عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مجدي إبراهيم: أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة (4)

(مُقاربة فلسفيّة جديدة لمنهجيّة القراءة على القراءة)

كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟

تحدّثنا في الحلقة السابقة عن نظريّة المعرفة بين التراكم والتوليد، وقدمناها في هذا الإطار كقراءة أبستمولوجية مقارنة في ضوء انتقال العقل من التراكم، وهو التصور التقليدي إلى التصور التوليدي؛ بمعنى أن المعرفة السابقة لا تبقى مجرد مادة محفوظة أو مُضافة إلى رصيد سابق، وإنما تدخل في علاقة جديدة ينتج عنها فائض معرفي، أي ينتج عنها قيمة مُضافة تتمثل في معرفة لم تكن موجودة في المعارف الداخلة في عميلة التوليد بصورتها السابقة. ولهذا كان حديثنا منصباً منذ البداية على توظيف منهجيّة "القراءة على القراءة"؛ إذ القراءة الثانية ليست تكراراً للقراءة الأولى، وإنما هي فعل على المعرفة السابقة يثمر ولادة معرفة أخرى.

ولكننا هنا ننقل مركز الثقل إلى سؤال آخر أكثر عمقاً: كيف تتولد المعرفة من المعرفة؟ وهذا التحول ليس مجرد تعديل في موضوع البحث، بل هو إعادة تعريف لطبيعة الفعل المعرفي ذاته؛ فالمعرفة لم تعد مادة تُجمع، وإنما أصبحت قوة منتجة تمتلك القدرة على تجاوز نفسها باستمرار. من حيث إنّ القيمة الفلسفية للتوليد المعرفي الناتج عن فاعلية القراءة على القراءة لا تكمن في تفضيله "التوليد" على "التراكم" وكفى، وإنما في أنه يُعلن بصورة ضمنية القطيعة مع نموذج معرفي تقليدي ظل مهيمناً قروناً طويلة، وهو النموذج الذي يقيس ثراء العقل بمقدار ما يحتويه من معلومات.

لم تعد المعلومات وحدها كافية لعملية التوليد، وإنما معيار القيمة يتحول إلى قدرة العقل على إنتاج معنى جديد من خلال تنوع القراءات التي يستطيع التفاعل معها، وليس إعادة تنظيم ما يمتلكه من معارف فقط، لا بل وإعادة تخليق لهذه المعارف أيضاً.

غير أننا قبل الوصول إلى هذه النقطة، يهمنا أن نبدأ أولاً بالإجابة عن الأسئلة التي شكلت اعتراضات سبقت، ذكرناها في الحلقة السابقة إزاء الطرح المتقدّم، وقد أجملناها في تساؤلات ثلاثة، وكنا قد أرجئنا الحديث عنها الى هذه الحلقة.

وهذه التساؤلات الثلاثة هي في الحقيقة ليست على درجة واحدة من القوة، بل إن بينها تفاوتاً فلسفياً مهماً. وأظن أن الرد الجيد عليها لا ينبغي أن يكون دفاعًا انفعاليّاً عن طرحنا لنظرية المعرفة التوليديّة، وإنما الرد ينبغي أن يستثمر الاعتراضات نفسها في إظهار البنية الفلسفية والمعرفية الكامنة فيه.

ولنبدأ بملاحظة أوليّة منهجيّة: قولنا في السابق إنّ هذه الاعتراضات "مردود عليها". صحيح من حيث المبدأ، لكن قوة الرد لن تأتي من مجرد القول إن لها أجوبة، وإنما من بيان أن الاعتراضات تكشف انتقال الفكرة من مجرد فكرة عن القراءة إلى محاولة تأسيس نظرية في كيفية إنتاج المعرفة. وهذا، في تقديري، هو الموضع الذي ينبغي أن يبدأ منه الرد.

أولًا: اعتراض غياب التعريف الدقيق للتوليد:

