تمهيد: الذاكرة بوصفها حركة في الزمن
إذا كان الإنسان لا يعيش الزمن بوصفه سلسلة من اللحظات المنفصلة، وإنما بوصفه امتدادًا تتداخل فيه آثار الماضي مع أسئلة الحاضر وإمكانات المستقبل، فإن الذاكرة لا يمكن أن تُفهم باعتبارها مجرد قدرة نفسية على استرجاع ما انقضى، لأن استرجاع الماضي نفسه ليس عودة إلى شيء محفوظ في صورته الأصلية، وإنما هو إعادة بناء مستمرة لعلاقة الذات بما كان، ولذلك فإن الذاكرة ليست خلف الإنسان كما قد يوحي التصور البسيط للزمن، بل هي حاضرة في تكوينه، تعمل في داخله كلما حاول أن يجيب عن سؤال: من أنا؟ ومن نحن؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين يمكن أن نذهب؟
ومن هذه الزاوية تحديدًا يصبح البحث في الذاكرة بحثًا في الهوية، لا لأن الهوية تحتاج إلى ماضٍ تستند إليه فحسب، بل لأن الطريقة التي تتذكر بها الجماعة ماضيها تحدد، في جانب عميق منها، الطريقة التي ترى بها حاضرها وإمكاناتها المستقبلية.
لقد كان أحد التحولات الكبرى في الفكر الغربي الحديث هو الانتقال من النظر إلى الذاكرة بوصفها وظيفة فردية إلى النظر إليها باعدها ظاهرة اجتماعية وثقافية وتاريخية، وهو انتقال كشف أن ما نسميه «ذاكرتنا» لا ينتمي إلينا بصورة خالصة، إذ إن اللغة التي نتذكر بها ليست من صنعنا، والرموز التي نستعيد من خلالها الماضي لم نبتكرها وحدنا، والصور التي تمنح الأحداث معناها تشكلت داخل جماعات ومؤسسات وسياقات تاريخية تسبق الفرد وتستمر بعده.
ومن هنا جاءت أعمال موريس هالبواكس لتكشف الأطر الاجتماعية للتذكر، ثم جاء بيير نورا ليبين كيف يتحول الماضي إلى أماكن ورموز ومؤسسات تحفظ الذاكرة وتعيد إنتاجها، في حين نقل بول ريكور المسألة إلى مجال أكثر تركيبًا حين جعل الذاكرة متصلة بالتاريخ والنسيان والاعتراف والعدالة والمصالحة.
غير أن فلسفة العبور لا تكتفي بتسجيل هذا التحول من الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الاجتماعية، أو من الذاكرة الحية إلى أماكن الذاكرة، أو من الذاكرة إلى الذاكرة العادلة، بل تحاول أن تسأل سؤالًا آخر ينبثق من داخل هذه التحولات نفسها: كيف تعبر الذاكرة من فرد إلى جماعة، ومن جيل إلى جيل، ومن تجربة إلى سرد، ومن حدث إلى رمز، ومن الماضي إلى الحاضر، ثم كيف يعود الحاضر فيعيد تشكيل الماضي الذي يظن أنه يستعيده؟
إن الذاكرة، بهذا المعنى، ليست مجرد استمرارية للماضي، وإنما هي حركة بين أزمنة ومستويات وذوات، ولذلك فإن الهوية التي تتأسس عليها لا يمكن أن تكون جوهرًا مغلقًا، بل ينبغي فهمها بوصفها هوية عابرة، تستمد استمراريتها من قدرتها على إعادة التشكل.
وهنا يظهر الفرق بين فلسفة الهوية وفلسفة العبور؛ فالتصور الأول يميل إلى البحث عن الأصل الذي يجعل الشيء هو هو، في حين يبدأ التصور الثاني من السؤال عن الكيفية التي يستطيع بها الشيء أن يستمر في كونه نفسه على الرغم من انتقاله وتحوله.
