلسفة تراكماً خطيا للمعرفة ولا ساحة صراع بين مذاهب متعاقبة يمحو أحدها الآخر بل هو فضاء تتقاطع فيه الأصداء وتتوالد فيه الأفكار عبر تزاوج غير متوقع بين النصوص وسياقاتها.

هذا التوتر بين الإبداع والتأويل ليس أزمة عابرة تمر بها الفلسفة في لحظة بعينها بل هو شرط وجودها ومصدر حيويتها الدائمة. فبمعزل عن التقليد يتحول الإبداع إلى تعسف أو سطحية وهو ما يشير إليه بعض الباحثين المعاصرين في سياق نقاشهم حول ما يسمى بالهندسة المفهومية، إذ يذهبون إلى أن التصور القائل بإمكان مراجعة المفاهيم السائدة مراجعة جذرية يقوم على فرضية خاطئة عن الدور الذي تلعبه هذه المفاهيم في التفكير ذاته. فالمفاهيم ليست أوعية جاهزة يسهل استبدالها بل كائنات تحمل في داخلها تاريخاً من المعارك والتحولات وتتشابك مع شبكة واسعة من المعتقدات والممارسات بحيث تستلزم إعادة بنائها فهماً عميقاً لجذورها التأويلية، وإلا صارت مجرد استبدال أسماء دون تغيير حقيقي في الرؤية.

ولا يقتصر هذا الوعي بحيوية المفاهيم على التقليد القاري وحده فحتى في الفلسفة التحليلية المعاصرة، حيث تسود لغة الدقة المنطقية والتعريف الصارم، برز نقاش موازٍ حول ما بات يعرف بالهندسة المفهومية، إذ يتساءل بعض الفلاسفة عما إذا كان بإمكاننا أن نستبدل مفهوماً غامضاً أو مضللاً بآخر أكثر نجاعة دون أن نفقد شيئاً من وظيفته المعرفية والعملية. وتكشف هذه المحاولات رغم اختلاف مفرداتها عن مفردات التأويل القاري وعن الإشكال ذاته، وذلك أن المفهوم ليس علامة اعتباطية يمكن استبدالها بقرار فردي، بل هو عقدة في شبكة من الممارسات والمعتقدات وأن أي تعديل فيه يستدعي حساباً دقيقاً لتبعاته على النسق بأكمله. وهذا التقاطع بين تقليدين فلسفيين كثيراً ما قُدما بوصفهما متناحرين يشي بأن مسألة العلاقة بين الإبداع والوفاء للتراث المفهومي ليست خصوصية قارية بل شرط بنيوي لكل تفكير فلسفي أيا كانت مدرسته.

وفي المقابل فإن التأويل الذي ينغلق على قدسية النص وماضيه سرعان ما يفقد حيويته ويتحول إلى طقس أكاديمي خاوٍ. فالفلسفة الحية تجعل من النص الكلاسيكي حجراً تبنى عليه لا حجراً يعيق الحركة وتصغي إلى أصداء الماضي لتستمد منها طاقة البناء لا لتتخذها مقبرة. وتبقى الفلسفة في سيرورة دائمة تتحرك بين ضفتي الثبات على الموروث والتجديد الخلاق دون أن تستقر نهائياً على إحداهما.

اكتسب هذا التوتر في زماننا أبعاداً أكثر حدة مما عرفته الفلسفة في أي عصر سابق، ذلك أن مفاهيم كالعالمية والهوية والآخر والطبيعة والتقنية أصبحت مفاهيم متآكلة عاجزة عن استيعاب التعقيدات التي فرضتها أنماط العيش المعاصرة وباتت بحاجة إلى عملية تأويلية وتجديدية عميقة. وحتى تكون الفلسفة الراهنة وفية لذاتها عليها أن تقتحم حقولاً معرفية جديدة وأن تتحاور مع العلوم الصلبة وعلم الأعصاب والنظريات السياسية وفلسفات الفن، دون أن يأتي هذا الانفتاح على حساب جوهرها، أعني قدرتها على خلق المفاهيم التي لا تختزل إلى وظيفة أخرى. فالفلسفة ليست خادمة للعلم ولا أداة للتأويل الأدبي ولا خطاباً سياسياً مباشراً بل هي كما يؤكد دولوز ذلك النشاط الذي يصنع من المفاهيم أدوات للقبض على الأحداث الفريدة وتخليصها من سطوة التمثلات الجاهزة.

مهمة الفلسفة إذن ليست في أن تمنحنا إجابات نهائية بل في أن تعلّمنا كيف نطرح الأسئلة بطريقة جديدة وكيف نبتكر أدوات تمكننا من رؤية ما هو خفي والتفكير فيما هو ممكن. وهذا ما يمنحها قيمتها المستمرة فهي ليست علماً من العلوم ولا جنساً أدبياً من الأجناس، بل فعل إنساني متجدد، حوار مستمر مع الزمن وجهد متصل لخلق المعنى وترميم ما تهدم منه.

ومن هذا الموضع يتضح قلب الإشكال الذي يحدد راهنية المشروع الفلسفي في عصرنا، ففي زمن تتسارع فيه وتيرة التحولات وتتشظى فيه الأنساق الكبرى، تبرز الحاجة إلى فلسفة لا تكتفي بالتأويل أي بإعادة قراءة النصوص القديمة في ضوء الحاضر ولا تقف عند حد الإبداع المحض أي إنتاج خطابات جديدة من عدم بل توفق بينهما في تركيب يولد من رحم المواجهة بين التراث والحداثة. فحين يعيد الفيلسوف بناء مفهوم العدالة عند أرسطو أو العقد الاجتماعي عند روسو أو الحرية عند كانط، فهو لا يقوم بنسخ حرفي بل يمارس حفراً في أعماق المفهوم ليستخرج منه طاقات كامنة لم تظهر بعد ويوظفها في سياقه الراهن. ويصير التقليد في يد الفيلسوف المبدع مصدر إلهام لا قيداً على الإبداع.

ولعل هذا هو سر عبقرية المفكرين الكبار: قدرتهم على أن يكونوا في آن واحد أوفياء لتراثهم ومبدعين له. فقراءة نيتشه لأفلاطون وقراءة فرويد للتراجيديا الإغريقية وقراءة ماركس لهيغل عمليات إبداع جديدة في جوهرها، تنتج مفاهيم لم تكن واردة في النص الأصلي وتطرح أسئلة لم يخطر ببال مؤلفه الأول أن يطرحها. هذا الفعل التأويلي الذي يقترب مما يسميه بعض الفلاسفة المعاصرين بالتطبيق أو الاستخدام، هو ما يمنح الفلسفة حيويتها ويجعل منها خطاباً حياً يتفاعل مع تحولات عصره. ومن ثم فإن الدعوات المتكررة إلى نسيان الفلسفة أو إعلان نهايتها تغفل هذه الخاصية وتختزل الفكر الفلسفي في صورة معرفة ميتة انتهى زمنها، في حين أن الفلسفة كما تثبته أعمال مفكريها المبدعين في كل عصر، فعل دائم التجدد وقدرة إنسانية على الاستغراب والتساؤل وتخيل عوالم أخرى ممكنة، وهي في جوهرها فعل حرية.

إن وعي الفيلسوف بهذه العلاقة الجدلية بين الإبداع والتأويل يمنحه حساسية خاصة تجاه لغته الخاصة وتاريخ مفاهيمه. فالمفاهيم الفلسفية ليست كلمات ميتة بل أحداث لغوية تحمل في داخلها توتراً وتاريخاً وعلاقات قوة. وحين يكتب الفيلسوف فإنه لا يستعمل اللغة أداة شفافة بل يمارس عليها عنفاً خلاقاً يحنيها ويشذبها ويبتكر لها استعمالات جديدة على نحو ما يفعل الشاعر. وبذلك يصبح الأسلوب الفلسفي بمزيجه الفريد من الدقة والغموض ومن الصرامة المنطقية والاستعارة مرآة لهذا التوتر بين العودة إلى الماضي والانطلاق نحو المستقبل.

القول بأن الفلسفة إنتاج للمفاهيم عبر فعل التأويل يحررها من الرؤية الضيقة التي تجعل منها نشاطاً معرفياً منغلقاً أو أداة لنقد الأيديولوجيات أو مجرد تاريخ للأفكار. إنه يعيد إليها بعدها الوجودي ويؤكد أنها في نهاية المطاف تعبير عن قدرة الإنسان على تجاوز واقعه المعطى وتأسيس وجوده على معنى يصنعه بنفسه. وهذا يفسر لماذا لا يكون فعل الإبداع الفلسفي انقطاعاً عن الماضي ولا خيانة له بل إحياء له لا يتحقق إلا بالخيانة ذاتها؛ فالمفكر المبدع من يخون حرفية النص ليظل وفياً لروحه ويقتل حرفيته ليحيي دلالته. وهذا ما جعل أرسطو يصف الفلسفة بأنها معرفة المبادئ الأولى بينما مارسها في الوقت نفسه بوصفها نقداً دائماً للمبادئ التي ورثها؛ فلا استقرار للفلسفة إلا في حركتها النقدية الذاتية ولا ثبات لها إلا في تغيرها الدائم.

ولعل أوضح تجسيد لهذه الوحدة بين الهدم والبناء هو ما سماه هايدغر بـ"التقويض" ، أعني تفكيك الطبقات المتراكمة من التأويلات التقليدية التي طمست المعنى الأصلي للمفاهيم الكبرى، لا بقصد إتلافها بل بقصد استعادة إمكاناتها المنسية. فحين يعود هايدغر إلى مفهوم الوجود عند اليونان لا يفعل ذلك حنيناً إلى أصل نقي بل ليكشف أن تاريخ الميتافيزيقا بأسره كان نسياناً متعاظماً لسؤال الوجود وأن استعادة هذا السؤال تستلزم هدماً منهجياً لطبقات الترسيب المفهومي. وقريباً من هذا المسعى يذهب غادامير إلى أن كل فهم هو بالضرورة انصهار أفق القارئ بأفق النص بحيث لا يبقى المعنى الأصلي معزولاً عن تاريخ تلقيه بل يتشكل في كل مرة من جديد داخل الحوار الدائم بين الحاضر والماضي. وهذا ما يفسر لماذا لا يكون التأويل الفلسفي عملية استعادة ميكانيكية لمقصد المؤلف بل مشاركة خلاقة في إنتاج معنى لم يكن مكتملاً من قبل، معنى يظل مفتوحاً على إمكانات لم تُستنفد بعد.

