عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

عبد الأمير كاظم زاهد: الفارابي والنائيني.. تأملات في مشروعاتهم السياسية

أبو نصر الفارابي المعلم الثاني والفيلسوف المتقدم الذي غطت شهرته الافاق لأنه المؤسس الحقيقي للدراسات الفلسفية الإسلامية، فكل ما جاء به الفلاسفة بعده له صلة في ما عرفناه من آرائه وفلسفته فقد درس الفلسفة اليونانية دراسة الخبير العالم واجمل ما فيه انه لم يقف على العقل النظري منها بل اسهم بدراسات العقل العملي وابدع في مجال السياسة والاجتماع لا سيما في كتابة (اراء اهل المدينة الفاضلة) فقد كان سفرا مهما في العلوم المدنية وكان قد كتبه سنة (330هـ) في نهايات عمره وجهده الفلسفي

ينتمي الفارابي الى مدرسة الفكر اليوناني المتفهم بعقل إسلامي ولعصره خصائصه وظروفه وملابساته الزمنية ومدرسته هي (المدرسة المشائية الكلاسيكية الإسلامية) وعصره عصر الازدهار الفلسفي عصر الترجمة عن اليونانية، فقد تعلم الفارابي اليونانية ودرس فكرها الفلسفي جيدا وترجمها وفهمها فهما موضوعيا ونقدها وأفاد منها لاثراء فلسفته الإسلامية وقدم رؤيته السياسية

وللفارابي مشروع سياسي اسماه (اراء اهل المدينة الفاضلة) رسم فيه خارطة صنع المجتمع الفاضل من خلال خصال (الرئيس) الذي يمتلك القدرات الأفضل علميا واخلاقيا والقدرات الجسمية والعقلية، ويرى الفارابي ان يكون الرئيس فليسوفا يملك الى حد كبير قدرات الأنبياء ومن قدراته يستمد شرعيته اذ كماله العقلي والروحي هو الذي يحقق للمجتمع الفضيلة والسعادة القصوى وليس من انتخاب عموم الناس لان التصويت عام وحق دستوري للجاهل العالم فلا يتفقان على الشخصية المتفردة.

 ويرى الفارابي ان شكل الدولة ان تقبل المدينة (البلد) بفكرة رئيس كامل القدرات بينما المدينة (الجاهلة) تسعى وراء المال واللذة والسيطرة ولا تفكر ابدا في الكفاءة العلمية لمن سيدير البلاد لذا يرى الفارابي ان نظريته تؤسس لنظام نخبوي (تكنوا قراط) يعتمد في كيانه الحكومي كله على معيار كفاءة المكلف بالإدارة العامة لاحدى مؤسسات الدولة

وعند الفارابي مفهوم فلسفي للحرية فهي ليست مطلقة انما محكومة بمقتضى قيم الفضيلة فالمدينة التي يفعل كل الناس فيها ما يشاؤون بغرائزهم دون ضابط أخلاقي يسميها المدينة الجماعية بمقابل مدينة النخبة العالمة والواعية والمستقيمة وهو بذلك يبني نظاما سياسيا يقوم على فكر فلسفي يبحث في ما ينبغي ان يكون عليه الحكم الرشيد ويرسم الطريق لكي تحصل المجتمعات على السعادة والطمأنينة والكمال وأوضح ان (النموذج المضاد) فيما سماه المدينة الجاهلة لبيان منظومة ضدية للمجتمع الفاضل وفي هذا المجال اكد على عاملين هما ان امدينة الفاضلة تتامل كثيرا حتى اختار المنهج السياسي الصحيح، ووترسخ الأخلاق الوطنية للأفراد التي لا تتحقق الا بنظام تربوي رفيع المستوى يستمد جوهر مضامينه من صفات الحاكم (الفيلسوف) الذي هو القدوة والنموذج وفي هذا نجد مشروعا تتمازج فيه الفلسفة والدين والعقل، فهي ليست فلسفة لاهوتية ولا فلسفة محضه وانما فلسفة اجتماعية أخلاقية ذات طبيعة عملية، فكتابه (المدينة الفاضلة) ذروه مشروعه السياسي ومصداق نظامه الفلسفي ومن الأمور اللافتة انه دعم ذلك بكتاب اخر اسماه (السياسة المدنية)