وإذا كانت الذاكرة هي أحد الشروط التي تجعل هذا الاستمرار ممكنًا، فإن قيمتها لا تكمن في أنها تمنع التغير، وإنما في أنها تمنح التحول معنى واستمرارية. فالذاكرة التي تتجمد في صورة واحدة للماضي تتحول إلى قيد على الهوية، أما الذاكرة التي تسمح بإعادة القراءة والتأويل والتعدد فإنها تصبح شرطًا من شروط العبور.
أولًا: موريس هالبواكس والذاكرة بوصفها إطارًا اجتماعيًا للعبور
يمثل موريس هالبواكس لحظة حاسمة في تاريخ التفكير في الذاكرة، لأنه نقلها من عزلتها النفسية إلى المجال الاجتماعي الذي تتمثل فيه إمكانات التذكر نفسها، ففي كتابه الأطر الاجتماعية للذاكرة الصادر سنة 1925، ثم في عمله اللاحق الذاكرة الجماعية، رفض التصور الذي يجعل الفرد وحدة مكتفية في عملية التذكر، وأكد أن استعادة الماضي لا تتم في فراغ، وإنما داخل أطر اجتماعية ولغوية ورمزية تمنح ما نتذكره صورته ومعناه.
إن أهمية هالبواكس بالنسبة إلى فلسفة العبور لا تكمن فقط في إثبات الطابع الاجتماعي للذاكرة، وإنما في كشفه أن الذاكرة نفسها تقع عند الحد الفاصل بين الفرد والجماعة؛ فهي ليست فردية بصورة خالصة، ولا جماعية بصورة مطلقة، وإنما تتمثل في المسافة التي تعبر فيها التجربة الشخصية داخل الأطر المشتركة، ثم تعود هذه الأطر فتدخل في بناء التجربة الفردية.
فالطفل الذي يتذكر بيت طفولته لا يستعيد جدرانًا وأشياء فقط، وإنما يستعيد المكان كما تعلم أن يسميه، وكما وصفه الآخرون، وكما ارتبط في وعيه بالعائلة والجيران والعادات والطقوس، أي أن ما يبدو شخصيًا يحمل في داخله طبقات من المشترك الاجتماعي الذي لا يمكن فصله عنه بسهولة.
وهنا يصبح مفهوم «الإطار الاجتماعي» أكثر من مجرد تفسير سوسيولوجي للذاكرة؛ إنه يكشف أن التذكر ذاته عملية عبور، لأن الذاكرة الفردية لا تولد مكتملة داخل الذات ثم تخرج إلى المجتمع، وإنما تتمثل الذات وهي تعبر منذ البداية داخل شبكة من المعاني التي تنتجها الجماعة. وبالمقابل، لا توجد ذاكرة جماعية منفصلة عن الأفراد الذين يحملونها ويعيدون إنتاجها، ولذلك فإن العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية ليست علاقة طرفين ثابتين، بل علاقة تبادل وتمثل متواصل.
ومن هنا ينبغي الحذر من تحويل مفهوم الذاكرة الجماعية إلى مفهوم يوحي بأن الجماعة تمتلك ذاكرة واحدة متجانسة؛ فالجماعات نفسها متعددة، وداخل كل جماعة ذاكرات متعارضة، وطبقات من التذكر والنسيان، وأصوات مهيمنة وأصوات مهمشة، وتجارب مركزية وأخرى ظلت خارج السرد العام. وإذا كان هالبواكس قد كشف الإطار الاجتماعي الذي يجعل التذكر ممكنًا، فإن فلسفة العبور تضيف أن هذا الإطار نفسه ليس ثابتًا، بل يتحول عندما تعبر داخله تجارب جديدة، وتظهر جماعات جديدة، وتُعاد قراءة أحداث قديمة من مواقع مختلفة.
وهنا تبرز العلاقة بين الذاكرة والتعدد؛ فالذاكرة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مادة تنتج هوية واحدة، وإنما بوصفها مجالًا تتقاطع داخله ذاكرات متعددة، وكل ذاكرة تحمل معها منظورًا خاصًا إلى الماضي.
ولذلك فإن التعدد السيال للذاكرة يختلف عن التعدد المتشظي؛ فالتعدد السيال لا يعني أن كل جماعة تعيش في ماضٍ منفصل لا صلة له بغيره، وإنما يعني إمكان انتقال الذاكرات بعضها إلى بعض، وإمكان الحوار بينها وإعادة تركيبها داخل سردية أوسع لا تلغي اختلافاتها.