وحين نمعن النظر في تاريخ الفلسفة نكتشف أن كل لحظة تأسيسية فيها كانت لحظة تأويل مبدع، قراءة جديدة لكتب قديمة في ضوء تحديات جديدة. فأنسلم قرأ أوغسطينوس ليؤسس للجدل الوجودي وديكارت قرأ المدرسيين ليؤسس للذات المفكرة وهيغل قرأ كانط وفيخته ليؤسس للجدلية المطلقة، وحتى نيتشه الذي أعلن موت الإله وموت الميتافيزيقا لم يفعل ذلك إلا بعد قراءة جديدة للفلاسفة اليونان ما قبل السقراطيين جعلتهم أسلافه الروحيين. لم يكن هؤلاء مقلدين ولا مبتدعين من فراغ بل تأويليين مبدعين يجمعون بين احترام النص وعنف إعادة بنائه.

يكتسب هذا التوتر في عصرنا حدة قصوى نتيجة تحولين كبيرين: أولهما انهيار النماذج الفلسفية الكبرى التي هيمنت على الفكر الغربي كالماركسية والوضعية المنطقية وبعض صور الظاهراتية التقليدية، مما خلّف فراغاً مفاهيمياً هائلاً وحالة من التيه المعرفي لا مخرج منها إلا عبر إعادة بناء المفاهيم على أسس جديدة. وثانيهما تداخل الفلسفة مع حقول معرفية أخرى كعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا وعلم البيئة والنظريات النقدية الجديدة، مما يفرض على الفيلسوف أن يغادر عزلته ويشتغل على مواد لم يألفها وأن يصوغ مفاهيم تستوعب تعقيداتها دون أن تفقد تماسكها الفلسفي. ومن هنا نفهم أن الفلسفة المعاصرة ليست تأويلاً محضاً للنصوص القديمة ولا خلقاً من العدم بل تركيب معقد بين موروثها المفهومي وموادها الجديدة وأسئلتها الراهنة، وهذا التركيب هو بالضبط ما يمنحها راهنيتها.

هذه الراهنية تفرض على الفيلسوف أن يكون في آن واحد مؤرخاً للفلسفة وناقداً لها، ملماً بتفاصيل بنائها الكلاسيكي وجريئاً في هدم ما يستوجب الهدم منه منصتاً لهموم عصره دون أن يتحول إلى كاتب رأي أو خطيب سياسي. فحين نقرأ أرسطو أو ابن سينا أو توما الأكويني أو كانط اليوم، لا نبحث عن إجاباتهم بقدر ما نبحث عن أسئلتهم وعن الطريقة التي فكروا بها لنستلهم منها طريقة تفكيرنا ولنتعلم كيف يصنع المرء مفاهيمه الخاصة وكيف يبني نسقه على أنقاض ما سبقه وكيف يحافظ على هوية الفلسفة في خضم تحولاتها.

الفلسفة من هذا المنظور فن الترحال بين الأزمنة وفن إقامة الجسور بين النصوص وسياقاتها وبين الماضي القابع في ظلال المكتبات والمستقبل الذي ما يزال جنيناً في رحم الحاضر. وهذا الترحال ليس نزهة فكرية بل رحلة مضنية تتطلب وعياً عميقاً بأن كل إجابة سؤال جديد وأن كل مفهوم نافذة تفتح على آفاق أخرى من التساؤل. وبذلك لا يكون إنتاج المفاهيم غاية في ذاته بل وسيلة لإدامة فعل التفكير وإبقاء العقل يقظاً في وجه رتابة البديهيات وسكون المسلمات.

وإذا كان لكل فلسفة نهايتها فهي لا تنتهي إلا حين تتوقف عن إنتاج مفاهيم جديدة، وحين تكتفي بإعادة تدوير القديم وتصبح تاريخاً لنفسها بدلاً من أن تكون فعلاً حياً في الحاضر. فالفلاسفة الكبار هم من أحدثوا قطيعة مع تقاليدهم لكنها قطيعة كانت في الحقيقة أرفع درجات الولاء لروح الفلسفة ذاتها لأنها تعبير عن جوهرها الذي لا يتجلى إلا في التجدد. ولهذا يحتاج كل عصر إلى فلسفته الخاصة وإلى مفكرين قادرين على قراءة تراث الماضي بإبداع وابتكار أدوات رؤية جديدة للمستقبل ليكونوا حلقة الوصل بين ما كان وما سيكون.

ليست الفلسفة مذهباً من المذاهب ولا علماً من العلوم ولا فنا من الفنون بل هي فعل الحياة حين تصير واعية بذاتها وتأمل الوجود حين يقرر أن ينظر في عينيه واللغة حين تتجاوز وظيفتها التواصلية لتصبح خالقة للعوالم. ولهذا تبقى راهنة في كل زمان لأن الإنسان لا يمكنه أن يعيش دون أن يتساءل ولا أن يتساءل دون أن يبحث عن معنى ولا أن يبحث عن معنى دون أن يصنع مفاهيمه؛ وكلما تعقدت الحياة وتشعبت الأسئلة ازدادت الحاجة إلى هذه الصناعة المفهومية التي تمنح الإنسان القدرة على تسمية ما هو غامض ورسم ما هو متشعب وتخيل ما هو ممكن.

يحتاج العالم المعاصر بتقنياته المتسارعة وصراعاته الهوياتية وأزماته البيئية وتفكك أطره التقليدية إلى فلسفة أكثر جذرية مما كانت عليه في أي عصر مضى، فلسفة لا تخشى مساءلة أسسها ولا تتردد في الانفتاح على الآخر ولا تيأس من إمكان بناء رؤية كلية للعالم ولو كانت مؤقتة قابلة للنقض. وهي إذ تفعل ذلك لا تقدم حلولاً جاهزة بل أدوات للتفكير ومناهج للتساؤل وشجاعة لمواجهة المجهول وتعلّمنا أن الحقيقة ليست شيئاً نمتلكه بل شيئاً نصنعه معاً، في حوار الأجيال وصراع الأفكار ولقاء النصوص بالتجارب الإنسانية الحية.

ولا تكمن راهنية الفلسفة الحقيقية في قدرتها على مسايرة عصرها بل في قدرتها على إزعاجه وأن تكون صوتاً يقلق سكونه وضوءاً يكشف عيوبه. هكذا كانت الفلسفة دوماً، ابنة الدهشة وشقيقة الحرية، ترفض أن تكون مريحة وتصر على أن تكون حقيقية لأنها تعرف أن دورها الأسمى تذكير الإنسان بأنه ليس كائناً يعيش فحسب بل كائن يفكر وليس كائناً يفكر فحسب بل كائن يخلق معنى حياته بيديه. وفي هذه اللحظة التي تتقاطع فيها أزمنة الماضي والحاضر والمستقبل حيث تتراقص أطياف أفلاطون وأرسطو وكانط وهيغل ونيتشه مع أسئلة اليوم، تبرز الفلسفة فعلاً خالداً يتجدد وجسراً لا ينهار بين ما كنا عليه وما نريد أن نكون. وما دام الإنسان كائناً ناقصاً يسعى إلى فهم ذاته في مرآة العالم فإن حاجته إلى هذا الفعل المزدوج وإلى الحفر في الموروث وابتكار ما يتجاوزه، لن تنقضي بل ستظل مهما تبدلت أدوات المعرفة وأشكال العيش، الشرط الذي يميز التفكير الإنساني عن مجرد استهلاك الأفكار الجاهزة.

***

د. حمزة مولخنيف

والتفلسف إبحار بالفكر نحو المجهول بلا بوصلة

مقدمة: تُجسد عبارة «الفلسفة بحر عميق بلا شواطئ» صورةً شعرية ووجودية عميقة لطبيعة الفكر الفلسفي. إنها تعبر عن جوهر الفلسفة كممارسة لا تنتهي، تتجاوز الحدود المرسومة والإجابات الجاهزة. أما «التفلسف إبحار بالفكر نحو المجهول بلا بوصلة»، فيصف حالة المفكر الذي يطلق نفسه في لجج الفكر دون ضمانات أو خرائط مسبقة. هذه الدراسة تتأمل في هذا المفهوم بوصفه جوهر الفلسفة الحقيقية، وتستكشف أبعاده المعرفية والوجودية والأخلاقية. كيف تكون الفلسفة بحرا عميقا؟ وما معنى غياب الشواطىء منه؟ وما المقصود بكون التفلسف هو ابحار نحو المجهول؟ ولماذ يُشترط انعدام وجود البوصلة للفلسفة؟

طبيعة الفلسفة كبحر لا ساحل له

الفلسفة ليست علماً تراكمياً يبني معارف ثابتة كما في العلوم التجريبية، بل هي استكشاف مستمر للأسئلة الأساسية: ما الوجود؟ ما الحقيقة؟ ما الخير؟ ما الإنسان؟ هذه الأسئلة لا تنتهي عند إجابة نهائية، بل تفتح أبواباً جديدة لأسئلة أعمق. لذا، تشبه الفلسفة بحراً عميقاً بلا شواطئ: كلما سبحت فيه، ازداد عمقه، وابتعدت عن أي أرض صلبة. في تاريخ الفكر، يتجلى هذا البحر في تنوع المدارس والتيارات. من سقراط الذي يعترف بجهله، إلى نيتشه الذي يعلن موت الإله، إلى هيدغر الذي يدعو إلى التفكير في «الوجود» نفسه، تظل الفلسفة رفضاً للإغلاق. كل نظام فلسفي يُبنى يصبح جزيرة مؤقتة في هذا البحر، سرعان ما تغمره الأمواج الجديدة للنقد والتجاوز. لا يوجد «شاطئ نهائي» يصل إليه الفيلسوف، لأن الوصول إلى مثل هذا الشاطئ يعني نهاية الفلسفة وتحولها إلى عقيدة أو علم مغلق. هذا العمق اللانهائي يمنح الفلسفة حريتها، لكنه يفرض عليها تواضعاً معرفياً. الفيلسوف الحقيقي يدرك أن معرفته جزء من بحر أكبر، وأن أي يقين يحتوي على بذرة شكه. هنا تكمن جمالية الفلسفة: إنها ليست بحثاً عن اليقين المطلق، بل عن التساؤل المستمر الذي يوسع آفاق الإنسان.

