عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

بدر الفيومي: تحولات المفاهيم في الفكر العربي والإسلامي المعاصر

دراسة في البنية والدلالة والوظيفة

لم يكن الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، منذ منتصف القرن التاسع عشر إلى حاضرنا المعيش، مجرد تتابعٍ زمني لآراء متناثرة أو مواقف متعارضة تجاه التراث والحداثة، بل كان - في عمقه - حقلًا مركبًا لتحوّلات المعنى داخل نسق المفاهيم الكبرى التي شكّلت الوعي الجمعي، وحددت نهوج التفكير في الدين، والسياسة، والمعرفة، والإنسان؛ الأمر الذي يفرض علينا منذ البدء أن نمرّر هذا الحقل عبر غرابيل منهجية صارمة، حتى لا نقع في ضرب من التجديف العلمي الذي وقع فيه بعض المجترئين الذين اكتفوا بسطح الظواهر دون النفاذ إلى بنيتها النسقية العميقة. ذلك أن ما يبدوا لأول وهلة مجرد تغير في الألفاظ أو في الاستعمالات الخطابية، هو في حقيقته تحوّل في البنية المفهومية ذاتها، أي في الطريقة التي يفكّر بها العقل الإسلامي في ذاته وفي العالم. وهنا نجد أن مفاهيم مركزية مثل: العقل، الشريعة، الحاكمية، الإرهاب، الجهاد، التجديد، الحداثة،... وغيرهم، لم تبقَ على حالها، بل دخلت في مسار طويل من إعادة التشكيل، بحيث لم تعد دلالاتها في الخطاب المعاصر مطابقة لما كانت عليه في بدايات النهضة، ناهيك عن كونها لم تعد حتى مطابقة لما استقر عليه فهم المتفقهين في لحظات تاريخية سابقة. ومن ثم، فإن الاقتصار على تتبع المدارس أو الأشخاص يقودنا إلى زيغ منهجي واضح؛ لأن المدارس تتبدل، والأسماء تتغير، أما المفهوم فيبقى ويتحول في آنٍ واحد، داخل نسق متحرك من العلاقات، الأمر الذي يجعل دراسته بوصفه وحدة تحليل مستقلة ضرورة لا خيارًا. وإذا ما حاولنا فهم الفكر الإسلامي المصري خارج هذا الاعتبار، فإننا سنعيد إنتاج نفس القراءة التي وقع فيها بعض المتأولين والمشككين، الذين تعاملوا مع المفاهيم بوصفها معطيات جاهزة لا كائنات تاريخية تتشكل وتتحول. فالمفهوم في هذا السياق ليس مجرد لفظ لغوي أو اصطلاح تقني، بل هو بنية معرفية مركبة، تنتمي إلى نسقية فكرية أوسع، وتحمل في داخلها رؤية للعالم، وتحدد ما يمكن التفكير فيه وما يُستبعد من مجال التفكير. ولهذا لم يكن تعامل علماء الإسلام مع المفاهيم تعاملًا سطحيًا، بل أدركوا منذ وقت مبكر أن فساد المفهوم يقود إلى فساد الحكم، وأن الخلط في المعاني هو أصل كثير من الأغلاط، وهو ما نبه إليه ابن خلدون حين ربط بين تبدل الأحوال وتبدل الدلالات، الأمر الذي يسد الطريق على المجتزئين الذين يقتطعون المفاهيم من سياقاتها، وعلى المتأسلمين الذين يحاولون تجميدها خارج حركة التاريخ. وإذا ما انتقلنا إلى لحظة النهضة، نجد أن استدعاء المفاهيم لم يكن مجرد استعادة تراثية، بل كان إعادة توظيف داخل سياق جديد تشكّل تحت ضغط الأغيار، سواء عبر الاحتكاك الاستعماري أو عبر الترجمة أو عبر بناء الدولة الحديثة. وهنا لم يعد المفهوم يتحرك داخل الحقل الفقهي وحده، بل بدأ يتنقل بين مجالات متعددة، الأمر الذي أدّى إلى إعادة تشكيل الوعي الجمعي ذاته، بحيث أصبح المفهوم يتلون بتلون الحاجات المعرفية والسياسية، ويُستخدم أحيانًا بوصفه أداة تفسير، وأحيانًا بوصفه أداة صراع. ولهذا، فإننا ننطلق من فرضية مركزية مفادها أن فهم الفكر الإسلامي خاصة في مصر لا يمكن أن يتحقق عبر تتبع الأحداث أو التيارات فحسب، بل عبر تتبع تحوّلات المفاهيم داخل نسقها التاريخي، أي عبر دراسة كيف تولدت المفاهيم، وكيف تستقر، وكيف تنزاح، وكيف تتحول - في لحظات معينة - إلى شعارات، وهو ما يستدعي منا قدرًا عاليًا من التحري حتى لا ننزلق إلى مقاربات المجتزئين أو تحليلات المجدفين الذين يخلطون بين المعنى ووظيفته. وفي هذا السياق، نجد أن التحول المفهومي لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر تراكمات دقيقة، تتشكل في الوقت المعيش قبل أن تظهر في الصياغات النظرية، الأمر الذي يجعل حاضرنا المعيش مجالًا كثيفًا لهذه التحولات، حيث تتسارع عمليات إعادة تعريف المفاهيم تحت ضغط الإعلام الرقمي وتبدل أنماط المعرفة. وإذا ما انتقلنا إلى هذا المستوى، نجد أن المفهوم لم يعد يُنتج داخل المؤسسة العلمية فقط، بل أصبح يُعاد تشكيله عبر وسائط متعددة، تشارك فيها شبيبة متحمسة، كما تشارك فيها صفوة القول داخل المؤسسات الفكرية، وهو ما يضاعف من تعقيد المسألة. وإذا ما حاولنا فهم هذا التحول من داخل بنيته، نجد أن المفهوم يمر عادة بثلاث لحظات متداخلة: لحظة التأسيس، حيث يتشكل داخل النص أو التراث؛ ثم لحظة إعادة الاكتشاف، حيث يُستدعى داخل سياق جديد؛ ثم لحظة التوظيف، حيث يتحول إلى أداة داخل الصراع الفكري أو السياسي. وهذه المراحل لا تسير دائمًا في خط مستقيم، بل قد تتداخل وتتشابك، الأمر الذي يزيد من صعوبة تحليل المفهوم ويجعل أي قراءة تبسيطية له نوعًا من التجديف العلمي.

