أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: الاختلاف بوصفه بنية معرفية
نحو إعادة التفكير في مفهوم التعدد داخل الفلسفة المعاصرة
توشك الفلسفة في أعمق لحظات تأملها أن تدرك أن ما كان يُحسب جوهرا ثابتا للأشياء ليس سوى أثرٍ من آثار الاختلاف وأن ما سعت إليه طويلا من يقين الهوية لا يعدو أن يكون ظلا باهتا لحركة تمايز لا تهدأ. لقد استقر في صميم التفلسف منذ بواكيره نزوعٌ أصيل إلى ردّ الكثرة إلى الوحدة وإلى تأسيس المعرفة على مبدأ الهوية الذي يجعل من كل موجودٍ انعكاسا لماهية ثابتة. غير أن هذا النزوع الذي بلغ أوجه في الميتافيزيقا الغربية ظل يخفي وراء صرحه الشامخ قلقا دفينا، قلق الاختلاف الذي يأبى الانحباس في قوالب الهوية ويظل يفلت من كل محاولةٍ لترويضه داخل أنساقٍ مغلقة.
في هذا الأفق الإشكالي ينبغي النظر إلى الاختلاف ليس بوصفه مجرد تباينٍ عارضٍ بين الموجودات ولا علامةَ نقصٍ في المعرفة البشرية بل بوصفه بنيةً معرفيةً أصيلةً تتأسس عليها إمكانية المعنى ذاته. إن هذا التحول في النظر هو ما يميز القطيعة المعرفية الكبرى التي شهدتها الفلسفة المعاصرة حيث انتقل الاختلاف من هامش التفكير الفلسفي إلى قلبه النابض. يقتضي هذا الانتقال إعادة النظر في مسلّماتٍ رسختها قرون من التفكير الماهوي وفي مقدمتها فكرة أن المعرفة لا تقوم إلا على التشابه والتماثل وأن الفكر لا يبلغ الحقيقة إلا بقدر ما يتجاوز فوضى الاختلافات إلى نظام الهويات الثابتة.
غير أن البنيوية وما بعدها، قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب. لقد كشف فرديناند دو سوسور في دروسه في اللسانيات العامة أن المعنى في اللغة لا ينشأ من علاقة تطابقٍ بين اللفظ والشيء بل من شبكةٍ من الفروق التي تجعل كل علامةٍ ما هي عليه بقدر ما تختلف عن سواها، "في اللغة لا توجد سوى الفروق". ومع أن سوسور لم يخرج بالضرورة عن الأفق البنيوي المغلق إلا أن نقله لمركز الثقل من الجوهر إلى العلاقة ومن الهوية إلى الفرق قد فتح الباب أمام ثورةٍ معرفيةٍ لم تلبث أن تجاوزت اللسانيات إلى الفلسفة والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي. لقد أدرك الفكر المعاصر مع كلود ليفي-ستروس وميشيل فوكو وجاك لاكان أن البنى الرمزية التي تؤطر الإدراك الإنساني ليست أنساقا من الهويات الثابتة بل أنظمةً من التقابلات والفروق التي تجعل المعنى ممكنا في الأصل.
بيد أن التحول الحقيقي لم يكتمل إلا حين انتقل الاختلاف من كونه علاقةً بين عناصر داخل نسقٍ إلى كونه شرطا أنطولوجيا لكل وجود. هنا بالتحديد تكمن أهمية فلسفة جيل دولوز الذي جعل من الاختلاف مبدأً أول، سابقا على الهوية نفسها. ففي كتابه "الاختلاف والتكرار" لا يكتفي دولوز بنقد التصور التقليدي الذي يجعل الهوية جوهرا والاختلاف عرضا بل يقلب العلاقة رأسا على عقب، الهوية ذاتها لا تُبنى إلا عبر شبكةٍ من الاختلافات المتكررة وكل حضورٍ إنما هو أثرٌ لغياب وكل وحدةٍ إنما هي تنظيمٌ مؤقتٌ لكثرةٍ لا تنضب. وإذ يرفض دولوز منطق الجدل الهيغلي الذي يحتوي الاختلاف في وحدةٍ عليا فإنه يفتح الفكر على أفقٍ جديد هو أفق الكثرة الخالصة.