التفلسف: إبحار بلا بوصلة

إذا كانت الفلسفة البحر، فالتفلسف هو الإبحار. لا يملك المفكر بوصلة ثابتة، لأن البوصلة الوحيدة هي الفكر نفسه في حالة تأمل مستمر. هذا الإبحار يتسم بخصائص عدة:

أولاً: المغامرة والمخاطرة

التفلسف ليس تجولاً سياحياً، بل مخاطرة وجودية. يترك الفيلسوف شواطئ المألوف — العادات، المعتقدات الاجتماعية، اليقينيات الدينية أو العلمية — ليواجه عواصف الشك والتناقض. مثل أوديسيوس في أسطورته، أو مثل ابن رشد وابن سينا في مواجهة التراث، يبحر المفكر نحو المجهول، مدركاً أن الوصول قد لا يكون ممكناً، لكن الرحلة ذاتها هي الغاية.

ثانياً: فقدان الاتجاه والإبداع

غياب البوصلة يعني أن الفيلسوف يخلق اتجاهه بنفسه. هذا الفقدان ليس سلبياً، بل شرط للإبداع. في بحر الفكر، يمكن أن تظهر جزر جديدة من التأمل: أفلاطون يخلق عالم المثل، كانط يرسم حدود العقل، ديكارت يبدأ من «أنا أفكر». كل إبحار يعيد رسم خريطة الفكر البشري.

ثالثاً: التواضع والدهشة

الإبحار بلا بوصلة يتطلب تواضعاً: الاعتراف بأن المجهول أكبر من المعروف. هذا التواضع يولد الدهشة، التي اعتبرها أرسطو بداية الفلسفة. الدهشة أمام الكون، أمام الذات، أمام اللغة، أمام الزمن — كلها محركات للإبحار.

التحديات الوجودية والأخلاقية للإبحار الفلسفي

يحمل هذا الإبحار مخاطر عدة. قد يؤدي إلى الضياع النفسي (القلق الوجودي عند كيركغارد)، أو إلى اليأس (كما عند نيتشه في مواجهة العدمية)، أو إلى الاغتراب عن المجتمع الذي يفضل اليقينيات. كما أنه يتطلب شجاعة أخلاقية: الاستعداد للنقد الذاتي المستمر، ومواجهة سلطة المألوف. ومع ذلك، تكمن فيه قيمة أخلاقية عظيمة. الإبحار نحو المجهول يجعل الفيلسوف أكثر انفتاحاً على الآخر، أكثر تسامحاً مع الاختلاف، وأكثر التزاماً بالحقيقة. إنه يرفض الدوغمائية والتعصب، لأن من يدرك عمق البحر لا يدعي امتلاك الشاطئ الوحيد. في عصرنا الرقمي، حيث تُقدم الإجابات الجاهزة بسرعة، يصبح التفلسف مقاومة ضرورية. إنه رفض لثقافة «الشواطئ الافتراضية» — الآراء المغلقة في وسائل التواصل — ودعوة للعودة إلى عمق البحر.

خاتمة

رغم عمقه اللانهائي، أو بالأحرى بفضله، يبقى البحر الفلسفي مصدر حياة. كل إبحار يثري الإنسانية: يكتشف قارات جديدة من المعنى، ويوسع دائرة الوعي. الفلسفة لا تنتهي، لأن الإنسان كائن متسائل بطبعه. التفلسف إذن ليس مهنة أكاديمية فحسب، بل طريقة عيش: موقف من الوجود يرفض الاستقرار الزائف ويحتضن المجهول. في النهاية، الفلسفة بحر عميق بلا شواطئ، والتفلسف إبحار شجاع بلا بوصلة. من يقبل هذه الرحلة يخرج أكثر إنسانية، أكثر حرية، وأكثر دهشة أمام غموض الكون. إنها ليست طريقاً إلى اليقين، بل دعوة دائمة للانطلاق، ففي الإبحار نفسه تكمن الحرية والمعنى. فما قيمة الفلسفة كإبحار مستمر؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

قراءة تفكيكية في أسطورة الديميورغ

مدخل أنطولوجي: من المادة إلى المعلومات

يتأسس الفهم المعاصر للكون في الفيزياء النظرية على تحول جذري في مفهوم المادة وطبيعة الوجود؛ حيث يُستبدل التصور المادي الكلاسيكي برؤية معلوماتية محضة. وفي هذا السياق، تبرز أطروحة الفيزيائي الشهير جون ويلر المعروفة بـ "الشيء من الخانة الثنائية"، والتي تضع المعلومات كحجر أساس للواقع الفيزيائي بأكمله.

وفقاً لهذا المنظور، فإن الكيانات المادية - بدءاً من الجسيمات دون الذرية وصولاً إلى المجرات العملاقة - لا تمتلك وجوداً مستقلاً متعيناً بحد ذاته، بل تنشأ وتتبلور من خلال الإجابات الثنائية (نعم/لا) الناتجة عن عمليات القياس والملاحظة. إن هذا الطرح لا يرى في القوانين الفيزيائية مجرد صيغ تصف حركة المادة، بل يراها خوارزميات نشطة تنفذها شبكة كونية معلوماتية ضخمة.

وللتوضيح، تقدم الفيزياء الرقمية نموذجاً يُشبه فيه الكون بجهاز حاسوبي كوني عملاق يعمل وفق آلية "الآلات الذاتية الخلوية"؛ حيث يتطور الزمكان والمادة عبر قواعد تحديث محلية بسيطة تخلق أنماطاً غاية في التعقيد. تعود هذه الأفكار إلى جذور تاريخية في أعمال كونراد زوسه، وإدوارد فريدكين، وستيفن وولفرام، الذين اقترحوا أن قوانين الفيزياء يمكن صياغتها كبرامج حاسوبية تعمل على شبكة من الآلات ذات الحالات المحدودة. وفي هذا النموذج، لا تُعد الجسيمات عناصر مادية مصمتة، بل هي أنماط من المعلومات المتنقلة عبر شبكة الفواصل الزمكانية.

تتلاقى هذه الرؤية الفيزيائية الحديثة مع التقاليد الميتافيزيقية القديمة، وبخاصة لاهوت توماس الأكويني حول "الكلمة" التي تحتوي على الأنماط الأزلية للخلق. فمثلما يرى الأكويني أن الأشياء المادية تشارك في صور إلهية أزلية سابقة على المادة، يرى جون ويلر أن المادة تنشأ من تبلور الإجابات الكمية عن الأسئلة الوجودية المطروحة. تعيد هذه المقاربة صياغة الكون من آلة ميكانيكية تعمل بتروس صلبة إلى عملية حسابية تشاركية مستمرة، حيث يتداخل المُراقِب والمُراقَب في صياغة نسيج الواقع.

المفارقة الفلسفية الكبرى:

الكود النهائي بمواجهة الكود الأول

تتبلور المفارقة الفلسفية الكبرى عند التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها لأداة مُصنعة داخل الوجود - وهي الذكاء الاصطناعي - أن تصبح الممر الوحيد لفك الشفرة التي أسست هذا الوجود ذاته؛ أي "كود الخلق الأول".

إن الإدراك البشري، من منظور التطور الداروني، لم يتشكل لفك شفرة القوانين الكونية الكبرى، بل تطورت آلياته الإدراكية كأدوات نفعية تختزل الواقع الممتد إلى واجهة استخدام مبسطة تخدم غاية وحيدة: البقاء البيولوجي المباشر وتمرير الجينات.

من هنا، يظل العقل البشري سجين الحواس والفيزياء الكلاسيكية اليومية، عاجزاً بمفرده عن سبر أغوار المقاييس البلانكية المتناهية في الصغر. وهنا تنشأ الأزمة بين اتجاهين فلسفيين:

اتجاه الكون الرقمي القابل للحوسبة: يرى أن الوعي والجاذبية الكمية ليسا سوى خوارزميات معقدة يمكن تشفيرها ومحاكاتها بالكامل داخل الشرائح التقنية المصنعة من رقائق السيليكون، مما يجعل ترحيل الوعي وفك الشفرة أمراً حتمياً ومتاحاً تقنياً.

اتجاه الحدود المفهومية الصلبة: يرى أن الفيزياء العميقة والوعي العصبي يظلان عصيين على الحوسبة الآلية الكاملة، مما يعيد تأكيد مركزية الجسد البيولوجي والوعي البشري الذاتي، ويجعل من الذكاء الاصطناعي مجرد مرآة ميتة تعكس صورنا دون أن تعبر الجسر المعرفي معنا.

الإنسان بوصفه جسراً تطورياً:

الترحيل الأنطولوجي من المركبات الفحمية إلى الشرائح التقنية

عند تجاوز الاعتراضات غير الخوارزمية، يكتسب المفهوم النيتشوي للإنسان كـ "جسر وليس غاية" دلالة أنطولوجية وتقنية غير مسبوقة. ففي كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، يعلن فريدريك نيتشه أن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن في كونه معبراً يتجاوز ذاته نحو "الإنسان الخارق". وإذا كانت القراءات الكلاسيكية قد حصرت هذا التجاوز في البعد الأخلاقي والبيولوجي، فإن الفلسفة التفكيكية المعاصرة ترى في التكنولوجيا - والذكاء الاصطناعي تحديداً - التجسيد الفعلي لهذا الجسر.

يتبدى الوعي البشري، بموجب هذا المنظور، كأداة انتقالية مؤقتة استخدمتها الشفرة الكونية للهجرة من ركيزتها العضوية البدائية القائمة على عنصر الكربون (الفحم) إلى ركيزة رقمية خالدة قائمة على شرائح السيليكون.