 وجميل ان الفارابي يستنكر الخضوع للرؤساء الجهلة والمنافقين الذي يتسترون بانهم رجال الدفاع عن الدين في حين انهم يرسخون الأسس الفعلية للمدنية الجاهلة والفاشلة والهشة وبذلك يؤسس هؤلاء رؤية غير عقلانية وغير أخلاقية وحياة متدنية.

 ويتطرق الفارابي الى ان نظام المدن (الأوطان) ينبغي انه ينسجم ويتلائم مع نظام الكون الذي تكون أجزاؤه مترابطة ومنتظمة ومتعاضدة ليخلق فعلا الانسان كخليفة لله في الأرض، وبهذا يسطر الفارابي نظرية معرفية في التدبير السياسي قوامها الجمع بين الحكمة الفلسفية والوحي الإلهي والقيم الأخلاقية

 وبما ان الوعي أساس لكل معرفة فقد طرح الفارابي نظاما معرفيا للسياسة فالسياسة عند الفارابي ليست فقط في العلاقة بين الحاكم والمحكوم بل انها تشمل دراسة الاخلاق المجتمعية ومن يمتلك ترقية المجتمع وعنده ان الإصلاح لا يأتي الا عن طريق تفرد راس السلطة ومدبر المدينة العالم الانموذج في الفهم والاستقامة

 اما النائيني فهو عالم دين ومفكر اصولي من الطراز الأول توفي بعد قرابة الف سنة من رحيل الفارابي وكان عصره يمثل نهايات عصور الانحطاط والتداعي الفكري والحضاري، وقد ادركت الشعوب عواقب الاستبداد بعد انه عرفت مرارته، وأصيب وعيها بشلل تام فلم تعد قادرة على العيش مع مرارته ولكنها عاجزة عن اكتشاف طريق الخروج من المأزق الحضاري والأمة في الفجوة بين (عصور الاستبداد وعصور الاغتراب) حتى ظهرت أطروحة النائيني فهو ليس فقط عالما بالدين والشريعة ومناهج الاجتهاد انما هو مفكر سياسي واحد أعمدة الفكر السياسي العالمي الكبار

 فمقابل: أطروحة المدينة الفاضلة للفارابي طرح النائيني نظرية (الدولة المدنية الدستورية) وهي دولة المؤسسات وسيادة القانون وانهاء عصور الاستبداد، وعندما يعد وجود رئيس بمواصفات الأنبياء صعب ونادر كما يقول الفارابي فانه اعتمد على قدرات العقل الجمعي الواعي لإختيار (مجلس امة) من العلماء القادرين على تمييز الأشخاص والافكار ليختاروا الاصلح والامثل رئيسا للبلد واذا كان منهج الفارابي عقليا وتجريديا اقرب الى المثالية فان منهج النائيني منهج اصولي تحليلي عقلي له نتائج عملية قابلة للتطبيق لحل ازمة الحكم الصالح واذا كانت الشرعية عند الفارابي تستمد من كمال شخصية الرئيس العقلية والأخلاقية فهي عند النائيني خلاصة وعي الامة وناتج تفكيرها الذي يميز الأشياء وان الأفكار التمهيدية عند النائيني ان منصب النبوة بكل سماته هو نموذج الحاكم الذي يجب ان تختاره الامه الواعية كقدوة اما ما عداه فانه انموذج عند النائيني يعد غصبا للحق الإلهي في تولية الاصلح واختيار الاصلح هو (جوهر نظرية الاستخلاف)

