عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: هل الفقر يأتي بسبب قلة الثروة؟

يشير افلاطون في عبارة شهيرة له ان "الفقر لا يأتي من نقص الثروة وانما من تزايد الرغبات". هذه العبارة جرى تداولها كثيرا في المنتديات الاقتصادية وفي نقاشات الاستقلال المالي وفي أوساط بعض الجماعات. العبارة الافلاطونية تضع تعريفا للفقر لا علاقة له بالأرصدة المصرفية. الفكرة اكتسبت جاذبية عندما تجاوز دين المستهلك في الولايات المتحدة 17 ترليون دولار في بداية عام 2025 ونسبة الادخار الشخصي بقيت دون مستوى ما قبل وباء كورونا، طبقا لبيانات الاحتياطي الفيدرالي. في الأوقات التي يشعر بها الكثير من أرباب المنازل بالتوتر المالي رغم ارتفاع متوسط اجورهم، يعرض الاطار الافلاطوني آلية معينة يوضح فيها لماذا لا تؤدي زيادة الدخل الى المزيد من القناعة.

ما شخّصهُ الفيلسوف كان مشكلة بنيوية تتعلق بالكيفية التي تعمل بها رغبة الانسان. الرغبات لا تعرف حدودا للتوقف. عندما تُترك بلا تنظيم، ستمتد الى ما وراء الموارد المتوفرة مهما كانت هذه الموارد، لتخلق إحساسا دائما بعدم الكفاية لا يمكن معالجته بالتراكم المادي الخارجي.

الفجوة بين ما تمتلك وما تريد

لم تكن حجة افلاطون مجازية. انها تصف علاقة سببية بين التوقعات والرفاهية المتخيلة. إحساس الشخص بامتلاك الكثير يتقرر بالمسافة بين ما يحوز وما يريد. عندما تتسع تلك المسافة، يتسع أيضا الشعور بالفقر حتى عندما تبقى الظروف المادية دون تغيير. هذا يوضح النمط الذي تكافح النماذج الاقتصادية التقليدية لفهمه. الناس ذوي الموارد الكافية موضوعيا يمكن ان يعربوا عن شعور بالحرمان. آخرون ذوي الموارد الأقل يعربون عن القناعة. العامل المقرر ليس كمية السلع. بل هو حجم الشهية التي تشبعها تلك السلع.

لاحظ افلاطون، ان الشهية لم تبق ثابتة. انها تتكيف صعودا مع كل اكتساب. اشباع الرغبة عادة يوسّع الفجوة بدلا من غلقها. شخص ما يحصل على زيادة في الراتب ثم يعيد فورا ضبط توقعاته سوف لن يصل الى الكفاية. انه أعاد ضبط الهدف.

لماذا يخلق تزايد الرغبات فخا؟

افلاطون ركز على نوع معين من الرغبة. في كتاب الجمهورية، هو فصل الرغبات الضرورية المرتبطة بالبقاء والصحة عن تلك الغير ضرورية التي تتضخم الى ما وراء أي حد طبيعي. المجموعة الثانية من الرغبات تتضمن التوق الى الرفاهية والمكانة والتجديد. هذه الرغبات تفتقر الى نقطة نهاية. عندما تستولي الرغبات غير الضرورية ستبدأ دورة متوقعة. الشخص يصل الى هدف معين ويشعر بلحظة وجيزة من الرضا. بعد ذلك، تتشكل الرغبة من جديد حول هدف أعلى. العملية تتكرر. كل دورة تسجل فشلا ثانويا لأن القناعة المأمولة لن تتحقق ابدا والهدف يستمر دائما بالحركة دون نهاية.

هذا ليس تحذيرا أخلاقيا. انه وصف لـ آلية سايكولوجية تعمل بدون مبدأ ضابط. ان تعدد الرغبات يغذي تكيّف المتعة a hedonic treadmill الذي شخّصته الفلسفة القديمة قبل وقت طويل من إطلاق علم النفس الحديث هذا الاسم .