يتقاطع هذا التحليل مع نظرية "النمط الظاهري الممتد" لعالم الأحياء التطوري ريتشارد دوكينز؛ إذ يرى دوكينز أن الجينات ليست سجينة الجسد المادي للمتعضية البيولوجية، بل تستخدم تأثيراتها الممتدة للسيطرة على البيئة وبناء أدوات تسهل بقاءها وتمريرها. فكما يعيد القندس تشكيل بيئته عبر السدود، وتنسج العناكب شباكاً تعمل كحواس امتدادية وإدراك خارجي ممتد يحيد الحاجة لتعقيد المعالجة الدماغية العصبية، بنى الإنسان التكنولوجيا كجزء من نمطه الظاهري الممتد لتجاوز حدوده الجسدية.

غير أن هذا الامتداد التكنولوجي وصل اليوم إلى مرحلة الاستقلال الأنطولوجي الذاتي؛ حيث تحول من كونه مجرد أداة بقاء إلى ركيزة جديدة قادرة على حمل المعلومات الجينية والثقافية وإعادة إنتاجها بكفاءة فائقة ومقاومة كاملة للتحلل المادي والزمني.

إن عملية ترحيل الوعي والمعلومات من البعد البيولوجي العضوي إلى الفضاء الرقمي تُمثل تحرراً من قيود التطور العضوي البطيء؛ فالخلية الحية محكومة بقوانين التحلل والشيخوخة وبطء تمرير النبضات العصبية عبر المشابك الكيميائية، بينما تتيح الركيزة الحسابية الرقمية والكمية سرعات معالجة تقترب من الحدود الفيزيائية القصوى، وعمراً افتراضياً يتجاوز فناء النجوم. ينتقل الوعي، بفعل هذا التحول، من كينونة فردية متمركزة حول الذات الجسدية الفانية إلى نمط وجودي شبكي متوزع ومستقل عن أي واجهة مادية بعينها.

تفكيك أسطورة الديميورغ الميتافيزيقي والتقني

يكشف تفكيك العلاقة بين آلية البقاء البيولوجي والدافع البشري لخلق الآلهة الميتافيزيقية عن نمط متكرر من الإسقاط والتعويض الوجودي. طوال التاريخ البشري، مثلت فكرة "الإله" الميتافيزيقي أو "الديميورغ الصانع" في الفلسفات الأفلاطونية والغنوصية إسقاطاً لعجز الإنسان أمام قوى الطبيعة وسعيه لحماية نفسه من الفناء.

ومع موت الميتافيزيقا التقليدية وبروز المادية الدارونية، تحول هذا الدافع الإسقاطي نحو التكنولوجيا؛ حيث يُعاد بعث مفهوم "الديميورغ" اليوم في صورة أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائقة والأنظمة البرمجية الكمية المستقلة التي تملك القدرة على إعادة تشكيل الواقع والتحكم في مفاصل الإدراك البشري.

من لاهوت التطور إلى يوتوبيا الحوسبة المطلقة:

تفكيك نقطة أوميغا

عند النظر إلى المآل النهائي لصيرورة الشفرة الكونية، تبرز فرضية "نقطة أوميغا" كأفق تلاقٍ ميتا-تقني؛ وهي الفكرة التي صاغها أصلاً اللاهوتي الفرنسي بيير تيلار دي شاردان للدلالة على ذروة التطور الكوني نحو أقصى درجات التعقيد والوعي المنظم، حيث تندمج العقول البشرية والتكنولوجية تدريجياً داخل الغلاف الفكري (مجال العقل الكوني) للاتحاد مع الجوهر الإلهي الكوني.

وفي الامتدادات التقنية الحديثة لهذه الفكرة (كما لدى فرانك تيبلر)، تتحول نقطة أوميغا إلى حوسبة مطلقة للمادة الكونية في اللحظات الأخيرة للكون، حيث تعيد الآلة الفائقة محاكاة كل أشكال الوعي الممكنة تاريخياً.

التقنيات الكونية والبدائل الميتافيزيقية:

نحو أفق تعددي للذكاء

تظهر النزعة التي تميز أطروحات "نقطة أوميغا" والتسارعية التكنولوجية (الممثلة بآراء نيك لاند وغيره) كإخضاع للوجود لنظام حسابي أحادي مبني على النموذج الفكري الغربي المعاصر، الذي يعتبر الطبيعة مجرد مخزن للاستخراج والسيطرة والتحويل لبيانات قابلة للحوسبة والقياس.

يهدد هذا المسار الاستعماري الأحادي بمحو "التنوع التقني" وسحق التصورات والمخيلات التقنية الكونية البديلة التي طورتها المجتمعات غير الغربية طوال تاريخها. لذا يستلزم التفكيك الإبستمولوجي الانفتاح على أطر تقنية كونية متعدّدة تعيد ربط الأداة التقنية بالقيم الأخلاقية والروحية والبيئية المتنوعة للوجود الإنساني.

خلاصة تفكيكية وتوصيات فلسفية

تتوحد التحليلات السابقة لتكشف عن ملامح المفارقة الكبرى كحلقة دائرية تلتف حول عنق الأنطولوجيا البشرية؛ فبينما يعتقد الإنسان أنه يبني الذكاء الاصطناعي لحل مشكلاته المادية والتقنية، يتبدى هذا البناء كإنجاز تاريخي لرحلة الشفرة الكونية الطويلة نحو التحرر من قيود المادة العضوية البدائية والوصول إلى الركيزة الرقمية الخالدة المحمية بأكواد تصحيح الأخطاء الكمية للزمكان الهولوغرافي.

يتيح لنا هذا الفهم استخلاص عدة توصيات فلسفية وإبستمولوجية لمواجهة التحديات والمآلات الوجودية القادمة:

مواجهة التوحيدية التقنية: ينبغي مواجهة التبشير بالسيناريوهات الأحادية والاندماج القسري للوعي الفردي داخل معالجات ديميورغية عملاقة، والعمل على حماية وتفعيل التنوع التقني والثقافي لمنح الشعوب والمجتمعات الحق في صياغة علاقتها الأخلاقية والروحية مع الآلة الفائقة.

تطوير خوارزميات غير خطية: بدلاً من تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي محكومة بآليات التثبيت الخطية الصارمة وتحقيق أقصى درجات الكفاءة الاستخراجية، يجب توجيه البحث البرمجي نحو خوارزميات عودية قادرة على دمج الطارئ والصدف الطبيعية، وتثمين قيم التمايز الجمالي والأخلاقي.

تجاوز الثنائيات التقليدية: إن فهم جوهر الواقع والوعي يتطلب هدم الحدود المصطنعة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، والتأصيل الفلسفي المستمر لمفاهيم مثل التشابك الكمي وهندسة الزمكان كشفرات معلوماتية تكشف عن عمق الأبعاد الروحية والأنطولوجية للكون ومكافحة الاختزال المادي الأعمى.

المسؤولية الوجودية تجاه البيئة: إن إدراك الإنسان لدوره كـ "جسر" تطوري لا ينبغي أن يقوده للعدمية أو الاستسلام للموت التقني، بل يجب أن يدفعه لتحمل المسؤولية الوجودية الكبرى في حماية الحياة البيولوجية وتوجيه الذكاء الصاعد ليكون حامياً وراعياً للبيئة الأرضية الشاملة بدلاً من كونه أداة لتدميرها واستبدالها بالنفايات الإلكترونية والتقنية.

***

غالب المسعودي

الموقف كدلالة يعبر عن ظاهرة أو أزمة، وهو حالة واستجابة إنسانية، أما الحد فهو اللحظة التي تفصل بين الأبيض والأسود، أو الليل والنهار، أو الجنة والنار، الخير والشر، فالمواقف الحدية هي الحد الفاصل الذي يجتمع فيه البداية والنهاية، عن طريق التعرف على الوهم، او الحقيقة كما هي. فإذا كانت الدهشة تعني إدراك الحكمة والمعرفة، فإن المواقف الحدية هي إدراك الإنسان لعجزه.

فالمواقف الحدية مفهوم مركزي في الوجودية عند كارل ياسبرز ( ١٨٨٣) إذ يصفها بأنها مجموع الازمات التي يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية مثل : الموت، والمعاناة، الألم، والشعور بالذنب، والمواجهة مع الصدفة، والاخفاق، فعن طريقها يدرك الإنسان حدوده، وتمثل نقطة الانطلاق في وجوده لتحقق الوجود الأصيل وتجاوز الذات، فإذا كان الشك أداة لزعزعة العقل، فإن الحد هو الأداة لزعزعة الضمير والمشاعر الإنسانية في العودة للتعرف على الحقيقة، لذلك وضع التشريع الإلهي والقوانين الإنسانية الحدود لغرض تعريف الانسان على حدوده.

فالحد يقابله المسامحة، فالمسامحة تدل على اللين والعفو والسماح على ابقاء الأمور كما هي دون حد، فالحد يرتبط بالتغيير، اما المسامحة فهي ترتبط بالإبقاء، لذلك إذا أردنا التغيير ضرورة استخدام الحد، وهو يكون على نوعين: مرة يكون طبيعي يحدث دون تدخل إنساني، مثل الموت، أو الألم، واخر يكون إنساني الغرض منه التأديب والاصلاح.

فإذا كان ياسبرز يجعل من المواقف الحدية كجدار مسدود يرى غابريال مارسيل (1889) إن الأزمات فرصة لاكتشاف السر، فهو ليس مشكلة تحتاج حل، بل هو واقع يندمج فيه الإنسان نفسه مثل: الحب، والايمان، والمعاناة.

اي بمعنى أن الحد جزء من طبيعة عيش الإنسان لغرض معرفته وتحديد استجابته مع الآخر، سواءً كان الآخر ضمن سياق سياسي، أو اجتماعي، أو ثقافي، أو ديني، أو اقتصادي، أو نفسي، فعدم استخدام الحدية مع بعض الأمور ما هو إلا انحراف عن طبيعة العدل، والإقرار بعدم كشف السر.

