عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: الذات بوصفها بناءً تداوليا

في حدود الأطروحة التواصليّة عند يورغن هابرماس وإمكانات نقدها

حين تتقدّم الفلسفة خطوة نحو مساءلة الذات فإنها لا تعود إلى نقطة البدء بوصفها تكرارا بل بوصفها انزياحا في طبيعة السؤال ذاته. فكل عودة إلى الذات ليست استعادةً لما سبق بل إعادة ترتيبٍ لما كان يبدو بديهيا ومستقرا. إن الذات التي شغلت تاريخ الميتافيزيقا منذ ديكارت لم تعد قابلة للاختزال في يقينٍ شفافٍ يضمن وحدة الوعي ويؤسس للمعرفة بوصفها حضورا خالصا للفكر أمام ذاته. لقد تهاوى هذا النموذج تدريجيا مع التحولات الكبرى التي مست الفلسفة الحديثة والمعاصرة حيث أعاد كانط تشكيل سؤال المعرفة من خلال شروط إمكانها ثم جاء نيتشه ليزعزع فكرة الثبات ويكشف الطابع التأويلي للقيم قبل أن يذهب فوكو إلى حد تفكيك الذات نفسها بوصفها أثرا لخطابات وسلطات تتجاوزها وتنتجها في الآن ذاته.

ضمن هذا المسار لم تعد الذات جوهرا مكتفيا بذاته بل صارت حدثا يتشكل داخل التاريخ ونتيجة لتقاطع قوى معرفية واجتماعية ولغوية متشابكة. وهكذا انتقلنا من ذاتٍ تُفكّر العالم إلى ذاتٍ تُفكَّر داخل العالم، ومن وعيٍ مؤسس للمعنى إلى وعيٍ مُنتَج داخل شبكات من الخطاب.

غير أن التحول الأعمق في مساءلة الذات لم يكن فقط في نقد جوهرها بل في إعادة توزيع مركز الفعل نفسه. فالفعل لم يعد يُختزل في ذات سيادية تنتج المعنى من داخلها بل أصبح يتوزع داخل شبكة من العلاقات التداولية التي تتشكل عبر اللغة والتواصل. ويبرز مشروع يورغن هابرماس بوصفه محاولة لإعادة بناء العقل خارج اختزاله الأداتي وفي الآن ذاته خارج النسبية التي تفكك إمكان المعايير المشتركة. إنه مشروع يسعى إلى تأسيس عقل تواصلي يجعل من اللغة مجالا لإنتاج المعنى المشترك عبر الحجاج والتفاهم.

ضمن هذا التصور لا تكون الذات مركزا ثابتا بل تصير نتاجا للفعل التواصلي، أي أنها تتشكل داخل علاقات الاعتراف المتبادل وتكتسب هويتها من انخراطها في خطاب قابل للفحص والنقد. فالذات ليست معطى أوليا بل بناء يتحدد داخل اللغة ويتطور عبر التفاعل ويأخذ شكله من خلال المشاركة في الفضاء التداولي.

وقد سبق لغيورغ هربرت ميد أن أشار إلى هذا المعنى حين ربط تشكل الأنا بقدرتها على استبطان موقف الآخر، بحيث لا تكون الذات ممكنة إلا عبر علاقة اجتماعية-رمزية تؤسسها اللغة والتفاعل. كما أن فيتغنشتاين في تحليله للغة قد فتح المجال أمام فهم جديد للمعنى باعتباره استعمالا داخل سياقات الحياة لا مرجعا ثابتا خارجها.

لكن مشروع هابرماس رغم قوته التأسيسية لا يخلو من توتر داخلي. فهل يكفي الفعل التواصلي وحده لتأسيس ذات مستقلة وحرّة؟ أم أن هذا الفعل نفسه يخضع لشروط اجتماعية وتاريخية قد تعيد إنتاج أشكال خفية من الهيمنة؟ ثم كيف يمكن التوفيق بين مطلب الكونية الذي يسعى إليه العقل التواصلي وبين تعددية السياقات الثقافية والتاريخية التي تشكل الفعل اللغوي؟

هذه الأسئلة لا تأتي من خارج المشروع بل تنبع من داخله، إذ تكشف حدوده بقدر ما تكشف عن إمكاناته. فماركس قد نبه إلى أن الوعي لا ينفصل عن شروطه المادية بينما بيير بورديو بيّن أن الفعل اللغوي نفسه محكوم ببنيات رمزية خفية تنتج التفاوت وتعيد إنتاج السلطة داخل الخطاب. وبذلك يصبح الفعل التواصلي ذاته محاطا بشروط غير شفافة تحدد إمكاناته.

