تتبع نشأة التحول
يفتتح المفكر والاقتصادي اليوناني يانيس فاروفاكيس قراءته النقدية للاقتصاد السياسي المعاصر بمفارقة مبنية على حوارية جيلية مع والده الراحل؛ إذ طرح عليه والده سؤالاً جوهرياً في بداية عهد الإنترنت حول ما إذا كانت شبكات الحاسوب ستقضي على النظام الرأسمالي أم ستعزز قبضته.
يقدم فاروفاكيس إجابة تفكيكية تجادل بأن الرأسمالية لم تعد تحتضر بفعل ثورة عمالية خارجية تقودها الطبقات الكادحة، بل ماتت بفعل آلية انتحار داخلي تسبب فيها رأس المال نفسه، وتحديداً من خلال طفرة بنيوية أنتجت نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً جديداً يُطلق عليه "الإقطاع الرقمي". ولفهم هذا التحول البنيوي الخفي، يستدعي التحليل استعارة أينشتاين الشهيرة حول الجاذبية؛ حيث يرى أينشتاين أنه لفهم الجاذبية يجب الكف عن رؤية الفضاء كصندوق مادي والبدء في فهمه كنسيج متعرج رباعي الأبعاد. وبالمثل، يتعين علينا الكف عن رؤية الفضاء الرقمي كأداة تواصل مجردة، والبدء في فهمه كبنية مكانية واجتماعية قاهرة تعيد صياغة علاقات الإنتاج والسيطرة.
يرتبط صعود هذا النمط الجديد من رأس المال، والذي نطلق عليه "رأس المال السحابي"، بسياقات تاريخية وجيوسياسية محددة شكلت جسر العبور من الرأسمالية المتأخرة إلى الإقطاع المحدث. بدأت هذه الملامح التكوينية بالتشكل عقب قرار فصل الدولار عن الذهب عام 1971، وما تلاها من ظهور نموذج "الطاغوت المالي الكوني" حيث تحول وول ستريت إلى مركز لامتصاص الفوائض المالية العالمية لتمويل العجز الأمريكي.
مع ذلك، فإن المنعطف الحاسم تمثل في الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وسياسات "التسهيل الكمي المفرط" (التوسع النقدي) التي ضخت عبرها البنوك المركزية الكبرى ما يقارب 35 تريليون دولار لإنقاذ النظام المصرفي المتهاوي، بينما فُرضت سياسات تقشفية قاسية على بقية المجتمع. أدى هذا إلى تراجع الاستثمارات المادية في الأصول الأرضية التقليدية، لتوجه الكتل النقدية الضخمة نحو بناء بنية تحتية رقمية احتكارية غير مسبوقة في قلاع التقنية الغربية.
يختلف رأس المال السحابي جوهرياً عن رأس المال الأرضي الصناعي في نقطتين حاسمتين:
أولاً: معايرة السلوك والسيطرة الفردية؛ فلم يعد رأس المال مجرد آلات لإنتاج السلع المادية، بل تحول إلى نسق خوارزمي آلي يتدخل في صياغة الرغبات وتوجيه الخيارات الإنسانية الفردية بصورة مستمرة.
ثانياً: الاستغناء عن العمل المأجور في عملية التراكم؛ فعلى عكس الآلات الصناعية الكلاسيكية التي تتطلب عمالاً يتقاضون أجوراً لتشغيلها، ينمو رأس المال السحابي ويتراكم عبر العمل المجاني التلقائي الذي يقدمه مليار من المستخدمين يومياً من خلال تفاعلهم مع هواتفهم وتطبيقاتهم، مساهمين بلا وعي في تغذية خوارزميات المالك الرقمي وتوسيع ثروته.
إن هذه العملية تعيد إحياء تحذير الشاعر الإغريقي هسيود بأن الحديد لا يقوي الأدوات والآلات فحسب، بل يغير الروح الإنسانية ذاتها؛ إذ يتحول المستخدم المعاصر بفعل رأس المال السحابي من عامل حر يبيع قوة عمله في السوق إلى "قنّ رقمي" تندمج حياته وهويته بالكامل في وسائل التحكم التي يستعملها.