هذا الاعتراض؛ وإنْ كان مردوداً عليه كما تقدّم، غير أنه يبدو لأول وهلة أقوى الاعتراضات، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى شيء من التحليل. ذلك أن المفهوم الجديد لا يُعرَّف دائمًا تعريفًا حدّياً قبل أن تتضح بنيته من خلال السياق الذي وُلد فيه؛ فمفهوم "التوليد" هنا لا يُراد به شيئاً من المناهج العلميّة المعروفة، والخاصّة بنظرية المعرفة في التصور التقليدي: لا يُراد به مجرد الإبداع، ولا الاستنباط، ولا الاستقراء، ولا الاكتشاف، ولا التأويل، ولا شيء من تلك المناهج مجتمعة أو متفرقة؛ لأن كل واحد من هذه المفاهيم يصف صورة مخصوصة من صور الفعل المعرفي، بينما التوليد يصف شيئًا آخر: يصف انتقال العقل من معرفة قائمة إلى معرفة لم تكن قائمة فيها على نحو مباشر، وإنْ كانت تلك المعرفة الجديدة قد نشأت منها أو بواسطة إعادة النظر فيها وتكرار الاشتغال عليها. فأنا لا أستنبط وأتوقف، ولا أستقرأ وأتوقف، ولا أستكشف وأتوقف، ولا أؤول وأتوقف، ولكني أزيد على ذلك كله بالتوليد الذي يعطيني ما لم يكن موجوداً عندي من ذي قبل، في السابق. وها هنا تظهر أهميّة التمييز بين مصدر المعرفة وكيفية حدوث المعرفة؛ فقد تكون المادة التي يتولد منها الجديد معرفةً سابقة، لكن الجديد لا يكون موجودًا فيها بوصفه معلومة مخزونة تنتظر استخراجها.

إنّما يكون موجودًا فيها بوصفه إمكانًا معرفيّاً لا يتحقق إلا بفعل عقلي جديد: بالفاعليّة العقليّة. ولذلك؛ فالتوليد ليس مجرد إخراج المكنون من المخزون؛ لأن هذا التعبير يُوحي بأن المعرفة الجديدة كانت موجودة بالفعل داخل المعرفة القديمة، وإنّما هو تحويل لعلاقات متشابكة من المعارف السابقة بحيث ينشأ منها معنى أو حكم أو تصور أو نسق لم يكن متحققًا في السابق قبل هذا التحويل. وتلك هى فلسفة التوليد التي تختلف فيما نرى عن التراكم؛ إذ التراكم يضيف معرفة إلى معرفة. أمّا التوليد؛ فيغيّر العلاقة بين المعارف بحيث تنتج العلاقة معرفةً جديدة، وربما يغير الحقل المعرفي نفسه.

خذ مثلاً على ذلك: كان "هيجل" يجعل حركة المفهوم والتناقض الداخلي جزءً من حركة الوعي والتاريخ، ثم جاء "ماركس" فلم يكتف برفض هيجل بل قلب العلاقة بين الفكر المثالي والواقع الاجتماعي والاقتصادي. لكن القراءة التوليدية لا تقول هنا: هيجل مثالي وماركس مادي. بل تسأل: ماذا يحدث للجدل الهيجليّ إذا نُقل من حركة المفهوم إلى حركة العلاقات المادية والاجتماعية؟ إذ ذاك يظهر شئ جديد، فنحن لا نأخذ "الجدل" من هيجل ونضعه عند "ماركس" فحسب، وإنما نغير الحقل المعرفي الذي يعمل فيه الجدل. ويمكن من ثم أن يولد مفهوم النقد بوصفه كشفاً للتناقضات الداخلية في الواقع الاجتماعي لا مجرد وصف له، وهذا هو المقصود بتغيير الحقل المعرفي، وبنقل المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد. 

على ذلك؛ يمكن أن نصل إلى تعريف أكثر إحكاماً لمفهوم التوليد المعرفي من حيث إنه فعل عقلي يعيد تنظيم معارف سابقة، وتغيير حقول معرفية، من خلال التأمل الفاعل في علاقاتها وإمكاناتها، بحيث ينشأ عنها معنى أو حكم أو تصور أو نسق معرفي جديد لا يساوي أيّاً من عناصرها السابقة منفرداً. وبهذا التعريف يصبح الفرق واضحاً نسبياً بين التوليد، والاستنباط، والاستقراء، والتأويل، والإبداع: المناهج التي تقدّم ذكرها؛ فالاستنباط يتحرك داخل لزوم منطقي بين مقدمات ونتيجة؛ والاستقراء ينتقل من جزئيات إلى تعميم؛ والتأويل يكشف معنى أو يعيد بناءه داخل بنية دلاليّة؛ والاكتشاف يكشف ما كان موجوداً في الواقع أو في بنية الموضوع؛ والإبداع أوسع من مجرد المعرفة، لأنه قد يكون فنياً أو لغوياً أو تخييلياً أو ما شئت أن تضيف. أما التوليد المعرفي فهو وصف للكيفية التي يستطيع بها العقل أن يجعل المعرفة السابقة مولِّدة لمعرفة لاحقة بواسطة فاعليّة القراءة على القراءة. وهنا تحديدًا تصبح عبارة " توليد المعرفة عن المعرفة" أكثر عمقاً من مجرد التراكم؛ لأن المعرفة الأولى تتحول من موضوع للامتلاك إلى مادة للفعل العقلي.

