للكاتبة فوز أبو سنينة
أعود بذاكرتي إلى سنوات الطفولة الأولى فتترقرق أمام عيني صور تلك السقطات المنسية على أرصفة الحيّ القديم، آنذاك كان الارتطام بالأرض تبادلاً كيميائياً خاطفاً بين جسد نضير طريّ وطين أزليّ لا يرحم، فكانت الركبة الصغيرة هي المحطة الأولى التي تعلن انكسار الهيبة الطفولية وشعور الفجيعة الطازج أمام جاذبية الأرض، وكان الغبار العالق بها يمثل البصمة الأولى لوجودنا الماديّ الشاخص في هذا العالم.
كبرنا وكبرت معنا السقطات، واستحالت خدوش الركب إلى ندوب غائرة في الروح، غير أنّ طعم التراب وعَبَق الغبار الجاف اللذين استقرا على مفصل الحركة ظلّا يشكّلان الشاهد الحي على أننا مررنا من هنا، وأننا انحنينا، وسقطنا، ثم نهضنا ونحن نحمل آثار الأرض على أجسادنا.
ومن هذا المنفذ الوجداني السردي الشفيف أجدني أقتحم عالم المجموعة القصصية "غبار على ركبتي" للكاتبة فوز أبو سنينة، والصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع، لأجد نفسي أمام نص يغوص في العمق التأويلي والجمالي للإنسان المعاصر، مقدمة تشريحاً نقدياً ونفسياً لبنية السقوط، والغياب، وتلاشي الزمن، وانفصال الروح عن الجسد في لحظات المواجهة الكبرى.
تبدأ الرحلة النقدية من العتبة النصية الكبرى، أي العنوان الموزون بسيميائية مثقلة بالإيحاءات "غبار على ركبتي" فاختيار هذه الجملة الاسمية الشارحة يضع القارئ منذ اللحظة الأولى أمام ثنائية العلو والهبوط، الثبات والهشاشة، فالركبة هي المفصل الحركي الأهم في الجسد الإنساني، وهي الركيزة التي تحمل ثقل الكائن وتمنحه القدرة على الانتصاب، والمسير، والمواجهة، غير أنها في الوقت ذاته المفصل الأكثر عرضة للانحناء والخضوع ولثم التراب.
أما الغبار، فهو الذرات المتطائرة من المادة الأولية للوجود، وهو التجسيد البصري للأثر، والزمن المتراكم، والنسيان، والحزن الصامت، فعندما يلتقي الغبار بالركبة يتشكل المشهد السيميائي المكثف لاتساخ طارئ، وإعلان عن فعل السقوط أو الانحناء، وإشهار للندبة الجسدية والنفسية التي تتركها الحياة على الكائن أثناء رحلته العابرة.
وتتأكد هذه الرؤية بالعتبة الإهدائية التي تصدرت المجموعة: "إلى كلّ ما التصق بي حين لم أكن أملك إلاّ أنْ أنحني... وإلى كلّ ما بقي عالقاً بي بعد أنْ مررت" لتتحول المجموعة برمتها إلى مدونة نقدية للآثار والندوب العالقة في الروح بعد كلّ انحناء إجباري أو اختياري أمام سطوة.
في النص الافتتاحي المعنون بـ "بين الأرض والسماء" تضعنا القاصة أمام المعادل البصري والسيكولوجي الافتتاحي المتمثل في تجربة القفز المظلي من الطائرة المروحية، وهي تجربة اختشاعية تتجاوز المغامرة الرياضية لتصبح استعارة كبرى للوجود الإنساني المعلق في الفراغ.
تبدأ الراوية باعتراف وجداني ينمّ عن نزوع ميتافيزيقي للتحرر: "لطالما أردت أنْ أسقط من السماء، أنْ أكون كبقعة ضوء تتدلى من سلسلة فضية على جيد رفيع، شيئاً خفيفاً، لا يُمسك، ولا يخشى الارتطام" غير أنّ هذا التوق للخفة المطلقة يتصادم فوراً مع الثقل الفيزيائي والنفسي داخل المروحية المتمايلة، فتتحول الرجفة المتسلسلة إلى الجسد، وصوت المحرك المجهد، والتنفس المتسارع إلى مؤشرات حيوية على الخوف الإنساني الأزلي من الضياع في المجهول.
إنّ اللحظة التي تقف فيها الراوية عند باب الطائرة متصلةً بالعالم فقط بكعب قدمها هي اللحظة الحديّة الفاصلة بين الانتماء للأرض والاندياح في الفراغ المطلق.
وتتجلى في هذه القصة فلسفة السقوط كعملية تفكيك للوعي الذاتي، فحين يُدفع الجسد نحو الهاوية لا يطير الإنسان كما توهمت الخيالات الرومانسية، فهو يكتشف ثقله وسقوطه السريع المحتوم، وتصف الراوية تلك اللحظة الحرجة بدقة بالغة: "تسحبنا الأرض بسرعة، أسرع فأسرع. وفي تلك اللحظة، حين شعرت أنني لم أطر، وأنني فقط أسقط، وأنّ النهاية أقرب مما توقعت... فتح المظلة تغير كل شيء دفعة واحدة" فالمظلة هي الاستعارة الكبرى للوعي، أو الفن، أو الحب الذي يتدخل في اللحظة الأخيرة ليلطف حدّة الارتطام، وليمنح الإنسان الهزّ الخفيف الذي يتيح له التفكير والنظر إلى البيوت والأشجار كألعاب بلا ملامح.
