مفتتح: أن تقرأ للأستاذ ماجد الغرباوي حول المقاصد والتجديد، فأنت أمام كتابات لا تكتفي بقول الجديد، بل تستدعي توالي الأسئلة العميقة1، لأن أسلوبه في جل ابحاثه لا يتعامل مع التجديد بوصفه شعاراً يرفع في قباب التراث، بل أكثر من ذلك، لا يعتبره نزعةً للتحرر التام من الموروث، وإنما يتعامل مع التجديد كضرورة معرفية تمليها حياة تتغير بسرعة، وعقل اسلامي إذا لم يجدّد أدواته سينقلب إلى نظام للجمود والصمت، بدلا من استيعاب التحولات والرهانات والتحديات..
على هذا الأساس تبرز أهمية "مقاصد الجعل الشرعي" في مشروع المفكر ماجد الغرباوي؛ على انها ليست مفهوماً جانبياً مكرر إلى خطاب أوسع، وإنما بوابة اساسية ودقيقة لإمكان فهم نظام عمل الحكم الشرعي، وحدود فعاليته، وعلاقة الفقه بأساسياته الأخلاقية والإنسانية والحضارية.
في هذا السياق، لا يبدو هجينا ربط الغرباوي بين المقاصد وسؤال التجديد ربطاً وثيقاً، لأن المقاصد بحسب قراءة المفكر الغرباوي ليست أبعاد نظرية لفهم الشريعة، فقط، بل هي المحفز الذي يظهر الغاية التي من أجلها وُضع الحكم، بل إنها تكرر سؤال مدى شرعية استمراره في الواقع المتغير.
هذا ما يجعل مشروع الغرباوي يتجاوز مستوى الدفاع عن "المقاصد" بالمعنى الأصولي التقليدي، إلى مستوى مساءلة الفقه نفسه حين يتحول إلى مدونة جامدة تتعامل مع الأحكام بوصفها نصوصاً مغلقة لا بوصفها استجابات تشريعية لها سياقها ومناطها وملاكاتها..
كما لا ننسى أن الاستاذ الغرباوي في طول وعرض مؤلفاته لم يكتب ضد الدين، بل ضد سرقته وتجميده وتوظيفه، ولم يكن يوما ضد الشريعة، بل ضد القراءة التي تفصلها عن مقاصدها، ثم تطلب من الناس أن يتعبدوا بالصيغة بعد أن شوه المعنى.
مسارات المقاصد
الشاطبي قدّم في "الموافقات" بناءً تأسيسياً للنظر المقاصدي، حين ربط الشريعة بمصالح العباد في الدنيا والآخرة، وقسّم المقاصد إلى ضروريات وحاجيات وتحسينات، وجعل حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال مركزاً لهذه البنية. وجاء العلامة ابن عاشور، فوسّع الدائرة، ورفع المقاصد إلى مستوى تقنيني وحضاري، معرفاً إياها بأنها المعاني والحِكَم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، مع اهتمام واضح بالاستقراء وبالمقاصد العامة التي تحفظ نظام الأمة.
بينما المفكر ماجد الغرباوي انطلق من داخل هذا الإرث، لكنه لم يقف عند حدوده وقيوده؛ إذ نقل المقاصد من كونها أفقاً لفهم الخطاب الشرعي إلى كونها معياراً لفحص فعلية الحكم، واختبار ملاءمته الأخلاقية والاجتماعية، واختبار ما إذا كان لا يزال صالحاً للاشتغال في الزمن الراهن.
هذه القفزة المنهجية ليس بسيطةً، كون الأستاذ الغرباوي غيّر موضع النظر كله، فبدلاً من السؤال التقليدي: ما الغاية من هذا الحكم؟ أصبح السؤال أكثر عمقا ودقة وأفقاً: ما ملاك الحكم؟ وهل لا يزال موضوعه قائماً؟ وهل يصح أن يبقى الحكم كما هو بعد تغير شروطه؟ وهل تظل الصيغة القديمة معبّرة عن غايتها الأولى أم أصبحت حجاباً عليها؟ هنا تقع أصالة التجديد عند الغرباوي، حيث يرفض أن يكون الفقه مجرد حارس للتراث، ويطالبه بأن يكون شريكاً في بناء الحاضر، وهو يفعل ذلك من موقع استعادة الشريعة لمعناها الأخلاقي، ومنع الفقيه من التحول إلى سلطة نهائية في تمثيل الدين.
