عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: المفهوم الفلسفي بين التأسيس والتفكيك

في تحولات البناء المفهومي

يختلف المفهوم في الفلسفة عن المفهوم في العلم اختلافاً جوهرياً، فبينما يسعى المفهوم العلمي إلى الدقة والاتفاق والقابلية للتحقق التجريبي، يظل المفهوم الفلسفي كياناً متحركاً يتشكل داخل تاريخ من الأسئلة المتجددة ويعاد بناؤه كلما تغيرت أدوات النظر ومناهجه. ولذلك فإن تاريخ أي مفهوم فلسفي كالعدالة أو الوجود أو الذات ليس تراكماً خطياً لتعريفات تزداد دقة بمرور الزمن بل هو مسرح متجدد لصراع التأويلات.

هذا الصراع يتخذ صورتين متقابلتين ظاهرياً، نزعة التأسيس التي تسعى إلى إرساء المفهوم على أرضية ثابتة من المبادئ الأولى ونزعة التفكيك التي تعمل على كشف هشاشة تلك الأرضية وبيان اشتراطها التاريخي واللغوي. غير أن هاتين النزعتين كما سنحاول أن نبين في هاته الأسطر ليسا موقفين متعارضين يستوجبان الاختيار بينهما بل بعدين متلازمين في أي فعل فلسفي جاد، فبلا تأسيس تفقد الفلسفة قدرتها على إقامة حوار منضبط وبلا تفكيك تتحول إلى عقيدة مغلقة تُعفي مفاهيمها من المساءلة.

يمثل التأسيس في تاريخ الفلسفة مشروعاً معرفياً يروم منح الفكر سنداً لا يتزعزع. عند أفلاطون اتخذ هذا المشروع صورة عالم المثل، ذلك الأفق المتعالي الثابت الذي تستمد منه الأشياء المحسوسة معاييرها وحقيقتها. وعند ديكارت تحول التأسيس إلى مشروع منهجي، الشك الممنهج الذي يفكك كل يقين موروث بغية الوصول إلى يقين لا يقبل الشك هو الكوجيتو، الذات المفكرة التي تُقام عليها بقية المعارف كحجر زاوية.

بلغ هذا المطلب صورته النقدية الأدق عند كانط الذي لم يكتفِ بافتراض اليقين بل بحث عن شروط إمكانه. فالمفهوم عند كانط ليس انعكاساً سلبياً لتجربة جزئية بل نتاج تركيب بين حدسي المكان والزمان ومقولات الفهم التي تقوم به الذات المتعالية بوصفها البنية القبلية المشتركة بين العقول جميعاً.

يصير التأسيس الكانطي هندسة صارمة لا يتجاوز حدود التجربة الممكنة ولا يقترب من ميتافيزيقا لا يمكن التحقق منها، لكنه يحافظ داخل هذه الحدود على تماسك بنيوي محكم. بيد أن هذا التماسك يثير سؤالاً جوهرياً، هل يمكن للذات المتعالية أن تكون مستقلة إلى هذا الحد عن الشروط التاريخية واللغوية والاجتماعية التي تحيط بكل عقل واقعي؟ إن تاريخ الفلسفة بعد كانط هو إلى حد بعيد تاريخ لمساءلة هذا الافتراض وهو ما يفتح الطريق أمام النزعة التفكيكية.

لا يعني التفكيك كما بلوره جاك دريدا هدماً لمجرد الهدم، بل هو فحص دقيق لنسيج المفهوم يكشف عن الاستعارات الكامنة فيه وعن الثنائيات الهرمية التي يقوم عليها وعن الهوامش التي يقصيها ليبدو متماسكاً. فكل مفهوم بحسب هذه القراءة أثر لغياب لا حضور مكتمل ومعناه لا يستقر في حده بل يتأجل ويتشعب عبر سلسلة من الإحالات لا نهاية لها. هذا ما يسميه دريدا "الاختلاف المرجأ" (différance)، وهو المبدأ الذي يجعل كل تأسيس محمَّلاً منذ البداية ببذور تفككه لأن أي بناء مفهومي لا يقوم إلا بإقصاء بعض العناصر لصالح أخرى وبتغليب رؤية على حساب أخرى ظلت صامتة.

