عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد خليفة: الانهزامُ والاستبدادُ وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة (٢)

تناولْنا، في الجزءِ الأولِ من هذه المقالةِ، المعالِمَ العامة للانهزام والاستبداد وأثرهما في صناعةِ الخرافةِ والتَّبَعِيَّة، وضَرَبْنا على ذلك مثالًا بعقيدة المهدي، وسنتناولُ في هذه المقالةِ مثالًا آخَرَ يتعلقُ بهذه القضية، ولكن قبل أن ننتقلَ إلى المثال، ينبغي علينا أن نتذكر ما أشرتُ إليه في الجزء الأول، وهو أنه ليس بالضرورة عند كلامنا في ظُلْمٍ وقعَ لأحدهم أن يكون بالفعل قد وقعَ؛ فكما قلنا إن ذلك قد يكون على سبيل الادِّعاء أو المبالغة؛ لغَرَضٍ كامنٍ خلف ذلك، ولْننتقل الآن إلى المثال الذي نود تقديمه في هذه المقالة.

 أحمد بن حنبل وقضية خَلْقِ القرآن

لقد أخذتْ قضيةُ خلْقِ القرآن مساحةً كبيرةً في تاريخنا الفكري؛ خاصةً عند تعلقها بـ أحمد بن حنبل وما حدثَ بينه وبين السُّلْطَةِ القائمة آنذاك، ممثلةً في الخليفة المأمون والمعتصم والواثق.

وتتلخَّصُ قضيةُ ما يُطلَق عليه «المحنة»(١) في أن المأمون دعا إلى القول بخلْق القرآن، واختبرَ بعضَ العلماء في ذلك، ومَن امتنع؛ كان جزاؤه الحبس والتنكيل، وعلى رأس هؤلاء الممتَحَنين الرافضين للاستجابة لدعوة المأمون في القول بخلْق القرآن، كان: أحمد بن حنبل، ولقد تعرض ابن حنبل في هذه القضية للحبس وبعض التعذيب، وضُربَ بالسَّوْطِ حتى أُغْشي عليه(٢).

لقد رأى أتباع ابن حنبل أن هذا نوع من الاضطهاد ضد إمامهم، ولكن ليتهم قدَّروا الأمر قدْره، وتكلموا فيما حدثَ فقط دون مبالغات وأسطرة، ولكن، ومن المنظور النفسي، فإن ابن حنبل خرجَ من قضية الامتحان هذه مختلفًا عمَّا كان قبلها، ولو أن المأمون ومَن تَبِعَهُ من الخلفاء لم يمتحنوا ابنَ حنبل؛ لَمَا حاز ابنُ حنبل نصفَ هذه المكانة والقداسة التي أُضْفِيَت عليه؛ ولكن يبدو أن بعض الحُكَّام يساهمون في تلميع بعض الناس مِن حيث أرادوا التنكيل بهم، ولنا على ذلك مثال في الحقبة المعاصرة، يتمثل في إعدام سيد قطب، وفي رأيي أيضًا، أنه لو تُرِكَ دون إعدام؛ لَمَا رُفِعَ إلى مصاف الأبطال عند أتباعه، ولكن إعدامه أعطى فرصةً على طبقٍ من ذهبٍ لأتباعه كي يستثمروا هذا الأمر في تلميعه والترويج لأفكاره، ولأن بعض الناسِ كانوا يمقتون جمال عبد الناصر؛ ومِن ثَمَّ رأوا في شخصية سيد قطب، الذي عارضَ عبد الناصر وتصدى له، بطلًا يعبر عن أفكارهم، وازدادت هذه الحالةُ اشتعالًا بعد إعدامه، وإعدامه هذا كان العامل الأبرز في تلميعه والتفات كثيرين لأفكاره أكثر من غيره.

وهكذا في القديم، فما تعرَّضَ له ابن حنبل، تم استثماره على يد أتباعه أشد الاستثمار، وتم وضْع ابن حنبل في مقام لا يضاهيه فيه أحد، وقد ذهبتْ بعضُ المبالغات في حقه إلى القول بأنه أثناء ضرْبه بالسوط في المحنة، سقطَ سرواله، فحركَ ابنُ حنبل شفتيْه؛ فعادَ السروالُ إلى مكانه(٣).

ومما يدل على تعامل أتباعه معه بمنطق التقديس، واستثمارهم لِمَا يقال عنه «المحنة»: ما أورده ابنُ الجوزي في كتابه: «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، والذي أوردَ فيه عددًا مِن المنامات، التي رأى فيها كثيرٌ من أتباع ابن حنبل أنها مناقب وفضائل لشيخهم، ومن هذه المنامات، على سبيل المثال: أن الإمام الشافعي أرسل الربيع بن سليمان برسالة مكتوبة إلى أحمد بن حنبل، فَحْوى هذه الرسالة يدور حول: أن الشافعي رأى النبي، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، في المنام، فأخبر النبيُّ الشافعيَّ بأنْ يكتب رسالة إلى أحمد بن حنبل، وأن يبلغه سلام النبي له، ويقول له: إنك ستُمتحن وتُدعى إلى خلْقِ القرآن؛ فلا تُجبْهم؛ يرفع اللهُ لك علمًا إلى يوم القيامة(٤).