غير أنّ العودة إلى الأرض، ولثم التراب بالقدمين تعيد للجسد ثقله كاملاً، وتترك الروح معلقة في ذلك الفراغ الأوسط بين السماء والأرض في حالة من عدم اليقين الممتد الذي يتساءل عما إذا كان الشيء الساقط داخلنا قد استقر فعلاً أم ظل معلقاً هناك إلى الأبد.
وتنتقل السردية النقدية في القصة الثانية "شيء يشبه الفراغ" من السقوط الميتافيزيقي العالي إلى تأمل الحركة البطيئة جداً على هامش الرصيف من خلال المراقبة السيميائية المكثفة لكائن الحلزون، إذْ تبدأ القاصة بتأسيس طقس يومي قائم على تفقد الأشياء الصغيرة الحجم والمهملة من غصن معكوف، وبرعم أحمر يتثاءب، وبيت عنكبوت فارغ يكسوه الغبار، ونمل يتحرك باتجاه واحد.
هذا الهبوط في مستوى النظر نحو الأسفل هو استراتيجية نقدية تبتكرها الذات لتذكر مكان النهايات والوقوف على أطلال الحركة، فيظهر الحلزون في وسط الشارع الشاسع، يجر بيته فوق ظهره بثبات شامخ وكأن أمامه وقتاً لا ينفد ليمثل الكائن المتكامل الذي يحمل وطنه ومأواه ومقبرته على كاهله في مقابل الإنسان التائه الذي يفتقر إلى هذا الامتلاء الداخلي.
ويتحول الموقف السردي عندما تتدخل الراوية بدافع الشفقة أو الرغبة في الإنقاذ، فحين تقترب سيارة مسرعة تهدد حياة الحلزون البطيء تنحني الراوية، وتحمله من صدفته القاسية، وتقطع به الشارع لـتنزله أَمِناً فوق العشب عند جانب الرصيف، غير أنّ هذا التدخل البشري القسري الذي يهدف ظاهرياً إلى الصنيع الإيجابي والإنقاذ يؤدي في اليوم التالي إلى فجيعة صامتة فترى الراوية الصدفة ذاتها باهتة بلا حركة ولا خيط رفيع بعد أنْ تحول البيت الذي حملته يداها إلى كفن مغلق.
وهنا تتجلى المفارقة النقدية الفلسفية، فالتدخل في مسار الكائنات، واقتطاعها من إيقاعها الخاص للنجاة القسرية قد يكون هو السبب المباشر في موتها الصامت لتتولد لدى الراوية عقدة ذنب بصرية تجعلها تعود إلى منزلها وهي تجر قدميها بخطوات حذرة متمسكةً بقرار حاسم ألا تنظر إلى الأسفل ولو لمرة واحدة هرباً من مواجهة أثر يديها في صنع الفراغ والعدم.
أمّا في قصة "صفحة أخرى" تلج القاصة فوز أبو سنينة إلى ممارسة نقد الميتا-قص لتصبح عملية الكتابة موضوعاً للسرد، وتتحول الدفاتر والأقلام والأحبار إلى شخصيات نابضة ذات أبعاد سيكولوجية ووجودية.
تتأمل الراوية دفترها الزهري اللامع بشيء من النفور والريب مشيرةً إلى أنه لم يعد يعطيها تلك الرعشة التي كانت تهزّ كيانها عند اللمس، ويكمن التفسير السردي لهذا التحول في التلوث الدلالي للصفحات، فكيف لدفتر زهري أنْ يحتمل قصة قاسية عن أم تضرب ابنتها لأنها سكبت الحليب؟ أو قصة طفل صغير ابتلعته سيارة مسرعة أمام أمه المذهولة؟
وتتشابك ألوان الحبر الأزرق والأخضر والأحمر لتحدث فوضى بصرية تزعج الذات الشغوفة بالحبر الأسود الخالص، ذلك الحبر الذي يشبه السواد الذي تركته عجلات السيارة في الشارع، كما تتكامل المأساة النصية في القصة بوجود البقع البنية والدموع المنسكبة ونقاط البلل التي تشوه حواف الكلمات في الصفحة العشرين والثمانين.
إن القصة التي كتبت عن السيدة العجوز التي تشتري الخبز اليابس لتفتته للحمام في ساحة المدينة هي واقع يمارس سطوته السحرية على الراوية، فعندما تغلق الدفتر بكراهية وتخرج لشراء دفتر أبيض نظيف لا يعرف شيئاً بعد تتدحرج قدميها طوعاً نحو المخبز، وتشتري الخبز اليابس ذاته، وتتوجه إلى الساحة نفسها لتنثر الفتات للطيور، فتكتشف الراوية بابتسامة باهتة أنّ حياتها الواقعية ليست سوى تكرار ميكانيكي لما خطته يدها سلفاً على الصفحات الزهرية، فالكتابة في عالم فوز أبو سنينة هي استباق قدرِيّ محتوم يورث الكاتب شؤماً وتجربة حية للحبكة قبل وقوعها.