ومن هنا تتحول الذاكرة من «مخزن للهوية» إلى مسار لتكوين الهوية، فالهوية لا توجد قبل الذاكرة بوصفها جوهرًا جاهزًا ثم تأتي الذاكرة لترويها، وإنما تتمثل الهوية في عملية مستمرة من الانتقاء والتذكر والتأويل، بحيث يصبح الماضي مادة تتدخل في صناعة الحاضر، لا قالبًا يفرض على الحاضر صورته النهائية.
ثانيًا: بيير نورا وأماكن الذاكرة" حين يعبر الماضي إلى الفضاء"
إذا كان هالبواكس قد أبرز الإطار الاجتماعي للذاكرة، فإن بيير نورا نقل النقاش إلى المجال الثقافي والرمزي حين صاغ مفهوم «أماكن الذاكرة» الذي صدر في مجلدات متعددة منذ ثمانينيات القرن العشرين. وتكتسب فكرة نورا أهميتها من كونها تكشف أن المجتمعات لا تحفظ ماضيها في الوعي فقط، وإنما تجسده في الأمكنة والنصب والمتاحف والمقابر والأرشيفات والأعياد والرموز والنصوص والمناهج، بحيث يتحول الماضي من تجربة زمنية إلى بنية رمزية حاضرة في الفضاء الاجتماعي.
غير أن المكان في هذا السياق ليس مجرد وعاء للذاكرة، لأن المكان نفسه يشارك في إنتاجها؛ فعندما تُقام ساحة تخليد، أو يُنصب تمثال، أو يُبنى متحف، أو يُسمى شارع باسم شخصية تاريخية، فإن الماضي لا يُحفظ كما كان، وإنما يُعاد اختياره وتنظيمه وتمثيله وفق حاجة الحاضر.
وبذلك يصبح مكان الذاكرة حدًا بين الماضي والحاضر، أي فضاءً تعبر من خلاله التجربة التاريخية من الزمن إلى الرمز، ومن الحدث إلى التمثيل، ومن الذاكرة الحية إلى الذاكرة الثقافية.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة قراءة مقولة نورا الشهيرة عن «أماكن الذاكرة» بوصفها نتيجة لأزمة الذاكرة الحية؛ فحين تضعف الأطر التي كانت تجعل الذاكرة ممارسة يومية تلقائية، تظهر الحاجة إلى مؤسسات وأماكن تحمل عبء الحفظ. ولكن هذه العملية تحمل مفارقة عميقة: إن المجتمع الذي يخشى فقدان ذاكرته يبدأ في تثبيتها داخل الأشياء، وكلما ازداد اعتماده على النصب والمتاحف والمناسبات والأرشيفات، أصبح الماضي أكثر حضورًا بوصفه تمثيلًا وأقل حضورًا بوصفه خبرة حية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم الحد في فلسفة العبور؛ فكل مكان للذاكرة يفتح حدًا ويغلق حدًا في الوقت نفسه، لأنه يجعل بعض الماضي مرئيًا وقابلًا للتداول، في حين يدفع أجزاء أخرى إلى الهامش. إن نصبًا تذكاريًا لا يقول فقط: «تذكروا هذا»، وإنما يقول ضمنًا أيضًا: «هذا هو الذي يستحق أن يُتذكر بهذه الطريقة». ومن ثم فإن سياسات الذاكرة ليست مجرد سياسات للحفظ، بل سياسات لتنظيم العبور بين ما يدخل المجال العام وما يبقى خارجه.
وهذا يقودنا إلى البعد السياسي لمفهوم نورا؛ إذ إن الدولة الحديثة لا تكتفي بإدارة الحاضر، وإنما تشارك في إدارة الماضي، فتختار أعيادها ورموزها وشخصياتها وأحداثها، وتضع مناهجها التعليمية وتبني متاحفها ونصبها، وبذلك تساهم في إنتاج صورة الجماعة عن نفسها. ولذلك فإن الصراع على المكان هو في كثير من الأحيان صراع على الذاكرة، والصراع على الذاكرة هو صراع على تعريف الهوية نفسها.