في تقديري، أحد أكثر جوانب مشروعه إثارة للنباهة والوعي، أنه ربط المقاصد بالأخلاق ربطاً عضوياً، من خلال أن الحكم الشرعي لا يكتمل فهمه بالرجوع إلى نصه وحده، بل النظر في ملاكه كذلك مهم، وكذا الجذر الأخلاقي الذي يمنحه المشروعية والفاعلية.
ويضرب مثالاً، بأن بعض الأحكام قد تكون ثابتة من حيث ورودها النصي، لكنها لا تكون فعليّة في كل زمان ومكان إذا انتفى موضوعها أو تعارضت مع المقصد الأخلاقي الأعم، وهذه نقطة مركزية حساسة، كونها تنقل المقاصد من مجرد "غاية" إلى "معيار"، بل من أنها خلفية تفسيرية إلى أداة نقد ومراجعة وتقويم، بالتالي متى حدث ذلك، تغيّر وجه الفقه نفسه؛ إذ لم يعد كافياً أن يقول الفقيه: هذا مروي أو هذا منصوص، بل بات مطالباً بأن يوضح لماذا بقي الحكم فعلياً، وكيف ينسجم مع مقاصد الشريعة الكبرى.
وقفة مع الاستاذ الغرباوي
لكن حين تصبح الأخلاق معياراً حاكماً على الحكم، يبرز السؤال عن معيار الأخلاق نفسه: هل هو ما يتجلى في النص الشريعة من رحمة وعدل وكرامة ورفع حرج، أم ما يتكون في الحس المعاصر من تصوراتٍ عن الإنسانية والعدالة؟ هذا المنعطف التأويلي يميل إلى أن الأخلاق ليست خارج الشريعة، بل هي لبّها العميق، وأن الشريعة لا يمكن أن تناقض في جوهرها القيم التي جاءت لترسيخها، الى هذا الحد هناك اتفاق من حيث الأصل، لكن لابد من ضبط منهجي أدق حتى لا تتحول "الفعلية" إلى مفهوم واسع قابل للتأويل بحسب اختلاف القراءات، وهذه النقطة اتمنى أن يجيب عنها أستاذنا ماجد الغرباوي..
ولعل قيمة مشروعه أنها مزدوجة: يكشف الأزمة بدقة وشجاعة، لكنه في الوقت نفسه يترك الباب مفتوحاً أمام مزيد من التأسيس المنهجي.
من الشاطبي إلى الغرباوي:
عند مقارنة هذا المسار بما فعله زعماء التراث المقاصدي، الشاطبي وابن عاشور، تبرز الصورة بوضوح أكبر:
الشاطبي بنى نظرية المقاصد على أساس استقرائي صارم، وكان همه الأكبر أن يردّ الفقه إلى روح الشريعة ويمنع الجزئية من أن تطغى على الكلية.
أما العلامة ابن عاشور، مع أنه وسّع المجال وأدخل مقاصد جديدة وأعطى الشريعة بعداً حضارياً أرحب، ظلّ يعمل داخل أفق أصولي يحافظ على مركزية النص والاستقراء.
أما الاستاذ ماجد الغرباوي فنقل المقاصد إلى ساحة أخرى: ساحة الاختبار النقدي للفقه، وساحة مساءلة الحكم من حيث فعاليته لا من حيث وروده فحسب.
لهذا فإن التجديد عنده لا يعني تحديث الأحكام بقدر ما يعني تحديث أدوات النظر، والانتقال من فقهٍ يكرر نفسه إلى فقهٍ يسائل نفسه، هذا المعنى للتجديد هو ما يجعل الغرباوي قريباً من الهمّ الإصلاحي العميق، لا من مجرد التقليد الحداثي المبسط.
الاستاذ الغرباوي يصر على أن التجديد ليس انفصالاً عن الدين، وإنما هو استجابة لمرونة الشريعة واستعدادها للبقاء بجانب الإنسان في تحوّلاته الجذرية والمصيرية، لذلك يقف ضد الثنائية التمويهية بين "سطوة التراث" و"فوضى الحداثة"، ويبحث عن البديل ثالث: إعادة بناء العلاقة بين النص والعقل والواقع على أساس المقاصد..
عبر هذا البديل تتضح فكرته الأساسية: أن الدين لا يتجمد، لكن العقول قد تتجمد، وأن التشريع لا يفقد طاقته، لكن فهمه قد يفقد حيويته، وأن النص لا يشيخ، لكن القراءة قد تَشيخ.. ولعل ما يزيد هذه الفكرة جاذبية هو أنها تضع الإنسان في مركز جديد. فالغرباوي لا يرى أن مهمة الدين هي فرض الأحكام من أعلى، بل يرى أن غايته أن يهب الإنسان معنى وكرامة وحرية ومسؤولية، وأن التشريع لا يكون ناجحاً إلا إذا كان قابلاً لأن ينهض بالحياة لا أن يثقلها. وبالتالي يكون مشروعه أكثر قرباً من الحسّ المقاصدي العميق لدى الإصلاحيين الكبار، لكنه يظل في الوقت نفسه ذو حدّة نقدية خاصة به، لأن كتاباته عن المقاصد، ليست كتابات عن باب في الأصول، بل عن مأزق ثقافي ومعرفي أوسع؛ مأزق العقل الفقهي حين يختزل الدين في السلطة، ومأزق المؤسسة حين تغلق باب السؤال، ومأزق التراث حين يصبح معياراً أعلى من الحياة نفسها والدين ذاته.
يبقى مشروع الاستاذ ماجد الغرباوي بحاجة إلى شيء من الموازنة المنهجية، لأن التجديد الذي يتكئ على المقاصد لا بد أن يحفظ صلته بالنص، وإلا تحول من تجديد إلى إعادة تأويل مفتوحة بلا ضابط.
قيمة سؤال "مقاصد الجعل الشرعي" أكبر من أي جواب نهائي؛ لأنه يوقظ الوعي ويمنع الجمود والاحتكار من أن يتقمص صورة اليقين.
مستخلص
يمكن القول إن "المقاصد وسؤال التجديد عند ماجد الغرباوي" ليست مجرد إشهار ثقافي حداثي، بل هي مفتاح لفهم مشروع يريد أن يعيد للدين صفاءه الأخلاقي، وللفقه تواضعه المعرفي، وللإنسان موقعه داخل العملية التشريعية بوصفه مقصد الخطاب لا مجرد موضوعه.
بيد أن القراءة الجادة لهذا المشروع لا ينبغي أن تنشغل فقط بموافقته أو مخالفته للتراث، بل بالسؤال الأعمق: ماذا يفعل هذا المشروع في وعينا بالدين؟ وما الذي يحرره من داخلنا حين نناقشه بجدية؟
فالمفكر ماجد الغرباوي كما عرفته، في أحسن أحواله، لا يقدم أجوبة نهائية، بل يفتح أفقاً جديداً للتجديد، وهنا يجعل المقاصد بوابةً لفهم الدين لا احتكاراً له، ويجعل التجديد فعلاً أخلاقياً ومعرفياً حضارياً معاً.. وبذلك يصبح "المقاصد وسؤال التجديد" عنواناً مناسباً ليس لمقال فقط، بل لموقع الغرباوي كله داخل الفكر الإسلامي المعاصر.
***
أ. مراد غريبي
15/8/2026
.....................
* راجع كتب المفكر ماجد الغرباوي: "الفقيه والعقل التراثي"، "مضمرات العقل الفقهي"، "المقدّس ورهان الأخلاق"، "مقتضيات الحكمة في التشريع.. نحو منهج جديد لتشريع الأحكام".