أما جاك دريدا فقد حمل مشروع تقويض ميتافيزيقا الحضور إلى أقصى مداه بصياغته لمفهوم "الديفيرانس" الذي يجمع بين الاختلاف والإرجاء في آن. ولم يعد الاختلاف هنا مجرد عملية تمييز بين كياناتٍ حاضرة بل صار حركةً لا تنتهي من الإحالات والتأجيلات التي تجعل الحضور الكامل مستحيلا. وإذ يُدخل دريدا بُعدا زمانيا في مفهوم الاختلاف فإنه يكشف أن كل معنى هو أثرٌ لمعانٍ أخرى لن تأتي أبدا وأن كل هويةٍ لا تقوم إلا على استبعادٍ مؤسِّسٍ لما ليس هي. وفي هذا المعنى يصير الاختلاف شرطا لإمكان التفكير ذاته لا مجرد عائقٍ يحول دون بلوغ الحقيقة.
إن النظر إلى الاختلاف بوصفه بنيةً معرفيةً يستتبع بالضرورة إعادة التفكير في مفهوم التعدد، فإذا كانت الهوية نفسها متأسسةً على الاختلاف وإذا كان المعنى لا ينبثق إلا من شبكات الفروق فإن التعدد لا يعود مجرد حالةٍ تجريبيةٍ لتجاور الكيانات المختلفة بل يصير مبدأً أنطولوجيا ومعرفيا أوليا. وهنا لم تعد الفلسفة المعاصرة تبحث عن الوحدة خلف الكثرة ولا عن الجوهر تحت العرض بل أصبحت تنظر إلى التعدد بوصفه النسيج الذي تتحرك فيه المعرفة ذاتها. هذا هو الأفق الذي يستشرفه هذا المقال، أن نعيد التفكير في مفهوم التعدد داخل الفلسفة المعاصرة انطلاقا من الاختلاف بوصفه بنيةً معرفيةً لا مجرد معطى وصفي في مساءلةٍ للتصورات التقليدية عن الوحدة والهوية وانفتاحٍ على أشكالٍ جديدةٍ من العقلانية لا تستبعد الاختلاف بل تجعله شرطا لإمكانها.
يبدأ الأمر إذ نعيد النظر في المسلّمات التي تأسست عليها أنساق المعرفة من سؤالٍ يبدو في ظاهره بسيطا لكنه سرعان ما ينقلب إلى هاوية، كيف نفكر في الكثرة دون أن نردّها إلى وحدة؟ وكيف نمسك بالتعدد دون أن نجعله مجرد تكسّرٍ في مرآة الواحد؟ لقد ظل هذا السؤال يؤرّق الفلسفة في أعماقها لا لأنه سؤالٌ تقني يخص منطق الأجناس والأنواع فحسب بل لأنه يمس جوهر الفعل الفلسفي ذاته، ما الذي يعنيه أن نفكر؟ هل التفكير هو ذلك الفعل الذي يرتقي بالمتناثر إلى كليّته أم أنه الحركة التي تنغمر في المتناثر ذاته لتستخرج منه نظامه الخاص نظاما لا يلغي التعدد بل يجعله مبدأ الإنتاج الأول؟
إن العقل الفلسفي منذ أفلاطون قد رهن نفسه برهانٍ كبير، رهان العبور من المحسوس إلى المعقول من المتغير إلى الثابت ومن المتعدد إلى الواحد. وفي هذا الرهان لم يكن التعدد سوى لحظة سالبة حجابٍ ينبغي اختراقه أو على أحسن الأحوال علامة على نقص الوجود وعدم اكتماله. هكذا انبنى تصورٌ كامل للمعرفة بوصفها فعل اختزال، أن تعرف معناه أن تردّ الشيء إلى نوعه والنوع إلى جنسه والجنس إلى مقولة والمقولة إلى مبدأ أول هو الواحد أو الوجود بما هو وجود. وفي هذا المسار التصاعدي يتبخر الاختلاف ويتلاشى كل ما يجعل الشيء فردا لا يضاهى. صحيح أن أرسطو أعاد للفرد مقاما في المعرفة لكنه ظل فردا منطقيا قائما على تركيب من مادة وصورة وليس فردا متفردا في صيرورته وكثافته الوجودية. وحتى عندما فتح كانط الباب أمام الذات المتعالية فإنه جعلها ذاتا كونية شروطها قبلية ومشتركة بين كل العقول فانمحت بذلك فرادة الذات الفردية في بنية قبلية لا تاريخ لها ولا جسد.
