عوامل الانهيار الداخلي والخارجي
هل تسقط الحضارات بفعل الهجمات الخارجية فقط، أم أن عوامل التفكك تبدأ من داخلها قبل أن تتجسّد في صورة انهيار سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي وعسكري؟.
إنّ حضارة الأمم لا تموت فجأة، ولا تنهار الأمم في لحظة عابرة من الزمن، بل تمرّ بمسار طويل من التآكل الداخلي يسبق السقوط الظاهر.
التاريخ الإنساني، منذ حضارات بلاد الرافدين ووادي النيل وصولاً إلى الإمبراطوريات الحديثة، يكشف أن الانهيار ليس حدثاً طارئاً بل نتيجة تراكمات فكرية وأخلاقية واقتصادية وسياسية تنخر جسد الأمة تدريجياً.
لقد شغلت مسألة سقوط الحضارات كبار المفكرين، من ابن خلدون إلى أرنولد توينبي وأوزفالد شبنغلر، الذين رأوا أن الحضارات تحمل في داخلها بذور ازدهارها وبذور فنائها في آن واحد.
إنّ الحضارات تبدأ بالانهيار عندما تفقد منظومتها الأخلاقية قدرتها على توجيه السلوك الفردي والجماعي.
ومن أبرز هذه المظاهر:
انتشار الفساد.
غياب النزاهة.
تراجع الشعور بالمسؤولية العامة.
تغليب المصلحة الشخصية على المصلحة الوطنية.
تفكك الروابط الاجتماعية.
يرى ابن خلدون أن العصبية الجامعة هي أساس قيام الدول، وعندما تتحول إلى أنانية وفئوية تبدأ مرحلة الشيخوخة الحضارية.
فإذا لم نكن ندري فحوى المشكلات التي تواجهنا، فإننا نبدأ بالانزلاق في سلوكياتٍ غير مقبولة.
لذا إنّ الوعي والمعرفة هي الأساس في مواجهة هذه التحديات، ويجب أن نعيد صياغة منظومتنا التعليمية والتربوية والأخلاقية، ونعمل على تطوير خطاباتنا لتواكب التغييرات السريعة في مجال السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام والثقافة والأخلاق.
حيث لا يمكننا ولا بأي شكلٍ من الأشكال التحكّم في المجتمع إلاّ من خلال العلم والوعي والمعرفة.
إنّ السلوكيات والعلاقات الجيدة تتطلّب أساساً قوياً من القيم والمعرفة، وتسليح أنفسنا بالعلم والمعرفة والوعي هو المفتاح الأساسي لخروجنا من الأزمات.
كما لا يمكن لأي أمّة أن تستمر في الإبداع وهي تحارب حرية التفكير.
حيث تقوم هذه الأمّة ب:
قمع الرأي الآخر.
تهميش المثقفين والعلماء.
احتكار الحقيقة.
تحويل المواطن إلى تابع لا شريك.
فعندما يغيب النقد تتضخم الأخطاء، وعندما يُصادر العقل تتوقف القدرة على التجديد.
بالرغم من مظاهر الحداثة في العالم العربي، إلا أنها تخفي انحداراً وسقوطاً فكرياً وثقافياً واقتصادياً مرعباً ومدوّياً، لأن التقنيات التي يستخدمها المواطن العربي، هي أداة وظيفية منفصلة تماماً عن عقل المستخدم، لذلك هذا التفاعل لم يؤسس لتقدم حقيقي ولا إبداع ذاتي، وتحول الوطن العربي إلى أقوام مستهلكة لإنتاج الآخر.
السؤال الكبير الذي ينبثق هنا والذي طالما نردده، لماذا تقدم الآخرون وتخلف العرب؟.
ما زال الفكر العربي الحديث غارق في مستنقع أزمته، بالرغم من المحاولات الجادة البحثية والنقدية والتأصيلية التي قام بها بعض المفكرين العرب، لعل أبرزهم من وجهة نظري، المشروع التحديثي النقدي الذي قاده المفكر المغربي “ محمد عابد الجابري ”، الذي حاول إعادة الاعتبار والمكانة للعقل العربي بعد أن هيمنت عليه الأيديولوجيات في القرن العشرين.
