قضايا
عبد الأمير كاظم زاهد: مصنفات الشيعة.. من المشافهة إلى التصنيف
لا يختلف باحثان على ان العرب – إبان النزول القرآني – كانت امة امية تعتمد على ذاكرتها وروايتها للشعر والأنساب[1] وقد أمر الرسول (ص) بتدوين القرآن الكريم عن طريق كتّاب الوحي وشجع (ص) على تعلم الكتابة وفي ذلك شواهد تاريخية. لكن أهل العلم اختلفوا في مدى رغبته في تدوين السنّة على قولين:
الأول إنه ص حث على التدوين لانه أراد حفظ أقواله وأفعاله وتقييدها، والثاني انه (ص) منع من تدوين الحديث لئلا يختلط بالقرآن [2]، وقد رجح كثير من الباحثين القول الأول لأن الآية الاولى بالقرآن كانت مبدوءة بـ (اقرأ) وان الله تعالى أقسم بالقلم في (ن والقلم) وأمر الله بكتابة الدين، ويستدلون أيضاً بأن عدداً من الصحابة كانت لديهم صحف [3] فيها مدوناتهم. وإن النبي شجع على تعلم الكتابة وإن السنة دين ومسؤولية النبي ايصال أمر الدين الى الاجيال، إلا ان سياسة الدولة في زمن عمر اعتمدت قول المانعين فتوقف الناس عن كتابة الحديث وتدوين التاريخ والفقه ويشكك مؤرخو الشيعة بأهداف القرار المعلنة ويرون ان له مرامي اُخر.
وبالنسبة للأئمة من آل البيت فقد نقل الرواة عنهم انهم كانوا يرغبّون بالكتابة [4] وكان أصحابهم يكتبون في ظل ظروف شديدة الصعوبة ومنهم ابو رافع واولاده علي وعبد الله [5] وكان الظرف لا يشجع على التدوين للحظر الرسمي عامة، وللخوف من كتابة علوم آل البيت وأفكار التشيع ومفاهيمه، لاسيما بعد تولي معاوية شان السلطة
وفي الفترة الاولى من 11ه – 95ه، التزم اكثر الناس بعدم الكتابة لكن الذي عليه التحقيق ان صحفاً ورسائل وكتب قد كتبت في هذه الفترة، وسجلت روايات عن الإمام الحسن، ودونت أحداث كربلاء وخطب المعركة، وما جرى للتوابين والمختار وزيد وابنه يحيى وكل ذلك كان يجري دونما إشهار أو إعلان وكانت أشبه بكراريس شخصية. فلما ارتفع الحظر الرسمي ابان عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز تولى الامام الباقر بنفسه نشر علومهم ورغّب في إملائها وأوجب على أصحابه الذين دونوها في صحائفهم، وظهرت عند ذاك الرسائل المرسلة للأئمة والردود المكتوبة منهم، فقد روى الكليني (15) حديث في باب (رواية الكتب والحديث) منها قول الصادق (احتفظوا بكتبكم فأنكم سوف تحتاجون إليها) [6] ويفسره مؤرخو الشيعة انه وصية للشيعة في انهم سيمرون بظروف أصعب لا يلتقون فيها بالإمام وعليهم عند ذاك الرجوع إلى ما كتبوه في صحفهم،
فقد أشار ابن النديم في كتابه الفهرست والطوسي في الفهرست [7] ايضاً إلى اصول ومدونات ظهرت في النصف الاول من القرن الثاني الهجري، فبأمكاننا أن نعد ما قبله وإن ظهرت فيه (بعض المدونات) إلا أنها ليست ظاهرة عامة فهو (عصر المشافهة في نقل التراث)، لأن المكتوب في هذه الفترة كان عفوياً وتطلعاً شخصياً، أما بعد النصف الثاني من القرن الثاني فقد بدأ التدوين العام للحديث والسيرة والتاريخ وكان هشام بن الحكم (ت178ه) ويونس بن عبد الرحمن ممن ورد ذكرهما كأبرز المدونين وكذلك ابن اسحق في كتابه السيرة النبوية ولوط بن يحيى (157ه) في كتابه مقتل الحسين، والردة والفتوح وكتاب الجمل وصفين، وإبان بن تغلب (ت141ه) الذي كتب عن صفين والجمل والنهروان، وليث المرادي وعلي بن ابراهيم، وهشام بن سالم واحمد بن محمد البزنطي، وآل زرارة. وعدد كبير من المؤلفين الذين تحدث عنهم الرجاليون كالنجاشي.
