أقلام فكرية
زهير الخويلدي: شروط تحول الإسلام
من دين موجه للناطقين بلغة الضاد من العرب إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بألسنتها
مقدمة: يُشكل الإسلام، في جوهره الحضاري، رسالة عالمية منذ لحظة نزولها الأولى، إذ أعلن القرآن الكريم أنه «هدى للناس» و«رحمة للعالمين». غير أن هذه العالمية لم تتحقق تاريخياً كاملة في شكلها اللغوي والثقافي، إذ ظل الإسلام، في طوره الأول، مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بلغة الضاد – اللغة العربية – التي كانت وعاء الوحي ووسيلة نشره الأولى بين العرب. هذا الارتباط لم يكن عيباً بل ضرورة تاريخية، إلا أنه أصبح، مع مرور القرون، حاجزاً حضارياً جزئياً أمام تحقيق العالمية الكاملة التي تتطلب مخاطبة كل شعوب الأرض بلغاتها الخاصة، وفي سياقاتها الثقافية والحضارية الخاصة.
السؤال الجوهري الذي تطرحه هذه الدراسة هو: ما هي الشروط الحضارية الضرورية لتحول الإسلام من دين يُفهم ويُمارس أساساً من خلال اللغة العربية وتراثها العربي، إلى رسالة عالمية حقيقية تخاطب الإنسانية جمعاء بألسنتها، دون أن يفقد جوهره أو يتحول إلى دين «مُعرَّب» يُفرض على الآخرين؟ المقاربة الحضارية هنا تتجاوز الجانب اللاهوتي الضيق إلى رؤية شاملة ترى الإسلام حضارة متكاملة، قادرة على التفاعل الإيجابي مع الحضارات الأخرى، ومستعدة للاندماج العضوي مع تنوع البشرية اللغوي والثقافي. هذا التحول ليس تنازلاً عن الأصول، بل هو إكمال لرسالته الكونية، يعيد الإسلام إلى موقعه الطبيعي كقوة حضارية عابرة للحدود والأعراق واللغات.
المقاربة الحضارية للإسلام كرسالة كونية
في المقاربة الحضارية، لا يُنظر إلى الإسلام كمجرد عقيدة فردية أو نظام تشريعي، بل كحضارة شاملة تشمل العقيدة والشريعة والثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة. هذه الحضارة ليست ثابتة جامدة، بل هي ديناميكية، قادرة على الاستجابة للتحولات التاريخية دون أن تفقد هويتها. التحول المطلوب إذن هو انتقال من «عربية الإسلام» (كمرحلة تأسيسية) إلى «عالمية الإسلام» (كمرحلة إكمال حضاري). هذا الانتقال يتطلب شروطاً موضوعية حضارية، لا مجرد قرارات فردية أو فتويات، بل تغييرات بنيوية في البنية اللغوية والثقافية والاجتماعية للأمة الإسلامية.
الشرط الأساسي لهذا التحول هو الوعي الحضاري بأن اللغة العربية، رغم قدسيتها كلغة الوحي، ليست شرطاً للإيمان، بل وسيلة. القرآن نفسه أكد أنه «قرآن عربي مبين» ليُبلغ العرب أولاً، لكنه في الوقت ذاته أمر بتبليغه للناس كافة. لذا فإن التحول يعني تحرير الرسالة من قيود اللغة الواحدة، مع الحفاظ على الجوهر العقائدي والأخلاقي الذي لا يتغير.
الشرط الأول: التحول اللغوي والترجمة الحضارية الإبداعية
أول شروط التحول هو إنجاز ترجمة حضارية إبداعية للنصوص المقدسة والتراث الإسلامي إلى كل لغات العالم. ليست الترجمة الحرفية كافية؛ بل يجب أن تكون ترجمة حضارية تُعيد صياغة المعاني داخل السياق اللغوي والثقافي لكل شعب. على سبيل المثال، في اللغات الهندية أو الصينية أو الإفريقية أو اللاتينية الأمريكية، ينبغي أن تُقدم المفاهيم الإسلامية كـ«توحيد» أو «عدل» أو «رحمة» بمصطلحات تلامس الوعي المحلي، دون تشويه المعنى الأصلي.هذا الشرط يتطلب تطوير علم لغوي إسلامي جديد يدرس كيفية نقل الدلالات القرآنية إلى بنى لغوية مختلفة جذرياً (مثل اللغات غير السامية). كما يستدعي إنشاء مراكز ترجمة عالمية تعمل على إنتاج تفاسير قرآنية بلغات الشعوب، مع التركيز على الجوانب الكونية مثل العدالة الاجتماعية والأخلاق البيئية والسلام الإنساني. دون هذا التحول اللغوي، يبقى الإسلام «دين العرب» في نظر غير الناطقين به، حتى لو اعتنقوه.