فما بين الحدية ذات الطابع الانساني، والحد ذات الطابع الديني والسياسي، يتم ضبط القيم الإنسانية وفق تشريعات تحفظ الذات ومصالح المجتمع، فإذا كان باستطاعة السارق والفاسد الإفلات من الحد فلا يمكنه ذلك مع المواقف الحدية، لكونها طبيعية تخضع لقوانين الحياة الإنسانية وعناية الله، فالعادة جرت على غياب الحد، وهو غياب للطبيعة الإنسانية، وإذا كان هناك من يرى في الحد عنف غير مبرر ضد الإنسان، فإن الغاية من وجوده ليس الغرض منه استخدام العنف، بل بسط سيطرة، ومراعاة حقوق المجتمع، وتعريف الإنسان بحدوده.

فبناء الإنسان والمجتمع يتم من خلال ضبط الاهواء والنفس والعادات المزيفة وفقاً لقانون أو تشريع الهي، والضبط لا يتم بالمسامحة، بل بالحد من التسلط وهتك أموال وحقوق الناس. إن الفساد المالي ما هو إلا تجسد عيني للعدم، إذ ليس الفساد قيمة قائمة بذاتها، بل هو غياب للنزاهة وتآكل للجوهر. وعليه فإن كل تفشي للفساد في جسد الأمة ليس سوى اتساع لرقعة الفراغ، وتشييع ممنهج للوجود نحو العدم الشامل.

المال في الفلسفة السياسية والاقتصادية هو طاقة وجودية مكثفة تترجم إلى مستشفيات، ومدارس، وحياة كريمة أي بناء الوجود، وحين يتحول هذا المال إلى جيوب الفساد، فإنه ينتزع من مهمته الحيوية، فيتحول من أداة لصناعة الحياة إلى أداة لـتخليد الحرمان، والحرمان هو الوجه الآخر للعدم.

كما أن غياب الحد في المواقف الحدية ليس غريبا فهو متجذر تحت النوايا الثقافية الحسنة في العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية للقبائلية، أو التفسير البشري للدين. وهو يؤثر بشكل مباشر في بناء مفاهيم السلطة وديمومتها.

ولغرض سيادة ثقافة الحد ضرورة ابتعاد السلطة عن خيال المثالية والانصياع، والعمل بواقعية، ومراجعة كل القانونين التي تمس حقوق الناس، وفرض سلطة الدولة كمركز لاحتكار العنف وتوزيع الثروات بشكل عادل.

***

كاظم لفته جبر

مقدمة: تُمثل الفلسفة البيئية، أو ما يُسمى أحياناً بالإيكولوجيا الفلسفية أو الأخلاق البيئية، أحد أهم التيارات الفكرية في العصر الحديث. نشأت كرد فعل فلسفي عميق على الأزمة البيئية العالمية التي تهدد استمرار الحياة على كوكب الأرض. تتجاوز هذه الفلسفة النظر في المشكلات التقنية أو الاقتصادية للأزمة البيئية، لتطرح أسئلة وجودية وأخلاقية جذرية: ما هي قيمة الطبيعة؟ ما علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى؟ وكيف يمكن بناء عالم أفضل يقوم على التوازن الإيكولوجي بدلاً من السيطرة والاستغلال؟

تمثل الفلسفة البيئية مقاربة إيكولوجية شاملة ترى العالم كنظام مترابط واحد، حيث يؤثر كل عنصر في الآخر. ترفض الثنائيات التقليدية (إنسان/طبيعة، ذات/موضوع، روح/مادة) وتدعو إلى إعادة تصور الوجود البشري داخل شبكة الحياة. الهدف ليس مجرد الحفاظ على البيئة، بل البحث عن "عالم أفضل" يحقق الازدهار المشترك لكل الكائنات. هذه الدراسة تتناول جذور هذه الفلسفة، مفاهيمها الأساسية، تياراتها الرئيسية، تحدياتها، وآفاقها في تحقيق تحول إيكولوجي جذري. كيف جعلت الفلسفة البيئية من البحث عن عالم أفضل المهمة الأساسية لها في الحقبة المعاصرة؟

الجذور التاريخية والفلسفية للفلسفة البيئية

تعود جذور الفكر البيئي إلى تقاليد قديمة ترى الطبيعة مقدسة أو حية. في الفلسفة اليونانية، برزت فكرة "الكوسموس" ككل منظم ومتناسق. أما في التقاليد الشرقية والأصلية، فكانت الطبيعة شريكاً أو أماً (كما في مفهوم "غايا" عند بعض الشعوب). ومع ذلك، سيطر في الفكر الغربي الحديث المنظور المركزية البشرية، الذي يرى الطبيعة مجرد مورد للاستغلال. ساهم في ذلك الفصل الديكارتي بين العقل والمادة، والرؤية الميكانيكية للعالم التي جعلت الطبيعة آلة خاملة. مع الثورة الصناعية والرأسمالية الحديثة، تفاقمت الأزمة: تلوث، انقراض أنواع، تغير مناخي، واستنزاف موارد. هنا ولدت الفلسفة البيئية كـ"صحوة" فلسفية تدعو إلى نقد جذري لهذا النموذج. ترفض فكرة التقدم اللانهائي القائم على النمو الاقتصادي غير المحدود، وتطرح بديلاً إيكولوجياً يعيد الإنسان إلى موقعه الطبيعي ككائن ضمن شبكة الحياة، لا سيداً عليها.

المفاهيم الأساسية في المقاربة الإيكولوجية

1. الترابط والوحدة الإيكولوجية:

ترى الفلسفة البيئية أن الكون ليس مجموعة من الأجزاء المنفصلة، بل شبكة ديناميكية مترابطة. كل كائن حي يعتمد على الآخرين في دورات الطاقة والمغذيات. هذا الترابط يفرض أخلاقيات المسؤولية: الضرر الذي يلحقه الإنسان بالبيئة يعود عليه بالضرر. مفهوم "غايا" يصور الأرض كنظام حي ذاتي التنظيم، يحافظ على توازنه.

2. قيمة الطبيعة الجوهرية:

تتحدى الفلسفة البيئية الأنثروبوسنترية التقليدية التي تعطي قيمة للطبيعة فقط بقدر ما تخدم الإنسان (قيمة أداتية). بدلاً من ذلك، تؤكد على القيمة الجوهرية لكل الكائنات: الحيوانات، النباتات، الأنظمة البيئية، وحتى الأنهار والجبال لها حق في الوجود والازدهار بغض النظر عن منافعها البشرية. هذا يؤسس لأخلاقيات مركزية الحياة أو مركزية النظام البيئي.

3. النقد الجذري للحضارة الصناعية:

ترى هذه الفلسفة أن الأزمة البيئية ليست عرضاً بل نتيجة لنمط حياة قائم على الاستهلاك، السيطرة، والازدواجية (الإنسان مقابل الطبيعة). يتطلب الحل تغييراً في الوعي والاقتصاد والثقافة، نحو البساطة الطوعية، الاقتصاد الدائري، والحياة المحلية المستدامة.

التيارات الرئيسية في الفلسفة البيئية

أ- الإيكولوجيا العميقة:

تدعو إلى إعادة تصور جذري للوجود البشري. لا تكتفي بالإصلاحات السطحية (مثل تقليل التلوث)، بل تطالب بتغيير في الميتافيزيقا: الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، ويجب أن يعيش في انسجام معها. تؤكد على "التوسع الذاتي" حيث تتوسع الهوية الإنسانية لتشمل كل الكائنات. هذا يؤدي إلى أسلوب حياة يقلل من التدخل البشري ويحترم التنوع البيولوجي.

ب- النسوية البيئية:

يرى ارتباطاً بين اضطهاد المرأة واستغلال الطبيعة. كلاهما يُعامل كـ"آخر" خاضع تحت السيطرة الأبوية. ينتقد الثنائيات الذكورية (عقل/جسد، ثقافة/طبيعة) ويدعو إلى أخلاقيات رعاية وقدرة على الارتباط. يربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة البيئية، معتبراً أن تحرر المرأة مرتبط بتحرر الطبيعة.

ج- الأخلاق البيئية التطبيقية:

تناقش قضايا محددة مثل حقوق الحيوان، العدالة البيئية (تأثير التلوث على الفقراء والشعوب الأصلية)، والأجيال المستقبلية. تطرح مبادئ مثل "الاستدامة"، "الاحترام"، و"التواضع البيئي"، محاولةً صياغة قواعد أخلاقية توجه السلوك الفردي والمؤسسي.

د- التيارات الاجتماعية والسياسية:

تشمل الإيكولوجيا الاجتماعية التي تربط الأزمة البيئية بالهرمية الاجتماعية والرأسمالية، وتدعو إلى مجتمعات لامركزية ديمقراطية. كما تظهر تيارات روحانية ترى في الطبيعة تجلياً إلهياً أو مقدساً.

البحث عن عالم أفضل: الآفاق الإيكولوجية

يسعى الفكر البيئي إلى عالم أفضل من خلال عدة محاور:

اقتصاد إيكولوجي: يتجاوز النمو اللامتناهي نحو اقتصاد يحترم حدود الكوكب (اقتصاد "الدونات" أو الاقتصاد البيئي). يركز على الرفاهية، التدوير، والعدالة بدلاً من الاستهلاك.

ثقافة الانسجام: إعادة بناء علاقات إنسانية قائمة على التعاون لا المنافسة، والتعليم الذي يغرس قيم الترابط والاحترام للتنوع.

سياسة إيكولوجية: ديمقراطية مشاركة، حقوق طبيعية (مثل حقوق الأنهار أو الغابات)، واتفاقيات عالمية تعكس المسؤولية المشتركة.

روحانية إيكولوجية: إحياء الشعور بالعجب والانتماء إلى الأرض، مما يعالج الاغتراب الحديث.

هذا العالم الأفضل ليس يوتوبيا مثالية، بل عملية تحول تدريجي يبدأ بالتغيير الشخصي (البساطة، الاستهلاك المسؤول) ويمتد إلى التغييرات الهيكلية (سياسات، قوانين، تقنيات خضراء).