وتتعمق التيمة الزمنية والمكانية في قصة "رقم في دائرة" التي تقع دلالياً ضمن دائرة مرايا الذات والتداعي النسوي أمام سلطة الزمن الحاكم، وتبدأ القصة بدخول الغرفة الصامتة حيث لا يوجد سوى صوت الساعة الذاتي التواتري: "تك... توك... تك... توك"، وانعكاس الخيال المتردد في المرآة، فالساعة كائن هيغلي يتغير ويتطور، يلتهم اللحظات ويضبط إيقاع القلب المضطرب.
تجلس المرأة أمام المرآة لتوزع كريم المرطب على وجهها، غير أنّ البياض يتسلل فجأة إلى شعرها دون أنْ تلمسه، وتظهر الشرايين البارزة على ظهر الكف كأخاديد محفورة في أرض قاحلة، وتجتاح الجسد نوبة حَرّ شديدة في عز البرد معلنة عن التحول البيولوجي والأنثوي الحاسم الذي ينقل المرأة من زمن الشباب إلى زمن الشيخوخة المباغت.
وتنسجم الصورة التأويلية عندما تتداخل حركة عقارب الساعة الدائرية مع حركة المرأة أمام المرآة فتصبح المرأة مجرد رقم صغير داخل المينا الدائري الكبير، تمدّ يديها لتمسك بعقرب الثواني المسرع دون أنْ تنجح، ويحدث الانصهار السيمبيوزي بين الذات والزمن عندما تشعر البطلة برغبة في الخروج، غير أنّ المرآة تعكس صورة الساعة وحدها بعد أنْ ذابت الذات البشرية في الداخل الدوار.
وتمدّ المرأة يدها لتحسّس وجه الساعة الساخن، فتتفاجأ بأنّ اليد الممتدة يد جدتها المتغمدة بالخطوط والوهن، لتتكسر حدود الفردية وتصبح خطوط الزمن متوارثة بيولوجياً ونفسياً بين أجيال النساء.
فالمرأة الماثلة في الغرفة تتجرع مرارة الشيب والانكماش التي تجرعتها الجدة من قبل، بينما يتواصل الصوت الدوار: "تك... توك" ملغياً الفارق بين نبض القلب البشري ودقات العقارب الصماء.
تستكمل القصة الخامسة "الثامنة وخمس دقائق" هذا الصراع الأنثوي الأليم بين الزمن الخاص المقتطع للاستجمام والذاتية، وبين الزمن الأمومي الاجتماعي القاهر الذي لا يرحم، فتخلق البطلة طقساً يومياً ساحراً في تمام الساعة الثامنة مساءً إذْ تضيء المرآة الذكية بالأصفر الخافت، وتشعل الشموع الحمراء والصفراء المعطرة برائحة المسك الأبيض، وتشغل بيتهوفن أو فيفالدي، وتغمر جسدها في البانيو المليء بالماء الساخن ورغوة الصابون الأزرق محاولة بناء غروب خاص بها، تنزع فيه روب الحمام وكأنها تنزع ثقل اليوم الشاق بأكمله عن كتفيها، لتذوب المتاعب والأوساخ والضجيج في الغيمة البيضاء الخفيفة، ويمثّل الحمام الاستجمامي محاولة للهروب نحو الفراغ السعيد، والتوقف عن التفكير، واستعادة حدود الجسد المستقلة.
غير أنّ هذه اليوتوبيا الأنثوية العابرة لا تلبث أنْ تتشقق عند نداء الطفلة القادم من الخارج: "ماما... ماما" فيتوقف الزمن الخاص فجأة، ويتسلل البرد إلى الماء الساخن، فتضطر الأم إلى الاندفاع الخاطف، والقيام بـطقوس مبتسرة وسريعة فتختصر زيت الجسد، وتتغاضى عن السيروم المضاد للشيخوخة، وترتدي ملابس النوم بعجل أمام المرآة المغبشة التي تعكس وجهاً نصف مكتمل وخصلات مبللة.
إنّ فتح الباب للطفلة المنتظرة بابتسامة يمثل لحظة الانكسار والاستسلام اللذيذ لسلطة الأمومة؛ حيث تتلاشى الموسيقى والشموع والمسك أمام الدفء البشري الصادق، وتكتمل المفارقة الزمنية القاسية حينما تنظر الأم إلى الساعة فتجدها تشير إلى الثامنة وعشر دقائق فقط، عشر دقائق كانت كافية لهدم العالم الذاتي الشاعري وبناء العالم الأمومي الوظيفي معلنةً أنّ المرأة الأُم لا تملك من وقتها سوى لحظات مسروقة تتآكل باستمرار.
وفي قصة "قطعة ضوء" تتناول الكاتبة موضوع العثور على أوهام الماضي واجترار الخيبات العاطفية من خلال جسم معدني ملقى على الأرض، فتجلس الراوية قرفصاء تزاحم التراب لتلتقط قطعة معدنية متآكلة الحواف تشبه الدمعة، انمحت عنها الحروف اللاتينية بمجرد ملامستها للجلد، ليسري ثقل كبير ووخز خفيف يشبه تنميل حشرة "أم علي" الجالبة للحظ.
تطلق هذه القطعة المعدنية أصواتاً وصوراً استحضارية من ذاكرة الحب الخائب، حيث يتردد صوت الحبيب القديم: "أنتِ لي... أنتِ عالمي"، وتتجسد صورته البراقة وهو يقدم الخاتم بابتسامة ساحرة.
