قضايا
شيماء هماوندي: العلاج بالفلسفة
إن العلاج بالفلسفة ليس ترفاً فكرياً، ولا يخص فئة معينة من البشر، سواء كانوا فلاسفة أو مثقفين، بل هو علاجٌ لكل الناس الذين هم بحاجة إليه، وهو ليس علاجاً للمرضى (بدنياً أو عقلياً)، أي أنه لايمثل علاجاً بالمعنى الطبي لكلمة علاج، بل هو (عون فلسفي للأصحاء) الذين يعانون من مشكلات يومية، وهموم حياتية، فالعلاج بالفلسفة وخدمات العلاج الفلسفي هو إسلوبٌ معاصر لتقديم العون والإرشاد لكل من يعاني من مشكلات فكرية، أو أزمات وجودية.
إن العلاج بالفلسفة قديم قِدم تاريخ الفلسفة نفسها، ويمكننا الرجوع بجذوره للفلسفة العملية القديمة والى العديد من الفلاسفة والمفكرين القدماء على مر التاريخ، حيث كان يُسمى بفن شفاء النفس، و لم يكن بإستطاعة الحضارات السابقة الإستغناء عن هذا الفن، فعلى سبيل المثال نجد ان الكهنة، ورجال الدين في الحضارات القديمة مثل حضارات وادي الرافدين، ووادي النيل، والحضارات الهندية، والصينية القديمة، قد أتقنوا هذا الفن، لأنهم أدركوا، أهمية الجانب النفسي لدى الإنسان منذ القدم، وقد تم رصد آثار، في مختلف الحضارات القديمة، يظهر فيها نقوش، ورسوم قديمة، حيث يجتمع شخصان لمناقشة أمورهما المشتركة، أحدهما يطلب المساعدة، والآخر يحاول تقديمها، ورغم أن الطرق تبدو دوماً مختلفة، ورغم تباين إسلوب تعبير الثقافات، وطرقها العلاجية، فإن ماكان يُقال هو الشيء ذاته على الدوام وحتى يومنا هذا، ولكنه اليوم بمظهر مختلف، حيث تم تعديله لإحتواء ومعالجة الأزمات المعاصرة التي يواجهها ويُعاني منها الإنسان والمجتمع المعاصر.
لقد نشأت الفلسفة للإجابة على تساؤلات جوهرية شغلت ذهن الإنسان وأرهقت عقله، وأثرت على أدائه في الحياة، مثل تساؤلاته عن ماهية هذا الوجود الذي يعيش فيه، وتساؤلات الإنسان عن نفسه: من هو؟ وماهي ماهيته؟ و هو مصيره؟ وماهو دوره في هذه الحياة؟ وماهي رسالته فيها؟ وهو مايُعبر عنه القول المأثور لهيكل دلفي بدقة متناهية: (إعرف نفسك بنفسك)، ويشير "مصطفى النشار" في كتابه "العلاج بالفلسفة" في هذا الصدد الى ماقام به الفيلسوف "سقراط" من علاج معاصريه حينما نبههم الى ان المشكلة الحقيقية تكمن في أنهم لم يبدأوا بمعرفة حقيقة أنفسهم، وحقيقة مايدعون العلم به، فكانت المقولة الشهيرة التي يرددها دائماً (إعرف نفسك) تجسيداً لما كان يدعو إليه من ضرورة أن يبدأ الإصلاح من النفس أولاً، ومعنى كلمة علاج Therapia باللغة اللاتينية هو المُداواة، أو علاج الجراح وتضميدها، وقد ركز "أبيقور" على علاج الآلام النفسية بالفلسفة، أما الرواقيون فقد ضربوا أروع الأمثلة سواء في فلسفتهم او في حياتهم على أن الفلسفة فيها الشفاء من أصناف الهم والحزن، وأكدوا أنه كلما تعمقت الحكمة الفلسفية لدى الإنسان كلما نجح في التوافق مع ظروف الحياة، وكان الفلاسفة على مر العصور مهمومون بقضايا الإنسان ومشكلاته الفردية، والإجتماعية، وقدموا الكثير من الأفكار والمذاهب لعلاج تلك المشكلات.
واليوم إتخذ مصطلح العلاج بالفلسفة ابعاداً جديدة ومعاصرة، مع ظهور مفاهيم مثل الإستشارة الفلسفية، والعلاج بالفلسفة، والمستشار الفلسفي، والعيادة الفلسفية، والمقاهي والصالونات الفلسفية، وإن خدمات العلاج بالفلسفة والإستشارة الفلسفية بوصفها حركة فلسفية جديدة هي محاولة تُعيد للفلسفة مرة أُخرى دورها الرئيسي في الحياة اليومية، ويُعد جيرد آكينباك Gerd B. Achenbach هو "مؤسس الإستشارة الفلسفية" بصيغتها الجديدة والمعاصرة، بوصفها نموذجاً مهماً لتطبيق الفلسفة وممارستها في الحياة اليومية، والتي بدأ ظهورها على يديه عام (1981م)، وفي عام (1982) تم إنشاء "جمعية الإستشارة الفلسفية" في ألمانيا، ليكون أول تأسيس عالمي لهذه الفكرة، وتوالت بعد ذلك صور العلاج الفلسفي والإستشارة الفلسفية.
ويشير" سامح الطنطاوي" الى أن الإستشارة الفلسفية المعاصرة في العالم اليوم هي " فن"، وهي ثقافة فلسفية لكل الأفراد الذين يعانون من مشكلات في الحياة، ومن هنا جاء مفهوم الإستشارة الفلسفية عند "سامح الطنطاوي" ليُعبر عنها "بوصفها فناً" لمساعدة شخص عنده مشكلة "المستشير" عبر الحوار والنقاش مع "مستشار فلسفي" حول المشكلة التي يُعاني منها، أو يريد التوصل الى فهم بصددها، وبذلك تكون الإستشارة الفلسفية في هذا المعنى والسياق هي "فن الحوار".
إن خدمات الإستشارة الفلسفية اليوم تحاول تقديم العون للذين يبحثون عن فهم فلسفي لحياتهم، أو لمساعدتهم في حل مشكلات فكرية، أو إجتماعية، أو حتى عقلية، وإن دور الفلسفة اليوم لم يعد يقتصر على وضع النظريات والمناهج، بل أصبح دوراً يركز على تفعيل الجانب العملي من الفلسفة، وتوظيف المفاهيم، والنظريات، والمناهج الفلسفية، لعلاج المشكلات الإنسانية.
***
شيماء غازي هماوندي
كاتبة وباحثة وأكاديمية
..............................
المصادر التي تم الإستعانة بها لكتابة المقال الفلسفي:
1- مصطفى النشار: العلاج بالفلسفة
2- مصطفى النشار، سامح الطنطاوي: مدخل الى الإستشارة الفلسفية.







