فيما يشبه القراءة لكتاب الفيلسوفة جولي ترمبلاي
ليس كل ألم يحتاج إلى دواء، وليس كل تعاسة تحتاج إلى طبيب نفسي، فثمة مناطق واسعة من الشقاء الإنساني تنشأ في تلك المسافة الغامضة بين الإنسان ونفسه، وبين ما يعيشه وما يعتقد أنه ينبغي أن يعيشه، وبين العالم كما هو والعالم كما يتصوره. هناك أناس لا يعانون مرضًا جسديًا، ولا اضطرابًا نفسيًا بالمعنى السريري، لكنهم يشعرون بأن شيئًا ما قد انكسر في داخلهم، وأن الحياة فقدت معناها، وأنهم غرباء عن أنفسهم والعالم. وهنا بالضبط يبدأ السؤال الفلسفي: هل يمكن للفلسفة أن تساعد الإنسان على الخروج من تعاسته؟
هذا هو السؤال الذي تعالجه الفيلسوفة الكندية الفرنكوفونية جولي ترمبلاي في كتابها «الفلسفة علاجًا للتعاسة»، وهو كتاب يستحق القراءة والتأمل؛ لأنه يعيدنا إلى المعنى الأول للفلسفة قبل أن تتحول في كثير من الجامعات إلى تاريخ للمذاهب، وحشد للمصطلحات، وتمارين في تفسير النصوص القديمة. فالكاتبة لا تتحدث عن الفلسفة بوصفها معرفة مدرسية، ولا باعتبارها تخصصًا أكاديميًا مغلقًا، بل بوصفها تجربة وجودية يمكن أن تساعد الإنسان على استعادة نفسه وإعادة بناء علاقته بالحياة وذاته والعالم.
ويأتي ذلك في سياق مشروعها بتدريس الفلسفة للأطفال والتدخل الاجتماعي إذ تربط بين الممارسة الفلسفية وقضايا التربية والصحة النفسية والحياة اليومية. وهذه الخلفية تفسر الطابع العملي والإنساني لمشروعها؛ فهي لا تسأل: ما الفلسفة؟ وإنما تسأل: ماذا يمكن أن تفعل الفلسفة للإنسان الذي يعيش أزمة؟ وكيف يمكن للتفكير أن يتحول من نشاط ذهني إلى ممارسة للتحرر واستعادة المعنى؟
والكتاب حصيلة تجربة مؤلمة عاشتها المؤلفة
عبّرت عن إحدى لحظات حياتها بأنها كانت «ميتة، لكنها لم تكن مدفونة»، قبل أن تجد في الفلسفة طريقًا أعاد إليها القدرة على رؤية العالم والحياة بطريقة أخرى. لم يكن الأمر معجزة، ولم تتغير قوانين العالم، لكن الذي تغير هو نظرتها إلى ذاتها وعلاقتها بما تعيشه. وهذا ما يجعل التجربة الفلسفية، في نظرها، نوعًا من التحول في الرؤية، واستعادة الإنسان لمسؤوليته عن حريته.
ولما كنت مهتما بوحدة الواقع واختلاف ادراكه ورؤيته وتصويره وتأويله وجدت نفسي أتوقف طويلًا أمام الكتاب، لأنه يلتقي مع فكرة ظللت أكتب عنها وأفكر فيها منذ سنوات، وهي أن الإنسان لا يعيش في العالم كما هو فقط، بل يعيش في العالم كما يتصوره فالحدث الواحد يمكن أن يقع لشخصين، لكنهما لا يعيشان التجربة ذاتها. قد يفقد شخصان وظيفتيهما في اليوم نفسه؛ فيرى أحدهما نهاية العالم، بينما يرى الآخر فرصة لبداية جديدة. وقد يتقدم إنسانان في العمر؛ فيتعامل الأول مع الشيخوخة باعتبارها هزيمة وانطفاءً، فيما يراها الثاني مرحلة للنضج والتحرر من أوهام كثيرة. الواقع واحد، لكن التأويل مختلف إذ أن الناس يسلكون وفقًا لما يعتقدون. فالمعتقدات ليست مجرد أفكار ساكنة في رؤوسنا، بل تتحول إلى مواقف وسلوكيات وعلاقات وقرارات ومصائر.