إن التخلف والتصلب والتثاقل في البنى الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والسياسية في العالم العربي، واللبس والاختلاط الواقع في العديد من المفاهيم، أبرزها قضايا بناء الدولة والحريات العامة ومفاهيم المواطنة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، والمشاركة في الحكم والتعددية، إضافة إلى سيادة الأنظمة الأبوية والعشائرية بفكر بدائي، والنزعة الاستبدادية الجائرة والقمع والظلم، وغياب النقد وعدم وضوح الرؤى المستقبلية، وعدم وجود مشاريع جيو استراتيجية، وإشكالية الإصلاح والتغيير والتحديث والتنمية المستدامة، (جميعها إضافة إلى عوامل أخرى) أدت إلى فشل مشروع النهوض العربي، وشكلت سداً منيعاً أمام دخول العرب إلى عصر الحداثة والتقدم حتى لو من الأبواب الجانبية أو الخلفية.
كل حضارة عظيمة قامت على المعرفة. وعندما يصبح التعليم تلقيناً لا تفكيراً، حفظاً لا إبداعاً، شهادات لا كفاءات، تبدأ الأمة بفقدان قدرتها على المنافسة.
إن تراجع البحث العلمي ليس مجرد مشكلة تعليمية، بل مؤشر على تراجع القدرة الحضارية ذاتها.
لا يختلف اليوم اثنان حول حقيقة أن مستوى التعليم في بلادنا قد تدنّى بشكل خطيرٍ خلال العقود الماضية، وفي جميع المستويات:
الأساسي والثانوي والجامعي.
فاليوم ليس نادرا أن يكتشف ولي الأمر أن ابنه الذي أكمل المستوى السادس لا يعرف ماذا يقرأ وماذا يكتب !.
وكثيرا ما نسمع أن مستوى خريج الثانوية في خمسينيات القرن الماضي يفوق مستوى خريج الجامعة اليوم.
لذلك علينا التسليم بأن هناك خللاً كبيراً في التعليم في بلادنا. وهناك عوامل عدة لهذه الظاهرة، منها ما يرتبط بتخفيض الميزانية ونقص التمويل المخصص للتعليم، وهو أمر فرضه اقتصاد العولمة الذي يحد من الإنفاق على التعليم المجاني.
وقد أدى غياب تمويل التعليم إلى نفور الطلبة الجيدين من اختيار الالتحاق بكليات التربية والالتحاق بسلك التدريس، وكذلك بروز ضعف كبير في تأهيل المعلمين القادرين على استخدام طرق تدريس الحديثة في هذا العالم، الذي شهد تطوراً كبيراً في المناهج ووسائل الاتصال الرقمية.
ومن المؤكد أن المناهج الدراسية لم تعد مناسبة أو غير محدّثة، ولا تلبي احتياجات الطلاب، إضافة إلى ضعف في البنية التحتية، ونقص في التجهيزات.
ومن ناحية أخرى فاقمت الأزمات والحروب التي شهدتها بلادنا، الظروف المادية لمعظم الأسر التي لم تعد قادرة على توفير متطلبات التعليم المتعددة، ملابس، أجهزة، مواصلات، كتب.. الخ.
وكذلك المتابعة اللازمة لأولادها الذين أصبحوا ضحية إدمان الإنترنت وألعاب الفيديو، والقنوات الفضائية. وقد أدى طغيان ثقافة الصورة إلى إبعاد الكبار والصغار عن الكتاب والقراءة والكتابة والمعرفة.
كما تعدّ ظاهرة تفشي الغش من العوامل التي ساعدت على تدني المستوى التعليمي في بلادنا، وهي ظاهرة تحتاج إلى اعتماد سياسات جديدة في تقييم التلاميذ والطلبة. ربما يكون أفضلها اعتماد النتائج التراكمية للمستويين الأساسي والثانوي لدخول الجامعات، واعتماد النتائج التراكمية فقط في الجامعة.
ومن أهم التحديات التي تواجه التعليم اليوم، طغيان السطحية وثقافة القشور، وهي ظاهرة تفاقمت بسبب ظهور الكثير من المؤسسات التعليمية الافتراضية التي تمنح شهادات علمية مختلفة بمقابل، وجزء كبير منها لا يقدم للطالب غير رؤوس أقلام حول التخصص، وفي الحقيقة أن كثيراً من الكليات والجامعات في بلادنا، تمارس نهج التسطيح، وتشجع المدرسين على اعتماد ملازم المناهج بأي طريقة وفي أسابيع محدودة.