أرأينا هذه الإيحاءات؟ النبي -طبقًا للرواية السابقة- يدعو ابن حنبل إلى عدم القول بخلْق القرآن، وهذا إسقاط شنيع للأيديولوجيا الحنبلية وتحميلها للنبي، أي أنهم يحاولون استنطاق النبي بمذهبهم رؤيتهم، وهذه النقطة لها حمولة ضمنية غير واضحة بشكل كافٍ، وهي: أنه طالما تم استنطاق النبي بمذهب أحمد بن حنبل ورؤيته؛ فبالتالي، مَن يعترِض على أحمد بن حنبل بعد ذلك؛ يكون قد اعترضَ على النبي، هذه نتيجة متوقَّعَة طالما أن هناك محاولة لتحميل النبي مذاهب وأيديولوجيات ظهرتْ بعد وفاته.

إننا هنا أمام حالة مظلومية يدَّعيها الحنابلة لإمامهم، أو يبالغون فيها، وقد أحسنوا استغلالَ هذه القضية، وارتفعوا بإمامهم إلى درجة القداسة، بل والخرافة، التي قمتُ بالإشارة إليها في العنوان، خرافات ينسبونها إلى إمامهم، سواء أكانت رؤى منامية أو تعظيم وتبجيل مُلفِت، هذه الحال بدورها أفرَزَتْ نوعًا من التبعيةِ العمياء في هذه القضية عند المنجرفين خلف إمامهم، ولقد يَصْدُقُ قولنا هنا: إنه لولا الاحتكاك الذي حدثَ بين أحمد بن حنبل وبين بعض خلفاء الدولة آنذاك؛ لَمَا وصلَ ابن حنبل إلى هذه المكانة من التقديس ولا اقتربَ منها.

ويزيد مِن دعْم رؤيتنا لهذه القضية: أن هناك مَن امتُحِنَ غير ابن حنبل في القول بخلْقِ القرآن، مثل: أحمد بن نصر الخزاعي، والذي لم يُمتحَن مثل ابن حنبل فقط؛ وإنما امتُحن أشد منه، إلى درجة أنه تُوفي في السجن على إثْر امتحانه وتعذيبه(٥)، وهنا لا يمكن أن تمر مثل هذه اللمحة مرور الكرام، إذ لو كان من ضمن معايير مكانة أحمد التي يُمتَدَح بها أنه ثبتَ في المحنة وتعرض للأذى وتحمل ذلك في سبيل الله -كما يُقال عنه-، فما الأمر إذًا بالنسبة لمَن تم إيذاؤهم أكثر منه إلى درجة الوفاة لا الضرب فقط، كما في مثال أحمد بن نصر الخزاعي؟ هنا تترجح كفة ما نذهب إليه، من أن الحنابلة قد تلقفوا الواقعة واستثمروها غاية الاستثمار، ومما مكَّنهم من ذلك: الانقلابُ الذي قام به المتوكل العباسي، وتقريبه لابن حنبل وأتباعه، واضطهاد المعتزلة؛ وبالتالي تكون الساحة قد خَلَتْ للحنابلة وأساطيرهم عن المحنة، ونحن نعلم أن التاريخَ يكتبُه المنتصر، وعلى هذا الأساس؛ تم تلميع ابن حنبل مِن قِبَلِ أتباعه، خاصة بعد وجود هذه الأرض الخصبة المُعَدَّة لهم.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...........................

هوامشُ المقالةِ:

(١) مصطلح «المِحنة» خير دليل على ما نذهبُ إليه من أن أتباع ابن حنبل حاولوا استثمار ما حدث من مواقف له في امتحان قضية خلق القرآن، للمبالغة في ادعاء المظلومية، ومِن ثَمَّ رسْم صورة ملائكية عن إمامهم ومواقفه.

(٢) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، (ط١، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٩٨٣م)، ج ١١، ص ٢٣٧: ٢٤١، ٢٥١.

(٣) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ٢٥٥.

(٤) يُنظر: ابن الجوزي، «مناقب الإمام أحمد بن حنبل»، تحقيق: محمد أمين الخانجي، (ط١، القاهرة، مكتبة الخانجي، د.ن)، ص ٤٥٥: ٤٥٦.

(٥) الذهبي، «سِيَر أعلام النبلاء»، ج ١١، ص ١٦٦: ١٦٨.

في المثقف اليوم