لطالما حيرتني تلك الفكرة التي موادها؛ إذا كان الواقع المرئي المحسوس الملموس واحدا لجميع سكان العالم فلماذا يختلفون في رؤيته وتفسيره وتأويله وفهمه؟ فكيف سيكون حالهم مع النصوص التي تتحدث عن عوالم غير مرئية ويستحيل التحقق من وجودها بالحواس المجرد؟ إذ إن الحقائق لا توجد في جوف النصوص والكلمات كما توجد البذور في الثمار، بل إن الحقائق توجد باتفاق وتواضع الناس عليها، فإذا ما اتفق جماعة من الناس واعتقدوا إن ما يفعلونه أو يفكرون به هو الحقيقة ذاتها بحسب باراديم رؤية وتأويل محدد للعالم والأشياء والكلمات والدلالات والرموز والنصوص. فلا شيء يحول دون اعتقادهم بإن ما يرونه هو الحقيقة عينها! ولكل جماعة من الناس الحقيقة التي ترتضيها لنفسها وتعتقدها كذلك فمن يعتقد أن البقرة آلهه لا يشك في صحة اعتقاده لحظة واحدة وإلا لما اعتقد بِه اصلا! ومن يعتقد بشي يراه حقيقة ولا يراه باطلًا أبدًا ولا بطل اعتقاده وهذا هي طبيعة المعتقدات وتحولاتها في كل زمان ومكان . أن كثيرًا مما يراه الناس حقائق مطلقة ليس في الواقع سوى تصورات واتفاقات وتأويلات نشأت داخل أطر ثقافية ودينية وأيديولوجية محددة. فالإنسان يتصرف وفقًا لما يؤمن به؛ إذ تؤثر الأفكار والمعتقدات في مخاوفه ومواقفه وسلوكه تجاه الآخرين، وقد تدفعه أحيانًا إلى التعصب والعنف، بل وإلى خوض الحروب الأيديولوجية بكس عالم المعرفة العلمية القائم على الاختبار والملاحظة والبرهان، وعلى قابلية النتائج للخطأ والتصحيح. فالعلم يستند إلى منهج موحد ويتسم بقدر نسبي من الحياد، في حين تتصارع الأيديولوجيات والمعتقدات بسبب ادعاء كل منها امتلاك الحقيقة المطلقة. وتكمن إنسانية العلم وحياديته في ذلك الاتفاق المدهش بين الجميع من مختلف الشعوب والحضارات واللغات والثقافات والأديان بشأن وحدته المنهجية والنظرية شكلا ومضمونا إذ أن 1+1=2، ومجموع زوايا المثلث ١٨٠ درجة. والخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين. والماء يتكون من ذرتي هيدجين وذرة أكسجين. ولَكل فعل رد فعل مساوي له بالقوة ومضاد له بالاتجاه، ولا شيء يحدث بدون سبب من الأسباب، ولا تشتغل السيارة الا بالوقود والكهرباء وقس على ذلك حقائق العلوم الوضعية التي تتميز بالموضوعية والشمولية والوحدة في الصين أو في امريكا أو في اسرائيل أو في العراق ،الجميع يدرسون ذات العلوم والنظريات والقوانين العلمية بذات الطرق والاساليب، بينما يكمن الخلاف والاختلاف والتنافر والتباعد بشأن الاراء والمعتقدات والايديولوجيات بما فيها من ديانات واعتقادات ومقدسات وتشريعات سماوية ووضعية وعادات وتحيزات ثقافية ،وسياسية هنا بالذات سوف نجد أن الخطابات تعلو وتنخفض والاصوات تحتدم وتهدى حينما يتم التعبير عنها ،وكلما كان المرء غير واثق من الاشياء التي يتحدث عنها كلما زادت نبرة صوته ارتفاعا ،وكلما افتقد المرء للبراهين والحجج المقنعة ،كلما زاد صراخه في تأكيد آراءه ومعتقداته الأيديولوجية بينما لايحتاج عالم الرياضيات أو الكيمياء أو الفيزياء الى الصراخ والاصوات العالىة للتعبير عن حقائقه وقوانينه العلمية. فالصمت هو سيد العلم الحقيقي والضجيج هو سيد الاعتقادات الايديولوجية الزائفة. ولكن ليس هناك إلا طريقتان لتوصيل افكارنا الى الأخرين: أما أن