في عصرنا الحديث لم تعد السيطرة تتم بالسلاح فقط، بل بالتحكم بالعقول، كما تظهر ملامح الإنحدار عبر:
نشر المعلومات المضللة.
صناعة الرأي العام وفق مصالح النخب، ومراكز القرار.
تسطيح الثقافة.
تحويل المواطن إلى مستهلك للصور والشعارات.
وهنا تصبح الأمة ضائعة وعاجزة عن إدراك أزماتها الحقيقية.
أن التضليل والتزييف في الإعلام أصبح من أكثر المشكلات الضاغطة على المستوى الدولي والإقليمي، وذلك بسبب تأثيراتها السلبية في نشر المعلومات الزائفة الهادفة إلى التلاعب في الرأي العام، وتزييف الحقائق، والمواقف خدمة لأجندات أصحابها، ولما تحدثه من تأثيرات في الصراعات السياسية، والاجتماعية، وتشويه حقيقة الأمور، ونشر الشائعات لسهولة صناعتها ونشرها، بعد الثورة الهائلة في وسائل الاتصال الإلكتروني، ومنصات التواصل الاجتماعي، والذكاء الصناعي.
إنّ الإعلام يواجه اليوم أزمة “ مصداقية ” كبيرة في ظل فوضى النشر والموجات التي لا تنقطع من المعلومات المزيفة والملفقة والمحرّفة والمضللة، التي باتت تشكل تهديداً هائلاً كونها تدمّر ما يشكّل حجر الأساس في المعرفة والعمل الإعلامي.
هذه الآفة المستشرية، على وقع الانحياز الخبيث والتشويه المتعمد للحقائق في منصات اعلامية كثيرة، تترك آثاراً مدمرة في العلاقة بين الإعلام والجمهور، فهي تؤدي الى تآكل الثقة والتشكيك الافتراضي بكل ما يُنشر، بكل الانعكاسات السلبية.
تبدأ المشكلة من ازدواجية المعايير في التغطية الإخبارية، حيث يتم تناول ذات الأحداث وتوصيفها بشكل متناقض كلياً حسب هوية الفاعل. فما يُسمى “ مقاومة ” في حالةٍ معينة، يصبح “ إرهاباً ” في حالة أخرى، والعكس صحيح. والفصائل المسلحة تشبه جيشاً وطنياً، وفي مكان آخر يصبح الجيش فصيلاً أو جماعةً، وفق توصيفات المنصات المُكبّلة بسياسات مصادر تمويلها.
بل إن الأمر غالباً يتجاوز ذلك، إلى التلاعب باللغة ذاتها، حيث تُستخدم كلمات ناعمة لوصف أعمال عنيفة عندما يقوم بها الحلفاء، مثل “ أضرار جانبية ” و” عملية عسكرية ”، بينما تُستخدم كلمات قاسية لوصف أعمال أقل عنفاً عندما يقوم بها الخصوم، مثل “ مذبحة ” و”إرهاب ”. اللغة هنا تتحول إلى سلاح إعلامي يُشكّل وعي المتلقي ويوجّه مشاعره ويحدد مواقفه.
هذه الممارسات منتشرة بكثرة في المؤسسات الإعلامية والصحفية في منطقتنا، وهي توضح بجلاء أن لها ميولاً سياسية وحزبية وقومية ومذهبية وطائفية. هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لطبيعة الملكية والتمويل في القطاع الإعلامي، فأغلب القنوات الفضائية والصحف والمواقع الإخبارية تملكها أو تموّلها حكومات أو أحزاب أو رجال أعمال مرتبطون بالسلطة أو بالتبعية، مما يجعل استقلاليتها محدودة للغاية أو مفقودة، خاصة إن أحزاب السلطة تلك تستطيع التهرب من قواعد التغطية المهنية والأسس الاخلاقية طالما هي من تضع قواعد المساءلة.