غير أن هذا الصرح الذي أقامته الميتافيزيقا الغربية لم يكن ليصمد إلى ما لا نهاية. لقد بدأت الشقوق تظهر في جدرانه منذ أن بدأ الفكر ينتبه إلى أن المعنى ليس معطى قبليا بل هو منتج داخل شبكات من العلاقات التي لا تقوم إلا على أساس الاختلاف. إن أولى لحظات هذا الانتباه قد تجلّت في مجال علم اللغة حين قلب فرديناند دو سوسور مفهوم العلامة رأسا على عقب. ولم يعد اللفظ مرتبطا بالشيء برباط طبيعي أو ضروري بل صار قيمةً تتحدد بعلاقاتها التفاضلية مع سائر القيم داخل النسق. وفي هذه اللحظة حدث ما يشبه الزلزال المعرفي لم يعد الاختلاف عارضا يلحق بالهوية بعد اكتمالها بل صار الاختلاف هو ما يشكّل الهوية من داخلها. يقول سوسور: "إن أهم ما في الكلمة ليس صوتها بحد ذاته بل الفروق الصوتية التي تسمح لنا بتمييز هذه الكلمة عن سواها لأن هذه الفروق هي التي تحمل الدلالة". وهنا نجد أنفسنا أمام منطق جديد الـ "أ" ليست "أ" إلا لأنها ليست "ب" ولا "ت" ولا "ث". المعنى لا ينبثق من علاقة تطابق بل من شبكة من النفي والاستبعاد. إن ما يجعل الشيء ما هو عليه ليس حضورا مكتملا لذاته بل سلسلةً من الغيابات التي تؤطره وتحدده.
لكن سوسور وهو يفتح هذا الأفق ظل حبيس تصورٍ نسقي مغلق، فالاختلاف عنده هو اختلاف داخل نظام سنكروني تتوزع فيه القيم في علاقات تقابل ثنائي ولا يتجاوز إطار البنية إلى صيرورةٍ تاريخية مفتوحة. وهنا تكمن لحظة التحول الحاسمة التي ستقود إلى ما بعد البنيوية حين يتم تحرير الاختلاف من انحباسه داخل النسق وحين يُفهم لا بوصفه علاقة بين عناصر بل بوصفه قوة منتجة حركة لا تتوقف، صيرورة لا تستقر في هوية. إن هذا الانتقال هو ما يشكل العمود الفقري للثورة الفلسفية التي قادها جيل دولوز والتي تجد تعبيرها الأكثف في مقولته الشهيرة "إن الاختلاف ليس هو الاختلاف بين شيئين بل هو الاختلاف الذي يصنع الأشياء".
في هذه العبارة المكثفة ينطوي كل شيء، إن دولوز لا يرفض الهوية فحسب بل يرفض أن يكون الاختلاف تابعا للهوية بأي معنى. فالتقليد الفلسفي كله حتى في لحظات تمرده ظل يفكر في الاختلاف من خلال الهوية. أما دولوز فيقلب المعادلة، ليست هناك هويات سابقة بل هناك اختلافات متكررة تنتج في مسار تمايزها ما يشبه الهويات المؤقتة. إن ما ندعوه "شيئا" أو "هوية" ليس سوى تمفصلٍ مؤقت أو تلاشٍ نسبي في حركة اختلاف لا تنقطع. وفي هذا المضمار يستعيد دولوز مفهوم "التكرار" من سجنه التقليدي، فالتكرار في الميتافيزيقا القديمة هو تكرار الماهية ذاتها في أفرادها أي أنه إعادة إنتاج للهوية. أما لدى دولوز فالتكرار ليس تكرارا للماهية بل هو تكرار للاختلاف، كل تكرار ينتج اختلافا جديدا وفي هذا الإنتاج تتكوّن "الهوية" كأثرٍ أو كبقية. "التكرار" يقول دولوز "ليس تعميما بل هو إنتاج للاختلاف في ذاته".