غير أن رؤيتنا في فلسفة العبور لا تريد أن تستبدل ذاكرة رسمية بذاكرة رسمية أخرى، لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج منطق الإغلاق، وإنما تسعى إلى بناء فضاء تستطيع فيه الذاكرات المتعددة أن تعبر بعضها إلى بعض. فالمدينة التي تحمل ذاكرة واحدة فقط تصبح مدينة مغلقة رمزيًا، في حين المدينة التي تسمح بتجاور طبقاتها التاريخية المختلفة تتحول إلى فضاء سيال، يستطيع الماضي فيه أن يتجاور دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب على الوجود.
ومن هنا يمكن النظر إلى «أماكن الذاكرة» لا باعتبارها أماكن لتجميد الماضي، وإنما باعدها إمكانات لإعادة فتحه؛ أي أن المتحف، والنصب، والمقبرة، والأرشيف، والاحتفال يمكن أن تتحول من أدوات تثبيت إلى حدود مفتوحة، إذا أصبحت مواقع للحوار بين الروايات، لا أدوات لفرض رواية واحدة. هذا وفق تأويلنا للذاكرة المرنة التي تصورها فلسفة العبور بدل الذاكرة الجامدة التي تفرضها بعض الاطر الايديولوجيا .
ثالثًا: بول ريكور والذاكرة العادلة" العبور من الجرح إلى الاعتراف"
يبلغ التفكير في الذاكرة درجة أكثر تعقيدًا مع بول ريكور، ولا سيما في كتابه الذاكرة، التاريخ، النسيان، حيث لم تعد المسألة مجرد سؤال عن كيفية حفظ الماضي، وإنما أصبحت سؤالًا عن العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، وعن إمكان الوصول إلى ذاكرة عادلة لا تتحول إلى أداة للانتقام ولا إلى وسيلة للإنكار.
تكمن أهمية ريكور في أنه يرفض الثنائية البسيطة التي تجعل التذكر خيرًا والنسيان شرًا، لأن المجتمع الذي يتذكر كل شيء بالطريقة نفسها يمكن أن يبقى أسيرًا لجراحه، وأن المجتمع الذي ينسى كل شيء قد يتحول إلى مجتمع بلا مسؤولية. ولهذا فإن المسألة الأخلاقية ليست في الاختيار بين الذاكرة والنسيان، وإنما في إقامة علاقة عادلة بينهما.
وهنا يصبح النسيان مفهومًا بالغ الحساسية؛ فهناك نسيان يمكن أن يكون شكلًا من أشكال التواطؤ مع الجريمة، حين يُستخدم لإخفاء المسؤولية ومحو الضحايا، وهناك نسيان يمكن أن يكون شرطًا لتجاوز الأحقاد، شريطة ألا يتحول التجاوز إلى إنكار لما وقع. ولذلك لا يمكن للمصالحة أن تبدأ بالمحو، بل تبدأ بالاعتراف؛ ولا يمكن للغفران أن يعني إلغاء الذاكرة، وإنما يفترض أن يكون ما حدث معروفًا ومعترفًا به قبل أن يصبح تجاوزه ممكنًا.
ومن هنا يتخذ مفهوم الذاكرة العادلة أهمية خاصة في فلسفة العبور، لأنه يمثل محاولة للانتقال بين طرفين يتصور كل منهما أنه يمتلك الحقيقة الكاملة: طرف يريد أن يبقي الماضي حاضرًا بوصفه مبررًا دائمًا للثأر، وطرف يريد دفن الماضي دون مساءلة حتى يتخلص من تبعاته. أما الذاكرة العادلة فتبحث عن منطقة ثالثة لا تلغي الماضي ولا تستسلم له، وإنما تحول علاقته بالحاضر.
إنها ذاكرة تعبر من الجرح إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الاعتراف، ومن الاعتراف إلى إمكان المصالحة. وفي هذا العبور لا يُطلب من الضحية أن تنسى كي يتحقق السلام، ولا يُطلب من الجماعة أن تتخلى عن ذاكرتها كي تقبل الآخر، وإنما يُطلب تحويل الذاكرة من مادة لإعادة إنتاج العنف إلى مادة لفهم شروطه.