تجبرهم على قبولها بالتهديد والتخويف والوعد والوعيد وأما أن نجعلهم يقتنعون بها بقوة البرهان والاقناع المتولد تفكيرهم الذاتي ومن أرادتهم الحرة بدون جبر أو اكراه. وهناك فرق بين السياسي والواعظ والعالم؛ الأول يدعو الناس إلى الثورة وتغيير وضعهم والثاني يدعوهم إلى الصبر والقناعة والاحتساب إلى الله سبحانه وتعالى إذا كان رجل دين حقا وليس سياسيا والثالث يبتكر الادوات العلمية والتقنية الكفيلة بتخلص الناس من الفقر والجهل والمرض وتغيير الوضع برمته. وفي تمييزه بين الاختلاف الحقيقي والزائف كتب الفيلسوف أحمد برقاوي ما يلي" لو سأل سائل: أين تسكن الأشباح ومتى تظهر؟ فهذا سؤال زائف، وكل الأجوبة عنه زائفة، والاختلاف زائف، والمشكلة الناتجة عن الأجوبة زائفة
وهكذا تتعين اهمية كتاب علاج التعاسة بالفلسفة وهذا لا يعني بان الفلسفة دواءً بالمعنى الطبي، ولا ينبغي أن تتحول الاستعارة العلاجية إلى ادعاء بأن الفيلسوف يستطيع أن يحل محل الطبيب أو المعالج النفسي. فالأمراض الجسدية لها أطباؤها، والاضطرابات النفسية السريرية تحتاج إلى اختصاصيين. غير أن بين المرض الجسدي والمرض النفسي توجد مساحة إنسانية واسعة يمكن أن نسميها أزمة المعنى.
لقد اعتدنا النظر إلى الكائن البشري بوصفه أجزاء منفصلة: جسد يعالجه الطبيب، ونفس يعالجها الطبيب النفسي، وروح يتولاها رجل الدين، وعقل يترك للفيلسوف والأكاديمي. لكن الإنسان الحقيقي لا يعيش بهذه الطريقة التشريحية. الإنسان كائن واحد، يتألم بجسده ونفسه وعقله وروحه في الوقت نفسه. وقد يكون مصدر ألمه في كثير من الأحيان ليس مرضًا في جسده ولا اضطرابًا سريريًا في نفسه، وإنما فكرة خاطئة عن ذاته أو الآخرين أو الحياة او عن الموت وغير ذلك.
ومن هنا يمكن فهم ما تعنيه جولي ترمبلاي حين تجعل الفلسفة طريقًا للخروج من «تعاسة العيش». فهي لا تعد الإنسان بحياة خالية من الألم، بل تساعده على فهم علاقته بالألم. ولا تمنحه معنى جاهزًا للحياة، بل تعلمه كيف يبحث عن المعنى وتوقظ فيه القدرة على السؤال.
وهي فكرة ليست جديدة تمامًا، لكنها أصبحت ضرورة ملحة في زمننا الذي تحولت فيه الفلسفة في كثير من الجامعات إلى مادة أكاديمية مغلقة داخل القاعات الدراسية، بينما تركت الحياة اليومية بكل قلقها وأسئلتها ومعاناتها لمؤسسات أخرى. ومع ذلك، فإن القراءة النقدية تقتضي الحذر من تحويل العلاج بالفلسفة إلى وصفة سحرية جديدة. ليست كل معاناة إنسانية قابلة للحل بالحوار الفلسفي، كما أن الطبيب النفسي لا يستطيع علاج جميع الأمراض الجسدية، والفيلسوف لا يستطيع علاج جميع أزمات الفهم والمعنى
ومن خلال خبرتي المتواضعة في دراسة الفلسفة وتدريسها وإدارة قسمها، خلصت إلى أن أهم ما في الدرس الفلسفي ليس تعليم تاريخ الأفكار، بل إيقاظ القدرة على ممارسة التفكير الذاتي في كل عقل إنساني، وتحريك الذهن وتدريبه على مساءلة ذاته وامتلاك أدوات الوعي النقدي القادر على التمييز بين الأسئلة الجديرة والأسئلة الزائفة. ولهذا لا أرى أن المهمة الأساسية لتعليم الفلسفة هي أن نحفظ الطالب قول بارمنيدس: «الوجود موجود والعدم غير موجود»، أو أن نطالبه بتكرار برهان الفارابي في واجب الوجود، أو أن يردد مع هيغل أن «العقل يحكم العالم»، أو مع سارتر أن «الوجود يسبق الماهية».