غير أنّ الضغط المتكرر على القطعة يفضح كذب الوهم البصري، إذ تنبثق صورة الحبيب في مقهى نيساني وهو يمارس الطقس ذاته والكلمات والوعود ذاتها مع فتاة أخرى لا تشبه الراوية.
إنّ التحول التحليلي للنص يكمن في تحول القطعة المعدنية من مصباح علاء الدين السحري والمستحضر للأحلام إلى كتلة باردة باهتة تسبب الألم الفيزيائي والنفسي للكف، فتتوقف الصور المشتهاة، ويجفّ زهر القبل، وتكتشف الراوية أنها كانت تتمسك طويلاً بما لا تملك، وتقتفي أثراً زائفاً للضوء.
تفتح الراوية كفها ببطء، وتنظر إلى القطعة بنظرة حاسمة جافة، ثم ترميها بعيداً دون أنْ تراقب أين سقطت في إشارة إلى القطيعة النهائية مع أوهام العاطفة واسترداد الإرادة الذاتية المعتصبة بالواقعية.
تتقاطر هذه الفكرة في قصة "خيط منسي"، حيث تتحول السمكة النهرية التي تحضن مللها في الماء وتلاحق انعكاسها إلى خيط منسي يتشبه بالطيور والحجارة البيضاء المحلقة في الزرقة قبل أنْ تسلّم نفسها كلياً للتيار الجارف ليقودها نحو المساحة التي لا تحدّها الضفاف.
وتفتتح القاصة القسم الثاني المعنون بـ"في حضرة الآخر" بقصة تهكمية ذات بعد اجتماعي ونفسي ناضج هي "امرأة لا تحتاج إلى إنقاذ"، وتبدأ القصة بنشر إعلان صحفي إلكتروني من امرأة في الثامنة والأربعين من عمرها، تكتب بوضوح وجرأة: "امرأة في الثامنة والأربعين تجيد إعداد القهوة الثقيلة، واتخاذ القرارات الصعبة، تبحث عن حب لا يطلب منها أنْ تصغّر صوتها، ويمنع شعرها من التساقط، أو على الأقل يساعدها على لمه".
إنّ اختيار سن الثامنة والأربعين يعكس تجاوز الذات الأنثوية لمرحلة الشروط الصبيانية السطحية كـالطول والوزن والمرتب ونوع السيارة، والدخول في مرحلة المعايير الواقعية الصارمة التي تتزامن مع بدء تساقط الشعر والتجاعيد، فالإعلان يمثل صرخة ضد الصورة النمطية للبطل الرومانسي الهوليوودي الذي يركض في الدقيقة الأخيرة لإنقاذ الأنثى الهشة.
وتتوالى الإشعارات والرسائل الذكورية المبتذلة المليئة بالقلوب والورود وعيون القطط، والتي تعرض جمل الاستقواء والوصاية: "لا تقلقي، سأهتم بكِ" لتفكك الراوية هذه الخطابات الذكورية بوعي ساخر، متسائلة إنْ كان الشعر المتساقط يخاف فعلاً أمام الرجل القوي.
تقوم الراوية بتعديل الإعلان ليصبح أكثر صرامة ومواجهة: "امرأة في الثامنة والأربعين، لا تحتاج إلى من ينقذها، تبحث عن رجل لا يخاف امرأة لا تحتاج إلى إنقاذ".
وسط هذا الركام المبتذل تبرز رسالة واحدة مختلفة تسأل بذكاء: "إذا كنتِ لا تحتاجين إلى من ينقذكِ، فماذا تريدين فعلاً؟" ويظل السؤال معلقاً بلا إجابة، بينما تقوم المرأة بتشغيل المكنسة الكهربائية لسحب خيوط شعرها المتساقطة على الأرضية، وتشرب قهوتها الثقيلة الباردة ببطء مؤكدة استقلاليتها التامة وعدم هرولتها خلف أي إنقاذ وهمي يسلُبُها حضورها المتكامل.
وتصل السردية الأسلوبية في "صدى الشاي" إلى ذروة التكثيف السيميائي في أنثربة المكان والأثاث، فالراوي في هذه القصة ليس إنساناً، إنه الطاولة الخشبية الدائرية القابعة فوق السجادة الرمادية في وسط الصالون.
تسرد الطاولة تاريخ العائلة وتحولاتها السوسيولوجية والنفسية عبر تغير أطقم الكنب الأربعة التي تعاقبت عليها عبر العقود في المرحلة الأولى مع طقم الكنب الرمادي الغامق ذي المساند العريضة. وكان الأطفال يتقافزون بملابسهم الملونة عند نداء الأم، ويتحلقون حول الطاولة المحملة بصينية الشاي المترعة بالنعناع والسكر الكثير، وتملأ المكان الضحكات المتقاطعة، وأصوات السيارات البلاستيكية، وفتات الكعك المبعثر الذي يدفئ روح الطاولة.
في المرحلة الثانية مع طقم الكنب الرمادي المزرق وكتب الدراسة يقل السكر، وتتحول الضحكات إلى إجابات مقتضبة وهمهمات حذرة، ويظهر البرد الأول مع انسحاب الأبناء إلى غرفهم الموصلة. وفي المرحلة الثالثة مع الكنب البيج ذي الأرائك الكهربائية المتحركة يصبح الأبناء كسرب طيور مهاجرة تسبقهم أجهزتهم الذكية (هواتف وتابلتس)، ويطلبون الشاي بلا سكر وبسرعة خاطفة، وتغيب قطرات الشاي والفتات تماماً.