الشرط الثاني: الاندماج الثقافي والتفاعل الحضاري المتبادل
ثاني الشروط هو الانتقال من «الاستيعاب» الثقافي إلى «الاندماج العضوي». في المرحلة العربية الأولى، كان الإسلام يُعرِّب الشعوب الأخرى (كالفرس والبربر). أما في مرحلة العالمية، فيجب أن يندمج الإسلام مع حضارات الشعوب الأخرى: يأخذ منها ما يتوافق مع مبادئه، ويعطيها ما يثريها. في إندونيسيا، على سبيل المثال، اندمج الإسلام مع الثقافة المحلية دون أن يفقد جوهره، وفي أفريقيا جنوب الصحراء أصبح جزءاً من التراث الشفهي والموسيقي.هذا الاندماج يتطلب قبول التنوع الثقافي كسنة إلهية («وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»). الشرط الحضاري هنا هو إلغاء أي تفوق عرقي أو لغوي داخل الأمة الإسلامية، وتحويل الإسلام إلى إطار حضاري يحتضن اللغات والعادات المحلية طالما لم تتعارض مع الثوابت. هكذا يصبح الإسلام رسالة تخاطب الهندي بلغته وتراثه، والأوروبي بمنطقه، والأفريقي بروحانيته.
الشرط الثالث: الإصلاح الفكري والعقائدي الذي يُبرز البُعد الكوني
يتطلب التحول إصلاحاً فكرياً عميقاً يُعيد النظر في بعض التفسيرات التقليدية التي ربطت الإسلام بالعروبة ارتباطاً عضوياً. يجب أن يُبرز الفكر الإسلامي الجديد أن النبي محمداً ﷺ أُرسل «للعالمين» لا للعرب وحدهم، وأن الصحابة غير العرب (كسلمان الفارسي وبلال الحبشي) كانوا نموذجاً للعالمية المبكرة. هذا الإصلاح يشمل إعادة قراءة التاريخ الإسلامي ليُظهر كيف انتشر الإسلام عبر التجارة والتصوف والزواج المختلط، لا بالسيف فقط.كما يتطلب تطوير علم كلام جديد يؤكد على التوحيد كمبدأ كوني يخاطب كل العقول، وعلم أخلاق إسلامي يُترجم إلى قيم عالمية مشتركة مثل العدالة والرحمة والمساواة. دون هذا الإصلاح الفكري، يبقى الإسلام محصوراً في تراث عربي يصعب على غير العرب استيعابه.
الشرط الرابع: السياق الاجتماعي والسياسي المستقل
لا يمكن للتحول أن يحدث في فراغ اجتماعي. يشترط وجود مجتمعات إسلامية مستقلة سياسياً واقتصادياً، قادرة على بناء نماذج حضارية ناجحة تُقدم الإسلام كبديل حضاري للنظم المادية أو الاستهلاكية. هذه المجتمعات يجب أن تكون متعددة اللغات والأعراق داخلياً، وأن تُروج للتعليم الإسلامي باللغات المحلية، وأن تفتح أبواب الدعوة للعالم كله.
سياسياً، يتطلب الأمر رفض أي شكل من أشكال «القومية العربية» التي تجعل الإسلام أداة للهيمنة العرقية، وتبني بدلاً منها «الأممية الإسلامية» التي ترى كل مسلم – عربياً كان أم غير عربي – شريكاً متساوياً في بناء الحضارة.
الشرط الخامس: الدور التكنولوجي والتواصل العالمي في عصر المعلومات
في العصر الحديث، أصبحت التكنولوجيا شرطاً حاسماً. الإنترنت والذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية المتقدمة تتيح مخاطبة ملايين الناس بلغاتهم لحظياً. الشرط الحضاري هنا هو استثمار هذه التقنيات في إنتاج محتوى إسلامي أصيل بلغات العالم، مع الحرص على الجودة الثقافية. كما يتطلب تطوير تطبيقات ومنصات تعليمية إسلامية تُقدم الصلاة والقرآن والفقه بطريقة تفاعلية تتناسب مع كل ثقافة.
التحديات والمخاطر المحتملة
رغم ذلك، يواجه هذا التحول تحديات حضارية كبرى: خطر الذوبان الثقافي إذا أدى الاندماج إلى فقدان الثوابت، أو خطر الجمود إذا رفضت الأمة اللغوية التخلي عن احتكارها. كذلك، قد يُستغل التحول من قبل قوى خارجية لتفريغ الإسلام من محتواه الثوري والأخلاقي.
آفاق المستقبل
إذا تحققت هذه الشروط، فإن الإسلام سيتحول إلى رسالة عالمية حقيقية، تخاطب كل شعوب الأرض بلغاتها، وتصبح قوة حضارية رائدة في عالم متعدد الأقطاب. سيعود الإسلام إلى دوره التاريخي كجسر بين الحضارات، وكقوة تجمع بين الروحانية والتقدم، بين التوحيد والتنوع.
خاتمة
تحول الإسلام إلى رسالة عالمية تخاطب كل الشعوب بالسنتها ليس حلماً بعيداً، بل ضرورة حضارية تتطلب شروطاً موضوعية: لغوية وثقافية وفكرية وسياسية وتكنولوجية. هذا التحول لا يعني نهاية الدور العربي، بل إكماله؛ فالعرب سيبقون حملة اللغة الأصلية، لكنهم سيشاركون في حضارة إسلامية عالمية أوسع. بهذا التحول فقط يتحقق معنى «رحمة للعالمين» على أرض الواقع، ويصبح الإسلام ديناً للبشرية جمعاء، يخاطب كل إنسان في لغته وثقافته ووجدانه.
***
د. زهير الخويلدي