ومن هنا يتصل مشروع ريكور بمفهوم الهوية السردية؛ فالإنسان لا يعرف نفسه من خلال امتلاك جوهر ثابت، وإنما من خلال القصص التي يستطيع أن يرويها عن حياته، وهذه القصص ليست مغلقة، لأنها قابلة لإعادة السرد كلما تغير موقع الراوي وتغير فهمه لما عاشه.
والشيء نفسه ينطبق على الجماعة: فهي لا تمتلك هوية نهائية ترويها الذاكرة، وإنما تعيد صياغة هويتها كلما أعادت قراءة تاريخها. ومن ثم إن الهوية السردية، بهذا المعنى، تمثل جسرًا بالغ الأهمية بين الذاكرة وفلسفة العبور؛ فالاستمرار لا يتطلب التطابق، والسرد لا يتطلب ثبات المعنى، والإنسان يستطيع أن يبقى هو نفسه على الرغم من أن قصته تتغير. وهذه هي إحدى أهم نتائج التفكير العابر: الهوية ليست ما يبقى ثابتًا على الرغم من الزمن، بل ما يستطيع أن يحافظ على قدر من الاستمرارية عبر الزمن والتحول.
رابعًا: من الذاكرة الجماعية إلى الذاكرة السيالة
إذا جمعنا بين هالبواكس ونورا وريكور، أمكننا أن نرى مسارًا يتجاوز اختلاف مشاريعهم النظرية؛ فهالبواكس كشف أن الذاكرة تتمثل داخل أطر اجتماعية، ونورا بيّن أنها تتجسد في أماكن ورموز ومؤسسات، وريكور كشف بعدها التأويلي والأخلاقي، لكن هذه المستويات الثلاثة يمكن أن تُعاد قراءتها داخل فلسفة العبور بوصفها حلقات في حركة واحدة: الذاكرة تنتقل بين الذات والجماعة، وتتجسد في المكان والرمز، ثم تعود إلى الإنسان بوصفها مسؤولية أخلاقية عن الماضي والمستقبل.
وهذا يعني أن الذاكرة ليست شيئًا ثابتًا ينتقل من جيل إلى جيل وينتقل الشيء من يد إلى يد، وإنما هي بنية سيالة تتغير في أثناء انتقالها. وكل جيل لا يرث الماضي كما هو، وإنما يرث إمكانات لتأويله، وكل جماعة لا تستعيد التاريخ كما وقع فقط، وإنما تستعيده من موقعها الخاص في الحاضر. ولهذا فإن الذاكرة تتحول كلما عبرت.
وهنا ينبغي التمييز بين السيولة والفوضى؛ فالذاكرة السيالة ليست ذاكرة بلا شكل، ولا ذاكرة تتخلى عن الماضي، وإنما هي ذاكرة تقبل إعادة التشكيل دون أن تفقد كل استمرارية. إنها تشبه النهر الذي يحتفظ باسمه ومساره العام على الرغم من أن الماء الذي يجري فيه ليس هو الماء نفسه؛ فاستمرار الذاكرة لا يعني بقاء عناصرها دون تغير، وإنما يعني قدرة الجماعة على إنتاج صلة بين طبقات زمنية مختلفة.
ومن هذا المنظور تصبح الهوية نفسها استمرارية سيالة؛ فهي لا تقوم على التطابق التام بين الماضي والحاضر، لأن مثل هذا التطابق مستحيل، وإنما تقوم على القدرة على بناء صلة تأويلية بينهما. ولهذا فإن الجماعة التي تريد أن تكون مطابقة لماضيها تنتهي إلى رفض الحاضر، والجماعة التي تقطع علاقتها بماضيها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم نفسها، أما الجماعة العابرة فهي التي تستطيع أن تحمل ماضيها دون أن تسكن فيه.