هكذا ينفتح الفكر على أفقٍ لا يكون فيه التعدد حالةً ثانوية بل يكون هو الأصل. إن الوجود ليس واحدا وليس هو أيضا مجموع أجزاء متجاورة لواحد مزعوم. إن الوجود هو الكثرة بما هي كثرة أي أنه ليس معطىً بل إنتاجٌ دائم. وفي سياقنا هذا تعود بنا الذاكرة الفلسفية إلى سبينوزا الذي كان دولوز يعدّه "أمير الفلاسفة". لقد تصور سبينوزا الوجود بوصفه جوهرا واحدا له عدد لا نهائي من الصفات وكل صفة تعبّر عن الجوهر بطريقتها الخاصة التي لا تُرد إلى غيرها. هذا التصور الذي يبدو في ظاهره ضربا من وحدة الوجود هو في العمق فتحٌ لإمكان التفكير في التعدد لأن صفات الجوهر لا يمكن ردّ بعضها إلى بعض؛ الفكر ليس امتدادا والامتداد ليس فكرا ومع ذلك فهما يعبّران عن الجوهر نفسه. هنا يتم التفكير في الوحدة لا بوصفها نافية للكثرة بل بوصفها تلك القدرة على الإبقاء على الكثرة في تمايزها المطلق. إن الجوهر السبينوزي ليس واحدا يعلو على الكثرة بل هو الواحد الذي لا يكون واحدا إلا بقدر ما هو متعدد في تعبيراته. وهذا بالضبط ما سيعيد دولوز اكتشافه ويدفعه إلى أقصى حدوده، الجوهر لم يعد جوهرا بل صار "مستوى الاتساق" الذي تتوزع عليه الكائنات في فردانيّاتها المطلقة دون أن تندمج في كلّ.
غير أن هذه النقلة في التفكير في التعدد لا تكتمل إلا إذا أخذنا في الاعتبار البعد الذي أضافه جاك دريدا إلى مفهوم الاختلاف. إن دريدا وهو يشق طريقه عبر نصوص الميتافيزيقا الغربية لم يكتف بإظهار أن الاختلاف سابق على الهوية بل أظهر أن الاختلاف لا يمكن حصره في حاضر ولا في نسق ولا في بنية. لقد صاغ دريدا مفهوم "الديفيرانس" ليجمع فيه بين معنيي الاختلاف والإرجاء. فالمعنى لا يتحدد فقط بفروقه عن المعاني الأخرى بل هو أيضا مؤجل مرجأ، لا يحضر كليا أبدا. إن كل علامة تحيل إلى علامة أخرى وهذه تحيل إلى أخرى في سلسلة لا تقف عند حد. ويكتب دريدا: "الاختلاف هو الحركة التي نلعب بها اللغة أو نلعب بها خديعتها، إنه الحركة التي بها تؤجل اللغة نفسها أو التي بها تختلف عن نفسها". إن هذا يعني أن التعدد ليس مجرد كثرةٍ عددية لعناصر حاضرة بل هو حركةُ إرجاءٍ وإحالة لا تعرف نهاية. ليس ثمة معنى حاضر لذاته يمكن أن يكون أساسا للمعاني الأخرى بل كل معنى هو أثر لمعنى آخر وكل حضور هو أثر لغياب. وفي هذا الفضاء ينهار تصور التعدد بوصفه تجاورا للهويات ويحل محله تصور التعدد بوصفه نسيجا من الآثار والإحالات لا يمكن جمعه في كلية حاضرة.
إن هذه التحولات في فهم الاختلاف تقودنا إلى نتيجةٍ لا مهرب منها، إن التعدد لا يمكن أن يُفهم إلا إذا تخلينا عن تصورنا للوجود بوصفه نسقا من الهويات وعن تصورنا للمعرفة بوصفها ردا للكثرة إلى الوحدة. لكن ماذا يعني هذا عمليا بالنسبة للتفكير الفلسفي؟ إنه يعني أولا أن الفلسفة لم تعد بحاجة إلى أن تبدأ من مبدأ أول يكون واحدا بل يمكنها أن تبدأ من "الوسط" من "البين-بين" من شبكة العلاقات ذاتها. إنها لم تعد تسأل ما هو أصل الأشياء؟ بل كيف تتشكل الأشياء في حركة اختلافها؟ وهذا تحول في السؤال الفلسفي من البحث عن الماهية إلى البحث عن شروط الإنتاج.