ولقد أحصى الحر العاملي مدونات اصحاب الامام الصادق فوجد ما في كتب الفهارس (6600) كتاب [8] إلا أن الذي اشتهر منها كان اربعمائة مدونة. وكان من هؤلاء الاربعمائة شيعة إمامية وزيدية وقد ذكر محقق كتاب (الضعفاء) ان لدى الغضائري كتاب جامع باسماء الكتب المصنفة لدى الشيعة، ذكره الطوسي وله كتاب جامع لأسماء الاصول المعتمدة في الحديث،
لقد بدأ التدوين الفعلي المجتمعي في النصف الثاني من القرن الثاني لسماح الدولة بتدوين السنة، وللانفتاح الذي حصل في هذه الفترة عند سقوط الدولة الاموية وقيام العباسية. واستمر التدوين حتى القرن الخامس، وكان الطوسي قد أحصى كتب رجال الإمامية من عصر النبوة حتى عصر المفيد (ت413ه) فكانت (888) كلهم من أصحاب الأئمة [9] ويقال أن اول كتاب ظهر للشيعة هو كتاب سليم بن قيس الهلالي (المختلف في نسبته) له إذ لم يروه غير أبان بن أبي عباس [10] وذكر النجاشي ان لأصحاب الأئمة (1269) كتابا، لم يصلنا منها إلا نزر يسير. ويلفت النظر إن أغلب المدونات كانت تدور حول القضايا العقائدية فابن قبة مثلاً كتب كتابا اسمه (الانصاف في الإمامة) [11]، ونجد ان اسماعيل بن علي بن نوبخت يكتب كتاباً اسمه (الاستيفاء في الإمامة) و (الرد على الغلاة) وقد ألّف علي بن اسماعيل بن ميثم التمار كتابين هما (الامامة) و (كتاب الاستحقاق) [12] ويذكر لهشام بن الحكم عدد من المدونات منها ايضاً كتاب في (الإمامة) و (الرد على من قال بإمامة المفضول) وكتاب (اختلاف الناس في الإمامة) و (الرد على المعتزلة في طلحة والزبير) [13]. وهذا يدلل على ان اهتمام اصحاب الأئمة ابان عصر التدوين الأول كان منصباً على المرتكزات العقائدية للتشيع.
ونلحظ التداخل بين التشكيل العقائدي ومجريات الحدث التاريخي، ويذكر المؤرخون مدون كبير هو ابراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (ت283ه) انه قد ألّف (32) كتاباً منها كتاب أخبار المختار، والسقيفة، وفدك ومقتل عثمان، وبيعة علي، والجمل، وصفين، والحكمين، ورسائل الإمام علي، وأخبار الحسن، ومقتل الحسين والتوابون، واخبار زيد، واخبار ذي النفس الزكية [14].
ومن المدونات المبكرة كتاب المحاسن لاحمد بن محمد البرقي (ت280ه) وكذلك قرب الاسناد لعبد الله بن جعفر الحميري (ق3ه) [15] وكتاب بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار القمي (ت290ه) هذه العينات كانت مهتمة بنقل النصوص وسردها سرداً يكاد يخلو حتى من التعليقات الضمنية، وأشير هنا إلى كتاب مهم ظهر للقاضي ابو حنيفة النعمان المغربي الاسماعيلي (ت363ه) الذي أسماه دعائم الاسلام، وعلى الرغم من أنه من الاسماعيلية إلا أن الكتاب يعد من مراجع الكتب الشيعية عند الإمامية وكتابه الآخر تأويل الدعائم.
لقد حصل اول تحول مع الصدوق الاول (ت329ه) في رسالة الشرائع فإنه قدّم النصوص على شكل فتاوى وحذف أسانيد وفي كتابهِ (الإمامة) يتحدث عن أزمة الشيعة ابان الغيبة وكان يزامنه الكليني (ت329ه) الذي اشتهر في ترتيب كتاب الكافي على الموضوعات.