أما المرحلة الأخيرة القاسية، فتتمثل في بقاء الطاولة وحدها مع الأم والأب وأريكتين فارغتين، لتُسكب أربعة فناجين فارغة تنتظر أرواح الأبناء الغائبين، ويشرب الزوجان الشاي بلا سكر وبصمت ثقيل يتردد فيه صدى السنين والتلاشي فالطاولة هنا تتحول إلى مدونة سيميائية ترصد موت الأسرة الممتدة وولادة الاغتراب الرقمي الحديث.
وتجسد قصة "ذات الحذاء الأحمر" مأساة الإعاقة الجسدية والتوق الأنثوي للجمال والاكتمال، فتجلس الراوية الصبية على كرسي الحارس أمام عمارة العيادات الطبية في وسط العاصمة منتظرة أمها التي تعالج أسنانها المتآكلة، وتزيح الكرسي بزاوية 45 درجة لتركز نظرها على واجهة محلّ الأحذية المجاورة، وتحديداً على فردة حذاء حمراء لامعة ذات كعب عال رفيع.
ويمثّل الحذاء الأحمر الاستعارة الكبرى للأنوثة الاشتعالية والحركة الحرة التي حرمت منها الصبية التي تتعكّز على عصا فضية وقدم واحدة سليمة، فتدخل المحل لتجرب الفردة اليسرى وهي جالسة، وتكتفي بمراقبة الانعكاس الساحر في المرآة السفلية لساق تنتهي بحذاء أحمر جميل وعصا فضية صلبة.
تتجلى المفارقة التجارية والاجتماعية المؤلمة عندما تعود الصبية للمحل وتطلب شراء الفردة الواحدة المقاس 39 بنصف الثمن (40 ديناراً)، فتجيبها البائعة بضحكة أسى غير مقصودة: "لا، الأحذية كالأقدام تلبس أزواجاً" لتتكرس المأساة في عدم اعتراف قانون السوق بالنقص الجسدي الإنساني.
لكنّ الصبية لا تستسلم لليأس، فتلجأ بإيعاز من حارس العمارة الحكيم إلى العالم الافتراضي (الموقع الإلكتروني)، فتفتح حساباً بصفة "بائعة أحذية" وتكتب إعلاناً إنسانياً مؤثراً: "مطلوب قدم يمنى مقاس 39 لمقاسمة حذاء أحمر جديد بكعب عال رفيع، ثمن الحذاء مناصفة بين القدمين"، وهذا الإعلان يمثل محاولة لخلق الثنائية التعويضية والتضامن بين الأجساد المبتورة لاستكمال حلم الأنوثة المسلوب.
وتتألق السخرية النقدية والتهكم المؤسسي في قصة "القلب 2" التي تنقد بضراوة ادعاءات النخب الثقافية والانتفاخ الألقابي، وتقع الأحداث في دار نشر بوسط البلد عندما تبحث الموظفة الراوية عن اسم الكاتب الذي سيصدر كتابه في 14 شباط (عيد الحب) بغلاف أحمر مباشر كليشيه.
تظهر الموظفة تائهة في التذكر، وتستحضر أستاذ اللغة العربية "لطفي" المتوفى الذي علمها النبل والمحبة في الصف العاشر، ويتناهى إلى مسامعها عبر النافذة المفتوحة صوت فتاة تضحك أسفل الشارع وهي تخبر صديقتها أنّ بائع الفستق المتجول قد وضع الفستق المحمص في قرطاس ورقي مصنوع من صفحة كتاب اسمه "القلب" لكاتب يتصدر اسمه ألقاب طنانة متتالية.
تمثّلت الألقاب المترادفة المضحكة في: "الباحث... الناقد... المفكر... المؤرخ... الروائي... القاص... عبد الله بن عبد الله الآدمي" لتشكل تعريفا مرهقاً يشبه حواجز التفتيش العسكرية المتتالية، وتختزل تضخم الأنا لدى الكاتب الأدبي المعاصر.
وتكمن المفارقة النقدية اللافوتية المذهلة تكمن في أنّ هذا الكتاب الضخم المثقل بالألقاب الرفيعة والمعنون بـ "القلب 2" ينتهي به المطاف مقطوعاً ليتحول إلى قرطاس مهمل يحمل حبات الفستق المحمص للمارة في الشارع.
تتهكم الكاتبة هنا من تحول المنتج الثقافي النخبوي الفخم إلى أداة تغليف بسيطة في قاع المدينة مؤكدة أنّ القيمة الحقيقية للأدب لا تقاس بتراكم الألقاب والصفات على الغلاف الأحمر اللامع، إنما تقاس بما يلامس الروح الإنسانية البسيطة ويتبقى في ذاكرتها.