خامسًا: التعدد الذاكري والهوية العابرة
إذا كانت الذاكرة تتمثل اجتماعيًا، وكانت المؤسسات تقوم بتمثيلها، وكانت إعادة تأويلها تفتح إمكان المصالحة، فإن النتيجة الضرورية هي الاعتراف بأن الجماعة الواحدة لا تمتلك ذاكرة واحدة بالمعنى الصارم. هناك ذاكرة الغالب وذاكرة المغلوب، وذاكرة المركز وذاكرة الهامش، وذاكرة الدولة وذاكرة المجتمع، وذاكرة الأجيال المختلفة، وذاكرة الضحايا وذاكرة الفاعلين، بل إن الفرد الواحد قد يحمل داخله أكثر من ذاكرة وأكثر من انتماء.
ولهذا فإن الحديث عن «الذاكرة الجمعية» يجب ألا يتحول إلى افتراض وحدة مصطنعة، لأن الوحدة التي تقوم على محو الاختلاف ليست وحدة وإنما تجانس قسري. وهنا تتدخل فلسفة التعدد لتؤكد أن الذاكرة المشتركة لا ينبغي أن تعني الذاكرة الواحدة، وإنما يمكن أن تعني قدرة الذاكرات المختلفة على التعايش داخل فضاء تأويلي مشترك.
وهذا هو الفرق بين التعدد المتشظي والتعدد السيال؛ فالتعدد المتشظي يحول الاختلافات إلى جزر مغلقة، بحيث يصبح لكل جماعة ماضيها ولغتها وضحاياها وأبطالها، في حين التعدد السيال يعترف بتعدد الروايات لكنه يفتح بينها جسور العبور، بحيث تستطيع الذاكرة أن تسمع ذاكرة أخرى دون أن تضطر إلى التخلي عن ذاتها.
وفي هذا المستوى يصبح الآخر جزءًا من تكوين الذاكرة، لا مجرد شخص يقع خارجها؛ إذ إن الذاكرة التي لا ترى إلا ذاتها تتحول إلى أيديولوجيا هوية، في حين الذاكرة التي تستطيع أن ترى أثر الآخر في تاريخها تصبح أكثر قدرة على مراجعة صورتها عن نفسها. ومن هنا يمكن القول إن الهوية العابرة ليست هوية بلا ذاكرة، وإنما هوية قادرة على حمل أكثر من ذاكرة داخل بنية واحدة مفتوحة.
سادسًا: من سياسة الذاكرة إلى أخلاق العبور
تكشف المقاربة السابقة أن إدارة الذاكرة ليست شأنًا ثقافيًا محضًا، وإنما هي جزء من إدارة الاختلاف نفسه، لأن الجماعة حين تقرر ما الذي تتذكره وما الذي تنساه، ومن الذي يُكرّم ومن الذي يُهمّش، فإنها لا تدير الماضي فقط، وإنما ترسم حدود الانتماء في الحاضر. ولذلك فإن سياسات الذاكرة يمكن أن تصبح وسيلة لتكريس الهيمنة، ويمكن أن تصبح وسيلة لفتح المجال أمام الاعتراف.
والفارق بين النموذجين يكمن في طبيعة الحد الذي تنتجه الذاكرة؛ فإذا كان الحد مغلقًا، أصبحت الذاكرة أداة لتقسيم العالم إلى «نحن» و«هم»، وإذا كان الحد مفتوحًا، أمكن للذاكرة أن تتحول إلى مساحة لقاء، بحيث لا يكون الاعتراف بماضي الجماعة إنكارًا لماضي الجماعات الأخرى.
ومن هنا نقترح في فلسفة العبور الانتقال من سياسة الذاكرة إلى أخلاق الذاكرة، أي من السؤال عن «من يملك الماضي؟» إلى السؤال عن «كيف نعيش مع تعدد ذكريات الماضي؟». وهذا التحول بالغ الأهمية، لأن الذاكرة لا تصبح عادلة بمجرد أن تُمنح للجميع، وإنما تصبح عادلة حين لا تتحول ذاكرة طرف إلى أداة لمحو ذاكرة الطرف الآخر.
