عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: سطوة الأسطورة وبؤس العقل في الفضاءات المغلقة

أثر المعرفة في صياغة ملامح التحول الحضاري، وإيقاد جذوة العقل النقدي

المدخل المعرفي والأحيائي: كيف تشكّل المعرفة مادة الدماغ؟

تقف الفلسفة البشرية (الأنثروبولوجيا) ونظرية المعرفة التطورية المعاصرة اليوم عند نقطة تقاطع حاسمة، تسعى لتفكيك الكيفية التي تحولت بها المعرفة من تجريد فكري خالص إلى محرك مادي يصوغ تضاريس الدماغ البشري صياغة ملموسة. لقد تعاملت الفلسفة المعرفية الكلاسيكية، لقرون طويلة، مع المعرفة بوصفها مرآة سلبية تعكس واقعاً خارجياً مستقلاً. غير أن نظرية المعرفة التطورية الحديثة قلبت هذا التصور القديم رأساً على عقب؛ فأصبحت المعرفة والقدرات الإدراكية، وفق هذا المنظور البديل، أدوات تكيف حيوية تطورت تدريجياً عبر آلية الاصطفاء الطبيعي، لتمكين الكائن البشري من التغلب على معضلات الوجود الفعلي.

في هذا السياق، شهدت الأوساط الفلسفية محاولات جادة لإضفاء الصبغة الأحيائية على المقولات العقلية القبليّة التي صاغها الفيلسوف إيمانويل كانت. إذ تبين أن ما يُعد "قبلياً" ومسلماً به للفرد البشري عند لحظة الولادة، هو في حقيقته نتاج "بعدي" تشكّل تاريخياً للنوع الإنساني عبر اصطدامه الطويل بالواقع المادي، واصطفاء البنى العصبية الأكثر توافقاً معه.

تتضح هذه الفكرة في التشبيه الفلسفي الشهير: إن حافر الحصان متكيف سلفاً مع أرض السهوب الصلبة قبل أن يولد، وزعنفة السمكة مهيأة للتعامل مع بيئة الماء وهي لا تزال داخل البيضة. وبالمثل، يولد الدماغ الإنساني مجهزاً ببنية تصنيفية عصبية مهيأة سلفاً للتعامل مع الفضاء الخارجي وعلاقات العلة والمعلول؛ باعتبارها حلولاً نشوئية جرى اختبارها بنجاح عبر آلاف الأجيال.

الثورات الطاقية والتحولات الحيوية: وقود التوسع القشري والقفزات الحضارية

لم يكن للتوسع الهائل في حجم القشرة الدماغية الإنسانية، وتجاوز القيود الأحيائية الصارمة التي تحكم نمو أدمغة الكائنات الأخرى، أن يحدث لولا سلسلة من القفزات والمنعطفات الطاقية الكبرى التي حررت الجسد البشري من معادلة الطاقة المحدودة. ويمثل السجل الأحفوري للبشرية قفزة حاسمة بدأت قبل نحو أكثر من أربعة ملايين عام مع ظهور الإنسان المنتصب؛ إذ تظهر الأحافير تضخماً مفاجئاً في السعة الجمجمية، بالتزامن مع تراجع لافت في حجم الفكوك والأسنان وقصر طول الجهاز الهضمي.

يُفسر هذا التحول التشريحي الثوري بـ "فرضية الطهي"؛ حيث شكلت السيطرة على النار واستخدامها في إنضاج الطعام ثورة أحيائية واجتماعية غير مسبوقة. إن معالجة الطعام بالحرارة تؤدي إلى تكسير البروتينات المعقدة والنشويات الصعبة مسبقاً، مما يسهل عملية الهضم والامتصاص ويوفر سعرات حرارية هائلة بأقل مجهود بدني. وأدى هذا "الهضم الخارجي" إلى تراجع الحاجة إلى قنوات هضمية طويلة ومكلفة طاقياً، فحدثت المقايضة النشوئية الكبرى: جرى توفير الطاقة الهائلة التي كانت تستهلكها الأحشاء الضخمة، وتوجيهها مباشرة لبناء وصيانة الخلايا العصبية سريعة النمو في القشرة الدماغية الحديثة. كما وفر الطهي وقتاً ثميناً؛ فبينما تقضي الكائنات القريبة من البشر ساعات طويلة يومياً في مضغ الألياف النباتية النيئة، اختصر البشر زمن تناول الطعام إلى دقائق معدودة، مما أتاح ساعات طويلة من الفراغ اليومي المخصص للتفاعل الاجتماعي، ونشوء بدايات الرمزية واللغة، وتبادل الحكايا.