وقد ذكر النجاشي أسماء ما يقرب من ألف ومائتين راو من أصحاب الأئمة وأشار إلى ما ألفوه من كتب [16] وقسّمهم إلى ثلاث طبقات، ولقد ذكر المؤرخون ان اربعة آلاف شيخ كانوا يتلقون الرواية عن الصادق [17] ويقال لقد بادر بعض أصحاب الإمام الرضا إلى جمع الموجود، فكانت اربعمائة أصل لاربعمائة مؤلف [18]
وفي عصر (السفراء) الاربعة ظهر كتاب الكافي للكليني (ت329ه) وهو كتاب انتقل فيه التراث من التدوين إلى التصنيف أي (تبويب الأحاديث على الموضوعات) وبعد نصف قرن ظهر كتاب الصدوق (ت381ه) الموسوم بـ (من لا يحضره الفقيه) ثم بعد نصف قرن آخر كان الشيخ الطوسي (460ه) قد أخرج للشيعة كتابين هما التهذيب وهو مستند المقنعة، والاستبصار الذي يُعنى بجمع المتوهم تعارضه. وهكذا ظهر مصطلح ((الكتب الاربعة)) مقابل ما يطلق عليه الصحاح الستة عند بقية المذاهب، وقد وجد الرجاليون من المذاهب الأخرى ان انتشار التشيع بين رواة الحديث من التابعين وأتباعهم فكانوا بين صعوبتين إحداها قولهم بعدم مقبولية رواية المتشيع – حتى في نطاقهِ السياسي – الذي يستلزم ضياع الحديث، لذلك يقول الذهبي (فهذا التشيع قد كثر في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية) [19] وذلك لأن ابن حجر في الصواعق ينص على أن كبار رجالات الحديث مثل يحيى بن سعيد، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن انس، وسفيان الثوري، وشعبه و ايوب السجستاني كانوا يتلقون الحديث من واحد من الإمامين الباقر والصادق (ع) [20] ولعلهم كانوا ضمن ما اُطلق عليه التشيع السياسي..
لقد كانت الكتب الاربعة متراتبة زمنياً فقد ظهر الكافي في مطلع القرن الرابع اذ وفاة الكليني (329ه) وظهر كتاب الفقيه في اواخر القرن اذ وفاة الصدوق (381ه) وفي النصف الاول من القرن الخامس كان التهذيب والاستبصار للطوسي، وعندي ان المراجع الاربعة للحديث الشيعي كانت المرحلة الثالثة التي هي مرحلة التصنيف بعد مرحلتي المشافهة في نقل الحديث والتدوين (جمع الحديث).ويجدر الذكر ان أكثر من اربعة قرون مضت على انتشار الكتب الاربعة واعتمادها كأصول مرجعية لم يزعم احد انها كتب صحاح، كما هو حال المدارس الحديثية الأخرى ولكن خلال القرن السابع قام العلامة الحلي، والسيد ابن طاووس بمراجعة نقدية صارمة للرواية واعتمدوا السند وقاموا بالعمل على التقسيم الرباعي للحديث إلى (صحيح – وحسن – وموثق – وضعيف) [21] وجعلا كل ما موجود في الكتب الاربعة خاضعاً لهذا المعيار الذي أجهدا نفسيهما في توصيفه وضبط مخرجاته، وقد أدى تطبيق هذا المعيار إلى طرح الكثير من الروايات حتى أن المجلسي قد أحصى ما يطرحه هذا التقسيم من الكافي فقط ثلثي الروايات المدونة فيه [22] *.