لذلك نرى أن هناك مؤسسات إعلامية تصرخ بأعلى صوتها منددة بالمخالفات والفساد والانتهاكات التي ترتكبها الجهات المعارضة لأصحاب تلك المؤسسات أو للجهة السياسية التي تديرها، بينما تتحدث بحياءٍ شديد أو تصمت تماماً عن الأفعال ذاتها عندما يكون مرتكبوها من دائرة المقربين.
و عندما تتراجع الهوية الوطنية الجامعة، تتقدم الهويات الفرعية.
ومن أبرز هذه المؤشرات:
التعصب الديني أو الطائفي.
الانقسام العرقي.
الصراعات المناطقية.
انتشار خطاب الكراهية.
وبكلِ تأكيد حين يصبح الانتماء للجماعة الصغيرة أقوى من الإنتماء للوطن وللأرض، تدخل الأمة مرحلة التفكك لا محالة.
ففي مجتمعٍ مُثْقلٍ بسنواتٍ من الحروب والصراعات السياسيَّة، لا تنشأ الانقسامات دائماً من العنف المباشر، بل كثيراً ما تبدأ من الكلمة، فالخطاب الطائفيُّ بات يُعيد اليوم إنتاج هذه الانقسامات ويُهدِّد رأس المال الاجتماعيّ من خلال تآكل الثقة بين الأفراد وبالمؤسَّسات.
يقصد بانهيار الدولة تعطل أجهزتها وتفككها وضعف سلطتها وعجزها على القيام بمهامها تجاه مواطنيها، ويكون الانهيار إمّا جزئياً مثل فقدان السيطرة على إقليم من الأقاليم أو انهياراً كلياً مع عجز أحد الأطراف المتصارعة على فرض سلطته كما هو الحال فى بعض الدول العربية. وأرى أنه من نتائج الصراعات الإثنية والطائفية ذوبان الهوية الوطنية والرباط الاجتماعي، مما ينتج عنه محاولة تدويل القضايا الداخلية، وهو ما يستغله المتربصون، ممّا يترتب عليه إشعال نار القطيعة والفتنة، واستدعاء البعد الديني والاعتبارات الدينية، ممّا ينتج عنه تمزق الدولة فى الداخل وقد يؤدى إلى حروب أهلية.
يُعزز البناء الطائفي للدولة من تدخل المراكز الإقليمية مثل: إيران، تركيا، إسرائيل، وبعض الدول العربية، في الشؤون الداخلية لهذه الدولة، وباتت دبلوماسية تلك الدول وأجهزتها المخابراتية تتدخل في الحياة السياسية أيضاً من خلال امتداداتها داخل الكتل السياسية المتنفّذة في الدولة. وهذا يؤدّي إلى بروز العامل الطائفي وتحكّمه في بناء الدولة، وهذا يؤدّي بالتالي إلى سيادة الفكر الطائفي وما ينتج عنه من تراجع الفكر السياسي القومي والوطني الديمقراطي.
كما أنّ الأمم لا تنهار بسبب الفقر وحده، بل بسبب الظلم الاقتصادي أيضاً، وتشمل مظاهره:
احتكار الثروة.
ضعف العدالة الاجتماعية.
تفشي البطالة.
استغلال النفوذ.
تركز الموارد في يد أقلّية محدودة.
حينها يفقد المواطن الإحساس بالعدالة، وتتآكل شرعية المؤسسات.
إنّ ضعف التوجيه والتربية وعدم ترشيد وسائل الإعلام، في مجالات التوجيه والإرشاد والتربية على الوجه المطلوب، ساهمت في هدم القيم والمبادئ.
كما أنّ البطالة، وعدم تنظيم سوق العمل، وقلة الأمانة والإخلاص، وعدم إعطاء العامل أو الموظّف أجره بما يكافئ الجهد، والاختلاس والتزوير، وإنتشار الكذب والخيانة بين الناس، والحرص على المصالح، وارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، وما يشكله ذلك من ضغط على الدخل والأجور وسلوك الأفراد في المجتمع.
إنّ التفاوت الكبير في الأجور بين كبار الموظفين والعامة منهم، في الدولة والمؤسسات المختلفة، يُشكّلُ الحنق والغضب لدى البسطاء.