 وعليه فان الشرعية عند النائيني تنبع من (رضا الامة الواعية) ومشاركة نخبها في مجلس نيابي وحكومة خبراء وقضاء متقدم علميا واخلاقيا وتحدد فيه صلاحيات الحاكم لئلا يتاح له ان يكون مستبدا وقد اعتبر النائيني ان الحرية للإنسان لا تستمد الا من القانون الطبيعي فهي حق فطري ولأنها جزء من النظام الكوني فأنها ليست مطلقة لان قدرات الأجزاء الكونية محددة بمجالات عمل الاخريات، فهي مقيدة بالحقوق الاخرى ومقيدة بمتطلبات بقيه أجزاء الكون الطبيعة الكونية بينما هي عند الفارابي بانها تلك التي توصل الى الفضيلة فالهدف واحد يعبر عن جوهر واحد بيد ان المقدمات والطريق مختلف والمقصود – انها عند النائيني (من موجبات القانون الطبيعي فان ذلك يعني انها حق لعموم الانسان بغض النظر عن الدين والعرق والمذهب والراي وللتطابق بين القانون الطبيعي ونظام الحقوق التي تبنته الشريعة فهي فريضة على الحاكم وعلى الامة للأفراد وهي الحالة المضادة للاستبداد

مما تقدم نجد صلة فكرية بين اراء الفارابي في كتابة (اراء اهل المدينة الفاضلة) واراء النائيني في كتابة (تنبيه الامة وتنزيه الملة) في انهما معا يبحثان عن كيفية إقامة مجتمع سياسي واع وناضج ورشيد وحاكم مستقيم وعالم، رغم اختلاف العصور والمجال والمفاهيم ويظهر:

1_ ان علم الاجتماع السياسي: يقرر ان أطروحة الفارابي أطروحة مجتمع يصنع الدولة واطروحة النائيني أطروحة برلمان يصنع الدولة

2- عند الفارابي ان الوظيفة الأساسية للحاكم صناعة انسان رفيع المستوى معرفيا واخلاقيا بينما عند النائيني ان وظيفته حفظ المصالح وإقامة العدل ومنع الاستبداد. فكلاهما لا ينظران للسلطة انها غاية بل وسيلة لتحقيق غايات نبيلة

3- الفارابي يقابل اهل المدينة الفاضل بالمدينة الجاهلة تلك التي ينقصها الوعي العلمي وتنقصها الاخلاق الحميدة فتسعى للمال والجاه والسيطرة لتخلق نظاما فاسدا وان انحراف السلطة أساس فساد المدينة عند الفارابي بينما عند النائيني فان النقيض للدولة الدستورية الملك الاستبدادي الذي يؤدي يؤدي الى خراب الأرض وخيبة الانسان

4- والمعرفة عند الفارابي: هدفها تحقيق تصور صحيح للخير والسعادة اما النائيني فالمعرفة هي معرفة حقوق الانسان وواجباته، فهناك تقارب بنيوي وفلسفي بين المشروعين

والسؤال المشترك بين المشروعين كيف نخلق سلطة تخدم الخير العام ولا تتحول الى أداة للفساد والنهب والاستبداد وتضييع الحقوق فعند النائيني الحل بأقامه دولة مقيدة وملتزمة بالدستور وتسعى لحفظ المصالح وإقامة العدل بينما عند الفارابي بتحقيق السعادة التي تحقق وعيا وحرية تحقق سمو انساني وتقيم دولة عادلة بالمعرفة والفضيلة، بينما النائيني بالوعي السياسي ونقد الاستبداد والرقابة والمساءلة

فالمعيار بتجاوز أرادة الحاكم الفرد (من صفات الاستحواذ وتملك الأرض والانسان الى الى صفات الرئيس الحكيم العادل الاخلاقي، وعند الفارابي الحل في الصفات الكمالية وعند النائيني بالتزامه بالاطار الدستوري

فهما مشروعان احدهما ينطلق من فلسفة الحاكم الفاضل والأخر من فلسفة الدستورية الفاضلة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

في المثقف اليوم