أما دريدا فقد عمّق هذا التوتر من خلال تفكيكه لمركزية الحضور، حيث أظهر أن المعنى لا يستقر أبدا في نقطة نهائية بل يتأجل باستمرار داخل سلسلة من الاختلافات. ويصير التفاهم نفسه عملية مفتوحة لا تكتمل، مما يضع فكرة الاتفاق النهائي موضع مساءلة.

إن الرهان الذي يطرحه التفكير في الذات بوصفها بناءً تداوليا لا يتعلق بوصفها فقط بل بإعادة صياغة العلاقة بين الفردي والجماعي، بين الحرية والمعيار وبين اللغة والسلطة. فالذات هنا ليست جوهرا ثابتا بل مسارا يتشكل داخل التفاعل ويتحدد داخل أفق من الاعتراف والاختلاف في آن واحد.

لقد فتح هابرماس أفقا فلسفيا يقوم على الانتقال من فلسفة الوعي إلى فلسفة اللغة. فبدل أن تكون الذات مركزا للمعرفة، أصبحت اللغة هي الوسيط الذي تتشكل داخله شروط المعنى. وهذا التحول ليس تقنيا بل هو انقلاب في بنية السؤال الفلسفي ذاته.

إبستمولوجيا، لم تعد الحقيقة تُفهم بوصفها مطابقة بين الفكر والواقع بل بوصفها نتيجة لعملية حجاجية داخل فضاء تواصلي مفتوح. فكل ادعاء بالصدق أو الصلاحية أو الشرعية يخضع للمساءلة داخل هذا الفضاء، حيث يُفترض أن جميع المشاركين قادرون على الفهم والمناقشة.

غير أن هذا التصور المثالي للتواصل يصطدم دائما بواقع اجتماعي غير متكافئ. ففوكو قد أظهر أن الخطاب ليس بريئا بل تحكمه علاقات قوة تحدد ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله. وبالتالي فإن الفعل التواصلي لا يمكن فصله عن البنية السلطوية التي تحيط به.

ومع ذلك فإن مشروع هابرماس لا يتجاهل هذه الإشكالية بل يحاول تجاوزها عبر التمييز بين الفعل التواصلي والفعل الأداتي. فالأول يقوم على التفاهم بينما الثاني يقوم على السيطرة والنجاعة. غير أن هذا التمييز نفسه يظل إشكاليا لأن كل تواصل يحمل في داخله عناصر من القوة، وكل فعل أداتي يتضمن بدوره بعدا تواصليا.

إن الذات في هذا الإطار لا تتشكل في فراغ بل داخل صراع بين قوى مختلفة. وهي لذلك ليست وحدة منسجمة بل تركيب متوتر بين التفاهم والصراع، بين الاعتراف والهيمنة وبين اللغة والسلطة.

وقد أشار هيغل إلى أن الاعتراف لا يتحقق إلا عبر صراع حيث تتحدد الذات من خلال مواجهة الآخر لا من خلال التوافق السهل معه. وهذا البعد الصراعي لا يمكن تجاهله في أي نظرية للذات.

كما أن أكسل هونيث طوّر هذا المعنى حين جعل الاعتراف شرطا لبناء الهوية مؤكدا أن غياب الاعتراف يؤدي إلى تشويه الذات. لكن هذا الاعتراف نفسه لا يتم إلا داخل فضاءات اجتماعية غير متكافئة.

إن الذات إذن، ليست كيانا مغلقا بل عملية مستمرة من التشكل تتقاطع فيها اللغة مع التاريخ والسلطة مع التواصل والاختلاف مع السعي إلى التفاهم. وهذا ما يجعلها دائما في حالة انفتاح غير مكتمل.

من جهة أخرى يضيف بول ريكور بعدا مهما لهذا النقاش حين يقترح فهم الهوية بوصفها سردا أي أنها تُبنى عبر الحكاية والتأويل. فالذات لا تُعطى بل تُروى وهي لذلك قابلة لإعادة الكتابة باستمرار.

كما أن تشارلز تايلور يؤكد أن الهوية لا تنفصل عن الأطر القيمية التي تمنحها معنى واتجاها. فالإنسان لا يعيش داخل فراغ بل داخل أفق من القيم والمعايير التي تشكل اختياراته. ضمن هذا التصور، يصبح مشروع الذات بوصفها بناءً تداوليا مشروعا مفتوحا على مستويات متعددة: لغوية، اجتماعية، تاريخية، وتأويلية. ولا يمكن اختزاله في مستوى واحد دون فقدان تعقيده.

إن ما يميز هذا التصور هو أنه لا يقدم إجابة نهائية، بل يفتح سؤال الذات على إمكانات متعددة للفهم. فالذات ليست حقيقة جاهزة بل سؤال دائم يعاد طرحه مع كل تجربة جديدة.