الفلسفة الحية تبدأ عندما نسأل الإنسان ذاته:
من أنا؟
من هو الإنسان؟
ما معنى الحياة والتاريخ؟
ما الذي يجعل الخير خيرًا؟
كيف يولد الجمال في أعيننا؟
ما العدل في زمن تتغير فيه المعايير؟
ما سبب الشر؟
لماذا يعتقد الناس بما يعتقدونه ويقولون ما يقولونه؟
لماذا تختلف أفكار الناس مع أن الواقع واحد للجميع؟
ما الذي يحرك سلوك الناس؟
وما الفرق بين بني آدم وحواء؟
هذه الأسئلة ليست للحفظ، بل للاستفزاز.
إنها استفزاز للذات كي ترى نفسها والعالم بعيون عقلانية.
في النهاية، لا تكمن أهمية الفلسفة في أنها تمنحنا أجوبة جاهزة، بل في أنها تعلمنا كيف نطرح الأسئلة التي تجعل حياتنا أكثر وعيًا ومعنى. فالأفكار العظيمة التي أنجبتها الفلسفة عبر تاريخها كانت إجابات عن أسئلة أزمنتها، أما نحن فنعيش زمنًا جديدًا تغيّر فيه معنى الإنسان والوجود والحقيقة. نحن نعيش بين الواقعي والافتراضي، بين الطبيعي والتقني، وفي عالم تتداخل فيه الإنسان والآلة والمعلومة والصورة إلى حد يصعب معه الفصل بينها. لذلك تحتاج الفلسفة اليوم إلى أن تستأنف بدايتها، وأن ترى العالم وهو يتشكل، لا أن تكتفي بتأمله بعد أن يصبح تاريخًا.
لقد استطاع العلم أن يكشف لنا الكثير عن الكون والطبيعة والدماغ والجينات، لكنه لم يستطع أن يجيب وحده عن الأسئلة التي تظل ملازمة للإنسان: ما معنى الحياة؟ ما الخير؟ ما العدل؟ كيف ينبغي أن نعيش؟ وما الذي يجعل حياتنا جديرة بأن تُعاش؟ هنا تستعيد الفلسفة ضرورتها؛ لا بوصفها بديلًا عن العلم، وإنما بوصفها بحثًا في معنى المعرفة وحدودها وغاياتها.
إن الفلسفة، في أعمق معانيها، ممارسة للتحرر. إنها تساعدنا على اكتشاف «أصنام العقل» التي تحدث عنها بيكون، وعلى مساءلة العادات والتصورات التي ترسخت فينا حتى غدت تبدو طبيعية وبديهية. إنها تعلمنا أن نشك دون أن نيأس، وأن نعترف بجهلنا دون أن نخجل، وأن نختلف مع الفكرة دون أن نكره صاحبها. ولذلك فإن الفلسفة ليست ترفًا معرفيًا، بل ضرورة حضارية وأخلاقية، وربما كانت إحدى أهم وسائل الوقاية من التعصب والاستلاب.
ومن هنا، فإن «الفلسفة علاجًا للتعاسة» لا تعني أن الفلسفة تلغي الألم أو الموت أو الخسارة، وإنما تمنح الإنسان قدرة جديدة على فهمها ومواجهتها. إنها لا تعدنا بحياة بلا ألم، بل تعلمنا كيف لا يتحول الألم إلى هزيمة.
فالفلسفة ليست دواءً نبتلعه، بل يقظة نستعيد بها أنفسنا. وربما تكون التعاسة، أحيانًا، ليست نهاية الطريق، بل بداية السؤال. وبداية السؤال هي بداية الفلسفة، وبداية الفلسفة هي خروج العقل من سباته. وحين يستيقظ العقل، يبدأ الإنسان في استعادة حياته، لا حياة أخرى؛ إذ إن أعظم ما تمنحه الفلسفة للإنسان ليس أن تهبه حياة جديدة، بل أن تعلمه كيف يعيش حياته التي بين يديه بعيون مفتوحة، وعقل حر، وإنسانية لا تستسلم.
***
ا. د. قاسم المحبشي








