عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

أسعد الامارة: قراءة نفسية للفيلم الايراني "طعم الكرز"

للمخرج الايراني عباس كيارستاتي*

في رابطة الفضاء الفرويدي الدولي في باريس " عيون الكلام" قسم خاص لعرض الأعمال الفنية والسينمائية ذات البعد النفسي والتي تحمل المعاني الرمزية في العمل الفني، تكون مشاركة العرض ممن يدرسون التحليل النفسي كمنهج للعلاج " تكوين محلل نفسي " فضلا عن المهتمين بدراسة التحليل النفسي بكل جوانبه من معرفة وتحليل خطاب إعلامي، سياسي، محتوى النص الروائي والقصصي وغيره من المجالات المتخصصة حصريًا في التحليل النفسي. ويدير هذا القسم الزميلة " أ. منار التيزيني ".

علمنا التخصص النفسي بمختلف مدارسه وفروعه وبخاصة تلك التي تتميز بمنظور دينامي متعمق، أعني به التحليل النفسي، حيث يقترب بشكل مباشر أقترابًا شديدًا من أعمق دوافع النفس، لأن التحليل النفسي يفطن إلى ما وراء مختلف أشكال السلوك، أو الإعراب والتعبير النفسي المباشر أو الرمزي عن تلك الدوافع ولو كانت على شكل فكرة، أو ملمح فهي تعطي معاني يمكن معرفتها واستجلاء بعضها رغم الصور المقنعه والغامضة التي تدور بها أفكار أي شخص وفي أي موقف.

نحاول هنا عرض بعض الملامح للمنظور الدينامي المتعمق والذي يدين بوجوده لنظرية التحليل النفسي من خلال قراءة النص وتحليل محتوى الأعمال الفنية والأدبية إلى مستوى الفهم والتفسير حيث تتجاوز كثيرًا مجرد الرصد الفني والصور المعروضة، رغم أن الفيلم يعطينا بنفس الوقت المحتوى الظاهر له، وهناك المحتوى الباطن الذي يحمله الفيلم كما هو في الحلم عند قراءته قراءة تحليلية نفسية.

ان دراسات التحليل النفسي لكل سلوك يصدر عن الإنسان في الحلم، أو النكتة، أو حلم اليقظة، أو عمل فني، أو عمل أدبي وهو يحمل بين ثناياه صبغة مرضية نفسية في صورتها المبسطة ولنقل الاعراض العصابية.

لم أتحدث بعد عن قراءة النص وخطاب الفيلم والرسالة الموجهة بقدر ما أريد عرض بعض الحقائق عن النفس الخافية عن أكثر الناس معرفة بعلوم التطور الحديثة أعني التطور التطور التكنولوجي والتقدم الحضاري، لكن إنساننا اليوم يصعب عليه معرفة شيء عن أعماق النفس ورمزية ما يصدر عنها.

في الفيلم الايراني الذي يحمل عنوان " طعم الكرز " قصة رجل في منتصف العمر، ربما تجاوز الخمسين من عمره بقليل، والذي تدور في خلده أفكار عن الإنتحار، ولم يحمل الشجاعة الكافية لتنفيذ قراره بصمت كما تعودنا ذلك في حالات الاكتئاب العقلي من محاولة واحدة يحقق غايته في الخلاص من حياته، أما في الاكتئاب النفسي – العصابي فتكون أكثر من محاولة وربما تصل لعدة محاولات تتحقق بعدها الغاية وبلوغ الهدف. هذا الشخص المدعو السيد بادي " استعرض صور الحياة اليومية بواقعيتها ورمزيتها بتفاصيلها وانشطتها المتنوعة من خلال جولة في المدينة، من موقف إنتظار العمال " مسطر- الدور – الطابور " الخاص بالعمال الذين يقفون بانتظار أن يجدوا فرصة عمل بالأجر اليومي.

 وفي صورة أخرى واقعية تحمل معاني رمزية عن الشخص الآخر الذي رفض أن يستقل معه السيارة لإيصاله لعمله حينما قال له أنا أعمل قريب من هذا المكان ورفض مساعدته ولم يستمع له، وتظهر صورة الابتعاد عنه والتخفي وراء حائط في مدخل عمله، لها دلالة ومعنى رمزي فضلا عن الابتعاد عنه والنظرة التي تحمل معاني الخوف من بعيد، ومن خلف الجدار الذي كان له أكثر من تعبير ودلالة، وكأنما يقول للمشاهد أنه يريد الابتعاد عنه وتقديم أي مساعدة تسبب له مشكلة.

