عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

عماد خالد رحمة: جدل الوجود والمعنى

الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا في أفق تأويل النص

لم يعد النص، في الوعي الفلسفي المعاصر، مجرد بناءٍ لغويٍّ تنتظم فيه الألفاظ والدلالات، بل غدا واقعةً أنطولوجية تتقاطع فيها اللغة مع الوجود، ويتداخل فيها التاريخ مع الوعي، وتتفاعل فيها الذات مع العالم. فالنصوص الكبرى، ولا سيما الغنوصية وشبه الغنوصية، لا تُستنفد في ظاهر عباراتها، لأنها تنطوي على بنى دلالية عميقة لا تنكشف إلا عبر ممارسة تأويلية تجعل القراءة فعلًا من أفعال الانكشاف، لا مجرد استهلاك للمعنى. ومن هنا يغدو الفهم تجربة وجودية تتجاوز حدود المعرفة إلى إعادة تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.

لقد أدرك الفكر الفلسفي منذ بداياته أن الحقيقة لا تُعطى جاهزة، وإنما تتكشف تدريجيًا عبر جدلٍ دائم بين الظاهر والخفي، وبين الحضور والغياب، وبين ما يقوله النص وما يؤجله إلى أفق التأويل. ومن هذا الإدراك نشأت الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا بوصفهما مشروعين متكاملين في مساءلة الوجود والمعنى؛ فالأولى تنشغل بكيفية انكشاف الموجود للوعي، بينما تنصرف الثانية إلى الكيفية التي يتولد بها الفهم داخل التاريخ واللغة.

مع إدموند هوسرل شهدت الفلسفة تحولًا جذريًا حين دعا إلى العودة إلى «الأشياء ذاتها»، أي إلى الخبرة كما تتبدى قبل أن تحجبها التصورات الموروثة والأحكام المسبقة. فالوعي، عنده، ليس مستودعًا سلبيًا للصور، بل هو قصدية دائمة تتجه نحو العالم، ولا يظهر الشيء إلا بقدر ما يحضر داخل هذه العلاقة القصدية. وهكذا انتقل السؤال الفلسفي من البحث عن ماهية الموجود إلى البحث عن كيفية ظهوره، فأصبحت الظاهرة ليست موضوعًا خارجيًا، بل كيفية تجلي الوجود داخل أفق الوعي.

غير أن هذا المشروع وجد امتداده الأنطولوجي مع مارتن هايدغر، الذي تجاوز وصف الظواهر إلى مساءلة معنى الوجود ذاته. فالإنسان، في تصوره، ليس ذاتًا تقف قبالة العالم، وإنما هو «الكائن-في-العالم»، ولذلك فإن الفهم ليس عملية معرفية تطرأ على الإنسان، بل هو البنية الأصلية التي يقوم عليها وجوده. إن الوجود الإنساني لا يفهم العالم فحسب، بل يفهم نفسه من خلال انخراطه فيه، فيغدو التأويل شرطًا للوجود قبل أن يكون منهجًا لتفسير النصوص.

ومن هذا المنعطف انطلقت هيرمنيوطيقا هانس-غيورغ غادامير، التي نقلت التأويل من دائرة المنهج إلى أفق الأنطولوجيا. ففي كتابه الحقيقة والمنهج بيّن أن الفهم ليس فعلًا محايدًا، بل حدثًا تاريخيًا تتلاقى فيه آفاق الماضي والحاضر، وتتشكل فيه الحقيقة عبر الحوار. فلا قارئ يقترب من النص خاليًا من مسبقاته، ولا نص يحتفظ بمعناه خارج تاريخ تلقيه؛ بل يتولد المعنى من «اندماج الآفاق»، حيث يتفاعل أفق القارئ مع أفق النص في سيرورة لا تتوقف.