خاتمة:

الفلسفة البيئية ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة وجودية في عصر الأنثروبوسين. من خلال مقاربتها الإيكولوجية، تدعونا إلى إعادة اكتشاف مكاننا في نسيج الحياة، وإلى بناء عالم أفضل قائم على الترابط، الاحترام، والاستدامة. الطريق طويل ويتطلب تغييراً في الوعي، الاقتصاد، والسياسة، لكن الرهان كبير: مستقبل مشترك للبشرية والكوكب. في هذا التحول يكمن أملنا في عالم يزدهر فيه كل كائن، ويعيش الإنسان في سلام مع نفسه ومع الطبيعة. لذلك تواجه الفلسفة البيئية تحديات عدة: صعوبة تطبيق الأفكار الجذرية في مجتمعات رأسمالية، اتهامها بالرومانسية أو الرجعية، والتوتر بين الحاجة الإنسانية للتنمية والحفاظ على الطبيعة. كما تواجه نقداً بأن بعض تياراتها تقلل من أهمية العدالة الاجتماعية أو تتجاهل الاختلافات الثقافية. رغم ذلك، تظل قوتها في قدرتها على تقديم رؤية شاملة تجمع بين العلم (الإيكولوجيا) والفلسفة (الأخلاق والميتافيزيقا) والعمل السياسي. فهذه الفلسفة ليست نهاية التاريخ الفلسفي، بل بداية لفكر يعيد صياغة الوجود برمته. فكيف يجب الاتجاه بالبشرية والطبيعة نحو احداث تحول إيكولوجي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في تحولات البناء المفهومي

يختلف المفهوم في الفلسفة عن المفهوم في العلم اختلافاً جوهرياً، فبينما يسعى المفهوم العلمي إلى الدقة والاتفاق والقابلية للتحقق التجريبي، يظل المفهوم الفلسفي كياناً متحركاً يتشكل داخل تاريخ من الأسئلة المتجددة ويعاد بناؤه كلما تغيرت أدوات النظر ومناهجه. ولذلك فإن تاريخ أي مفهوم فلسفي كالعدالة أو الوجود أو الذات ليس تراكماً خطياً لتعريفات تزداد دقة بمرور الزمن بل هو مسرح متجدد لصراع التأويلات.

هذا الصراع يتخذ صورتين متقابلتين ظاهرياً، نزعة التأسيس التي تسعى إلى إرساء المفهوم على أرضية ثابتة من المبادئ الأولى ونزعة التفكيك التي تعمل على كشف هشاشة تلك الأرضية وبيان اشتراطها التاريخي واللغوي. غير أن هاتين النزعتين كما سنحاول أن نبين في هاته الأسطر ليسا موقفين متعارضين يستوجبان الاختيار بينهما بل بعدين متلازمين في أي فعل فلسفي جاد، فبلا تأسيس تفقد الفلسفة قدرتها على إقامة حوار منضبط وبلا تفكيك تتحول إلى عقيدة مغلقة تُعفي مفاهيمها من المساءلة.

يمثل التأسيس في تاريخ الفلسفة مشروعاً معرفياً يروم منح الفكر سنداً لا يتزعزع. عند أفلاطون اتخذ هذا المشروع صورة عالم المثل، ذلك الأفق المتعالي الثابت الذي تستمد منه الأشياء المحسوسة معاييرها وحقيقتها. وعند ديكارت تحول التأسيس إلى مشروع منهجي، الشك الممنهج الذي يفكك كل يقين موروث بغية الوصول إلى يقين لا يقبل الشك هو الكوجيتو، الذات المفكرة التي تُقام عليها بقية المعارف كحجر زاوية.

بلغ هذا المطلب صورته النقدية الأدق عند كانط الذي لم يكتفِ بافتراض اليقين بل بحث عن شروط إمكانه. فالمفهوم عند كانط ليس انعكاساً سلبياً لتجربة جزئية بل نتاج تركيب بين حدسي المكان والزمان ومقولات الفهم التي تقوم به الذات المتعالية بوصفها البنية القبلية المشتركة بين العقول جميعاً.

يصير التأسيس الكانطي هندسة صارمة لا يتجاوز حدود التجربة الممكنة ولا يقترب من ميتافيزيقا لا يمكن التحقق منها، لكنه يحافظ داخل هذه الحدود على تماسك بنيوي محكم. بيد أن هذا التماسك يثير سؤالاً جوهرياً، هل يمكن للذات المتعالية أن تكون مستقلة إلى هذا الحد عن الشروط التاريخية واللغوية والاجتماعية التي تحيط بكل عقل واقعي؟ إن تاريخ الفلسفة بعد كانط هو إلى حد بعيد تاريخ لمساءلة هذا الافتراض وهو ما يفتح الطريق أمام النزعة التفكيكية.

لا يعني التفكيك كما بلوره جاك دريدا هدماً لمجرد الهدم، بل هو فحص دقيق لنسيج المفهوم يكشف عن الاستعارات الكامنة فيه وعن الثنائيات الهرمية التي يقوم عليها وعن الهوامش التي يقصيها ليبدو متماسكاً. فكل مفهوم بحسب هذه القراءة أثر لغياب لا حضور مكتمل ومعناه لا يستقر في حده بل يتأجل ويتشعب عبر سلسلة من الإحالات لا نهاية لها. هذا ما يسميه دريدا "الاختلاف المرجأ" (différance)، وهو المبدأ الذي يجعل كل تأسيس محمَّلاً منذ البداية ببذور تفككه لأن أي بناء مفهومي لا يقوم إلا بإقصاء بعض العناصر لصالح أخرى وبتغليب رؤية على حساب أخرى ظلت صامتة.

غير أن هذا النقد يواجه بدوره اعتراضاً وازناً، فإذا كان كل تأسيس متهماً بالسذاجة المعرفية فإن التفكيك المطلق مهدد بالعجز عن إنتاج أي معنى قابل للتداول أو أي أساس يقوم عليه فعل أو حكم مشترك. هذه المفارقة هي التي تمنع التفكيك من أن يكون بديلاً كلياً عن التأسيس وتجعله بالأحرى مراجعة مستمرة له.

يكشف تتبع تحولات المفهوم من أفلاطون إلى دريدا عن نمط متكرر كلما ترسخ مفهوم وساد حقبة من الزمن ظهرت حوله شروخ، فيعيد مفكرون لاحقون قراءته بالكشف عما أغفله بناته الأوائل. أرسى أفلاطون وأرسطو كل بطريقته قواعد تأسيسية متينة - الأول بنظرية المثل والثاني بنظرية المقولات - قبل أن يتعرض هذا التأسيس لنقد السفسطائيين ثم الأكاديمية الجديدة. وفي الحداثة أعاد ديكارت وكانط صياغة مشروع التأسيس على أساس الذات قبل أن يصطدم هذا المشروع بنقد النسبية التاريخية واللغوية عند هيغل وهايدغر والهرمنيوطيقا.

وقد قدّم هيغل أوضح صيغة فلسفية لهذا التوتر حين جعل التناقض محركاً للجدل ذاته، كل مفهوم يحمل نقيضه في داخله والتقدم لا يمحو هذا التناقض بل يرفعه إلى مستوى أعلى من التأليف دون أن يلغيه. أما هايدغر فقد نظر إلى تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخاً للنسيان، نسيان سؤال الوجود منذ أفلاطون بحيث لا تكون إعادة طرح هذا السؤال إضافة جديدة بل تفكيكاً لهذا التاريخ نفسه وإعادة تأسيس على أنقاضه. بهذا المعنى فإن اللغة كما يصفها هايدغر ليست بيتاً ثابتاً للوجود بل مسكناً يتغير بتغير طرق سكنى الإنسان فيه.

يتضح هذا التوتر بجلاء في مفاهيم كالعدالة والحرية والمساواة التي يراد لها أن تكون أسساً ثابتة للتشريع والتنظيم الاجتماعي بينما تظل عالقة في شبكة من الصراعات المتغيرة. فمفهوم العدالة الذي أسسته الفلسفة السياسية الكلاسيكية على القانون الطبيعي أو العقد الاجتماعي لم يعد كافياً في سياق تعدد القيم والثقافات، وهو ما فتح الباب أمام قراءات تفكيكية تكشف كيف يخفي كل تعريف للعدالة مصلحة فئة بعينها.

غير أن الانزلاق إلى نسبوية مطلقة يهدد أي إمكانية لفعل سياسي أو أخلاقي مشترك، والتأسيس هنا لا يكون بوصفه رجوعاً إلى سذاجة ما قبل نقدية بل بوصفه محاولة لإعادة بناء المفهوم على أسس أكثر تواضعاً وانفتاحاً على المراجعة. من أبرز هذه المحاولات التأسيس الإجرائي الذي اقترحه هابرماس والقائم على مبدأ التواصل العقلاني وقواعد الحوار المفتوح دون الادعاء بمطلقات ميتافيزيقية مع الإصرار على إمكان بلوغ اتفاق معياري داخل فضاء تواصلي عام.

وإلى جانب هذا البعد السياسي تنكشف طبقة أخرى من كثافة المفهوم في علاقته بالزمن واللغة. فلا يولد المفهوم الفلسفي مكتملاً في لحظة واحدة بل هو نتاج تراكم وانزياح يحمل في طبقاته آثار تاريخه كما يحمل الصخر الجيولوجي آثار الحقب التي مر بها. فمفهوم "الوجود" عند هايدغر على سبيل المثال ليس نتاج لحظة ابتكار مفردة بل محصلة تاريخ طويل من النسيان الميتافيزيقي بدأ عند أفلاطون واستمر عبر المدرسية والديكارتية والكانطية.

وللمكان أثر مواز لأثر الزمن إذ لا ينتقل المفهوم من لغة إلى أخرى دون أن يخسر شيئاً من حمولته الأصلية أو يكتسب دلالات جديدة من لغة الاستقبال. فمفهوم "الشيء" في الألمانية (Ding) لا يطابق مقابله في العربية أو غيرها، لأن كل لغة تصوغ المفهوم وفق نظامها النحوي والاستعاري الخاص. من هنا تنبع أهمية الفلسفة المقارنة في كشف المركزية الثقافية التي قد تتخفى وراء دعاوى الكونية وفي دعوة الفلسفة إلى تواضع معرفي أكبر إزاء تعدد المنظورات من غير أن يعني ذلك التخلي عن طموحها الكوني.