وبقي حال التأليف على أساس معايير الضبط السندي من العلّامة حتى القرن العاشر الذي بدأت به موجة إخبارية عارمة تجتاح أروقة الدرس الشيعي مقابل تلك التي تماهت مع العقلانية والفلسفة والمنطق والعرفان، ولعل المبرر لظهور نزعة النقل والنص واعتمادهما أساساً مرجعياً فقط قد دفع إلى تأليف كتب مرجعية إخبارية للتراث الشيعي أخذت مكانتها فيما بعد مثل (بحار الانوار) للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي وهذان الكتابان من أوسع الكتب إيراداً للرواية عن آل البيت، وقد سجل المجلسي خطوة مهمة في تعميق البحث عن مصادر حديثة تراثية لم يوردها المحدثون الثلاثة الاوائل، واخيراً ظهر المحدث حسين النوري بكتابه مستدرك الوسائل، بهذا الدافع ايضاً اذ وثق (23129) حديثاً وسجّل الحر العاملي (ت1104ه) حدثاُ مهماً في تأليف وسائل الشيعة [23] فقد وثق (35868) حديثاً، وممن برز في هذه الفترة الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، وكانت هذه الموسوعات الحديثية (ترتقي بالكم والنوع) من جهة زيادة المرويات والعثور على أصول لم يعثر عليها، وتصنيف هذه الكتب تصنيفاً أفضل، وترى الإخبارية الشيعية المتأخرة أن الكتب الاربعة قد صنفت في سياق عملية تصفية واسعة فلا معنى للتصفية الجديدة التي ابتكرها العلّامة الحلي وابن طاووس [24].
لقد اكتمل التراث الحديثي بالوسائل والبحار وصار للشيعة تراثاً روائياً متدرجاً من المشافهة إلى التدوين ومن التدوين إلى الضبط المنهجي ثم تراجع الحال إلى النزعة الإخبارية التي صمدت في مجال كتب الرواية وحوكمت في مجال الدراية الفقهية والاجتهادية.
التراث الكلامي والتفسيري عند الشيعة:
يورد أحد الدارسين ملاحظة مهمة استخلصها من استقراء كتب الكلام الشيعي مفادها ان قضايا هذا النمط من التراث الشيعي كان عبارة عن محاولات للرد على الاتهامات التي توجه للتشيع فذلك التراث مسكون بحالة الدفاع، والفكر المدافع في الغالب أسير تصورات (محل الجدال) وقد ينساق إلى ما لا يستحق الجهد مما لم يكن في مقام الدفاع [25] ومن اللافت للنظر ضياع الكثير من كتب الكلام الشيعي بحيث يعد مشكلة في مجريات البحث [26]
لقد مرّ الكلام الشيعي بأدوار منها الدور الشفاهي وهو مجموع المناظرات المنقولة شفاهاً ثم الدور التدويني التي تركز في الكتب المؤلفة عن الإمامة والفرق المنشقة عن التشيع المركزي ومناقشة قضايا الغلو. واستمر هذا الدور حتى (260ه) عندذاك انشغلوا في قضية المهدي والغيبة، وكان أبرز المتكلمين آل النوبختي وابن قبة والعماني وابن الجنيد [27]
وفي مطلع القرن الخامس كانت كتب أول محاولة للضبط في كتاب المفيد المهم اوائل المقالات، وكتاب المرتضى في الفصول المختارة والشافي في الإمامة. موضوع الامامة وقد امتزج علم الكلام الشيعي بالفسلفة وأصبح مهتماً بالقضايا التي ينفرد بها ويدافع عنها وقد برز الخواجه نصير الدين الطوسي والملا صدرا، والنراقي.. ولكن كتاب التجريد للعلّامة الحلي ظل المتن الكلامي المهم.
المدونات المرجعية الشيعية في تفسير القرآن
في عموم التراث الاسلامي يتفق الدارسون على ان علم التفسير قد ولد في احضان علم الحديث والرواية عند كلا المدرستين، وقد عرف الناس تفسير القرآن من خلال المرويات التي صدرت عن النبي والصحابة والتابعين وأئمة آل البيت، ولعل الشيعة فسروا كتاب الله طبقاً للروايات الواردة عن أئمتهم (ع) في بواكير تأليفهم لكتب التفسير.
ومن التفاسير المهمة عند الشيعة التفسير المنسوب للإمام الحسن بن علي العسكري (ت256ه) وهو كتاب ألّف على طريقة الرواية مع ذكر اسنادها وهو تفسير ((فيه آراء خاصة للشيعة)) مثل اشتراط قبول الاعمال بالولاية لعلي [28] والثناء في محبة علي وآله، ويتميز هذا التفسير بان فيه فكراً تقليدياً شيعياً ويعبر عن قضايا التشيع في مرحلة الغيبة.