سياسة الخصخصة وتحويل القطاع العام إلى القطاع الخاص وما يرافق تلك العملية من مجاملات ومحاولات للحصول على أكبر قدر من المكاسب.
كما أنّ ضعف السلطتين القضائية والتشريعية وخضوعها للسلطة التنفيذية،
وضعف الحريات، بل فقدانها، وتطبيق نظم وقوانين لا تتواءم وحاجات المجتمع، وتشبث الطبقة التي تحكم بالسلطة، وانتشار الفساد بشكل أفقي في المؤسسات العامة والخاصة، واستخدام المال السياسي في العمليات الانتخابية، وقوة تلاحم وتكاتف الفاسدين والمفسدين، ودقة التنظيم لديهم واتساع نطاقهم في المؤسسات كافة وضعف المجتمع المدني وتهميش دور مؤسساته في التصدي ومواجهة الفساد، حينها تبدأ الأوطان والأمم بالانهيار.
إنّ الأمم الحية تمتلك رؤية للمستقبل، كما تملك مشروعها الحضاري، أما الأمم المتراجعة فتعيش على أمجاد الماضي، وتفتقد مشروعها الحضاري من خلال:
الاجترار المستمر للتاريخ، والعودة إلى التراث.
العجز عن إنتاج أفكار جديدة.
غياب التخطيط الاستراتيجي.
الاكتفاء بردود الأفعال.
إنّ أي حضارة عندما تتوقف عن فكرها وعن حلمها، تبدأ بالسقوط.
بعض المجتمعات تنقطع عن تراثها فتفقد جذورها، وأخرى تنغلق عليه فتعجز عن الانفتاح على العصر. كلا الموقفين يعيق القدرة على بناء مشروع حضاري متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
إنّ الاستبداد السياسي يشكل أكبر معوّق للنهضة. فحين تُصادر الحريات، يُقمع الإبداع، وتُجهض المبادرات، تفقد المجتمعات القدرة على التقدم.
كما أنّ انتشار الفساد يُهدر الموارد، ويزرع اليأس في النفوس، ويحول دون توجيه الإمكانيات إلى مشاريع نهضوية حقيقية.
كثير من الدول ترتهن قراراتها السياسية والاقتصادية لإرادة قوى أجنبية، مما يجعلها عاجزة عن رسم مسار نهضوي مستقل، من خلال التبعية التي تمكّنت منها.
و المؤسسات السياسية الهشّة غير القادرة على صنع القرار أو مراقبة تنفيذه تترك فراغاً يعرقل النهوض، ويتيح المجال لانتشار الفوضى والمحسوبيات، بشكلٍ حتمي.
إنّ اعتماد الاقتصادات على استيراد السلع الأساسية والمنتجات التقنية يجعلها عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي، ويضعف قدرتها على النمو الذاتي.
الكفاءات العلمية التي تهاجر بسبب غياب البيئة الداعمة، تحرم الأوطان من أهم مواردها " الإنسان المبدع ".
الطائفية، القبلية، أو العرقية كلّها تمزّق المجتمعات، وتعيق تكوين هوية وطنية جامعة، وغياب ثقافة المبادرة والتطوع يقلّل من طاقة المجتمع في دعم المشاريع النهضوية.
إنّ التفاعل مع الثقافات الأخرى ضرورة حضارية، لكن التقليد الأعمى يؤدي إلى فقدان الهوية أيضاً.
ويظهر ذلك من خلال:
احتقار الذات الحضارية.
استيراد النماذج دون نقد.
ضعف الإنتاج الثقافي المحلي.
الاغتراب الفكري.
فتتحول الأمة من منتجة للمعرفة إلى مجرد مستهلكة لها.
غير أنَّ آخرين يعتبرون أنَّ التحرُّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يبدأ من بوّابة التحرُّر الاقتصاديّ بالدَّرجة الأولى، لأنَّها توفِّر الأسس الماديَّة لبناء منظومة ثقافيّة قادرة على حماية الموروث الثَّقافيّ وإنتاج حالة ثقافيّة واجتماعيّة متطوّرة، وتطوير مؤسَّسات بحثيَّة وإبداعيَّة قادرة على مواجهة الغزو الثَّقافيّ الذي تتعرَّض له بلادنا.