 ولإجلاء هذا الهدف، نتناول كل مفهوم ممن وقع عليه فعل التحول والتغير من خلال تقسيم تاريخي معرفي إلى ست حقب على النحو التالي:

- مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918) .

- مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918 1950) .

- مرحلة الفلسفة العربية المعاصرة والدولة الوطنية الجديدة (1950 1967م) .

- مرحلة الانكسار الى الاعداد للانتصار (1967-2010م).

- المنطق المائي حيث لا يقين ولا ثوابت ( 1990 ل 2011 ).

- مرحلة الثورات والإعلام الرقمي وأزمة الهوية (2010 2025).

وتقسيمنا هذا لا يهدف إلى التقسيم الزمني فحسب، بل يهدف إلى رصد التحولات المفهومية في علاقتها بتحولات السلطة والمعرفة والمؤسسات، وما يطرأ عليها من أغيار وتبدلات. ولذلك فإننا لا ننطلق من سؤال ما المفهوم؟. بالمعنى التعريفي المباشر، بل من سؤال أعمق يتعلق بكيفية اشتغال المفهوم داخل النسق الذي ينتمي إليه؛ الأمر الذي يخرجنا من سطح التعريفات إلى عمق البنية التي تُنتج المعنى وتعيد تشكيله عبر الزمن. فالمفهوم - في هذا السياق - لا يُفهم بوصفه وحدة مستقلة، بل بوصفه عقدة داخل شبكة من العلاقات، تتداخل فيها مستويات الدلالة مع مستويات السلطة، وتتقاطع فيها المعرفة مع الممارسة.

وإذا ما انتقلنا إلى تفكيك هذا الإشكال، نجد أن المفهوم يتحرك داخل نسق مركب، لا داخل فراغ، وأن هذا النسق ليس ثابتًا، بل يخضع للأغيار التي تفرضها التحولات التاريخية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل المفهوم عرضة لإعادة التشكيل في كل مرحلة. ومن هنا، فإن التعامل مع المفهوم بوصفه معنى جاهزًا يقود إلى قراءة سكونية، بينما المطلوب هو قراءة حركية تكشف كيف ينتقل المفهوم من موقع إلى آخر، وكيف تتبدل علاقاته داخل النسقية التي ينتمي إليها.

وفي هذا الإطار، نجد أن كثيرًا من الدراسات قد وقعت في خطأ منهجي حين فصلت المفهوم عن شروط إنتاجه، فاكتفت بتتبع استعمالاته الظاهرة، دون النفاذ إلى البنية التي تحكم هذه الاستعمالات. مما جعلنا أمام ضرورة إعادة ترتيب العلاقة بين المفهوم وسياقه، بحيث لا يُقرأ المفهوم بوصفه نتيجة، بل بوصفه عملية مستمرة من التشكل، تتداخل فيها عناصر متعددة، من النص إلى الخطاب إلى الممارسة.

وإذا ما تأملنا في تاريخ المفاهيم داخل الفكر العربي-الإسلامي، نجد أن المفهوم لا ينتقل فقط من معنى إلى معنى، بل ينتقل من وظيفة إلى وظيفة، ومن مجال إلى مجال، الأمر الذي يجعل تتبعه عملية معقدة تتطلب المرور عبر غرابيل متعددة، تكشف ما طرأ عليه من تحولات، وما اكتسبه من دلالات جديدة، وما فقده من معانٍ كانت جزءًا من بنيته الأصلية. وهنا تظهر خطورة القراءة السطحية التي يروّج لها بعض المتأولين من المشككين، حيث يُتعامل مع المفهوم وكأنه ثابت، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل شبكة من التحولات.

ونؤكد ختاما أننا لا نسعى إلى تقديم سرد تاريخي تقليدي، بل إلى بناء نموذج تفسيري يكشف القوانين التي تحكم تحول المفاهيم، ويبيّن كيف تنتقل من مجال إلى آخر، وكيف تتغير وظائفها، وكيف يمكن أن تتحول من أدوات للفهم إلى أدوات للهيمنة. الأمر الذي يجعلها محاولة لإعادة بناء النظر في الفكر الإسلامي المصري عبر مفاهيمه، لا عبر شعاراته.

للحديث بقية ...

***

بقلم: د. بدر الفيومي