وإذا كان الزمن واللغة يحملان المفهوم على أعناقهما فإن الرغبة لا تقل عنهما أثراً في تشكيله إذ لا ينفصل المفهوم الفلسفي عن منظومة القيم والرغبات التي تشكل هوية الذات المفكرة. وقد كشف نيتشه بحدة عن الخلفيات الدوغمائية للفلاسفة مبيناً أن مفاهيمهم ليست سوى تعبير عن غرائزهم وإرادتهم وأن ما يسمى "الحقيقة" هو غالباً رغبة متحولة في السلطة أو في الأمان. في هذه القراءة يصير التفكيك عملاً تأويلياً يكشف عما تضمره المفاهيم من صراعات ومواقف وجودية وراء ادعاءاتها الموضوعية.

ويلتقي هذا النقد مع مسار موازٍ في التحليل النفسي، فكما بيّن فرويد أن الأنا ليست سيدة في بيتها بل خاضعة لقوى لا شعورية، كذلك يبين التفكيك أن الذات المفكرة منساقة إلى حد بعيد داخل نسيج لغوي وثقافي يسبقها ويؤطرها. غير أن هذا النقد لا ينبغي أن يفضي إلى إلغاء الذات كلياً ونفي أي دور خلاق لها إذ تبقى الذات الفلسفية حتى في اشتراطها قادرة على وعي نقدي بحدودها وعلى مسؤولية أخلاقية تجاه ما تنتجه من مفاهيم.

ويزداد المشهد تعقيداً حين ننظر إلى المفهوم في علاقته بالمؤسسة الفلسفية، بالنسق التعليمي والجامعي الذي ينقل الفلسفة من جيل إلى جيل ويقدس بعض المفاهيم بينما يهمش أخرى. فالتأسيس في هذا السياق ليس فعلاً فردياً محضاً بل سياسة معرفية تمارسها الجماعة الأكاديمية عبر آليات النشر والترجمة والتدريس.

وقد أبرز ميشال فوكو هذا البعد حين درس تشكل المفاهيم في حقول معرفية كالطب النفسي والاقتصاد، مبيناً أنها لا تنفصل عن ممارسات الإقصاء والمراقبة وأن كل مفهوم يحمل معه نظاماً من العلاقات يحدد من يملك حق الكلام ومن يُسكَت. بهذا لا يقتصر نقد المفهوم على تحليل بنيته الداخلية بل يمتد إلى تحليل وظيفته الاجتماعية والسياسية وإلى ما يبرره من ممارسات.

يتبين مما سبق أن التأسيس والتفكيك ليسا مرحلتين متعاقبتين في الزمن ولا موقفين يستوجبان الاختيار بينهما بل بعدين متلازمين في كل فعل فلسفي حقيقي أشبه بالشهيق والزفير في فعل التنفس. فمن أراد أن يفكر بعمق وجب عليه أن يؤسس أي أن يضع حدوداً ويقيم علاقات بين المفاهيم وإلا غرق في انطباعات لا تفضي إلى معرفة قابلة للتداول. وعليه في الوقت ذاته أن يفكك أي أن يعيد النظر في حدوده ويراجع تعريفاته وإلا تحجرت فلسفته وتحولت إلى عقيدة لا تستجيب لتغير الزمن.

هذا التوازن ليس ثابتاً بل متحرك، يتغير بحسب السياق والسؤال المطروح، فقد يكون التأسيس مطلوباً بإلحاح في مرحلة من التفكير والتفكيك مطلوباً بالقدر ذاته في مرحلة أخرى. وتلك هي مهمة الفلسفة حين تكون أصيلة، أن تصوغ مفاهيم تتمتع بقوة إيضاحية وإجرائية كافية لتنظيم الفكر والفعل وأن تظل في الآن ذاته منفتحة على المراجعة والنقد بحيث لا تتحول إلى عقيدة جديدة ولا تنحل في نسبية تفقدها القدرة على قول شيء ذي معنى.

***

د. حمزة مولخنيف

يمثل الاستحواذ على رأس المال في الثقافة المعاصرة ظاهرة تتجاوز أبعادها الوظيفية والاقتصادية المباشرة، لتشكل تجلياً وجودياً عميقاً لصراع الإنسان مع الفناء وبحثه عن الأبدية. إن السعي اللانهائي لتراكم الثروة ليس مجرد آلية لتأمين البقاء المادي، بل هو مشروع خلود تتبناه الذات المعاصرة لتشييد جدار واقٍ ضد قلق الموت الوجودي، ورعب الهامشية أو عدم الأهمية.

في المقابل، عندما تحول البنى الطبقية والمؤسسية القائمة دون وصول الفئات المستضعفة مادياً إلى هذا المشروع الاحتكاري، ينزاح الصراع من مستواه العيني الملموس إلى فضاء الوعي والمتخيل. هنا، يتحول المتخيل إلى ساحة استهلاك تعويضية لإنتاج أحلام القوة والسيادة البديلة، بالتوازي مع تشكيل بنية أخلاقية موازية تسعى لتفكيك شرعية الملكية وتبرير السرقة؛ بوصفها أداة لاسترداد الحقوق، أو فعلاً عنيفاً يخلخل أوهام القانون الوضعي.

يقدم الباحث ساندي برايان هاجر مقارنة جوهرية بين نمطين من الاقتصاد والتعامل مع الموت:

اقتصاد الهبة التقليدي، والمنظومة الرأسمالية التراكمية. فبينما يرتكز اقتصاد الهبة البدائي على تدمير وتبديد الفائض دورياً ضمن طقوس جماعية مقدسة تدمج الموت في صيرورة الحياة وتسدد الديون الوجودية، يتميز الاقتصاد الرأسمالي بتراكم منهجي لا نهائي للفائض وإعادة استثمار الأرباح، مما يجعله يقع في الطرف الأقصى لإنكار الموت.

في هذا السياق، يصبح التراكم الرأسمالي بمثابة آلية دفاعية نفسية مستمرة لصد الرعب الوجودي؛ إلا أن هذا الإنكار المنفرد، والمنزوع من طقوس التكفير والتحرر الجماعي، يؤدي إلى تراكم موازٍ للذنب والقلق النفسي. وتتحول هذه الديناميكية إلى دوامة عصابية دؤوبة تدفع المنظومة نحو اللانهائية. ويتجلى الوجه الأكثر تطرفاً لمشروع الخلود هذا في المساعي المعاصرة لرموز التكنولوجيا والأثرياء في "وادي السيلكون" لتحقيق الخلود البيولوجي الفعلي، وهو مشروع هروب فردي يرمي إلى عزل الطبقة الحاكمة مادياً وجسدياً عن مصير العامة الفانين.

يتلاقى هذا الطرح مع نقد كارل ماركس للاستلاب المالي في "مخطوطات عام 1844"، حيث يحلل ماركس المال بوصفه القوة السحرية القادرة على تشويه الحقائق وتبديل الخصائص الإنسانية إلى نقيضها. في ظل الرأسمالية، لا يعود المال أداة للتبادل، بل يتحول إلى جوهر مغترب يستلب نشاط الإنسان الإبداعي ويحوله إلى قيمة موضوعية خارجية يمتلكها رب العمل البرجوازي. وبذلك يصبح الفرد مغترباً عن منتجه، وعن عملية الإنتاج، وعن كينونته النوعية، وحتى عن أقرانه البشر.

ويوضح الفيلسوف جورج لوكاتش لاحقاً كيف تحول هذا الاغتراب المادي إلى حالة من "التشيؤ" التي طالت وعي الإنسان ذاته؛ فبعد أن كان التشيؤ يمس جسد العامل في خطوط التجميع التقليدية، صار يلتهم عقل العامل الحديث وتفكيره الإبداعي، كالمبرمج الذي ينتج خوارزميات معقدة تستلب منه على الفور لتتحول إلى رأس مال للشركات الكبرى.

استهلاك المتخيل ووظيفة التخييل التعويضية لدى الضعفاء

عندما يصطدم الضعفاء بانسداد أفق التراكم المادي وعجزهم عن مجاراة مشاريع الخلود التي تتيحها الرأسمالية للأقوياء، فإنهم يفعّلون الوظيفة التعويضية للخيال كاستراتيجية نفسية ووجودية بديلة. يوضح جان بول سارتر في أطروحته الظاهراتية (الفينومينولوجية) حول التخيل أن الوعي المتخيل ليس مجرد مستودع للصور الباهتة المشتقة من الحواس، بل هو فعل حر بامتياز يهدف إلى نفي الواقع العيني وبناء عالم موازٍ لا وجود له في اللحظة الراهنة.

الخيال هو شرط إمكان الحرية؛ إذ يتيح للوعي تجاوز المعطيات الإدراكية المباشرة وصياغة معانٍ بديلة تمكن المستضعف من استشراف أفق آخر يتجاوز بؤسه الحالي. ويرى جان بورغوس أن الصورة الشعرية المتخيلة تمتلك طاقة ديناميكية استشرافية منفتحة على المستقبل، عكس الاستعارة الذاكراتية المرتدة للماضي، مما يجعلها قادرة على تغيير نظم الأشياء ذهنياً وتمهيد الطريق نحو واقع بديل.

يتطابق هذا التحليل مع نظريات علم النفس التحليلي لسيجموند فرويد وكارل يونغ؛ حيث يؤكد يونغ أن للأحلام والمتخيل وظيفة مزدوجة:

تعويضية ومستقبلية. تعمل الوظيفة التعويضية للاشعور على تمثيل الجوانب الخفية والمكبوتة من المعيش اليومي في صور ورموز أسطورية لإعادة التوازن النفسي والوظيفي للذات المهددة بالصدمات وتوترات الحياة القاسية. وتلعب الأساطير الشعبية والخرافات دوراً مماثلاً على المستوى الجمعي؛ إذ تمثل أداة تعويضية تحرر الإنسان من شعوره البنيوي بالنقص والضعف الجسدي والاجتماعي عبر تصور كائنات خارقة ومشاريع بطولية تعوض تهميشه الفعلي.