لكن هذا الانفتاح نفسه يطرح إشكالات تتعلق بإمكان الحفاظ على وحدة الذات وبإمكان تأسيس معايير مشتركة في عالم متعدد ومتشظٍ. فكيف يمكن التوفيق بين التعدد والاتساق؟ بين الحرية والمعيار؟

إن هذا السؤال لا يجد جوابا نهائيا لكنه يكشف عن أن الذات ليست شيئا يمكن امتلاكه بل عملية مشاركة في العالم وتفاعل مع الآخرين وانخراط في شبكة من الخطابات التي تتجاوز الفرد. ويصير الفعل التواصلي ليس فقط نظرية في اللغة بل مشروعا أخلاقيا وسياسيا يسعى إلى بناء فضاء عمومي قائم على الحوار بدل الهيمنة وعلى الحجاج بدل القوة.

غير أن هذا المشروع يظل مشروطا بوجود مؤسسات ديمقراطية تضمن حرية التعبير وتمنع احتكار الخطاب وتفتح المجال أمام تعددية الأصوات. دون ذلك، يتحول التواصل إلى شكل من أشكال التزييف.

إن الذات ليست جوهرا يمكن تعريفه مرة واحدة بل هي حركة مستمرة بين القول والصمت، بين الاعتراف والنفي وبين الحضور والغياب. وهي لذلك لا تكتمل أبدا بل تظل في حالة تشكل دائم.

وهذا ما يجعل التفكير فيها تفكيرا في الإنسان ذاته، في علاقته باللغة وفي علاقته بالآخر وفي علاقته بالعالم. فكل سؤال عن الذات هو في العمق سؤال عن معنى أن نكون معا داخل عالم مشترك.

ولا تنتهي الأطروحة التواصلية إلى نتيجة مغلقة بل تظل أفقا مفتوحا يعيد طرح السؤال بدل إغلاقه. فهي لا تدّعي امتلاك الحقيقة بل تدعو إلى البحث عنها داخل الحوار.

إن الذات بوصفها بناءً تداوليا ليست مفهوما نهائيا بل مسارا يتشكل داخل الزمن ويتحول داخل التاريخ ويُعاد إنتاجه داخل اللغة. وهذا ما يجعلها دائما قابلة لإعادة التفكير وإعادة البناء وإعادة السؤال ولا يكون التفكير في الذات مجرد تمرين فلسفي بل ممارسة نقدية مستمرة تعيد النظر في شروط وجودنا المشترك وفي إمكانات عقلنا وفي حدود حريتنا.

إن التفكير في الذات بوصفها بناءً تداوليا يقود إلى إعادة صياغة جذرية لمفهوم الإنسان نفسه. فالذات لم تعد تُفهم بوصفها أصلا ثابتا بل بوصفها نتيجة لعلاقات معقدة تتشابك فيها اللغة والتاريخ والسلطة والاعتراف. إنها ليست نقطة بداية بل حصيلة مسار، وليست جوهرا بل حدثا.

لقد حاول مشروع هابرماس أن يؤسس عقلا تواصليا يعيد للغة وظيفتها التأسيسية في بناء المعنى المشترك، غير أن هذا المشروع رغم قوته يظل مفتوحا على نقد متعدد المستويات، سواء من جهة اللغة ذاتها أو من جهة السلطة أو من جهة التاريخ أو من جهة الاختلاف الثقافي.

إن القيمة الأساسية لهذا المشروع لا تكمن في اكتماله بل في قدرته على فتح أفق للتفكير يجعل من الذات سؤالا دائما بدل أن يجعلها جوابا نهائيا. فكلما حاولنا تثبيت الذات انفتحت من جديد على إمكانات أخرى للفهم والتأويل.

إن الذات ليست شيئا نملكه بل شيئا نمارسه. إنها ليست معطى بل علاقة. وليست وحدة بل تعدد داخل وحدة متحركة. وهذا ما يجعلها دائما في حالة توتر بين ما هو قائم وما يمكن أن يكون.

إن التفكير في الذات تفكير في إمكان العيش المشترك وفي شروط الحوار وفي حدود الفهم وفي إمكان العدالة داخل اللغة. إنها ليست مسألة نظرية فقط بل مسألة وجودية تمس معنى أن نكون معا داخل عالم واحد رغم اختلافاتنا العميقة.

وسؤال الذات يظل مفتوحا لا يُغلق ولا يُحسم لأنه مرتبط بطبيعة الإنسان نفسه بوصفه كائنا لغويا اجتماعيا تاريخيا متعدد الأبعاد.

***

د. حمزة مولخنيف