غير أن هذا النقد يواجه بدوره اعتراضاً وازناً، فإذا كان كل تأسيس متهماً بالسذاجة المعرفية فإن التفكيك المطلق مهدد بالعجز عن إنتاج أي معنى قابل للتداول أو أي أساس يقوم عليه فعل أو حكم مشترك. هذه المفارقة هي التي تمنع التفكيك من أن يكون بديلاً كلياً عن التأسيس وتجعله بالأحرى مراجعة مستمرة له.

يكشف تتبع تحولات المفهوم من أفلاطون إلى دريدا عن نمط متكرر كلما ترسخ مفهوم وساد حقبة من الزمن ظهرت حوله شروخ، فيعيد مفكرون لاحقون قراءته بالكشف عما أغفله بناته الأوائل. أرسى أفلاطون وأرسطو كل بطريقته قواعد تأسيسية متينة - الأول بنظرية المثل والثاني بنظرية المقولات - قبل أن يتعرض هذا التأسيس لنقد السفسطائيين ثم الأكاديمية الجديدة. وفي الحداثة أعاد ديكارت وكانط صياغة مشروع التأسيس على أساس الذات قبل أن يصطدم هذا المشروع بنقد النسبية التاريخية واللغوية عند هيغل وهايدغر والهرمنيوطيقا.

وقد قدّم هيغل أوضح صيغة فلسفية لهذا التوتر حين جعل التناقض محركاً للجدل ذاته، كل مفهوم يحمل نقيضه في داخله والتقدم لا يمحو هذا التناقض بل يرفعه إلى مستوى أعلى من التأليف دون أن يلغيه. أما هايدغر فقد نظر إلى تاريخ الفلسفة بوصفه تاريخاً للنسيان، نسيان سؤال الوجود منذ أفلاطون بحيث لا تكون إعادة طرح هذا السؤال إضافة جديدة بل تفكيكاً لهذا التاريخ نفسه وإعادة تأسيس على أنقاضه. بهذا المعنى فإن اللغة كما يصفها هايدغر ليست بيتاً ثابتاً للوجود بل مسكناً يتغير بتغير طرق سكنى الإنسان فيه.

يتضح هذا التوتر بجلاء في مفاهيم كالعدالة والحرية والمساواة التي يراد لها أن تكون أسساً ثابتة للتشريع والتنظيم الاجتماعي بينما تظل عالقة في شبكة من الصراعات المتغيرة. فمفهوم العدالة الذي أسسته الفلسفة السياسية الكلاسيكية على القانون الطبيعي أو العقد الاجتماعي لم يعد كافياً في سياق تعدد القيم والثقافات، وهو ما فتح الباب أمام قراءات تفكيكية تكشف كيف يخفي كل تعريف للعدالة مصلحة فئة بعينها.

غير أن الانزلاق إلى نسبوية مطلقة يهدد أي إمكانية لفعل سياسي أو أخلاقي مشترك، والتأسيس هنا لا يكون بوصفه رجوعاً إلى سذاجة ما قبل نقدية بل بوصفه محاولة لإعادة بناء المفهوم على أسس أكثر تواضعاً وانفتاحاً على المراجعة. من أبرز هذه المحاولات التأسيس الإجرائي الذي اقترحه هابرماس والقائم على مبدأ التواصل العقلاني وقواعد الحوار المفتوح دون الادعاء بمطلقات ميتافيزيقية مع الإصرار على إمكان بلوغ اتفاق معياري داخل فضاء تواصلي عام.

وإلى جانب هذا البعد السياسي تنكشف طبقة أخرى من كثافة المفهوم في علاقته بالزمن واللغة. فلا يولد المفهوم الفلسفي مكتملاً في لحظة واحدة بل هو نتاج تراكم وانزياح يحمل في طبقاته آثار تاريخه كما يحمل الصخر الجيولوجي آثار الحقب التي مر بها. فمفهوم "الوجود" عند هايدغر على سبيل المثال ليس نتاج لحظة ابتكار مفردة بل محصلة تاريخ طويل من النسيان الميتافيزيقي بدأ عند أفلاطون واستمر عبر المدرسية والديكارتية والكانطية.