ولم يقف تطور الفكر التأويلي عند غادامير، بل جاء فيلهلم دلتاي ليؤكد أن فهم النصوص الإنسانية يختلف جوهريًا عن تفسير الظواهر الطبيعية؛ إذ إن العالم الإنساني لا يُفسَّر بعلاقات سببية، بل يُفهم من خلال معايشة التجربة التاريخية التي أنتجته. أما بول ريكور فقد عمّق هذا التصور حين رأى أن النص، بعد انفصاله عن مؤلفه، يكتسب استقلاله الوجودي، ويصبح فضاءً مفتوحًا لإنتاج معانٍ جديدة، بحيث يغدو التأويل إعادة اكتشاف للذات بقدر ما هو اكتشاف للنص.

وعلى هذا الأساس، تبدو العلاقة بين الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا علاقة تكامل لا تعارض؛ فالفينومينولوجيا تكشف شروط ظهور العالم في الوعي، بينما تكشف الهيرمنيوطيقا شروط انبثاق المعنى في التاريخ واللغة. الأولى تدرس انكشاف الموجود، والثانية تدرس انكشاف الدلالة، وفي اتحادهما يتحول الفهم إلى تجربة أنطولوجية يعيشها الإنسان قبل أن يصوغها في المفاهيم.

وإذا كان الفكر الغربي قد بلور هذه الرؤية في صورها الفلسفية الحديثة، فإن التراث الإسلامي قد أسس، بطريقته الخاصة، لأفق تأويلي بالغ الثراء. فقد أدرك علماء التفسير وأصول الفقه والبلاغة أن النص القرآني يتجاوز الدلالة الحرفية إلى شبكة معقدة من المقاصد والسياقات والعلاقات الداخلية. ولم يكن التفسير عند الطبري والقرطبي والبغوي والماوردي والألوسي مجرد شرح لغوي، بل كان فعلًا معرفيًا يتشابك فيه العقل مع النقل، واللغة مع التاريخ، والمقصد مع البنية النصية، ليظل النص حيًا، قادرًا على استئناف معناه مع تغير الأزمنة دون أن يفقد ثوابته.

إن النص، في ضوء هذا الأفق، ليس بنية مغلقة تستنفدها قراءة واحدة، ولا هو فضاء عبثي يبيح كل الاحتمالات، بل هو مجال حواري تتفاعل فيه إمكانات المعنى مع ضوابط البنية، بحيث تصبح كل قراءة أصيلة إعادة تأسيس للدلالة، لا إعادة إنتاج آلية لها. ومن ثم فإن التأويل الحق لا يقوم على إسقاط الأهواء، وإنما على الإصغاء العميق لمنطق النص ولأفقه الداخلي، حتى يتحول الفهم إلى مشاركة في انكشاف الحقيقة.

ومن هنا لم يعد السؤال الفلسفي: ماذا يقول النص؟ بل أصبح: كيف يتجلى معناه؟ وكيف يعيد تشكيل قارئه؟ وكيف يتغير أفق دلالته بتغير التاريخ دون أن يفقد هويته؟ إن هذه الأسئلة لا تؤسس لنسبية منفلتة، بل تؤكد أن الحقيقة ليست معطىً جامدًا، وإنما أفق يتكشف باستمرار عبر الحوار بين اللغة والوعي، وبين التاريخ والوجود.

وخلاصة الأمر أن الفينومينولوجيا والهيرمنيوطيقا تمثلان معًا مشروعًا فلسفيًا واحدًا يسعى إلى ردِّ الإنسان إلى أصالة تجربته. فالأولى تكشف الكيفية التي يحضر بها العالم في الوعي، والثانية تكشف الكيفية التي يحضر بها المعنى في الوجود الإنساني. وبين فهم الوجود ووجود الفهم يتأسس أعمق أبعاد التجربة البشرية؛ حيث لا يعود الإنسان قارئًا للنص وحده، بل يصبح النص أيضًا قارئًا للإنسان، يكشف له حدود وجوده وإمكاناته، ويفتح أمامه أفقًا لا ينتهي من الحوار مع الذات، ومع التاريخ، ومع الحقيقة التي لا تُمتلك، بل يُقترب منها على الدوام عبر التأويل.

***

بقلم: عماد خالد رحمة – برلين

في المثقف اليوم