 أما الصورة الآخرى فهي صورة الجندي الكردي الشاب - صغير السن الذي يخدم في الخدمة العسكرية في مكان يبعد عن مقاطعته بالالاف الكيلومترات، والذي دعاه لكي ينقله معه في سيارته إلى مكان وحدته العسكريه وعرض عليه عمل مقابل مبلغ كبير، كانت طبيعة العمل هي أن يقوم بمساعدته برمي حجارتين على المكان الذي يحاول فيه اسقاط السائق " السيد بادي " نفسه – الرجل الخمسيني – من منحدر عالي، ويتأكد في الصباح التالي برمي حجارتين على نفس المكان الذي ينفذ فيه السيد بادي فعله لكي يتأكد من أنه مازال حيًا، أم فارق الحياة، لكن هذا الجندي الكردي رفض المشاركة في تنفيذ أي فعل، أو مساعدة من أجل الحصول على المال وهو بحاجة إليه، ونلاحظ سير الحوار الذي يذكرنا ببعض الشخصيات المنحرفة التي تستدرج ضحاياها لفعل غير مقبول إجتماعيًا، مثل المشاركة بسرقة، أو بجريمة قتل، أو بفعل اغتصاب، أو ممارسة لواط وغيرها، حيث ترك هذا الجندي الشاب السيارة وفر هاربًا عبر رمال التلال الجرداء شديدة الانحدار.

كل فكرة يطرحها رجل الفيلم " السيد بادي " لو افترضنا أنه بطل الفيلم لها دلالة رمزية، تَجمعْ العمال في الشارع للبحث عن فرصة عمل مؤقته " هي البحث عن استمرار الحياة والعيش"، أو الجبال القاسية الجرداء بلا حياة وصور العمل بالحجارة وتصفيتها بأماكن بائسة صخرية، أو المرتفعات الملتوية، لها تعبير رمزي أيضًا عن البؤس في الحياة والعمل والقبول فيه.

 سنحاول عرض شخصيات أخرى في الفيلم وهم شخصية الشاب الافغاني الذي يعمل في معمل متهرئ لتكسير الحجارة، متوقف عن العمل ولكن وجوده بعمل الحراسة لبقايا هذه المكائن المتهرئة له دلالة رمزية أيضًا، أو الشخص المثقف الذي يدرس العلوم الدينية والفقهية في الحوزة الدينية في قم وهو من مدينة " مزار شريف" في افغانستان، وهي المدينة التي يقطن معظم سكانها من الشيعة، فالتحاقه بالدراسة كان بين خيارين هما أما الدراسة في قم المقدسة في إيران، أو النجف الاشرف في العراق حيث مركز الشيعة في العالم، وكلاهما مدرستين متخصصتين بالعلوم الدينية الشيعية، فطرح له أفكاره ومساعدته في رغبته بالخلاص والموت. شرح طالب العلوم الاسلامية معنى الحياة، وحياة ما بعد الموت، وكيف أن الله يتكفل بحل المشكلات التي تواجه الإنسان في حياته إن كان مؤمنًا، وكيف أن الجهاد من أجل الوجود يستلزم مصاعب الحياة، وإن جوهر الوجود الإنساني هو أن تؤمن، وحاول أن يبين له إن الإيمان بالدين يقلل من الاكتئاب والمحاولة للخلاص من النفس.

وتستمر محاولات " السيد بادي" صاحب فكرة الإنتحار والموت أختيارًا مع شيء من الخوف الداخلي الذي يحمله في محاولته بأن يطلب من يساعده، أن يأتي في اليوم التالي صباحًا ليرمي بحجارتين للتأكد فيمَا إذا ما قد مات، أو أنه مازال على قيد الحياة، وهذه الفكرة بحد ذاتها دعوة للحياة والاستمرار فيها رغم صراع البقاء والفناء في داخله، بنمط جديد من الشخصية وهو رجل ربما تجاوز الستين من العمر وهو من أصول تركية، لديه مشكلة أبنته المريضة والتي تحتاج للعلاج ولا يملك ثمن هذا العلاج، وهو يعمل في متحف التاريخ الطبيعي.

يبدأ حديثه عن كيفية مساعدته في فكرة الخلاص بطريقته التي طرحها السيد بادي على من قبله، إلا أن الرجل الستيني المسن ساهم بتوجيهات تحمل سمة الهذاءات الفلسفية العميقة الأبعاد، سهلة الفهم بشكل نصائح وارشاد عن أهمية مواجهة صعاب الحياة، وربما طرح له مقولة رائعة مفادها أنه ليس ما هو أعمق في اثارته للألم والشعور بالإنسحاق الكامل لدى الرجل من أن يفشل في السيطرة على معاناته، وأن تكون هذه الفكرة التي تلازمه تحرمه من استمرار حياته والإحساس بملذة الحياة واستمرارها.