التبعية الرقمية وهندسة الحروب في الشرق الأوسط
أدى هذا التحول من الربح الإنتاجي التقليدي إلى "الريع السحابي" (جني الأرباح من تأجير المنصات والمساحات الرقمية) إلى تحويل الرأسماليين التقليديين إلى تابعين خاضعين لإملاءات المنصات الكبرى لتصريف سلعهم. وتتزعم هذا المشهد صناديق إدارة الأصول الكونية الكبرى التي تركز القوة الاقتصادية في أيدي قلة تستخلص الريع دون إضافة قيمة حقيقية للاقتصاد المادي.
لكن هذا "السحاب الرقمي" ليس افتراضياً هلامياً، بل هو بنية فيزيائية مكثفة تتكون من شبكات الكابلات البحرية العابرة للمحيطات، ومراكز البيانات العملاقة التي تستهلك طاقات وموارد هائلة. ومن هنا ينبثق الرابط العضوي بحروب الشرق الأوسط عبر مستويين رئيسيين:
كممر فيزيائي للسحاب الكوني: تمثل منطقة الشرق الأوسط (وبخاصة البحر الأحمر، ومضيق باب المندب، وقناة السويس) العنق الجغرافي الحرج الذي تمر عبره كابلات الإنترنت البحرية التي تربط الغرب بالشرق. لذا، فإن الحروب والاضطرابات العسكرية في هذه المنطقة هي صراع غير معلن لتأمين أو تهديد خطوط تدفق البيانات الحيوية لرأس المال السحابي.
حقول تجارب للتحكم العسكري الخوارزمي: تحولت ساحات الحروب في الشرق الأوسط إلى "مختبرات حية" للشركات الاحتكارية الكبرى لتجريب خوارزميات القتل الممنهج، وأنظمة الرقابة الحيوية، والطائرات المسيرة المدارة بالذكاء الاصطناعي. حيث يعاد إنتاج الإنسان في هذه الحروب كـ "بيانات مستهدفة" تُحلل وتُعالج لتطوير دقة الآلات الغربية والشرقية على حد سواء، مما يجعل المنطقة حقل الاختبار الأول لـ "الاستعمار الرقمي العسكري".
من الانضباط إلى التحكم: بديل فلسفي معاصر
يقدم الفيلسوف الفرنسي جيل ديلوز في أطروحته التنبؤية حول "مجتمعات التحكم" بديلاً فلسفياً عميقاً لتفسير هذه التحولات دون الحاجة للاستعانة باستعارات عصر الإقطاع القديم. يرى ديلوز أن مجتمعات الانضباط التقليدية القائمة على الاحتجاز والتأديب داخل أسوار مغلقة (المصنع، المدرسة، السجن) قد تآكلت بنيوياً لتفسح المجال لآليات مراقبة وتحكم مرنة تعمل عبر "التعديل المستمر" والمفتوح.
لم يعد الفرد فاعلاً يتم تدجينه داخل أسوار المصنع، بل تحول إلى "فرد مجزأ" يجري تفتيته إلى حزم بيانات وشفرات رقمية تتداولها الشبكات. إن قوة السيطرة هنا لا تتأسس على المنع والحظر الفيزيائي، بل على التحفيز الإيجابي وتوظيف آليات "التوجيه الناعم" التي تجعل المستخدم شريكاً متطوعاً في عملية استغلاله الخاصة، مدفوعاً برغبة الاستهلاك وتحصيل الاعتراف الرمزي عبر الفضاء الافتراضي.