في القصة الطويلة والمكثفة "بقايا كيمياء" تأخذنا الكاتبة فوز أبو سنينة إلى أوج التراكب السردي والدراما الإنسانية عبر التقاط تقنيات الفلاش باك المتعدد، فتجلس السيدة في الطائرة المستعدة للإقلاع مأخوذة برعشة الذكريات والوحدة الممتدة في قلبها كزجاجة عطر فارغة ما زالت تحتفظ بأثر الحنين، ثمّ تتذكر صديقة عمرها التي صرخت في وجهها وقطعتها في ليلة غاضبة مجهولة الأسباب ليتداخل هذا السفر الجوي مع ذكريات الطفولة البعيدة في القسم الخامس لمرضى السرطان بالمستشفى، حيث كان الطفلان المريضان "عمر" و"خالد" يخوضان معركة البقاء بالضحك ولعبة الاختباء في الخزانة البيضاء الكبيرة، ونسج الأحلام الطفولية حول ألاسكا والأهرامات وكرة القدم وميسي ورونالدو، وهم يأكلون حبات العنب الأخضر الخالص الذي لا يزعج المعدة بعد جلسات الكيماوي المؤلمة.
ويتشابك مشهد المستشفى القديم ورحيل خالد الفاجع الذي أطفأ ضحكة عمر مع مشهد الحافلة المكتظة في الحاضر عندما تلتقي المرأة بشاب مراهق شاحب الرأس الحليق، يجلس بجانب النافذة ويأكل عنقود عنب أخضر بشغف متحدثاً مع صديقه الغائب بصوتين مختلفين: "أتمنى لو لم يأخذك السرطان بعيداً... هيا تابع"، وعندما يتوقف السائق فجأة وينفرط عنقود العنب تحت الأقدام يرفض الشاب جمع الحبات قائلاً بأسى صامت: "لا بأس، لم يعد ذلك مهماً"، وينزل وهو يحضن الفراغ بذراعه المرفوعة وكأنه يمسك بكتف صديقه الشهيد.
هذه اللحظة التطهيرية تجعل المرأة تكتشف تفاهة الخصام البشري، فتخرج هاتفها فوراً وتتصل بصديقتها المقطوعة لتهتف بعيون تدمع: "كم أشتاق إليكِ" لتتحول بقايا الكيماوي والعنب إلى ترياق يعيد بناء المحبة الإنسانية.
تستمر البنية النقدية في تفكيك علاقة الكائن بالكتابة والوجود في قصة "قصة ناقصة"، حيث نلتقي بالشخصية الرئيسة "فاتنة"، وهي فتاة تعاني من صدمة الاسم؛ إذ لا تجد في وجهها العادي أو بشرتها المبتلاة بالبثور وصوتها النشاز ما يبرر تسميتها بفاتنة، فصوتها الغريب يجعل الناس يترددون بين الابتسام ووضع الأيدي على الآذان، فتعتزل الكلام وتلجأ إلى الكتابة التي باتت بالنسبة لها مخبأً بديلاً لنقل الصوت من الحلق إلى الورق.
تشتري "فاتنة" دفتراً أسود بلا اسم، وتجلس تحت شجرة بلوط قديمة لتكتب قصة عن سرب طيور يحلق كنجمة ثلاثية بيضاء، ينكسر جناح أحدها في العاصفة فيسكن تحت شجرة زيتون وينتظر للنهاية.
تتوقف فاتنة عند السؤال المعلق في نهاية الدفتر: "كيف سأنهي القصة؟"، وتخفي الدفتر والقلم في فجوة بين أغصان الشجرة وتغادر دون رجعة.
تمر السنون، ويسقط الدفتر الأصفر المغبر عند قدمي رجل تقليم الأشجار، يقعد الرجل تحت الظل، ويقرأ القصة المنسكبة بهدوء، وعندما يصل إلى السؤال الناقص يعض على خده الأيمن وتعلو وجهه ابتسامة متعبة تشبه ابتسامة طائر جرب الطيران مرة ولم ينسه.
يضع الدفتر تحت إبطه ويستكمل تقليم الأغصان وتدمير المخبأ هامساً بصوت خافت: "قصة فاتنة!".
إنّ هذا الإغلاق السردي التبسيطي يؤكد أنّ القصص الإنسانية الأكثر عمقاً هي تلك التي تبقى ناقصة، فيكملها الغرباء العابرون في الحياة بلمساتهم الدافئة.
وفي قصة "فتاة الـ لا" تعالج الكاتبة ظاهرة الرفض النفسي واللغوي لدى الفتيات المعاصرات، إذ تبدأ الفتاة جملها دائماً بالنفي والاعتراض المباشر: "لا أكرهك... لا صباح الشر... لا أريد أن لا آكل". تعجز الأم عن فهم هذا السلوك المباغت، فتلجأ إلى الدجل والشعوذة عبر الشيخ ذي اللحية البرتقالية الذي يشخص الحالة بأنها "جني الرفض"، ويطلب ضربها حتى يخرج الجني، فتطرد الفتاة الشيخ وأمها بصراخ رافض، وتلجأ الأم إلى الذكاء الاصطناعي وتطبيق "تشات جي بي تي" الذي ينصحها بصبر ولعب لعبة الأسئلة الموجبة، غير أنّ الفتاة تهزم التطبيق أيضاً بـ"لاءاتها" المتكررة لحماية خصوصيتها.
وتصل المأساة إلى ذروتها في العيادة النفسية؛ حيث يطلب الطبيب الذكي من الأم مرافقة الفتاة إلى مدرسة واستكشاف سر الاضطراب، وعند نهاية الممر الطويل بالقرب من الحمام المدرسي تتسارع ضربات قلب الفتاة، وتشد المنديل الورقي حتى يتفتت بين يديها، وتصرخ بعينين منكسرتين: "لا... لا أريد أن أدخل إلى الحمام. لا أريد أن ألعب لعبة اللمس اللعينة!".