أغرق الرجل المسن الموظف في متحف التاريخ الطبيعي تفكير الرجل الذي يحاول الخلاص من الحياة ويقدم مبلغ كبير لمن يساعده في مهمته وبالأخص لمن يحتاجه بعد تنفيذ خطته في الانتحار، وأوصل السائق السيد بادي أخيرًا الرجل إلى عمله ولم يفلح في تغيير اتجاهه كما يعتقد ولكم ربما ترك الأثر النفسي في هذيانه عن سمو الحياة وكيف يمكن أن يحاول ما يفكر فيه شيء بالغ العمق نحو استمراره بالمواجهة، وكيف يمكنه هذا الكلام العميق الذي تحدث عنه أن يغير تضاريس واقعه النفسي المعاش بكل أبعاده نحو رؤية جديدة، وفي الأخير ودعه وترك فيه شيء ما، كأثر المعالج النفسي في خلق الصراع بين ما يريد أن يقوم به، وبين صورة جديدة عن رؤية الحياة.

عاد صاحبنا بعد أن ترك موظف متحف التاريخ الطبيعي الذهاب إلى عمله ويدخل لمبنى عمله، لكن الأمر تغير عند صاحب المحاولة للإنتحار ورجع يبحث في مدخل بناية المتحف عن الشخص الذي لا يتذكر اسمه ولكن تعرف على ملامحه من رجل الاستعلامات وأجبر على ضرورة قطع تذكرة للدخول إلى المتحف لمقابلة هذا الشخص، حيث وجده مهتم ومنغمس في عمله وباندماج كامل فيه، فلما قابله طلب منه أن يتحدث معه، أعتذر لأنه منهمك في عمله، والمفاجأة أن الرجل المسن يعمل في قسم التحنيط – تحنيط الطيور – وسأله هل تقتل الطيور ؟ قال نعم وبتحنيطها لاستمرار وجودها لأضعها للتاريخ مع فريق متخصص معي، لم يستطع أن يكمل الحديث معه لانشغاله بعمله، وهذه الفكرة تذكرنا بعودة طالب العلاج لما تستوقفه فكرة من المعالج تحدث في داخله صراع الوجود، ورفض بما يفكر فيه من أفكار ورؤى، فكأن الاستبصار بالحالة هنا لم يبدأ من الشخص الأول الذي رفض التحدث، أو الجندي الشاب الكردي الذي هرب من السيارة، أو العامل الافغاني المغترب عن بلده ويجد الأمان في عمله الشاق بوحدته، وهو أشبه أنه بلا عمل، عمل بلا حياة اجتماعية، أو الشخص الذي ملأ عقله بالتفكير الديني السائد في مجتمعه، وهو التفكير المذهبي في الدراسة الشيعية المتخصصة، وربما نقول ان من ترك في نفسه الأثر في التغيير والتراجع هو رجل متحف التاريخ الطبيعي ذو البعد الوجودي في ممارسة حياته، لأنه تحدث بلا انتماء جغرافي، أو إغتراب عن بلده، تحدث عن واقعية سائدة عليه مواجهتها.

 تدلنا معرفتنا بالنفس البشرية ومن خلال مدخل فهم النفس بالتحليل النفسي خصوصًا إن الإنسان يلجأ إلى مثل هذا الأسلوب الملتوي المستغلق على الفهم عندما يعجز عن استخدام الأسلوب المباشر، لأن الاسلوب المباشر هو مخافة استنكار أو عقاب، داخلي أولًا، ومن المجتمع ثانيًا، فهو يلجأ بدون وعي لتلك الاساليب الملتوية فإذا به يضع العقبات دون أن يدري أمام غاية لا يرغب لاشعوريًا – لاواعيًا في تحقيقها. هذه السطور هي دراسة في محتوى نص فني – سينمائي من منظور ذي طابع دينامي شمولي يأخذ في اعتباره الأبعاد الاجتماعية والجغرافية والسياسية والدينية والحضارية والطبقية، أماكن العمل المقفرة بلا حياة اجتماعية، هي رؤية ذات بعد نفسي عميق يحمل تعبير رمزي قابل للفهم والتفسير أكثر كلما تعمقنا فيه.

***

د. اسعد الامارة

...................

* عُرض الفيلم في نادي الفلم في رابطة الفضاء الفرويدي "عيون الكلام" في باريس

في المثقف اليوم