انزياح اليسار الغربي والوقوع في شرك الليبرالية الحديثة
تتوازى هذه التحولات مع إعادة تشكيل الخارطة السياسية العالمية؛ حيث شهد اليسار التقليدي انزياحاً دراماتيكياً نحو تبني أطروحات اليمين الاقتصادي تحت عباءة ما يمكن تسميته "الليبرالية الحديثة المتسترة بالتقدمية". تشير القراءات النقدية إلى أن هذه الليبرالية الحديثة لم تفرض هيمنتها بالاقتصاد الصرف والترهيب، بل من خلال "الهيمنة بالرضا". وتأسس هذا عبر تحالف تاريخي نشأ في أواخر القرن العشرين بين تيارين متباينين:
النخب التكنوقراطية المدافعة عن عولمة الشركات، والحركات الاجتماعية الهوياتية
في ظل هذا التحالف، منحت القوى التقدمية "شرعية أخلاقية وكاريزما تحررية" لسياسات الخصخصة وتدمير الصناعات الوطنية. وجرى تفريغ مشاريع التحرر الإنساني من مضمونها المادي والطبقي، واستبدالها برؤية فردانية متمحورة حول "الجدارة الشخصية" والتنوع التجميلي داخل هياكل السلطة. وبدلاً من السعي لإعادة توزيع الثروات، أصبح أفق التحرر ينحصر في تمكين نخبة صغيرة للوصول إلى مناصب قيادية في شركات التقنية والتمويل.
صعود أيديولوجيا "الساحل الغربي"
يرتبط هذا الانزياح الفكري بظهور أيديولوجيا تقنية منطلقة من الساحل الغربي الأمريكي (وادي السيليكون)، نجحت في دمج النزعة التحررية المناهضة للسلطة التي ميزت حركات الشباب الفوضوية في الستينيات مع اليمين الاقتصادي المتطرف الحامي للسوق الحرة. روجت هذه الأيديولوجيا لوهم ديمقراطية التكنولوجيا والحرية الفردية، بينما كانت تعمل كغطاء لتثبيت أصول الاحتكارات الرقمية وتسهيل استيلاء رأس المال على الحيز العام.
ونتيجة لتخلي اليسار عن قضية الحماية الاجتماعية للطبقة العاملة والشرائح الفقيرة، تفاقم إحساس هذه الفئات بالاغتراب والمهانة الاجتماعية؛ إذ واجهت هذه الطبقات تهميشاً اقتصادياً مزدوجاً بالتقريع الأخلاقي من قبل النخب الأكاديمية والليبرالية التي وصمتها بالتخلف الثقافي. وقد مهد هذا الشرخ الطريق لصعود تيارات "الشعبوية الحمائية" واليمين المتطرف، التي وجهت السخط العمالي نحو جداول أعمال قومية إقصائية تعادي المهاجرين وتطالب ببناء جدران فيزيائية لمواجهة التدفقات السحابية الكونية العابرة للحدود.
الشمولية الرقمية الوطنية: النموذج الشرقي البديل
إذا كان النموذج الغربي يمثل زواج الليبرالية الحديثة بالمنصات الاحتكارية التي تتجاوز سلطة الدولة وتضعف السيادة القانونية، فإن الطرف الآخر من المشهد الكوني يتجلى في تحول الأنظمة الاشتراكية السابقة نحو نموذج "الشمولية الرقمية الوطنية ورأسمالية الدولة فائقة التحكم".
وعلى النقيض من ذلك، تم تطوير نموذج في المعسكر الشرقي يستهدف الضبط الاجتماعي الأحادي والتوجيه العمودي تحت مسمى "الحوكمة الاجتماعية الرقمية". في هذا الإطار، لا تستخدم البيانات الضخمة لتلبية احتياجات الفرد، بل لتوجيه سلوك الأفراد والمجتمع بأكمله لضمان الاستقرار السياسي المطلق واستمرار هيمنة الحزب الواحد، دامجةً البنية الرقمية ومزودي الخدمات في جهاز رقابة موحد تشرف عليه أعلى سلطة قيادية في الدولة.