يتحدث دولوز وغواتاري عن "الجذمور" في مقابل "الشجرة". الشجرة تمثل النموذج الكلاسيكي للمعرفة، جذر واحد، ساق واحد، فروع متعددة لكنها كلها تنبثق من أصل واحد. أما الجذمور فهو نبات يمتد أفقيا بلا مركز وبلا أصل تتشابك فروعه وتتفرق دون أن تعود إلى واحدة. "الجذمور" هو صورة المعرفة حين تتحرر من هوس الأصل والوحدة وحين تصبح قادرة على التفكير في التعدد بوصفه تعددا لا يُرد.
بيد أن هذا الأفق الجديد لا يخلو من مخاطر ومفارقات، كيف يمكن للفكر وهو يسعى إلى الإمساك بالتعدد في نقائه أن يتجنب تحويل التعدد إلى مفهوم جديد وإلى ماهية جديدة وإلى "واحد" من نوع آخر؟ أليس الحديث عن "التعدد بوصفه أصلا" ضربا من إعادة إنتاج منطق الأصل الذي كنا نسعى إلى تقويضه؟ هنا تكمن المعضلة المركزية التي يواجهها كل فكر يريد أن يظل وفيا لحركة الاختلاف دون أن يخونها بتثبيتها في مفهوم. إن دولوز نفسه كان واعيا بهذه المفارقة ولذلك لم يتحدث عن "التعدد" بصيغة الاسم بل بصيغة الفعل: "التكثر" "الاختلاف" "الصيرورة". ليس المطلوب إذن أن نستبدل بميتافيزيقا الواحد ميتافيزيقا المتعدد بل أن نخرج من الميتافيزيقا ذاتها أي أن نكف عن التفكير في الوجود بوصفه موضوعا للتمثيل ونبدأ في التفكير فيه بوصفه حركةً للإنتاج. وتصير الفلسفة ذاتها فعلا إبداعيا لا مجرد تأمل لما هو كائن، "الفلسفة" يقول دولوز : "هي فن تشكيل المفاهيم وابتكارها".
إن إعادة التفكير في مفهوم التعدد داخل الفلسفة المعاصرة ليس والحال هذه مجرد مسألة أكاديمية تخص تاريخ الأفكار. إنه يتعلق بالطريقة التي نبني بها معرفتنا بالعالم وبالطريقة التي نبني بها علاقاتنا مع الآخرين وبالطريقة التي نفكر بها في السياسة والأخلاق والجمال. إن الفكر الذي يظل وفيا لمنطق الهوية لا يمكنه إلا أن يستبعد كل ما لا يندرج تحت مقولاته وأن يحول الاختلاف إلى انحراف والآخر إلى غريب. أما الفكر الذي ينطلق من الاختلاف بوصفه بنيةً معرفية فإنه يفتح إمكانية لتقبل التعدد دون اختزاله وللتفاعل مع الآخر دون استيعابه أو نفيه. إن هذا التحول الذي بدأ مع البنيوية وبلغ أوجَه مع فلسفات الاختلاف لا يزال يطرح أسئلته الملحّة على حاضرنا كيف نبني معرفةً لا تقوم على الاستبعاد؟ كيف نؤسس سياسةً لا تقوم على الهوية؟ كيف نعيش التعدد دون أن نجعله تهديدا؟
إذا كان ما تقدم قد سعى إلى خلخلة أنطولوجيا الهوية التي طالما استقرت في صلب الميتافيزيقا الغربية وإلى بيان كيف أن الاختلاف في تحولاته البنيوية وما بعد البنيوية قد صار شرطا لإمكان المعنى ذاته فإن المهمة الآن تتعقد كيف نستثمر هذه النقلة في إعادة بناء مفهوم التعدد بحيث لا يغدو مجرد اسم جديد لوحدة مراوغة؟ كيف نتجنب بعبارة نيتشه أن "نظل سجناء العقل حتى ونحن ننقضه" فننصب تعددا جوهريا مكان الواحد الجوهري ونعيد بذلك إنتاج المنطق الماهوي نفسه تحت غطاء نقيضه؟ إن الانتقال من التفكير في الاختلاف بوصفه بنية معرفية إلى التفكير في التعدد بوصفه أفقا للوجود والمعرفة معا يستوجب منا ألا نكف عن ممارسة اليقظة النقدية إزاء مفاهيمنا ذاتها وألا نخلد إلى يقين زائف يظن أنه امتلك ناصية الحقيقة بمجرد استبدال لفظ بآخر.