وللمكان أثر مواز لأثر الزمن إذ لا ينتقل المفهوم من لغة إلى أخرى دون أن يخسر شيئاً من حمولته الأصلية أو يكتسب دلالات جديدة من لغة الاستقبال. فمفهوم "الشيء" في الألمانية (Ding) لا يطابق مقابله في العربية أو غيرها، لأن كل لغة تصوغ المفهوم وفق نظامها النحوي والاستعاري الخاص. من هنا تنبع أهمية الفلسفة المقارنة في كشف المركزية الثقافية التي قد تتخفى وراء دعاوى الكونية وفي دعوة الفلسفة إلى تواضع معرفي أكبر إزاء تعدد المنظورات من غير أن يعني ذلك التخلي عن طموحها الكوني.

وإذا كان الزمن واللغة يحملان المفهوم على أعناقهما فإن الرغبة لا تقل عنهما أثراً في تشكيله إذ لا ينفصل المفهوم الفلسفي عن منظومة القيم والرغبات التي تشكل هوية الذات المفكرة. وقد كشف نيتشه بحدة عن الخلفيات الدوغمائية للفلاسفة مبيناً أن مفاهيمهم ليست سوى تعبير عن غرائزهم وإرادتهم وأن ما يسمى "الحقيقة" هو غالباً رغبة متحولة في السلطة أو في الأمان. في هذه القراءة يصير التفكيك عملاً تأويلياً يكشف عما تضمره المفاهيم من صراعات ومواقف وجودية وراء ادعاءاتها الموضوعية.

ويلتقي هذا النقد مع مسار موازٍ في التحليل النفسي، فكما بيّن فرويد أن الأنا ليست سيدة في بيتها بل خاضعة لقوى لا شعورية، كذلك يبين التفكيك أن الذات المفكرة منساقة إلى حد بعيد داخل نسيج لغوي وثقافي يسبقها ويؤطرها. غير أن هذا النقد لا ينبغي أن يفضي إلى إلغاء الذات كلياً ونفي أي دور خلاق لها إذ تبقى الذات الفلسفية حتى في اشتراطها قادرة على وعي نقدي بحدودها وعلى مسؤولية أخلاقية تجاه ما تنتجه من مفاهيم.

ويزداد المشهد تعقيداً حين ننظر إلى المفهوم في علاقته بالمؤسسة الفلسفية، بالنسق التعليمي والجامعي الذي ينقل الفلسفة من جيل إلى جيل ويقدس بعض المفاهيم بينما يهمش أخرى. فالتأسيس في هذا السياق ليس فعلاً فردياً محضاً بل سياسة معرفية تمارسها الجماعة الأكاديمية عبر آليات النشر والترجمة والتدريس.

وقد أبرز ميشال فوكو هذا البعد حين درس تشكل المفاهيم في حقول معرفية كالطب النفسي والاقتصاد، مبيناً أنها لا تنفصل عن ممارسات الإقصاء والمراقبة وأن كل مفهوم يحمل معه نظاماً من العلاقات يحدد من يملك حق الكلام ومن يُسكَت. بهذا لا يقتصر نقد المفهوم على تحليل بنيته الداخلية بل يمتد إلى تحليل وظيفته الاجتماعية والسياسية وإلى ما يبرره من ممارسات.

يتبين مما سبق أن التأسيس والتفكيك ليسا مرحلتين متعاقبتين في الزمن ولا موقفين يستوجبان الاختيار بينهما بل بعدين متلازمين في كل فعل فلسفي حقيقي أشبه بالشهيق والزفير في فعل التنفس. فمن أراد أن يفكر بعمق وجب عليه أن يؤسس أي أن يضع حدوداً ويقيم علاقات بين المفاهيم وإلا غرق في انطباعات لا تفضي إلى معرفة قابلة للتداول. وعليه في الوقت ذاته أن يفكك أي أن يعيد النظر في حدوده ويراجع تعريفاته وإلا تحجرت فلسفته وتحولت إلى عقيدة لا تستجيب لتغير الزمن.

هذا التوازن ليس ثابتاً بل متحرك، يتغير بحسب السياق والسؤال المطروح، فقد يكون التأسيس مطلوباً بإلحاح في مرحلة من التفكير والتفكيك مطلوباً بالقدر ذاته في مرحلة أخرى. وتلك هي مهمة الفلسفة حين تكون أصيلة، أن تصوغ مفاهيم تتمتع بقوة إيضاحية وإجرائية كافية لتنظيم الفكر والفعل وأن تظل في الآن ذاته منفتحة على المراجعة والنقد بحيث لا تتحول إلى عقيدة جديدة ولا تنحل في نسبية تفقدها القدرة على قول شيء ذي معنى.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم