الضرورة الوجودية للايمان
يعمل الايمان كدرع معرفي يحمي الذهن من صعوبة التنبؤ في عالمنا. هناك حاجة الى معنى روحي يربطنا بالوجود ذاته، ويمنعنا من الاستسلام لليأس. البشر هم كائنات حية صانعة للمعنى، مُبرمجون عاطفيا لبناء نظام من لا نظام كوني.
التوازي البيولوجي
مثلما جسم الانسان غير قادر فسيلوجيا على الاستمرار في فراغ فيزيائي لا يتوفر فيه الاوكسجين والتغذية البيولوجية الأساسية، كذلك النفس البشرية وبنفس المقدار غير قادرة على العمل ضمن فراغ وجودي مجرد من الهدف والمعنى. الحياة المادية تعتمد على استهلاك مستمر للعناصر الغذائية للوقاية من الفشل العضوي، بالضبط وبنفس الطريقة، قدراتنا المعرفية والعاطفية تتطلب اطارا سرديا شاملا للحفاظ على التوازن الداخلي.
عندما تغيب هذه الركائز النفسية الضرورية، او عندما تكون غير مكتملة التكوين، او محطمة فجأة بسبب صدمات الحياة، فان العقل سيعاني من انهيار مدمر. عدم الاستقرار الداخلي هذا يتجسد ليس فقط كشك عابر، وانما كحالة تتسم بارتباك معرفي حاد ومقلق ومُنهك وشعور طاغ بالفراغ. وبالنتيجة، فان متابعة هدف تأسيسي او خالق ديني هو أبعد بكثير من ترف فكري او تفضيل عابر، انه آلية حيوية للحفاظ السايكولوجي الذاتي. يعتمد الكائن البشري على مبدأ منظّم لفهم المعاناة، والأخلاق، والوعي، معطيا الأولوية لهذه الحاجة الى درجة انه سوف يتمسك باطار تفسيري حتى لو كان يتعارض بشكل مباشر مع المنطق الموضوعي والتجريبي.
في الجوهر، نحن كائنات صانعة للمعنى، مبرمجة بيولوجيا وعاطفيا لخلق النظام من الفوضى الكونية. حين نجرد الذهن البشري من هذا البناء الموحد يعني تعريضه لحالة لا تُطاق من الفوضى الداخلية، وهو ما يُظهر ان الحاجة الى قوة عليا او هدف كوني هي ضرورة وجودية لا غنى عنها.
الدفاع المعرفي: كيف يحمي العقل النظام الإلهي
ما يجعل هذا الدافع النفسي استثنائيا جدا هو مناعته المذهلة تجاه الحقائق الباردة للعالم المادي. الناس وبشكل روتيني يبنون ويحافظون ويدافعون بقسوة عن الأنظمة الايديولوجية والثيولوجية المعقدة في غياب كلي للتوثيق والدليل التجريبي. نحن نتمسك باصرار بالوعود الواردة في الكتب المقدسة وبالتدخلات الإلهية وبالادّعاءات الخارقة للطبيعة حتى عندما لا تقدم الحقائق الملموسة من حولنا أي برهان. التجربة البشرية تتعرض على أساس يومي لسلسلة من المآسي المروعة وأمراض الأطفال وكوارث طبيعية مدمرة بالإضافة لأحداث بشرية قاسية منتشرة على نطاق واسع لدرجة تتحدى بشكل صارخ وجود كائن محب كلي القدرة.
مع ذلك، يُظهر الذهن البشري مقاومة دفاعية شرسة للاستنتاج المنطقي القائل بان الخالق قد يكون غير مبال او عاجز بنيويا. لكي يواجه الفرد ويقبل عالما محكوما بعشوائية كلية – او ما هو أسوأ من ذلك – العجز الإلهي المطلق – ذلك يعني التخلي عن الدرع المعرفي الأساسي الذي يُبقي الرعب الوجودي بعيدا . بدلا من التخلي عن الصورة المطمئنة للمهندس المعماري الخيّر، يبذل العقل جهودا جبارة معتمدا على تبريرات معقدة، وتجزئة الأمور الى أجزاء منفصلة وإعادة صياغة الادراك وذلك لحماية ايمانه بالنظام الإلهي من الحقائق القاسية المتعلقة بالمعاناة البشرية. فمثلا، نحن نرى هذا النمط بالذات من التبرير الانتقائي يتكرر بشكل روتيني في الثقافة الشعبية، كما في الرياضيين المحترفين. عندما تحقق شخصيات معينة انتصارا ذو أهمية بالغة، هم يسارعون لتوجيه الشكر الى السماء شاكرين الله علنا على منحهم هذه النعمة وبذلك، يتجاهلون بشكل عفوي المعنى الضمني الواضح بان الإله ذاته هو الذي اختار ان يلحق الهزيمة والإحباط للفريق المنافس. ان العيب الصارخ في هذا المنطق يُحجب تماما بلحظة واحدة من الامتنان الذي يخدم المصالح الشخصية، مما يوضح مدى سهولة تغلّب السرد المتمركز حول الذات على التفكير النقدي الأساسي.
هذا الميل نحو التشكيك عادة يبدأ مبكرا في الحياة. يذكر الكاتب جون تسيليمباريس John Tsilimparis المعالج النفسي والأستاذ المساعد في جامعة بييرداين عندما كان طفلا يتذكر بوضوح حين كان يشاهد فيلم جوان دارك Joan of Arc لعام 1948، بطولة انغريد بيرغمان. القصة تدور حول مهمة جوان الإلهية ليقود الجيش الفرنسي في معركة عنيفة ضد الانجليز اثناء حرب المائة عام . حتى في عمر الشباب، مفهوم الولاية الإلهية التي توجّه البشر الى ذبح إخوانهم البشر – كل واحد منهم خُلق وبشكل صريح بواسطة نفس الاله – يتم الشعور به وبعمق كونه مفهوم غير صحيح. لماذا خالق محب عظيم القدرة يتخذ مواقف متحيزة في صراعات بشرية محلية؟ المنطق الرياضي والأخلاقي يفشل في الدفاع.
يقول جون عندما أثار هذه الشكوك امام ابيه، حاول الاب توضيح القصة من منظور ديني. مع ذلك، هو بقي غير مقتنع ان قوة عظمى تفضل امة على أخرى، وهو ما تركه غير قادر على تبرير الفرضية. ويضيف الكاتب رجوعا الى الماضي، هو امتلك دائما عقلية تحليلية لا تعرف الكلل، ربما تكون أحيانا على حسابه. في نظر ابيه، ان طريقته في تحليل آليات القصة بدلا من فهم شغفها الروحي يكون قد أغفل جوهرها تماما.
الأهمية النفسية مقابل الحقيقة التجريبية
ان تقييم الايمان فقط من خلال التحقق من صحة الحقائق او الشك العلمي يفشل في استيعاب الديناميكية النفسية الحاسمة التي تلعب دورا هاما في هذا الصدد. من منظور سريري ووجودي، ما اذا كان الاله موجود حقا في حقيقة موضوعية هو أقل أهمية بكثير من الوظيفة الحيوية التي لاغنى عنها التي يؤديها هذا المفهوم داخل النفس البشرية. الايمان يعمل كإدراك ضروري ودرع عاطفي يحمي العقل من عدم القدرة على التنبؤ الصارخ والمخيف الذي يتسم به كوننا.
عندما يُواجه الافراد بخسارة مدمرة، صدمة شخصية، او معاناة واسعة، فان العقل الخالص والتحليل الموضوعي سيكشفان عن نواقصهما المتأصلة. الحقائق يمكن بسهولة ان توضح الميكانيكا المادية خلف المأساة، مع ذلك هي غير قادرة تماما على تلبية الحاجة الملحة والمؤلمة التي تشعر بها الروح لفهم معناها الأعمق. التماسك لا يقدم سوى تشخيص موضوعي ولا يوفر أي هدف حقيقي يدفع الى المثابرة. الايمان يدخل الى هذا الفراغ مقدما نموذجا سرديا متعاليا يحوّل الألم الخام الذي يفتقر الى المعنى الى شيء ذي مغزى، او مفيد، او يتم تعويضه في نهاية المطاف في اطار تصميم أكبر. ولأسباب واضحة، هذه النزعة الادراكية المزدوجة تنتج اما محصلات بنّاءة او تدميرية اعتمادا على كيفية تطبيقها. الانكار الصارم نادرا ما يخدم هدفا جميلا.
آلية التكيف الخاصة بالقدرة على التحمل
في التحليل النهائي، حاجة الانسان لنظام الهي تنتصر دائما وبانتظام على العقلانية الخالصة. الحاجة الملحّة للشعور بان حياتنا الفردية والصراعات الجمعية تتشابك لتشكل جزءا من تصميم اكبر تمثل واحدة من أقوى التكيفات السايكولوجية والتطورية التي تشكلت يوما ما ضمن جنسنا البشري. انه دافع داخلي قوي لدرجة انه ربما يكون أقوى حتى من الحب – لأنه بينما الحب يربطنا بأشخاص معينين، فان الحاجة الى المعنى الكوني تربطنا بالوجود ذاته، فتمنع الذات من الاستسلام لليأس.
الايمان اكثر من مجرد شعور سلبي، او أثر ثقافي او وهم مريح، انه يعمل كآلية نشطة لا غنى عنها لإستمرار الانسان. انه يولّد المرونة الداخلية الضرورية للبقاء وسط عواصف الحياة المدمرة، مانحا الكائن البشري القوة النفسية لجمع شتات حياته، وإعادة بناء هدف له من المأساة، والاستمرار بالحركة قدما نحو عالم غير مؤكد.
***
حاتم حميد محسن
.........................
Psychology today, Aug 5,2026
الهوامش
1- هاريس، S. (2004). نهاية الايمان: الدين، الرعب، ومستقبل العقل. W.w. Norton & company.
2- هيتشنز، C. (2001). رسائل من شاب متمرد. باسك بوكس.
3- دوكنز، R.(2006). وهم الإله. دار هوتون ميفلين هاركورت للنشر.
4- هاوكنك، S. (1988). تاريخ موجز للزمن: من الانفجار العظيم الى الثقوب السوداء. دار بانتام للنشر.