أدوات الإقصاء والضبط الاستبدادي الرقمي
يشتغل هذا النظام الاستبدادي المحدث عبر تحويل التكنولوجيا الرقمية من أداة تواصل اختيارية إلى "طوق إلكتروني" إجباري للعيش، مفعلاً آليات ضبط متعددة المستويات كالتالي:
رصد كافة التفاعلات المالية والنشاط الرقمي للمواطن لتوليد تقييم رقمي يحدد حقوقه الأساسية كالسفر، أو الاقتراض، أو تعليم أبنائه.
نشر ملايين الكاميرات المرتبطة بخوارزميات التعرف اللحظي على الوجوه لتتبع الحركة الفيزيائية للأفراد وإحباط أي احتجاجات.
إجبار المنصات المحلية على ممارسة رقابة استباقية صارمة للمحتوى السياسي عبر توظيف جيوش من المراقبين الفعليين والآليين لحذف المحتوى المخالف.
توظيف المنصات والذكاء الاصطناعي بنشاط لتأجيج المشاعر القومية المتطرفة والخطابات المعادية لحقوق الأقليات، لخلق التفاف شعبي حول الدولة القومية القوية.
آفاق وصياغة البدائل المشتركة
تُظهر هذه القراءة التفكيكية أن المجتمعات المعاصرة تعيش فترة انتقالية حرجة يصدق عليها قول المفكر غرامشي: "إن القديم يموت والجديد لا يمكنه أن يولد بعد"، وهي البيئة الخصبة لظهور وحشية تقنية ونزعات استبدادية قومية معاصرة.
إن تشخيص هيمنة الريع السحابي وتآكل العمل المأجور يلمس تحولات حقيقية في طبيعة الاقتصاد العالمي، ولكنه قد يقع في فخ الاختزال؛ فالأدق هو فهم هذه التحولات باعتبارها أقصى تجليات "الرأسمالية المعرفية المعولمة" والتراكم الكلي لفائض القيمة السلوكية.
يتطلب الخروج من هذا المأزق التاريخي الثنائي إعادة تأسيس جبهة سياسية واجتماعية نقدية تركز على تحرير البنية التحتية والمادية للاقتصاد الرقمي. إن مواجهة غول التحكم الرقمي تقتضي تجريد التقنية من صفتها الاستبدادية الأدواتية وإعادتها كأداة لتحرير الإمكانيات الإنسانية والعيش المشترك. وبغير هذا التحول البنيوي العميق، ستبقى البشرية أسيرة لجاذبية نسيج إقطاعي رقمي يعيد تشكيل روح الإنسان ويسلبه حريته بذريعة الرفاهية والتحسين اللامتناهي للوجود الافتراضي.
***
غالب المسعودي
.......................
الإحالات
فاروفاكيس، يانيس (2023). الإقطاع التقني: ما الذي قتل الرأسمالية (Technofeudalism: What Killed Capitalism). لندن: دار بينغوين. (تتبع لنشوء مفهوم "رأس المال السحابي" وأثره في القضاء على العمل المأجور التقليدي وتحويل المستخدمين إلى أقنان رقميين)
هسيود (قرن 8 ق.م). الأعمال والأيام (Works and Days). (تحليل أثر الأدوات والمخترعات الحديدية على تبدل الروح الإنسانية وسلوك الكائنات البشرية)
ديلوز، جيل (1992). "ملحق حول مجتمعات التحكم" (Postscript on the Societies of Control). مجلة أكتوبر (October)، المجلد 59، ص 3-7. (الورقة الفلسفية التأسيسية لتجاوز فكرة مجتمعات الانضباط المغلقة نحو مجتمعات التعديل المستمر والمراقبة الخوارزمية المفتوحة)
غرامشي، أنطونيو (1971). كراسات السجن (Selections from the Prison Notebooks). نيويورك: دار النشر العالمية. (صاحب المقولة الفلسفية الشهيرة حول الفترات الانتقالية الحرجة وموت الأنظمة القديمة وعجز الأنظمة الجديدة عن الولادة بعد).