إن أخلاق العبور في مجال الذاكرة تقوم، لذلك، على ثلاث قواعد مترابطة: الاعتراف بالتعدد، وفتح الحدود بين الذاكرات، وتحويل الماضي من مبرر للانتقام إلى شرط لفهم الحاضر. وليس المقصود بذلك إقامة مصالحة سريعة تمحو الاختلاف، وإنما بناء قدرة اجتماعية على حمل الاختلاف دون تحويله إلى حرب دائمة على الذاكرة.
سابعًا: الذاكرة بوصفها شرطًا للهوية العابرة
تنتهي هذه القراءة إلى أن العلاقة بين الذاكرة والهوية لا ينبغي أن تُصاغ في صورة بسيطة تقول إن الذاكرة تحفظ الهوية، لأن هذه الصياغة تفترض أن الهوية موجودة قبل الذاكرة، وأن الذاكرة ليست سوى أداة لحفظها، في حين تكشف المقاربة العابرة أن الذاكرة تشارك في إنتاج الهوية ذاتها، وأن الهوية تتغير كلما تغيرت الطريقة التي تتذكر بها الجماعة نفسها.
فالذاكرة عند هالبواكس تكشف أن الذات لا تتذكر خارج الجماعة، وعند نورا تكشف أن الجماعة تحتاج إلى رموز وأماكن ومؤسسات لتحويل الماضي إلى حضور، وعند ريكور تكشف أن علاقتنا بالماضي ليست علاقة حفظ فقط، وإنما علاقة تأويل ومسؤولية وعدالة ومصالحة.
وإذا أعيد تركيب هذه النتائج داخل فلسفة العبور، فإننا نصل إلى تصور جديد للذاكرة يمكن تسميته الذاكرة السيالة، أي الذاكرة التي لا تفقد الماضي لكنها ترفض تحويله إلى أصل مغلق، ولا تلغي الاختلاف لكنها ترفض تحويله إلى تشظٍّ، ولا تتخلى عن الجرح لكنها ترفض أن تجعل منه هوية أبدية.
ومن هنا فإن الهوية التي تنتجها الذاكرة السيالة ليست هوية جوهرية ولا هوية متشظية، وإنما هوية عابرة، أي هوية تستمد استمراريتها من قدرتها على الانتقال بين أزمنة وتجارب وروايات مختلفة، وتستطيع أن تقول «نحن» دون أن تجعل هذه الـ«نحن» سدًا نهائيًا أمام الآخر. إنها هوية تعرف أن الماضي جزء منها لكنه ليس كلّها، وأن الذاكرة شرط لاستمرارها لكنها ليست سجنًا لها، وأن الاعتراف بالجذور لا يعني رفض التحول.
ولهذا يمكن القول إن الذاكرة لا تكون قوة للهوية حين تجعلها أسيرة للماضي، وإنما حين تمنحها القدرة على العبور من الماضي دون إنكاره، ومن الحاضر دون تقديسه، ومن المستقبل دون أن تقطعه عن جذوره . فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد جزءًا من استمراريته، لكن الإنسان الذي يحوّل ذاكرته إلى قدر نهائي يفقد إمكان تحوله؛ وبين الفقدان والتصلب يظهر المجال الذي تسعى فلسفة العبور إلى تأسيسه: ذاكرة تحفظ دون أن تجمد، وتتذكر دون أن تنتقم، وتنسى دون أن تنكر، وتروي دون أن تدّعي امتلاك الرواية الأخيرة.
إن الذاكرة، في النهاية، ليست ما نحتفظ به من الماضي فحسب، وإنما هي الطريقة التي نعبر بها من الماضي إلى أنفسنا؛ ولذلك فإن السؤال عن الذاكرة يصبح، في عمقه، سؤالًا عن نوع الإنسان الذي نريد أن نصير إليه، وعن نوع الجماعة التي نريد أن نبنيها، وعن قدرتنا على أن نحمل تاريخنا بكل ما فيه من جمال وجراح دون أن نحوله إلى حدود مغلقة. وهنا تتلاقى فلسفة الذاكرة مع فلسفة العبور: فالاستمرار الحقيقي ليس أن نبقى كما كنا، وإنما أن نمتلك القدرة على التحول دون أن نفقد كل ما يجعل تحولنا ذا معنى.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