وقبل السيطرة الكاملة على النار، تشير الأبحاث الفلسفية والعلمية إلى دور حاسم لعبته "فرضية التخمير الخارجي". تفترض هذه الرؤية أن أسلاف البشر الأوائل، والذين امتلكوا أدمغة محدودة الحجم، قد اهتدوا إلى حفظ اللحوم والنباتات في بيئات تسمح بتخميرها بواسطة الكائنات الدقيقة في الغلاف الجوي والتربة. يعمل هذا التخمير الخارجي كعملية معالجة مسبقة للغذاء، حيث تحول البكتيريا والخمائر المركبات المعقدة إلى مواد سهلة الامتصاص مع التخلص من السموم النباتية. هذا التحول الدقيق قلل من الطاقة الحيوية المستهلكة في الأحشاء، وأتاح التغذية الوفيرة اللازمة لدعم البدايات الأولى لتضخم الدماغ وتنشيط القشرة الجبهية المسؤولة عن التخطيط والذاكرة الإجرائية.

مرونة الدماغ الفردي وآليات التكيّف الثقافي

يكمن السر التطوري الأكبر للجنس البشري في عدم اكتمال نمو دماغه عند الولادة؛ فالطفل الإنساني يولد بدماغ مرن ولدن للغاية، يستكمل نموه وتوصيلاته المشبكية داخل العالم الثقافي والاجتماعي المفتوح. وتُفهم هذه المرونة الواسعة كآلية تتيح استيعاب التغيرات البيئية العميقة دون الحاجة لانتظار الطفرات الجينية البطيئة. وتثبت التجارب العلمية على البيئات المحفزة أن مرونة القشرة الدماغية لا تنتهي بالبلوغ، بل تظل قادرة على الاستجابة للمؤثرات المعرفية الجديدة عبر بناء تفرعات شجيرية وزيادة سماكة الخلايا القشرية طوال الحياة، وتتحكم في هذه المرونة تغيرات محيطة بالوراثة تؤثر في التعبير الجيني وتنشط بناء نقاط تشابك عصبية جديدة كاستجابة مباشرة للتحديات المستمرة.

هندسة انتقال المعرفة في الفضاءات الاجتماعية

تعتمد ديمومة المعرفة التراكمية وقدرتها على تجنب الفناء والتراجع الحضاري على هندسة اجتماعية متقنة توزع الأدوار المعرفية عبر قنوات تواصل متباينة تحافظ على الرصيد الثقافي وتنقله بدقة بين الأجيال. ويميز علماء التطور الثقافي في هذه المنظومة بين نمطين رئيسيين لظهور الثقافة:

الثقافة المستدعاة:

 وهي السلوكيات والاستجابات والمفاهيم التي تنبثق مباشرة من تفعيل برامج جينية كامنة في الطبيعة البشرية كاستجابة فورية لمؤثرات بيئية ضاغطة ومحددة.

الثقافة المنقولة:

 وتتمثل في الأفكار، والرموز، والتقنيات، والعادات التي لا تنبثق غريزياً، بل يجري استقبالها وتبنيها حصرياً عبر قنوات التعلم الاجتماعي والمحاكاة والتعليم المنهجي.

تتحرك هذه الثقافة المنقولة، التي تشكل جوهر الهوية الحضارية، عبر مسارات تواصل متباينة: منها انتقال المعرفة الرأسي (وهو التوريث المباشر من الآباء إلى الأبناء)، والذي يتسم بالتحفظ الشديد ومقاومة الأفكار الوافدة لحفظ المهارات الأساسية، ولكنه يعاني من بطء شديد في التكيف مع الطوارئ البيئية والتغيرات المعرفية الكبرى

دراسة مقارنة: الفضاءات المفتوحة مقابل النصوص المغلقة وسجن الأسطورة

يمكن قراءة التحولات الكبرى في التاريخ الإنساني كصراع مستمر ومصيري بين تراكيب اجتماعية ومعرفية متباينة تصوغ عقول مواطنيها؛ فتكشف مقارنة الفضاءات المفتوحة بالمجتمعات البدائية والمغلقة عن تباين جوهري في البناء المعرفي والهندسة العصبية التي ينشأ عليها الأفراد.