إنَّ بناء الاقتصاد المتين الإنتاجيّ، يَمُرُّ عبر إطلاق الحُرّيّات السِّياسيّة وفتح الطريق أمام تطوير النُّظم وقواعد الإنتاج، دون التقوقع ضمن بنى اقتصاديّة قديمة ومتهالكة، وهذا يفترض الوصول إلى حالةسياسيّة ديمقراطيَّة، تتجاوز السناريوهات المرسومة، والتي تَحُدُّ قُدرة الفرد على الإبداع والتَّطوير، ما تشكِّلُ سدّاً منيعاً أمام أيّ غزو ثقافيّ لبلادنا.
وللتحرّر من التَّبعيَّة الثَّقافيّة يتطلّب أوَّلاً بناء حضارة علميّة من خلال:
“ صناعة وصياغة الذهنيَّة العلميَّة المعرفيَّة، ونشر حيثياتها في قطّاعات المجتمع كافَّة، ليصير العلم والمعرفة من سمات المجتمع ومن أوصافه، ومن مواصفات الفئات المجتمعيّة، وإن كانت بدرجات متفاوتة ”.
إنَّ قضيَّة التَّبعيَّة الثَّقافيّة غدت في عصرنا الحديث، قضيَّة متشعّبة ومعقَّدة تواجهها شعوب منطقة الشَّرق الأوسط، في ظِلِّ سيادة ثقافة الهيمنة الثَّقافيّة عبر الأثير، وغدا من الصعوبة بمكان إبداء أيّ نوع من المقاومة
الثَّقافيّة بالأدوات والأساليب السّابقة، بل يجب على الشُّعوب التي أصبحت ترزح تحت تأثير الكمِّ الهائل من المعلومات والثَّقافات المتناقلة بسرعات خياليّة، أن تطوِّرَ خياراتها وطرائق دفاعها عن هُويّاتها الثَّقافيّة، ولا تَركُن إلى الأساليب البدائيَّة، وتنبري لمحاربة كُلّ أنواع الغزو الثَّقافيّ، عبر تطوير بنى ومؤسَّسات ثقافيّة إبداعيَّة، قادرة على خلق بدائل متطوّرة، غير مستَلَبة الإرادة، أو خاضعة لسلطات الرَّقيب والحسيب، عليها بالدَّرجة الأولى الانطلاق من المحلّيّ نحو العالميّ، بأن تُحرِّرَ نفسها من القيود التي تُكبّلها، وترسم سياقات إستراتيجيَّة لها، تُشكِّلُ في النِّهاية قوَّةً ثقافيّة لها حضورها في السّاحة الثَّقافيّة العالميّة أيضاً.
رغم أهمية العوامل الخارجية، إلا أن التاريخ يبين أن القوى الخارجية تنجح غالباً عندما تجد أمةً منهكة من الداخل.
لذلك فإن:
الاحتلال،
العقوبات،
الحروب،
الضغوط الاقتصادية،
تكون في كثير من الأحيان عوامل مُسرّعة للانهيار لا أسباباً أصليّة له.
الحضارات لا تُهزم أولاً في ميادين القتال، بل تُهزم في ميادين الفكر والقيم والمعرفة. فالسقوط العسكري غالباً ما يكون الإعلان الرسمي عن انهيار بدأ قبل ذلك بسنوات أو عقود داخل العقل الجمعي للأمة.
إن أخطر ما يواجه أي حضارة ليس العدو الخارجي، بل فقدانها القدرة على نقد ذاتها وتجديد نفسها. فالحضارة التي تتوقف عن إنتاج المعنى، وتستبدل الحقيقة بالدعاية، والمعرفة بالتلقين، والمواطنة بالعصبية، تكون قد بدأت بالفعل رحلة الأفول.
يمكن القول إن هدم الحضارات لا يحدث بفعل عامل واحد، بل نتيجة تفاعل شبكة معقدة من الأزمات الأخلاقية والسياسية والثقافية والاقتصادية. فالفساد يضعف الدولة، والاستبداد يقتل الإبداع، والجهل يعيق التقدم، والانقسام يمزق المجتمع، والتبعية تسلب الإرادة.