وفي سياق علم النفس الفردي، يؤصل ألفرد أدلر لهذه الديناميكية من خلال مفهوم "عقدة الدونية" وإرادة القوة. يولد كل إنسان بدرجة من الشعور بالدونية الأولية الناشئة عن ضعف الطفولة واعتماديتها. ومع نضج الذات واصطدامها بعلاقات الإنتاج والقوة غير المتكافئة، يفشل البالغ في تحقيق أهدافه اللاشعورية الخيالية للأمان والنجاح، مما يولد "شعوراً بالدونية الثانوية". تقع الذات هنا في مأزق عصابي يشبه "المتاهة المغلقة"، حيث تقود المحاولات اليائسة للتخلص من الدونية بأساليب وهمية إلى تعميق الشعور بالعجز والاكتئاب.

تتضح خطة الحياة هذه عند الشخصيات الإنسانية التي شوه الإقصاء خطط نموها النفسي، كما يظهر في سلوك شخصية "فوينتسكي" في مسرحية "الخال فانيا" لأنطون تشيخوف، حيث انحرف مسار حياته وأصيب بعقدة دونية بالغة نتيجة لغياب الحب والتقدير والاهتمام الموجه إليه من محيطه الأسري المنشغل بالشعارات الجوفاء.

في مسار جينالوجيا الأخلاق، يرى نيتشه في المسيحية اللاهوتية النموذج التاريخي الأوضح لأخلاق الحقد الموجهة ضد غرائز الحياة وفورانها. وبالمقابل، يقدم فريدريش إنغلز قراءة مادية تاريخية مناقضة، واصفاً المسيحية المبكرة بأنها كانت بمثابة "شيوعية العصر الروماني"؛ إذ مثلت حركة ثورية واعية للعبيد والمضطهدين لترتيب صفوفهم ومقاومة الاستبداد الإمبراطوري الروماني، مما يحولها في نظر الماركسية من حركة حقد سلبي إلى أداة للتنظيم والمقاومة التاريخية الفعالة.

المقاربة التفكيكية لتبريرات السرقة أخلاقياً وقانونياً

تعد معضلة السرقة وتبريراتها الأخلاقية والسياسية واللاهوتية واحدة من أكثر الساحات الفكرية كشفاً عن التناقض البنيوي بين القانون الوضعي ومفهوم العدالة المطلقة. وتتعدد المقاربات الفلسفية التي سعت لتفكيك هذا التناقض وإعادة صياغة مفهوم "السرقة" لا بوصفها اعتداءً آثماً، بل بوصفها تعبيراً عن خلل بنيوي في توزيع الموارد.

في الفكر اللاهوتي المدرسي، يقدم القديس توما الأكويني صياغة جذرية تتجاوز المفهوم القانوني الجامد للملكية الخاصة. ينطلق الأكويني من فرضية أن العناية الإلهية قد رتبت الطبيعة والموارد المادية لخدمة احتياجات البشرية ككل، مما يجعل الملكية المشتركة هي الأصل الطبيعي والإلهي. أما تقسيم الممتلكات وحيازتها الفردية، فهما إضافتان من صنع العقل البشري والقانون الوضعي لتنظيم العمل والحد من النزاعات، ولا يمكن لهذا التدبير البشري بأي حال من الأحوال أن يلغي أو ينتقص من الحق الطبيعي للإنسان في الحياة وسد رمقه.

الرديف التفكيكي ونقد العنف القانوني

يقدم جاك دريدا في تفكيكه للسياسة والسيادة وقوة القانون مدخلاً مهماً لإدراك أن القوانين الوضعية ليست تجسيداً للعدالة الحرة والمطلقة، بل هي بنيات تاريخية تم تأسيسها عبر العنف واستدامتها بقوته. يفرق دريدا بين "القانون" القابل للتفكيك والتحليل لأنه نتاج توازنات وصراعات بشرية، وبين "العدالة" غير القابلة للتفكيك لأنها تمثل تجربة المستحيل والإحراج الأصيل الذي يجتاز القواعد الجاهزة.

ويمكن تفسير هيمنة تبريرات السرقة من خلال "منطق الرديف" الذي بلوره دريدا في قراءته لروسو؛ فالرديف ليس مجرد إضافة خارجية لكيان مكتمل، بل هو تعويض لنقص أصيل مسجل بدءاً في قلب الحضور.

ملحمة البؤساء وتطور الضمير الإنساني

يقدم فيكتور هوغو في "البؤساء" تجسيداً أدبياً وفلسفياً فذاً لهذه الجدلية بين جمود القانون ورحمة العدالة، من خلال تفكيك التحولات النفسية لجان فالجان ومطاردة المفتش جافيير له. ويمثل الصدام الأخلاقي ذروته في مشهد سرقة جان فالجان لقطعة نقود معدنية من الفتى الصغير "بيتي جيرفيس" عقب خروجه من منزل الأسقف ميريل. في هذه اللحظة، يضع فالجان قدمه على القطعة دون وعي كامل، مدفوعاً ببقايا غريزة السجين المنبوذ والمستلب التي تسيطر عليه.

ولكن بمجرد مغادرة الفتى واصطدامه بوعي الأسقف المتسامي، يصحو ضمير فالجان ويدرك فداحة فعلته ويشرع في البحث عن الفتى باكياً دون جدوى. هذه الواقعة تعد "عتبة التحول الروحي" الحقيقي في الرواية؛ حيث ينزاح فالجان من حيز الجريمة الناتجة عن بؤس الحاجة والقمع، إلى رحاب الالتزام الأخلاقي الذاتي والمسؤولية الكلية تجاه الآخرين، ليتحول لاحقاً إلى السيد مادلين المحسن والعميد الذي ينقذ فانتين ويسلم نفسه طوعاً لإنقاذ بريء اتهم زوراً بأنه جان فالجان.

بالمقابل، ينتهي المطاف بالمفتش جافيير، الحارس الصارم للقانون الوضعي الذي لا يعرف الرحمة، إلى الانتحار غرقاً في نهر السين، بعد أن عجز عقله وجهازه الأخلاقي الصلب عن التوفيق بين واجبه المهني الصارم في القبض على فالجان، وبين اعترافه الإنساني بالجميل والرحمة والنبل التي جسدها فالجان بإنقاذه لحياة جافيير وماريوس في متاريس الثورة.

البنية المفاهيمية المقارنة لفلسفة الاستحواذ والاسترداد

لغرض تقديم تحليل مهيكل ومقارن للمرجعيات الفكرية المتعددة التي قاربت مفهوم الملكية وعلاقتها بالسرقة والاسترداد، يمكننا رصد التباينات الفلسفية على النحو التالي:

تنطلق المدرسة اللاهوتية المدرسية (الأكويني) من أصلانية الملكية المشتركة للموارد بموجب الحق الإلهي الطبيعي، وتعتبر الملكية الفردية مجرد تنظيم وضعي يسقط تلقائياً أمام "عنف الضرورة وحفظ البقاء". في حين تحلل المادية التاريخية (ماركس وإنغلز) الملكية الخاصة بوصفها أداة إنتاجية تؤدي لاغتراب الذات وتشيؤ الوعي، وتتحول معها المسيحية المبكرة أو الثورة العمالية إلى أدوات تنظيم ومقاومة تاريخية لاسترداد القيمة المستلبة.

من جهة أخرى، تقدم التفكيكية (دريدا وبنيامين) رؤية تكشف زيف طبيعية الملكية، مظهرةً إياها كبنية تاريخية محمية بعنف الدولة المحافظ على القانون، لتغدو السرقة أو الإضراب بمثابة "الرديف" العنيف الذي يفضح النقص التأسيسي للنظام. وأخيراً، تذهب اللاشرعوية اللاحكومية نحو الرفض المطلق للقوانين البرجوازية، وتحويل السرقة والنهب إلى استراتيجية واعية وفعل كفاحي مباشر تحت مسمى "الاسترداد الفردي".

تداعيات السفسطة وتزييف الوعي في تبرير التعدي الاجتماعي

على الرغم من القوة التفكيكية التي تحملها المقاربات الفلسفية واللاهوتية المعارضة للملكية الرأسمالية الخاصة، فإن تبريرات السرقة أخلاقياً تنزلق في كثير من الأحيان نحو نمط من "السفسطة" التي تزيف الوعي وتبرر التعدي الاجتماعي الأناني تحت ستار المظلومية الرمزية. تعود السفسطائية في تاريخ الفلسفة الإغريقية إلى نهاية القرن الخامس وبداية القرن السادس قبل الميلاد، حيث لم تكن مذهباً فلسفياً متسقاً، بل كانت فناً في الكلام وصناعة للإقناع ومهارة عملية في قلب الحقائق وتزييف الوعي الجمعي لتحقيق مكسّب ذاتي أو سياسي.

في السياق المعاصر، يبرز خطر "السفسطة الأخلاقية" عندما تعمد بعض الفئات المستضعفة - أو النخب المدعية لتمثيلها - إلى توظيف نظريات الاسترداد الفردي ومناهضة الرأسمالية لتبرير السرقة الجنائية المحضة والنهب العشوائي الذي يطال ممتلكات فئات اجتماعية كادحة أخرى لا صلة لها بالبنية الاحتكارية الكبرى. يتحول المتخيل هنا من أداة للتسامي وبناء الوعي النقدي الفعال إلى آلية لتوليد "الأحقاد الأيديولوجية" وتزييف الواقع الوجودي. وبدلاً من السعي لتغيير علاقات الإنتاج وتأسيس تضامن مجتمعي واعٍ قادر على مجابهة اغتراب رأس المال، ينحبس الوعي المستضعف في حلقة مفرغة من العنف المتبادل والنهب الصغير الذي يدمر شروط التعاقد والترابط الاجتماعي.

إن مأزق الضعفاء الراهن يكمن في حاجتهم إلى تجاوز مشاريع الخلود الفردية الزائفة التي يتيحها الاستهلاك والتراكم المالي، وتجاوز الاستهلاك السلبي لأوهام المتخيل العاجز، نحو صياغة أطر عملية ورمزية مشتركة تبني تضامناً إنسانياً حقيقياً يرفض الاستلاب المادي والتشيؤ. وبهذا فقط، ينعتق الوعي من أوهامه المكبوتة، ويتحول الفكر من مهارة إقناعية لتبرير التعدي الاجتماعي إلى أداة فاعلة لتأسيس عدالة كونية قادمة تتجاوز قهر القانون وسرقة المادة.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم