اشتهر كانط من بين آخرين، في انه حاول بناء الاخلاق على أسس عقلانية. واليوم تُعد الاخلاق الكانطية الى جانب النفعية، واحدة من أبرز الأطر الأخلاقية. لكن تطبيق كانط الصارم للاخلاق المطلقة لم يصمد بشكل جيد. عندما نطيع تلك القوانين الأخلاقية التي نرغب بها عقلانيا وبثبات كقوانين عالمية، نحن بذلك نتّبع ما يسمى الالتزامات المطلقة categorical imperative، والتي هي تعلن " تصرّف دائما بطريقة يكون فيها مبدأك الأخلاقي في الفعل هو في نفس الوقت قانونا عالميا".
هذا مشابه للقاعدة الأخلاقية القديمة في الانجيل او في الملحمة الهندية ماهابهارتا، التي طبقا لها نحن يجب ان نعامل الاخرين كما نرغب ان يعاملوننا. لكن اذا كانت القاعدة الذهبية مرتكزة على رغبة شخصية والتي هي ذاتية (انا ربما على سبيل المثال، أكون مازوخيا او أرغب التسامح مع سوء المعاملة)، فان الالتزامات المطلقة مرتكزة على العقل، الذي هو موضوعي.
الأوامر الأخلاقية الافتراضية مقابل الأوامر المطلقة
الأوامر الافتراضية hypothetical imperatives هي قواعد تطبيقية لتحقيق شيء مرغوب، مثلا،" عندما انت تريد خسارة الوزن، يجب ان تراقب طعامك". اذا لم ترغب في نتيجة معينة، انت لا تحتاج لإتباع القواعد. هذه الأوامر هي شرطية. بالمقابل، الاخلاق المطلقة هي أوامر أخلاقية عالمية ملزمة لكل شخص بصرف النظر عن أهدافه، مثل،"لا تكذب، لا تسرق، لا ترتكب الانتحار". الأوامر الافتراضية تستجيب الى أدنى ملكات الرغبة التي تهدف للمتعة. الاخلاق المطلقة تستجيب الى أعلى ملكات الرغبة التي تعمل عقلانيا وبشكل مستقل عبر اتّباع القوانين التي تشرع لذاتها بصرف النظر عن نتائج المشاعر الشخصية.
بالنسبة لكانط، الأفعال الأخلاقية الصحيحة يجب ان تتحفز بالواجب وليس بنتيجة مرغوبة. وهكذا، الاخلاق الكانطية توصف أحيانا بأخلاق مبنية على الواجب، وتُقارن بالذرائعية (مثل النفعية) التي هي مرتكزة على المحصلة. يرى كانط ان الأنظمة الأخلاقية المرتكزة على المخرجات او الرغبات والتي تعمل وفق أوامر افتراضية، هي ليست قانونا أخلاقيا صحيحا.
أمثلة على الاخلاق المطلقة
يعرض كانط بعض الأمثلة لتوضيح جوهر الاخلاق المطلقة. افرض شخصا بحاجة الى مال ويقترض نقودا ويعد بتسديدها، وهو يعلم تماما انه لن يفعل ذلك ابدا. اذا تم تعميم هذا الفعل عالميا، فسوف لم يعد احد يؤمن بوعود التسديد، وسوف تنتهي ممارسة الإقراض.
عندما نساعد شخصا، فان فعلنا يجب ان يتحفز بالواجب اذا اريد ان تكون له قيمة أخلاقية. اذا كنتُ اساعد شخصا انطلاقا من الميول، مثلا، من العاطفة او بسبب انه يجعلني أشعر بالراحة، انا لا أزال أعمل شيء يستحق المديح، لكن فعلي ، كونه ظرفي وليس مبدئي او موثوق به، يفتقر للقيمة الأخلاقية. تصوّر بقالا يعطي دائما المتبقي من قيمة الشراء بشكل دقيق، لكنه فقط لكي يتجنب خسارة سمعته. سلوكه هذا مع انه غير مُلام، لكنه يفتقر للقيمة الأخلاقية. لو عرف انه من غير المحتمل الإمساك به، هو ربما يبدأ التصرف بعدم نزاهة. وبما ان سلوكه احترازي وظرفي ولم يولد من الواجب، فهو ليس أخلاقا مطلقة.
بالنسبة لكانط ، نموذج القيمة الأخلاقية هو الفرد الذي يكره الحياة ويحب ارتكاب الانتحار، لكنه يبقى على قيد الحياة بدافع الواجب فقط . وبما ان هذا الفرد لا توجد لديه ميول انانية، هو يتصرف بشكل محض من الواجب بدلا من مجرد الإمتثال للواجب. ونفس الشيء، وعلى عكس المتوقع، شخص قاس القلب لا يمتلك أي دافع آخر سوى الواجب ستكون له قيمة أخلاقية "هي الأعلى وفوق المقارنة".
الصيغة الإنسانية للاخلاق المطلقة
الصياغة الشمولية The universalizability formulation هي اول صياغة للاخلاق المطلقة. الصياغة الثانية هي الصياغة الإنسانية، او صياغة الغاية في ذاتها: "تصرّف دائما في تعاملك مع الإنسانية، ذاتك او الاخرين، كغاية وليس كوسيلة".
وكما في ارسطو، جادل كانط ان كل ما له قيمة نفعية يستمد هذه القيمة من الغاية التي يخدمها. وهكذا، لكي يمتلك أي شيء قيمة، يجب ان تكون هناك غاية لها قيمة جوهرية، أي، بمعنى غاية هي غاية بذاتها. بالنسبة لارسطو، هذا "الخير الاسمى" كان السعادة . بالنسبة لكانط، هو كائن عقلاني يمكنه ان يقرر غاياته الخاصة بحرية. في كل الطبيعة، الانسان هو الوحيد الغاية في ذاته، ويجب لهذا السبب ان يتم التعامل معه هكذا. نحن نستطيع فقط استعمال الاخرين (مثل النوادل او سائقي التكسي) كوسائل اذا نحن نحترم غاياتهم الخاصة، نتعامل معهم ككائنات عقلانية لهم أهدافهم بدلا من مجرد أدوات لتحقيق اهدافنا. انت تستطيع استخدام خادم اذا انت تدفع له اجر وتعامله بانصاف، واذا رغب الخادم في ذلك لأن العمل لديك يحقق مصالحه الخاصة. وعلى الرغم من ان كانط لم يطبق ابدا الصياغة الإنسانية على ادانة صريحة لتجارة الرقيق عبر الأطلسي، فان فلسفته الأخلاقية وفرت اطارا للمناهضين للعبودية لاحقا.
تحدّي بنيامين كونستانت لكانط
في أعقاب فترة الرعب (1793-1794)، اثناء الثورة الفرنسية والتي تمثلت باعدامات واسعة لأعداء معينين، تصوّر الكاتب السويسري بنيامين كونستانت Beniamin Constant تجربة فكرية افتراضية تجاهل فيها الاخلاق الكانطية.
تصوّر قاتل يحمل فأسا يقف عند بابك، يسأل اين صديقك الذي حصل على ملاذ في بيتك. رغم انه طبقا لكانط، الكذب هو دائما خطأ، سيكون من السخف التحدث بصدق وكشف موقع صديقك للقاتل. في هذا السيناريو، الواجب لحماية صديقك يتجاوز أي واجب في قول الحقيقة، وما هو اكثر، مع وجود النية لإرتكاب ظلم جسيم، يكون القاتل فقد أي حق في معرفة الحقيقة.
أجاب كانط على كونستانت وبقي ثابتا على موقفه في مقاله عام 1797 بعنوان "حول الحق المفترض بقول الكذب من دوافع خيرة". حتى في تلك الظروف، سيكون من الخطأ الكذب. أخلاقية الفعل تتقرر بمبادئه، وليس بنتائجه. لا يمكن للمرء ان يعرف ما اذا كان الكذب سيجلب نفعا اكثر من الضرر لصديقه المختبئ. وبينما يتحمل المرء عواقب الكذب، فان عواقب قول الحقيقة تقع على عاتق القاتل. كذلك، لكي تكذب على القاتل سيكون تعاملك معه مجرد وسيلة لغاية، منكرا عليه مكانة الكائن العقلاني القادر على الفعل الحر والمعقول.
مشكلة أخلاق كانط والحل المحتمل
تطبيق كانط الصارم للاخلاق المطلقة قاده لإدانة عدة أفعال وسلوكيات لم تعد موضع ادانة بشكل عام، مثل الجماع قبل الزواج والاستمناء. هو أشار للاستمناء كـ "شر غير طبيعي" على أساس ان الغرض الأساسي للجنس هو التكاثر. الاخلاق المطلقة، بلا شك، قاعدة عامة جيدة، لكنها يجب ان تعترف باستثناءات. الاستثناءات، أيضا، هي مسألة حكم ومنطق – اكثر حتى من القواعد ذاتها. هذا المفهوم في الإنصاف هو شيء فهمهُ ارسطو سلفا – على سبيل المثال، عندما قال ببلاغة:
"المساواة تدعونا لنكون رحماء لضعف الطبيعة الإنسانية، لنفكر قليلا حول القوانين وكثيرا حول الانسان الذي وضعها، وأيضا القليل حول ما قال بدلا من ماذا قصد، لا يجب النظر الى أفعال المتهم بقدر ما ينبغي النظر الى نواياه، ولا الى هذه التفاصيل او تلك بقدر ما يُنظر الى القصة كاملة، لا تسأل ماذا هو الشخص الان وانما ماذا كان دائما وعادة".
حقيقة المسألة هي ان أولئك الذين يرغبون بخرق قواعد الانصاف هم أنفسهم يصبحون بحاجة للانصاف. ألم يُقل، "لن يمر عمل صالح دون عقاب؟"
***
حاتم حميد محسن
.........................
Psychology Today, June 14, 2026
المصادر:
1- عمانوئيل كانط، أسس ميتافيزيقا الاخلاق، 1785
2- عمانوئيل كانط، ميتافيزيقا الاخلاق، 1797
3- بنيامين كونستانت، حول ردود الفعل السياسية، 1797
4- عمانوئيل كانط، "حول الحق المفترض بقول الكذب انطلاقا من دوافع خيّرة"، 1797
5- ارسطو، الاخلاق النيقوماخية.