والدرس الأكبر الذي يقدمه التاريخ هو أن الحضارات لا تسقط عندما تفتقر إلى الموارد، بل عندما تفقد القدرة على تجديد ذاتها.
لذلك فإن حماية أي أمة لا تبدأ من تحصين الحدود فقط، بل من بناء الإنسان الحر والواعي، القادر على التفكير والنقد والإبداع، لأن الحضارة في جوهرها ليست حجارةً ومؤسسات، بل وعيٌ حيّ يمتلك القدرة على الاستمرار والتجدد.
لا تقوم الأمم على الاقتصاد والسياسة وحدهما، بل تقوم أيضاً على منظومة من الرموز والقدوات والشخصيات المؤسسة، التي تمنح المجتمع شعوراً بالاستمرارية والانتماء. فالعلماء والمفكرون والمصلحون والقادة التاريخيين يشكلون جزءاً من الوعي الجمعي للأمة، ومن خلالها تتحدد معايير النجاح والقيم العليا التي يسعى الناس إلى الاقتداء بها.
وعندما تبدأ عملية منهجية أو عفوية لتشويه الرموز والطعن في المنجزات التاريخية وإفراغ الشخصيات الوطنية أو الحضارية من قيمتها المعنوية، تنشأ حالة من الفراغ الرمزي، ويؤدي هذا الفراغ إلى فقدان الأجيال الجديدة لنماذج الإلهام والاقتداء، فتضعف الثقة بالذات الحضارية، ويتراجع الشعور بالانتماء.
غير أن المسألة تحتاج إلى قدر من التوازن الفكري، فالنقد العلمي للرموز ليس هدماً للحضارة، بل قد يكون ضرورة لتصحيح الرواية التاريخية. أما الخطر الحقيقي يكمن في الانتقال من النقد الموضوعي إلى التشويه المتعمد، ومن المراجعة العلمية إلى السخرية والازدراء، ومن دراسة الأخطاء إلى نفي كل إنجاز أو قيم.
لقد أدرك العديد من المفكرين أن الأمم التي تفقد احترامها لعلمائها ومبدعيها وتاريخها تتحول تدريجياً إلى مجتمعات بلا مرجعيات أخلاقية أو ثقافية. وعندما يغيب النموذج الملهم، تبرز نماذج بديلة قد تكون قائمة على الشهرة العابرة أو القوة أو المال وحدها، فتختلّ منظومة القيم الاجتماعية من خلال:
التقليل من شأن العلماء والمفكرين والمبدعين.
تشويه الشخصيات التاريخية دون منهجية علمية.
إقصاء الرموز الوطنية والثقافية من الوعي العام.
تقديم نماذج سطحية بوصفها قدوات للأجيال.
القطيعة مع التراث الفكري والحضاري للأمة.
نشر ثقافة السخرية من كل ما هو تاريخي أو وطني أو معرفي.
إن الأمة التي تفقد القدوة والروّاد لا تفقد أفراداً فقط، بل تفقد جزءاً من بوصلتها الأخلاقية والثقافية. فالرموز ليست أشخاصاً فحسب، وإنما هي تجسيد للقيم التي قامت عليها الحضارة.
ليست قوة الأمم فيما تمتلكه من ثروات فحسب، بل فيما تحتفظ به من معانٍ ورموز، فحين يُهدم الرمز تُصاب الذاكرة الجماعية بالتصدع، وحين تُمحى القدوة يضيع المعيار الذي يقيس به المجتمع فضائله وإنجازاته.
لذلك فإن أخطر أشكال الهدم الحضاري ليس تدمير الأبنية أو المؤسسات، بل تدمير الثقة بالذات التاريخية للأمة حتى تنظر إلى ماضيها بازدراء، وحاضرها بعجز، ومستقبلها بيأس.
في العصر الرقمي، أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الاجتماعية قادرة على صناعة القدوة أو إسقاطها في وقت قصير، مما يفتح باباً فلسفياً واسعاً حول العلاقة بين السلطة والذاكرة والهوية الحضارية.
لم تعرف الحضارات المزدهرة مكانة أعلى من مكانة المعلم، فهو الواسطة التي تنتقل عبرها المعرفة والقيم والخبرة من جيل إلى آخر. ولذلك كان احترام المعلم في مختلف الحضارات مؤشراً على احترام العلم نفسه.