هنا ينكشف الستار عن الصدمة التروماوية الغائرة؛ فالـ"لا" اللغوية الشاملة لم تكن سوى درع دفاعي سيكولوجي أنشأته الفتاة لحماية جسدها المعتدى عليه في الحمام المدرسي.
إنها لغة احتجاجية كاملة رفعت ضد العالم الذي فشل في حمايتها من التحرش، وتحول اللسان إلى حصن نفي يرفض الاندماج مع مجتمع يتجاهل جراح الضحايا.
وتتعمق التفرقة الجندرية والتمييز الأبوي الثقافي في قصة "حظ البنات" لتبدأ الراوية باعتراف مرير: "كنتِ أول خيبة في حياتي. وهل تعرف ابنة الأربعة أعوام معنى الخيبة؟".
التقت الطفلة بالسيارة الحمراء الصغيرة التي تعمل بالتحكم عن بعد في بيت الجدة القديم، حين عاد الأب من أوروبا بثلاث حقائب مليئة بالهدايا لتتشكل الدائرة العائلية، وعندما تمد الطفلة يدها لشغفها بالسيارة الحمراء يوقفها الأب قائلاً: "دعي الضيوف يختارون أولاً"، فينتزعها ابن عمها البالغ ست سنوات قائلاً بسخرية ذكورية مبكرة: "إنّ السيارات للأولاد فقط وإنّ البنات لا يعرفن القيادة".
يتكرس التهميش عندما يبرر الأب فوز الطفلة اللاحق بالسيارة الجديدة الموعودة أو في كرة القدم والدراجة الهوائية وتفوقها في الهندسة الميكانيكية بعبارة "حظ البنات" هذه العبارة المسمومة تُسقط الكفاءة والجهد الذاتي لتجعله مجرد مصادفة أو حظ أنثوي عابر.
تشاء الأقدار أن تدرس الفتاة الهندسة الميكانيكية، وتقود سيارات بيضاء وخضراء وسوداء وبرتقالية، غير أنها تظل عاجزة عن نسيان طعم الشراب الأسود المر والخيبة الأولى والاتهام الجاهز بحظ البنات.
إنّ القصة تقدم نقداً اجتماعياً ناصعاً لبنية التمييز المبكر في الموروث العائلي، وكيف تتحول اللعبة الطفولية إلى ساحة صراع هوياتي تشكل وعي الأنثى وتدفعها للتفوق النكدي لإثبات الذات أمام سلطة الذكور.
يفتتح القسم الثالث المعنون بـ"الذاكرة والغياب" بقصة سحرية شائكة هي "بيت قديم" في قرية جبلية بعيدة ذات بيوت تشبه القبعات الحمراء المغطاة بالثلوج، يصل غريب أسود البشرة بالقطار ويمشي خطين متوازيين ليحتمي ببيت مهجور منهار السقف، ثم يتخذ من أسفل الدرج مقاماً له، ويرتدي غطاء أبيض ويشعل النار بالحطب المنسي.
ينقسم أهل القرية في نظرهم إليه: فالبعض يراه وحشاً أو شبحاً أسود يُسقط الثريات على العشاق ويزأر كالذئاب لتشريد تجار المخدرات، بينما يحبه الفقراء وابنة الخباز والأطفال الذين يجدون أبواب البيت تفتح لهم في العواصف.
وعندما ينهار السقف على الغريب في ليلة شتوية ثقيلة يهرع القرويون ليجدوا أنّ الوحش المزعوم لم يكن سوى إنسان أسود ينزف دماً أحمر قانياً، وأسفل الدرج يكتشفون البطانية الدافئة والأوراق المليئة بالرسائل الناقصة التي تبدأ بعبارة: "إلى صديقي العزيز…".
الراوي في هذه القصة يتداخل مع الشبح والغريب، ليكشف أنّ أهل القرية كانوا بحاجة إلى خَلق "وحش غامض" لتبرير مخاوفهم وعجزهم وفشلهم الأخلاقي.
إنّ موت الغريب الأسمر وتحول أوراقه المكتوبة بالرصاص إلى الرسالة المستمرة للراوي يؤكد فكرة التضامن الإنساني العابر للترهات العنصرية والمكانية.
تتكامل هذه الرؤية في قصة "حين انتفخت الكعكة" حيث تتداخل تجربة الخبز اليومي لكعكة الشوكولاتة في المطبخ مع الهلاوس الكابوسية للسقوط في الشوكولاتة الذائبة والساعة المتوقفة عند الواحدة إلا ربعاً، لتصحو الأم وتزين الكعكة بالكريمة الزهرية من أجل عيد ميلاد ابنتها.
وتقف قصة "يد فوق التراب" كعلامة فارقة في التناص المباشر مع عنوان المجموعة القصصية، إذ تخرج الراوية في نهار ربيعي بعيد، وهي تجلس على ركبتيها دون أن تنتظر لطبقتي الغبار اللتين التصقتا ببنطالها الأسود لتتأمل دودة بنية رفيعة تزحف.