ثانياً: اعتراض يتعلق بالتأمل الفاعل:

إذا كان الاعتراض الأول كان يدور حول أن مفهوم "التوليد" يحتاج إلى بناء اصطلاحي صارم يحدد شروطه وآلياته. فهل كل استنتاج يعد توليداً؟ وهل كل تركيب بين فكرتين إنتاج لمعرفة جديدة؟ وما الحد الفاصل بين التوليد والإبداع والتأويل؟ وقد أجبنا في السابق على هذا كله، فإن هذا الاعتراض الثاني، في رأيي، أهم فلسفيّاً من الاعتراض الأول؛ لأنه يضع يده على المحرك الداخلي لنظرية المعرفة التوليدية؛ فإذا قلنا إنّ المعرفة الجديدة تولد من المعرفة السابقة بواسطة "التأمل الفاعل"، فإنّ السؤال المشروع هو: ما الذي يفعله العقل تحديداً؟ وأظن أن الخطأ سيكون في محاولة حصر هذا التأمل في وظيفة واحدة: أهو منطق؟ أم حدس؟ أم تأويل؟ أم تركيب جدلي؟

لأن التوليد المعرفي، كما يبدو من بنيته ودلالاته، ليس آلية واحدة، وإنما فعل مركب يمكن أن تستعمل فيه هذه الآليات بحسب طبيعة المعرفة المُنتجة؛ فقد يكون منطقياً في موضع، وتأويلياً في موضع آخر، وتركيبياً في موضع ثالث، وقد يتدخل الحدس في لحظة انكشاف العلاقة التي لم تكن ظاهرة من قبل. لكن هناك شيئاً مشتركاً بينها جميعاً: أن العقل لا يكتفي باستقبال المعرفة، بل يعيد تشغيلها وتجديد العمل عليها.

ونلاحظ أن مصطلح "التأمل الفاعل" الذي يُساق الاعتراض عليه هنا، يمكن أن يصبح واحداً من أقوى مفاهيم نظريّة المعرفة التوليديّة إذا أعيد بناؤه فلسفيّاً؛ فالتأمل ليس مجرد نظر عقلي هادئ في المعلومات، و"الفاعل" ليست صفة زائدة؛ بل المقصود أن العقل ينتقل من سؤال: ماذا أعرف؟ إلى سؤال آخر أكثر إنتاجاً: ماذا يمكن أن أفعل بما أعرف؟ فالتأمل مشروط بالفاعلية هنا، وكذلك المعرفة التي ستقوم عليه في مستقبل الأيام هي كذلك معرفة مشروطة بالفاعليّة العقليّة، إذ تحدث نتيجة لفاعلية العقل مع ما ينشأ من علاقات بين المعارف، وهذه النقلة هي التي تفصل بين القارئ التراكمي والقارئ التوليدي. مع العلم أننا لا نجعل التراكم في مقابل التوليد مقابلة حديّة، ولكن العلاقة بينهما علاقة شرط وغاية؛ فالتراكم هو المادة الخام، والتوليد هو الصورة الجديدة التي يعيد العقل تشكيلها. ولا يمكن للفعل التوليدي أن يعمل في الفراغ، كما لا يستطيع النحات أن يصنع تمثالاً بلا حجر.

عمل القارئ التراكمي كما تقدم هو: أن يضيف النص إلى النص، والمعلومة إلى المعلومة، والمفهوم إلى المفهوم. أمّا عمل القارئ التوليدي؛ فيدخل إلى المعرفة السابقة بوصفها مجالاً لإمكانات لم تُستثمر بعد. إنه لا يسأل فقط: ماذا قال هذا المفكر أو ذاك؟ بل يسأل: ماذا يمكن أن ينتج من وضع هذا القول في مواجهة قول آخر؟ وما الذي يظهر إذا نقلنا المفهوم من سياقه الأول إلى سياق جديد؟ وما العلاقة التي يمكن اكتشافها بين معرفتين لم تُقرأ من قبل إحداهما من خلال الأخرى؟ وهنا يصبح "التأمل الفاعل" ليس مجرد تأمل، وإنما إعادة تشغيل معرفي من أجل الحصول على معرفة جديدة، وليس ثمّة وقوف!