ومن التفاسير المهمة تفسير العياشي محمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي (ت320ه) الذي قال عنه ابن النديم انه من فقهاء الشيعة [29] وقد جمع فيه المأثور عن أئمة آل البيت (ع)، والكتاب وإن وصل الينا مبتوراً إذ اسقط النساخ منه الاسانيد، ونسخوا الجزء الاول فقط منه فوقفوا عند سورة الكهف إلا انه يعد من التفاسير التأسيسية لعلم التفسير في مدرسة الشيعة الإخبارية .ومنها تفسير ابن ابي حاتم (ت327ه) والذي وصل منه فقط ما كتب (من الفاتحة حتى سورة الرعد) ومن سورة المؤمنون إلى العنكبوت ومنها تفسير علي بن ابراهيم الاشعري القمي (329ه) وهو من مشايخ الحديث، وعنه روى الكليني [30] وهو من صنع تلميذه العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر * الذي املاه عليه.ومنها تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (ت352ه) وهو من رجال فترة الغيبة الصغرى وشيخ المحدثين وهو معاصر للكليني وابن عقدة، الذي بلغ مشايخه المائة شيخ، ويحتوي تفسيره على (777) حديثاً وفيه انه يروي عن زيد أخباراً تنفي العصمة عن غير الخمسة من آل البيت فيقال انه زيدي لكن الكثير من روايات الصدوق تنتهي إليه ومروياته معتمدة عند الشيعة [31].
ومن التفاسير المهمة والاساسية التي وصلت كاملة تفسير التبيان للشيخ الطوسي (460ه) وهو تفسير كامل جامع شامل للمعنى والتأويل واللغة والفقه والكلام، ولعله آخر كتب الطوسي الكثيرة لأنه يحيل الكثير من المسائل في التبيان، وينص الشيخ الطوسي انه إنما عمد إلى التفسير لأنه لم يصنف الشيعة كتاباً جامعاً شاملاً للتفسير وفيه يورد المقولات العقائدية الشيعية مثال ما ورد في تفسير (انما وليكم الله....) [32].ومن ابرز التفاسير الشيعية التي لا تزال تعد الأبرز مما كتبه المفسرون الآباء كتاب مجمع البيان وهو مثال وانموذج من كتاب الطبرسي (ت548ه) [33] وقد نقد الذهبي كتاب مجمع البيان لما فيه من آراء شيعية واعتزالية لكنه يقول رغم ذلك فهو كتاب عظيم في بابه، ويرى الذهبي ان الطبرسي جعل كتاب الله دليلاً على ما يتفق وعقيدته غير انه ليس مغالياً في تشيعه ولا متطرفاً في عقيدته [34] كما يرى الذهبي. ويصف الذهبي كتاب الطبرسي بقوله لم نأخذ عليه انه كفّر أحداً من الصحابة او طعن فيهم بما يذهب عدالتهم، ولم يغال في شان علي بما يجعله في مرتبة الإله او مصاف الانبياء وإن كان يقول بالعصمة [35] وبذلك توالت تفاسير الشيعة للقرآن الكريم نسجاً على هذه المراجع الاساسية في التفسير ومرت فترة ثلاثة قرون أو أكثر بعد عصر الطبرسي خلت من تفسير مشهور حتى عصر التفاسير الحديثة كالميزان والامثل وتفاسير شيعية كثيرة أخرى.
استخلاصات من التراث المرجعي الشيعي:
يستخلص الباحث من مروره بالمراجع الفكرية للتراث الشيعي مجموعة أمور:
أ/ نلحظ من خلال ما استعرضناه من استقصاء لنشاة التراث الشيعي وتطوره انه لم يصلنا من ذلك التراث الا النزر اليسير لاسيما ما دون في قرن التدوين الاول (150ه- 250ه)، ولعل السبب في ذلك الصدام العنيف مع الدولة حتى عصر ما بعد المتوكل، ولم تظهر المدونات إلا في زمن متأخر في اواخر القرن الثالث الهجري واوائل القرن الرابع الهجري، وقد ظهرت بآراء متباينة عن مصادر قرن التدوين الاول من حيث الاعتبار أو الوثاقة.