غير أن من علامات التراجع الحضاري انحدار المكانة المعنوية للمعلم، وتحوله من شخصية مرجعية تحظى بالتقدير إلى موظف هامشي أو مادة للسخرية والاستهزاء. وعندما يفقد المعلم هيبته الاجتماعية، يفقد التعليم جزءاً كبيراً من قدرته على التأثير والتربية.
إن الأمة التي تضع نجوم الترفيه أو أصحاب الشهرة العابرة في قمة السلم الاجتماعي، بينما تهمّش المعلم والباحث والمفكر، ترسل رسالة ضمنية إلى الأجيال مفادها أن المعرفة لم تعد قيمة عليا في المجتمع، وهذا يظهر حينما نتابع ونرى:
ضعف التقدير الاجتماعي للمعلمين.
تراجع المكانة الاقتصادية للمهنة التعليمية.
تصوير المعلم في بعض الخطابات الإعلامية بصورة سلبية أو ساخرة.
تحميل المعلم وحده مسؤولية أزمات التعليم.
تراجع هيبة المدرسة كمؤسسة تربوية.
عزوف الكفاءات المتميزة عن مهنة التعليم.
والأخطر من ذلك أن احتقار المعلم لا ينعكس على شخصه فقط، بل يمتد أثره إلى الطلاب أنفسهم. فالطالب الذي يرى معلمه موضع استهزاء سيفقد تدريجياً احترام المعرفة والانضباط والتعلّم الجاد.
لقد ارتبطت النهضات الكبرى تاريخياً بتعظيم دور المعلم، في عصور الازدهار كانت مكانة العلماء والمعلمين تقترب من مكانة القادة وصناع القرار، لأن الجميع كان يدرك أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة.
إن الحضارات لا تُبنى في القصور ولا في الثكنات العسكرية وحدها، بل تُبنى أولاً في الصفوف الدراسية. والمعلم ليس ناقلاً للمعلومات فحسب، بل هو مهندس الوعي وصانع المستقبل. لذلك فإن الأمة التي تهين معلّمها إنما تضعف أحد أهم أسس بقائها وتجدّدها.
فإذا كان هدم الجسور يقطع الطرق بين المدن، فإن هدم مكانة المعلم يقطع الطريق بين الأجيال والمعرفة، ولهذا يمكن اعتبار تهميش المعلم أحد المؤشرات المبكرة على دخول المجتمع في أزمة ثقافية وحضارية عميقة، لأن احترام المعلم ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل شرط من شروط استمرار الحضارة نفسها.
فالأمم التي تكرّم معلميها تستثمر في مستقبلها، أما الأمم التي تسمح بازدرائهم فإنها تُضعف، من حيث تدري أو لا تدري، الركيزة التي تقوم عليها نهضتها القادمة.
إن الحضارات لا تُهدم أولاً من الخارج، بل تبدأ عملية الهدم عندما تفقد الأمة احترام العلم، وتستخف بالمعلم، وتشوه قدواتها، وتستبدل المعرفة بالدعاية، والنقد بالبغضاء، والانتماء بالانقسام. وعندها يصبح السقوط الخارجي مجرد النتيجة الأخيرة لمسار طويل من التآكل الداخلي.
حيث أن هدم حضارة أي أمّة يبدأ من الإنسان وينتهي بالدولة وبالحضارة.
إن أخطر أشكال هدم الأمم ليس تدمير المدن ولا إسقاط الحكومات، بل تدمير الإنسان في وعيه وقيمه وثقته بذاته.
فحين يُهان المعلم، ويُغيَّب المفكر، ويُشوَّه الرمز، ويُحتقر العلم، وتُزرع الفرقة بين أبناء المجتمع، تكون معاول الهدم قد بدأت عملها بالفعل.
أمّا الحضارة الحية فهي التي تحمي ذاكرتها، وتصون قدواتها، وتكرّم علمائها، وتمنح الأجيال أسباب الإيمان بالمستقبل.
فالأمم لا تعيش بما تملك من ثروات فقط، بل بما تملك من وعيٍ وقدرةٍ دائمة على التجدد والنهوض.
***
د. أنور ساطع أصفري








