عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

فضل فقيه: العلم والابداع.. بين البنية والحرية

هناك ترابط وثيق بين حرية الفكر والتقدم والابداع. إن العقل لا يتقدم الا إذا كان قادرا على انتقاد ومساءلة ما هو يعرفه وما هو متفق عليه. اتفق على هذا الأمر الكثيرون من العلماء، فعلى سبيل، يقول الفيلسوف المجري مايكل بولايني أن علامة من علامة العقل الفذ هو فدرة هذا العقل على تلقف المعلومات الجديدة ومساءلة معرفته المسبقة وفقا لها. لكن العلم المعاصر أصبح مؤسسة فكرية تحكمها قوانين مكتوبة وغير مكتوبة، وليست مساحة حرة يكتب فيها العلماء أفكارهم كما شاءوا. هذا جلي من مفهوم البرادايم عند المؤرخ الأمريكي توماس كون في كتابه الشهير "بنية الثورات العلمية". هل يعني هذا أن هناك تناقضا بين بنية العلم الحالية وحاجته الأساسية للحرية؟ إذا كان العلم يحتاج إلى الحرية، فكيف يحتاج في الوقت نفسه إلى البرادايمات؟ هل يحدّ البرادايم من الحرية؟ أم أن الحرية تهدّد الاستقرار الذي يحتاجه العلم؟ يزول هذا التناقض عندما نفهم الحرية العلمية لا بوصفها غيابًا للبنية، بل بوصفها القدرة على التفكير والاختبار والنقد داخل البنية وعند حدودها.

البارادايم وقوانين تقدم العلم

يتقدم العلم، حسب كون، عبر ممارسة العلم العادي داخل بارادايم. والبارادايم هو الإطار الذي يزود العلماء بأمثلة وأطر ومعايير قبول للحلول، وأدوات ومفاهيم تحدد: ما المشكلة العلمية الجيدة؟ وما الذي يعدّ حلًا مقنعًا ومتوافقا عليه؟ لذلك يلجأ العالم إلى القياسات التي يراها “المجتمع العلمي” صحيحة وكافية ضمن البارادايم الذي يعمل فيه، كأن يد البارادايم الخفية تدير العلم من بعيد وتحدد أطره.

داخل هذا الإطار يمارس العلماء العلم العادي، أي حل الألغاز ضمن القواعد الموضوعة. وهنا يكون التقدم تراكمياً ومحلياً: تتحسن دقة القياس، وتتطور التقنيات، وتُحل ألغاز أكثر وفق نفس القواعد. لكن العلم العادي يستمر إلى أن يواجه شذوذات لا يقدر البارادايم على حلها، أو يكون حلها متناقضاً مع معاييره الأساسية. عندها تبرز الحاجة إلى بارادايم جديد، فتحدث ثورة علمية، ثم يعود العلماء مرة أخرى إلى علم عادي داخل إطار جديد.

إذا فالبرادايم بشكل أو بآخر هو مجموعة قوانين تقييد عمل العلماء، هل هذا صحيح؟ وأين يفتح إذا المجال للحرية المطلوبة لنجاح التقدم العلمي والفكري؟

لماذا تبقى الحرية مهمة؟

رغم أن البارادايم يجعل العلم ممكناً، ويمنح العلماء الأدوات والمفاهيم التي يعملون من خلالها، إلا أنه يخلق في الوقت نفسه مناطق عمى. فهو لا يحدد فقط ما الذي يستطيع العلماء رؤيته، بل يحدد أيضاً ما الذي لا ينتبهون إليه بسهولة. داخل البارادايم تبدو، بالنسبة للمجتمع العلمي، بعض الأسئلة علمية ومهمة، بينما تبدو أسئلة أخرى هامشية. كأن يد البارادايم الخفية لا تدير رؤية العلماء فقط، بل تدير عماهم أيضاً.

من هنا تصبح الحرية شرطاً أساسياً للعلم. فالعالم لا يحتاج فقط إلى حرية العمل داخل القواعد، بل يحتاج أيضاً إلى حرية ملاحظة ما تفشل هذه القواعد في تفسيره. يحتاج إلى أن يتتبع الشذوذات، وأن يقترح تأويلات بديلة، وأن يطرح أسئلة قد تبدو غريبة أو غير مريحة داخل الإطار المقبول. هنا لا تكون الحرية مجرد حرية سياسية أو مؤسسية، بل حرية معرفية: حرية أن يسمح العالم للواقع بأن يزعزع الإطار الذي يفهمه من خلاله. إذا فالحرية تأتي لتترك بابا مفتوحا لمساءلة البرادايم بحد ذاته، وتحدي قيوده وقواعده.

لا حرية بلا قواعد

أبعد من ما ذكر، لا يمكنني إلا أن استعين بالمناظرة الشهيرة بين نعوم تشومسكي وميشيل فوكو في ايندهوفن، وتحديدا عندما يناقشان الابداع والتقدم العلمي. بالنسبة لتشومسكي، لا ابداع علمي بلا قواعد وقوانين ومشاكل متفق عليها. عند تشومسكي، النحو التوليدي هو مجموعة من القواعد التي تسمح للإنسان بإنتاج جمل غير محدودة. ومن هنا، يصبح الابداع عند تشومسكي قائم على بنية منظمة مرتبطة بالطبيعة البشرية قادرة على توليد الأفكار الإبداعية والعلمية. يوافق فوكو على طرح تشومسكي في أن الحرية تحتاج البنية والقوانين للإبداع، إلا أنه يختلف معه من ناحية الطبيعة البشرية ويعطي الابداع اطارا تاريخية وليس فرديا.

خلاصة الكلام أن الابداع والحرية يحتاجان للقوانين والبنية إلا سقطا معا. أما أن فسأحاول دمج فكرتي تشومسكي وفوكو في طرح يقول إن الابداع والتقدم العلمي انما يعتمدان على استكشاف احتمالي داخل فضاءات منظَّمة من الإمكانات. أنا هنا اتبنى فكرة تشومسكي في البنية التوليدية وفكرة فوكو في إعطاء الابداع بعدا تاريخية، فيصبح التقدم هنا الصيرورة التاريخية لأنظمة مقيَّدة البرادايمات العلمية، هي حقول منظَّمة. إنها تجعل الاكتشاف ممكنًا لأنها تفرض قواعد ومفاهيم ومناهج. لكن الشذوذات تظهر عندما يستكشف الواقع مناطق لم يكن البرادايم قد توقّعها.

في الخلاصة، ان التقدم العلمي بحاجة لهذه الجدلية بين القيود البنيوية والحرية ليصبح الابداع مطروحا. هذه الجدلية تغذي الهيكل بالحرية اللازمة وتمنعه في ذات الوقت عن الانحراف عن المنهج العلمي والبرادايم السائد.

***

فضل فقيه – باحث

.................................

مصادر وقراءات إضافية:

Kuhn, T. S. The Structure of Scientific Revolutions. 4th edition (University of Chicago Press, Chicago, 2012).

Chomsky, Noam, and Michel Foucault. “Human Nature: Justice versus Power.” 1971 debate, Eindhoven, Netherlands. In “The Chomsky-Foucault Debate: On Human Nature”, edited by Fons Elders. New York: The New Press, 2006.