إن دولوز الذي جعل من الاختلاف مبدأ أول لم يتوقف عند حد تقويض الهوية بل مضى إلى بناء فضاء فلسفي يسمح للكثرة بأن تُفكر في نقائها دون أن تُختزل إلى وحدة عليا. هذا الفضاء هو ما أسماه مع غواتاري "مستوى الاتساق" وهو ليس مفهوما بالمعنى التمثيلي للكلمة بل هو أشبه بأرضية محايثة تتوزع عليها الكائنات في فردانيّاتها المطلقة. على هذا المستوى لا يوجد تعارض بين الوحدة والكثرة لأنه لا توجد وحدة من الأساس؛ لا يوجد سوى تكثرات متفاوتة تتصل وتنفصل، تدخل في تجمعات وتفككها دون أن تستند إلى مبدأ خارجي ينظمها. "إن الوحدة" يقول دولوز "لا تقوم إلا بالانسجام لكن الانسجام ليس صفة لوحدة بل هو حركة الكثرة ذاتها" هكذا تنقلب العلاقة، فليس التعدد هو الذي يحتاج إلى تفسير بل الوحدة المؤقتة هي ما يحتاج إلى أن يُفهم بوصفه حدثا عابرا في مسار تكثر لا ينتهي. ولعل هذا ما يفسر انجذاب دولوز إلى لغة "الحدث" و"الصيرورة"، فالتعدد لا يُفهم بوصفه مجموعة عناصر بل بوصفه سيلاً من الأحداث التي لا تتوقف عن إنتاج اختلافات جديدة.
ويكتسب مفهوم "الآخر" بعدا أنطولوجيا لا أخلاقيا فحسب، ففي ميتافيزيقا الهوية كان الآخر يُفهم إما بوصفه تهديدا ينبغي استيعابه أو نفيه وإما بوصفه اعترافا متبادلاً بين هويات مكتملة كما هو الحال في ديالكتيك هيغل. أما حين يصير الاختلاف بنية المعرفة فإن الآخر لا يعود كيانا منفصلاً عني ولا مجرد صورة معكوسة لوعيي بل يصير شرطا لدستور ذاتي في الأصل. إن الذات في هذا التصور ليست جوهرا مفردا ينفتح على الآخر في مرحلة لاحقة بل هي أثر من آثار التعدد ونقطة تقاطع لسلالات من الصيرورات التي تمر عبرها. وقد تنبّه إيمانويل ليفيناس على طريقته الخاصة إلى هذه الأولوية الأنطولوجية للآخر حين جعل من "وجه الآخر" نداءً لا يُختزل إلى تمثيلات الأنا لكنه ظل في نهاية المطاف وفيا لمنظور أخلاقي يمنح الآخر تعاليا يكاد يكون لاهوتيا. أما فلسفة الاختلاف كما طورها دولوز ودريدا فتذهب إلى ما هو أبعد، إن الآخر ليس متعاليا بل هو محايث، إنه يعبرني كما أعبره، إنه معي في النسيج نفسه من الاختلافات التي تجعل من كل ذاتٍ موقعا فريدا لا يتطابق مع نفسه.
وهنا يبرز مفهوم المكان والجغرافيا في الفلسفة المعاصرة الذي تحول من كونه مجازا أدبيا إلى كونه أداة عقلية صميمة. ففي مقابل النموذج الشجري الهرمي الذي تحدث عنه دولوز وغواتاري يقف نموذج "الجذمور" الذي سبقت الإشارة إليه. لكن الأهم من الاستعارة نفسها هو نتائجها المعرفية، فالتعدد الجذموري لا يُفهم بالانطلاق من مركز بل بالتنقل بين العُقد بلا بداية ولا نهاية. إن التفكير في التعدد بهذا المعنى يقضي على فكرة "النسق" المغلق ويجعل من المعرفة خريطةً لا أصل لها تُقرأ في كل الاتجاهات وتُنتج كلما سار المرء فيها. تصير المعرفة بهذا المعنى تجوالا، "والفكر المتجول" كما يقول دولوز "لا يشبه الفكر المهاجر لأن المهاجر ينتقل من نقطة إلى أخرى، بينما المتجول لا ينتقل بل هو الذي ينتقل به المكان نفسه". إن هذه النقلة من فضاء الهندسة إلى فضاء الجغرافيا تؤذن بولادة عقلانية جديدة، عقلانية الشبكة المفتوحة التي لا تعترف بحدود قبلية والتي تجعل من التواصل بين التكاثر مهمتها الأساسية لا من ردها إلى أصل واحد.