ب/ وضح ايضاً ان المدونات التي كتبت في هذه الفترة وما بعدها وبسبب السرية الكاملة والخوف من السلطة، قد حمل بعضها الزيادات، او نقص البيانات أو آراء الغلاة أو اختلافات الآراء بين الجماعات التي كانت تمر بأزمة ومحنة من جراء الحياة السرية للأئمة وأصحابهم.
ج/ ان تشدد الشيعة على الاسناد الذي ظهر في القرن السابع كان علاجاً للاضطراب الكبير الذي أشرنا إليه في الفقرة (ب) وتسالم أغلبية المجتهدين المعاصرين على معيارية السند وسلامة متن الحديث، وعدم اعتبار الشهرة في قبول الحديث جزء من معالجة هذا الذي دخل في التراث الشيعي من جرّاء العمل السري والخوف من السلطة والخوف من الملاحقة وحرق الكتب وما انتهت إليه اليوم من مدرسة سندية علاج فعلي برد مقولة (الصحاح) التي استقرت في المجاميع الحديثية السنية، بينما يرفض الفكر الشيعي المعاصر توصيف اي كتاب حديثي بأنه من الصحاح
د/ لم نجد في المراجع الاساسية للتشيع دعوة الى التطهير العقائدي للآخر أو معاملتهم معاملة عنيفة.
***
ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد
............................
[1] الشاطبي: الموافقات 2-34
[2] السيوطي: تدريب الراوي 2/61، الزركشي
[3] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25
[4] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25
[5] النجاشي: رقم 2،1
[6] الكافي: 1/52
[7] ابن النديم: الفهرست 1/308، الطوسي: الفهرست
[8] الحر العاملي: وسائل الشيعة: الفائدة الرابعة، يقال انه ظفر بـ 80 كتاباً منها
[9] الطوسي: الفهرست 1/260
[10] ابن النديم: الفهرست 1/307
[11] ابن النديم: الفهرست 1/250
[12] م.ن 1/249
[13] م.ن 1/249-250
[14] معجم مؤرخي الشيعة ص236، رجال النجاشي ص13
[15] النجاشي: الرجال 162 (لم يذكر النجاشي سنة وفاته)
[16] النجاشي (مقدمة) كتابه الرجال 65
[17] المفيد: الارشاد / 289
[18] وممن ذكر بالعمل بجمع الموجود احمد بن محمد بن ابي نصر وحسن بن علي بن فضال
[19] الذهبي: ميزان الاعتدال 1/5
[20] ابن حجر: الصواعق المحرقة3-65
[21] العلامة الحلي: منتهى المطلب ص180-184
[22] ظ: المجلسي: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج6/13.
*لقد وجد ابن طاووس ان عدد احاديث الكافي كلها (16199) وعلى وفق التقسيم الرباعي فإن هناك (5072) منها فقط حديثاً صحيحاً و (1118) حديثاً موثقاً و (302) حديثاً حسناً و (9485) حديثاً ضعيفاً، أي ان نصف الكافي محل دراسة.
[23] النوري: مستدرك الوسائل الخاتمة 1/362
[24] البحراني: الحدائق: المقدمة السادسة 24
[25] علي المدَن: تطور علم الكلام الامامي ص120
ظ عبد العزيز الطباطبائي: موقف الشيعة من هجمات الخصوم، مجلة تراثنا ع1/س2/ص32
[26] المدَن: تطور علم الكلام ص130
[27] النجاشي: الرجال 31-32، 48، 385
[28] تفسير الإمام العسكري ص9
[29] ابن النديم: الفهرست
[30] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751
*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.
[31] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751
*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.
[32] ظ المجلسي: بحار الانوار 1/37
الطوسي: التبيان 3/559
[33] روضات الجنات 5/359
[34] الذهبي: التفسير والمفسرون 2/104
[35] م.ن 2/142