في المجتمعات ذات "النصوص المغلقة" التي تحكمها الأسطورة التاريخية، يتحول النص والقصة الأسطورية من أداة تفسيرية بدائية إلى قيد معرفي مطلق. الأسطورة هنا ليست مجرد حكاية، بل هي بنية معرفية صلبة تقدم إجابات ناجزة ونهائية عن الكون والمجتمع والسياسة. عندما تصبح هذه الأسطورة مقدسة وغير قابلة للنقد، فإنها تمارس نوعاً من "الاغتيال الوظيفي" للعقل النقدي.

إن إدمان السرديات الأسطورية والامتثال الأعمى للنصوص المغلقة يجبر الدماغ البشري على تنشيط مناطق اليقظة الوقائية والخوف في الفص الجبهي، على حساب إخماد مناطق التفكير الجانبي والابتكاري. فالفرد في هذه البيئات يتربى على اعتبار التقاليد حواف طبيعية مقدسة لا يمكن تجاوزها.

هذا الخوف المستمر من ارتكاب "الخطيئة المعرفية" أو الخروج عن الإجماع الأسطوري يؤدي عصبياً وسلوكياً إلى جمود معرفي حاد؛ حيث تتوقف القشرة الدماغية عن بناء مسارات تشابكية جديدة قادرة على التشكيك والتجريب. قمع التباين والتنوع الفكري يحرم الدماغ من "البيئة المحفزة" التي تحدثت عنها ماريان دايموند، مما يفرض سقفا حتمياً للتطور الحضاري في هذه البيئات، ويُبقي العقل النقدي في حالة ضمور دائم.

على العكس من ذلك، تتيح الفضاءات المفتوحة سيولة معرفية تعيد هندسة الدماغ؛ حيث يحل التساؤل المستمر محل الإجابة الأسطورية الجاهزة، ويتحول النقد الذاتي إلى وقود عصبي ينشط لدونة القشرة المخية الحديثة، ويدفع بالنمو الحضاري إلى آفاق غير محدودة.

الاستنتاجات الفلسفية وتوقعات النشوء المستقبلي

يفضي هذا التحليل الفلسفي لشبكة التفاعلات القائمة بين الوعي، وإنتاج المعرفة، وتطور القشرة الدماغية إلى صياغة مجموعة من الاستنتاجات البنيوية الصادمة:

القشرة الدماغية عضو غير مكتمل حيوياً: إنها جهاز إدراكي ممتد يتطلب وجود روافع ثقافية وتكنولوجية ليكمل بناؤه الوظيفي، مما يجعل الثقافة شريكاً أحيائياً كاملاً في صياغة الجسد البشري وليست مجرد نتاج ثانوي له.

العقل الإنساني عقدة في شبكة جمعية: تعتمد كفاءة الفرد الإدراكية بشكل مطلق على مدى انفتاح هذه الشبكة وكثافتها؛ وإن انغلاق الشبكة حول نصوص مغلقة يعزل العقل ويدفعه نحو الضمور.

المقايضة الحتمية بين القطيع والحرية: تفضل البيئات الأسطورية المغلقة تفعيل آليات الامتثال والضبط الذاتي الصارم لمواجهة التهديدات على حساب الابتكار، بينما تنفرد الفضاءات المفتوحة بقدرتها على توفير البيئات المحفزة التي تطلق العنان للمرونة العصبية، وتضمن البقاء المستدام بفضل العقلانية النقدية وحرية الفكر. إن تحرير العقل البشري من ربقة الأسطورة ليس مجرد خيار سياسي أو فكري، بل هو ضرورة بيولوجية حتمية لاستمرار تطور الجنس البشري.

***

غالب المسعودي