وإذا كانت هذه العقلانية الجديدة تجد في المكان الجغرافي استعارتها الكبرى فإنها تجد في الزمان إشكاليتها الأعقد. لقد أدرك دولوز وهو يقرأ برغسون أن التعدد لا يُفهم إلا في الزمان، لأن الزمان هو الوسط الذي يسمح للاختلاف بأن يتحقق بوصفه حركة. لكن الزمان هنا ليس زمانا مكانيا أي ليس خطا متجانسا يتوالى وفق مقاطع متساوية بل هو "الديمومة" التي لا تنفك تنتج اختلافا نوعيً. وفي سياق قراءته للصورة السينمائية يبين دولوز كيف أن الصورة حررت الزمان من تبعيته للحركة المكانية فصارت تعرض "صيرورة الاختلاف" دون حاجة إلى حامل جوهري. وفي هذا المضمار يغدو التعدد منخرطا في الزمان انخراطا أصيلا، ليس مجرد كثرة في المكان بل كثرة تتحقق في إيقاعات زمنية مختلفة. إن كل كائن ليس هوية بل هو "كتلة زمن"، إيقاع معين من التكرار ينتج فروقه الخاصة. ويتجاوز التفكير في التعدد الفضاء المرئي إلى اللامرئي: إلى الإيقاعات والسرعات والبطاءات التي تشكل نسيج الوجود.
غير أن ما يجعل هذا الأفق الفلسفي وثيق الصلة بالراهن الإنساني هو انقلابُه على التصورات المألوفة للسياسة والأخلاق وعلم الجمال. ففي السياسة حيث صار التعدد الثقافي والديني والاجتماعي واقعا كونيا لا فكاك منه، لا تزال الخطابات السائدة تتأرجح بين نقيضين كلاهما منتمٍ إلى منطق الهوية، إما هوس الهوية المنغلقة التي تريد تطهير التعدد أو احتواءه في قالب ثقافي أحادي وإما هوس الاختزال الليبرالي الذي يعترف بالتعدد شرط أن يندرج الجميع في فضاء قانوني كوني مجرد يمحو بطريقة أنعم، الفروق الحية ويجعلها مجرد "اختلافات ثقافية" سطحية. في الحالتين يُفهم التعدد بوصفه حالة مؤقتة تمهد لوحدةٍ ما لا بوصفه شرطا أنطولوجيا دائما. أما الفلسفة المعاصرة بما أنتجته من أدوات عقلية متجذرة في الاختلاف البنيوي فتقترح علينا سياسةً من نمط آخر، سياسة لا تقوم على تمثيل الهويات بل على تنظيم التجمعات، سياسة الأقليات بما هي تكثرات لا تُرد إلى نموذج الأغلبية. "الأقلية" عند دولوز وغواتاري "ليست حالة عددية بل هي وضع انزياحي بالنسبة إلى معيار مهيمن". إنها حالة الاختلاف الدائم الذي لا يريد أن يصير أغلبية جديدة بل يظل يعمل على تفكيك المعايير وإعادة اختراعها.
وإذا انتقلنا من السياسة إلى الجمال ألفينا أنفسنا أمام النتيجة ذاتها. فقد ظل الفن في التصور الكلاسيكي محاكاة للطبيعة أي إعادة إنتاج لهوية خارجية. لكن الفن الحديث وما بعد الحديث قد كشف عن أن العمل الفني لا يمثل التعدد بل هو تعدد. إن اللوحة والقصيدة والمعزوفة والفيلم ليست نسخا عن نسق سابق بل هي إنتاج لاختلافات محسوسة لم تكن موجودة من قبل. "الفن" يقول دولوز "لا يمثل بل يخلق كتلة من الإحساسات، أي مركبا من المدركات والانفعالات". وهذه الكتلة هي بالضبط تكثّرٌ لا يُختزل، إنها تعطي وجودا مستقلا لرؤية لم تُرَ ولسماع لم يُسمَع ولانفعال لم يُعش. ويلتقي الفن هنا بالتفكير الفلسفي في التعدد، إذ يصيران معا فعلين لإنتاج الاختلاف لا لإعادة إنتاج الهوية.