تقسيم افلاطون الثلاثي للروح وحيث تنشأ الفكرة

التعبير الدقيق عن الفقر وتعدد الرغبات لم يظهر حرفيا في نصوص افلاطون الواردة الينا. انه تنقية حديثة لحجج افلاطون تم تطويرها عبر عدة حوارات. أقرب أساس نصي في هذا الشأن يرد في الكتاب الثاني و الرابع من الجمهورية، حيث يبني افلاطون نموذجه الثلاثي للروح. الروح، في ذلك النموذج، لها ثلاثة أجزاء: العقلاني، والروحي، والشهوي. الجزء الشهوي يتّبع سيناريو بسيط. انه يريد، انه يحصل او يفشل في الحصول. ثم يريد مرة أخرى. انه لا يستطيع الحكم في ما اذا كانت الرغبة تستحق ذلك السعي. العقل يتولى تلك المهمة. افلاطون يجادل ان حياة متوازنة تتطلب ان يتحكم الجزء العقلاني بالشهوة، لا ان يمحوها. عندما يفقد العقل قبضته، تتضاعف الرغبة دون رادع. في تلك الظروف الشخص ليس حرا. هو يستجيب الى جزء من نفسه لا يهدأ ابداً. افلاطون وصف الفقر بحالة من الخضوع للشهوات لا يمكن لأي قدر من الثروة ان يهدئها.

البحوث الحديثة تؤكد النموذج القديم

الاطار الافلاطوني يتماشى تماما مع الاستنتاجات التي ظهرت في العقود الأخيرة. عالِم النفس فيليب بريكمان Philip Brickman وزملاؤه كشفوا عن الميل للعودة للمستوى المستقر نسبيا للسعادة hedonic treadmill . في دراسة شهيرة عام 1978 أظهرت ان رابحي اليانصيب لا يعربون عن سعادة اكبر مما لدى المجموعة الضابطة (المستقلة) . خط الأساس المألوف لديهم قد تغير. وفي عمل لاحق لدانيال كانيمان و انجوس ديتن نُشر في وقائع الاكاديمية الوطنية للعلوم، وُجد ان الرفاهية العاطفية ترتفع مع الدخل لكنها تتوقف عند 75000 دولار سنويا. وراء تلك النقطة، لا ينتج الدخل الإضافي كسبا تناسبيا في السعادة اليومية. الفجوة التي يحددها افلاطون بين امتلاك الشيء والرغبة تتضح في البيانات كمردود متناقص للتراكم الذي تقوده الرغبة.

لا شيء من هذه البحوث يذكر افلاطون. لكن الآلية التي تصفها هذه البحوث والقناعة المنظّمة بالتوقعات وليس بالكمية المجردة، هي نفس تلك التي عرضها افلاطون. علم النفس المالي يستمر بتوثيق كيف ان الرغبات المتزايدة تعيد تشكيل المقياس الداخلي أسرع من ارتفاع الدخل، حيث تحبس الناس في حلقة مفرغة لا يمكن لأي زيادة ان تكسرها.

إعادة التفكير بالفقر الى ما وراء الظروف المادية

تعريفات الفقر تقيس الموارد الخارجية. الحد الأقصى للدخل، مستويات الأصول، والحصول على السكن وسياسة تأمين الطعام . ذلك الاطار يلتقط شكل واقعي ومباشر للحرمان.لا يمكن لأي مقدار من إعادة الصياغة الفلسفية تقليل ذلك. اطار افلاطون يضيف بعدا ثانيا. التجربة الداخلية للفقر والشعور بعدم امتلاك ما يكفي، يسيران وفق قواعدهما الخاصة. الشخص يمكن ان يكون آمن ماديا ولايزال يعيش في شعور حاد بالندرة يكفي لإحداث ضيق حقيقي. هذا التمييز يُعد هاما لأنه يحدد مكان إيجاد الحلول. الفقر الناتج عن تعدد الرغبات يستدعي شيئا آخرا: انتباه الى آلية داخلية تحكم الشهية. جواب افلاطون لم يكن التقشف. انه ضبط للروح بواسطة العقل، وهي ممارسة تضع حدودا بحيث تجعل الفرد يشعر بكفاية ما لديه.

***

حاتم حميد محسن