تمد إصبعها لتمس الزغب القصير، فتتكرمش الدودة كأنها تحمي سرها، ثم تعاود الزحف بثبات وبيقين تحسدها عليه الراوية لتسألها الراوية بشجن: "عندما تصيرين فراشة هل ستتذكرين أنني حملتكِ؟" ثم تنزلها بين العشب وتعود إلى المنزل وهي تنفض الغبار عن ركبتيها غير أنّ أثره يظل العالق الدائم.
تتكرر هذه الزيارة كلّ ربيع في نفس المكان بالبنطال الأسود ذاته، غير أّ الدودة الفراشة لا تعود أبداً.
وفي أحد الأعوام تجلس الراوية متسمرة على الأرض لزمن طويل حتى يبهت الضوء ويثقل جسدها، وتظل يدها الممدودة فوق التراب تجف وتبرد وتتغبر حتى تصبح شبيهة بتلك الدودة الملتفة المنتظرة.
تتأكد الراوية أنّ بعض الكائنات والأحلام محكومة بالبقاء تحت التراب وفوقه دون أن يصيبها أي ربيع.
وترتبط هذه الفكرة البغيضة بقصة "الحوت الخامس"، حيث تستلقي الراوية على سرير أبيض برائحة اللافندر وبودرة الأطفال أمام حائط زجاجي يطل على بحر هائج، ليتحول السرير إلى شبكة تسحبها للعمق، وتتحول ذراعاها وجسدها إلى حوت أبيض خامس يسبح مع الحيتان الأربعة بين اليمين واليسار في صمت أزلي.
ثم تصل تجربة الموت والبعث إلى أوجها النفسي في قصة "بطانية زرقاء، وتجلس الطفولة المريضة تحت حمى حارقة تتعدى الأربعين درجة، وتستحم بالماء الساخن في الفراش ملتصقة بملابس نومها.
يحملها والدها المذعور في المطر الغزير ملفوفة ببطانية أخيها الزرقاء التي تخالف رغبتها ببطانيتها الزهرية وفي المستشفى الأبيض يتوقف قلب الطفولة على الجهاز الصافر ثلاث مرات، وتخرج الروح لترى المروحة الرمادية وسقف الغرفة ووالدها المتمسك بيأس بيدها.
تعود الطفلة للحياة بتدخل طبي معجز، غير أنّ البطانية الزرقاء تصبح رمزاً مشؤوماً للموت والبعث فلا تستعمل بعد ذلك أبداً.
تدور الأيام والسنون، وتكبر الفتاة لـتجد نفسها في غرفة مستشفى أخرى، حيث ينام والدها العجوز بشعره الأبيض الموصول بأسلاك جهاز القلب المعطل، وتمسك الفتاة بسبابته المتعرجة وتقبله على خده الأيمن قائلة بنفس الكلمات التي قالها لها في الطفولة: "أنا هنا بابا. أنت بخير، صغيرتك هنا"، فيبتسم الوالد ابتسامة ضعيفة قبل أن يغلق عينيه مجدداً.
تتكامل هذه اللحظات الختامية مع قصة "عازف الأوكورديون" الذي يعزف أمام الكاتدرائية القديمة للجمهور الشغوف وراقصة الفلامينكو التي ترمي خاتمها في القبعة السوداء وتغيب في الاتجاه المعاكس، وقصة "علبة شوكولاتة قديمةط التي تحتفظ فيها المرأة بخصلات شعرها المصبوغة وشعيرات طفلها آدم الأولي لـتتأكد أنه ما زال معها ولا تنقطع العروة.
في خاتمة هذه القراءة النقدية نخلص إلى أنّ المجموعة القصصية "غبار على ركبتي" للكاتبة فوز أبو سنينة تشكل صرحاً سردياً متكاملاً يتجاوز السرد التقليدي ليصبح وثيقة فلسفية وسيكولوجية تضيء هشاشة الإنسان المعاصر أمام سطوة الزمن والمكان والغياب.
إنّ العودة المتكررة لتيمة الغبار والعصا والركبة والانحناء ليست مجرد تنويعات أسلوبية، فهي المنيفستو الجمالي الذي تقترحه الكاتبة للتعايش مع الندوب؛ فالإنسان في هذا العالم ليس بطلاً أسطورياً يخلو من الضعف، إنما هو كائن طيني يتعثر، ويسقط من المروحية أو فوق الرصيف، ويتألم من فقدان الأحباء وصدمات التحرش والتمييز، غير أنه يمتلك دائماً الشجاعة الكافية لـنفض الغبار عن ركبتيه، والاستمرار في المسير وهو يحمل آثار الأرض على جسده.
لقد استطاعت فوز أبو سنينة بلغة جَزْلة شفيفة، وبقدرة فائقة على التقاط التفاصيل المهملة (كالحلزون، والدفاتر، والطاولة، والحذاء الأحمر، والعنب، وبطانية الأطفال)، وأن تحول اليومي العابر إلى مطلق ميتافيزيقي يلامس الروح.
وكما بدأت هذه الدراسة برؤية طفولية وجدانية لطفلة تتأمل الغبار العالق بالركبة الصغيرة، فإنها تنتهي باليقين ذاته بأنّ الفن الحقيقي هو ذلك الذي لا يمسح الغبار عن أجسادنا فنعيد قراءته أوسمة شرف وشهادات حية على أننا عشنا، وتألمنا، وانحنينا، ثم نهضنا لنكمل القصة الناقصة بملء حريتنا وإرادتنا.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