أما الأخلاق فتصير في ضوء الاختلاف بوصفه بنية معرفية ممارسة لا تستند إلى أوامر كلية ولا إلى حساب للعواقب بل إلى فن للوجود. إن سبينوزا مجددا هو المبشر الأكبر بهذه الأخلاق حين جعل من السؤال الأساسي ليس "ماذا يجب أن أفعل؟"، بل "ما الذي يستطيعه الجسد؟". إن هذا السؤال ينقل الأخلاق من دائرة التحريم والوصاية إلى دائرة التجريب، كيف نؤلف بين الكثرات التي نعبرها ونعبرها وكيف نزيد من استطاعتنا دون أن ندمر بعضنا بعضا؟ إنها أخلاق اللقاء ولقاء الجسد بالفكرة ولقاء الفكرة بالجسد ولقاء الذات بالعالم ولقاء المختلف بالمختلف. وفي كل لقاء لا تُزال الفروق بل تُؤلف بطرق تجعل منها مصدر ابتهاج لا مصدر شقاء.
نكون إذ بلغنا هذا المستوى من التأمل قد قطعنا شوطا لا يقصد محو الهوية من سجل الفكر بل يسعى إلى إدراكها بوصفها أثرا من آثار الاختلاف ونتاجا من نتاجات التعدد لا العكس. إن إعادة التفكير في مفهوم التعدد داخل الفلسفة المعاصرة انطلاقا من الاختلاف بوصفه بنية معرفية، ليست ترفا نظريا بل هي محاولة لإعادة وصل الفلسفة بتجربة العالم الحي حيث تتدافع الكثرات ولا تستقر. إنها محاولة للخروج من المأزق الذي انحبس فيه الفكر طويلاً، كيف نعقل ما لا ينضبط تحت ماهية؟ كيف نمسك بالمفهوم بما هو سيلان محض؟
لقد حاولنا عبر هذه المساجلة المتواضعة أن نبين أن الفلسفة المعاصرة قد فتحت مع دولوز ودريدا ومن سبقهما من البنيويين أفقا لا يُنكر التعدد ولا يقدسه بل يجعله مادة التفكير الأولية.
إن هذه الفلسفة لا تمنحنا أجوبة مريحة بل تورطنا في أسئلة أشد عمقا. إنها لا تقدم لنا "نظاما" بديلاً بالمعنى القديم بل تدعونا إلى ممارسة مختلفة للعقل إلى عقلانية متواضعة لا تبدأ من فوق بل تنغمس في فوضى العالم لتستخرج منه أنظمة موقتة مفتوحة على الدوام للمراجعة. إنها عقلانية تقبل لأول مرة ربما أن يكون الاختلاف لا عائقا أمام المعرفة بل قوامها الوحيد. وإذا كان هذا الأفق قد بدا في بعض لحظاته نظريا خالصا فلأن النظر الفلسفي هو ذاته فعل مقاومة، مقاومة إغراء الرد ومقاومة تكاسل العقل ومقاومة تحويل كل كثرة إلى وحدة خفية.
إن الكثرة التي نعيشها اليوم بعولمتها وعنفها وجمالها المرعب لا تحتاج إلى من يلغيها باسم الوحدة الكونية ولا إلى من يبسطها تحت شعار "العولمة السعيدة" بل تحتاج إلى فكر قادر على الإمساك بها في تمايزها وعلى استخراج إمكانات الحياة المشتركة من دون أن يمحو الفروق. وهذا هو ما تَعِدُنا به الفلسفة المعاصرة في أعمق تجلياتها لا مدينة فاضلة ولا يقينا مطلقا بل طريقةً في السير وانتباها للاختلاف حيثما تجلى وثقةً راسخةً بأن المعنى لا ينقصه أن يكون واحدا ليكون حقيقيا. إن إعادة بناء العقلانية على أساس البنية الاختلافية للتعدد ليست مجرد مشروع فكري للمستقبل بل هي شرط لاستمرار الحياة المشتركة في حاضر تتقاذفه الهويات المنغلقة والأوهام الكونية معا. وفي هذا الأفق وحده يصير التفكير الفلسفي فعلاً حيا ينتمي إلى العالم لا هروبا منه.
***
د. حمزة مولخنيف