ثالثًا: الاعتراض المتعلق بالشاهد التاريخي:

هذا الاعتراض الثالث اعتراض وجيه، وسوف نذكره عرضاً دون التوغل فيه، لكن يجب الحذر من صياغته على أنه "برهان" بالمعنى الصارم؛ فحين نقول إن نيوتن أو أينشتاين أو الشافعي أو ابن خلدون يمثلون أمثلة على التوليد المعرفي، فإننا لا نبرهن بذلك وحده على أن نظريّة التوليد صحيحة؛ لأن المثال التاريخي لا يؤسس المبدأ الفلسفي تأسيساً استنباطيّاً. ولكنه يؤدي وظيفة أخرى بالغة الأهمية وهي أن يُظهر أن المفهوم ليس مجرد بناء ذهني منفصل عن تاريخ المعرفة.

والأقوى من ذلك؛ أن اختيار المثال يجب ألا يكون اعتباطياً؛ فمثلًا، إذا أخذنا نيوتن، فلا ينبغي أن نقول ببساطة إنه قرأ معارف سابقة ثم "أبدع" نظرية الجاذبية. الأهم هو أن ننظر إلى الكيفية التي أمكن بها أن تُعاد صياغة مسائل الحركة والأرض والسماء والعلاقة بين القوة والحركة داخل نسق واحد. ها هنا لا تكمن العبقرية في كمية المعلومات وحدها، وإنما في إنتاج علاقة جديدة بين معارف كانت موزعة في سياقات مختلفة، وهو معنى التوليد المعرفي حقيقة.

والأمر نفسه أوضح في نموذج ابن خلدون؛ فقوة فلسفته لا تتمثل في أنه كان أول من عرف التاريخ أو العمران أو السياسة أو الاجتماع، وإنما في أنه أعاد ترتيب هذه المعارف داخل مفهوم مركزي هو العمران، ثم جعل الظواهر التاريخية قابلة للفهم من خلال علاقات وقوانين تتجاوز مجرد سرد الوقائع. لكن المثال الأكثر ملاءمة لنظريّة المعرفة التوليديّة، في ظني، قد يكون الشافعي إذا كان المراد بيان التوليد داخل المعرفة الإسلامية؛ لأن المسألة هنا تصبح أكثر قُرباً من فكرتنا: معارف قرآنية وحديثية ولغوية وفقهيّة كانت موجودة، لكن إعادة النظر في العلاقات بينها وفي شروط الاستدلال منها أنتجت بناءً أصولياً جديداً.

وهنا تظهر المسألة في صورتها العميقة؛ إذ المعرفة الجديدة لا يشترط أن تأتي من مادة جديدة وكفى؛ بل قد تأتي من طريقة جديدة في رؤية المادة القديمة. وإذا كانت هذه بحق هي الجملة التي ينبغي أن تكون في قلب المعرفة التوليدية؛ فإن ثغرة فلسفية حقيقية قد تظهر؛ إذ الثغرة ليست أن النظريّة لم تقدّم أمثلة كافية، ولا أنها لم تعرف "التوليد" بعد تعريفًاً قاموسيّاّ نهائياً. الثغرة تكمن في السؤال التالي: كيف نعرف أن ما يسميه الباحث "معرفة مولَّدة" هو بالفعل معرفة جديدة، وليس مجرد إعادة صياغة لمعرفة سابقة؟ هذه هي العقدة. فإذا قرأ شخص كتابين، ثم جمع بين فكرتين منهما، وقال: لقد أنتجتُ معرفة ثالثة، فمتى يكون هذا توليدًا حقيقيًا ومتى يكون مجرد تركيب أو تلخيص أو إعادة صياغة؟

هنالك نكون بحاجة إلى معيار للجدّة المعرفيّة. ولا يكفي أن تكون النتيجة جديدة بالنسبة إلى القارئ؛ لأن كل شخص يستطيع أن يكتشف علاقة لم ينتبه إليها من قبل. المطلوب أن تكون هناك زيادة معرفيّة يمكن الدفاع عنها مثل: مفهوم جديد، علاقة تفسيرية جديدة، مبدأ جديد، إمكان استدلالي جديد، أو قدرة تفسيرية لم تكن متاحة قبل إعادة التركيب. ثم إن القراءة التوليدية لا تستخرج من النص ما كان فيه فقط وإنما تستنطق ما يمكن أن يصبح فيه عندما يدخل في علاقة معرفية جديدة. فابن رشد مثلاً لم يكن يقول هذا ما قاله أرسطو بل جعل أرسطو يظهر بصورة أخرى هي صورة ابن رشد نفسه، ولذلك سمى الشارح الأكبر، لأن القارئ التوليدي ليس فيلسوفاً يقرأ فيلسوف آخر ويؤثر فيه وإنما فيلسوف يجعل نصاً قديماً يجيب عن سؤال لم يكن مطروحاً في زمنه.

وقد تولد المعرفة من قراءة غير مباشرة فلو أننا قرأنا نيتشه وهو يتحدث عن الرغبات والقوي والدوافع التي تقف خلف الوعي الأخلاقي والعقلاني، وقرأنا فرويد وهو يتحدث من مجال التحليل النفسي، لو قرأنا نيتشه من خلال فرويد أو فرويد من خلال نيتشه لظهر لنا هذا التساؤل: هل الوعي الذي يظن أنه يملك نفسه هو في الحقيقة سطح لبينة عميقة من الدوافع والرغبات؟ لكن هذه المسألة ليست فكرة نيتشه ولا فكرة فرويد. إنها تظهر بشدة عندما تضع معرفتين من حقلين مختلفين في علاقة تفسيرية جديدة.  

وبذلك يصبح التحدي الحقيقي أمام "أبستمولوجيا المعرفة التوليديّة" ليس أن تقول: المعرفة تولِّد معرفة؛ فهذه عبارة يمكن أن تبدو صحيحة بالبداهة حدسياً. وإنما أن تجيب عن السؤال الأصعب: بأي معنى تكون المعرفة الثانية جديدة حقًاً، وكيف يمكن التحقق من أن الانتقال من المعرفة الأولى إلى الثانية كان توليداً ولم يكن تراكماً ولا مجرد إعادة ترتيب؟

إذا أستطاعنا أن نجيب عن هذا السؤال، فإنّ إجابتنا تنتقل بالفعل من استعارة فلسفيّة جميلة إلى نظرية معرفيّة لها جهاز مفهومي قابل للفحص والإعادة والتدوير.

وأظن أن هذا هو المدخل الأقوى لهذه الحلقة التي اقترحنا لها عنوان "كيف تتولد المعرفة عن المعرفة؟"؛ لأن هذه الحلقة لا ينبغي أن تبدأ بتعريف لفظ "التوليد" فحسب، بل ينبغي أن تكشف الآليّة التي تجعل المعرفة السابقة مادةً لإنتاج معرفة لاحقة، ثم تضع معياراً يميز التوليد الحقيقي من مجرد الجمع والتركيب وإعادة الصياغة.

تحديدًا يمكن هنا أن تصبح "القراءة على القراءة" أكثر من منهج للقراءة فقط؛ يمكن أن تتحول إلى نظرية في فائض المعرفة: كما أن رأس المال لا يتحدد بما يملكه من قيمة ساكنة، وإنما بقدرته على أن يدخل في حركة تنتج قيمة زائدة، كذلك المعرفة لا تُقاس فقط بمقدار ما راكمه العقل، وإنما بقدرته على إدخال ما راكمه في حركة فكريّة تنتج فائضاً معرفيّاً. وهذه هي النقلة الفلسفية الحقيقية لنظرية المعرفة التوليديّة: من اقتصاد امتلاك المعرفة إلى دينامية إنتاج المعرفة من المعرفة. إن أهم ما يميز هذا الطرح أنه لا يناقش القراءة بوصفها استقبالاً للنصوص، وإنما يعيد تعريفها بوصفها إنتاجاً للنصوص الكامنة داخل النصوص. فالقارئ الحقيقي، وفق هذا التصور، ليس من يضيف كتاباً إلى مكتبته، وإنما من يجعل كل كتاب يلد كتاباً آخر في عقله.

معيار صدق المعرفة المولدة:

وهنا تبلغ نظريّة المعرفة التوليدية ذروة أصالتها؛ إذ تنتقل بالمعرفة من كونها "مخزوناً" إلى كونها "رأس مال معرفياً" لا يحقق قيمته إلا إذا استثمر نفسه في إنتاج معرفة جديدة. وبهذا المعنى يصبح العقل أشبه بكائن حي؛ كلما نما ازداد قدرة على توليد الحياة الفكرية، لا مجرد الاحتفاظ بآثارها.

معيار صدق المعرفة المولدة يتأتى من قوة الذات العارفة وأصالتها على التحقيق، لأن المعرفة حينئذ لا تكتفي بإنتاج أفكاراً جديدة فقط، بل تعيد تشكيل الذات العارفة نفسها. ومن خلال نموها بالتفاعل الداخلي بين المعارف. وسوف ننتقل في القادم من المعرفة التوليدية إلى العرفان. هل يصح التوليد المعرفي في مجال العرفان؟

(وللحديث بقيّة)

***

د. مجدي إبراهيم – أستاذ فلسفة

 

في المثقف اليوم