عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: إبستمولوجيا القطيعة

قراءة في مفهوم الانفصال المعرفي عند غاستون باشلار وحدوده المنهجية

عندما يُستدعى مفهوم التقدّم في مجال المعرفة يفرض نفسه كتصور مطمئن يرى في العلم سيرورة تراكمية تتعزز فيها الحقيقة عبر تراكم النتائج وتكامل المعطيات. غير أنّ هذا التصور سرعان ما يتعرض للاهتزاز حين يُعاد النظر في تاريخ العلوم من الداخل، حيث لا يظهر التقدم كامتداد سلس بل كمسار متشظٍّ تحكمه الانقطاعات والتحولات العميقة التي تمسّ بنية التفكير ذاتها قبل أن تمسّ موضوعه. فالمعرفة العلمية لا تتشكل بإضافة مكتسبات جديدة إلى بناء ثابت، وإنما تُعاد صياغتها عبر لحظات تفكيك تمسّ الأسس التي كانت تُعدّ بديهية وغير قابلة للنقاش.

ضمن هذا الطرح تتبوأ أطروحة غاستون باشلار موقعا مركزيا في إعادة تعريف العلاقة بين الفكر العلمي وتاريخه. فباشلار لا يتعامل مع العلم بوصفه خطا متصلاً من التراكم بل باعتباره تاريخا من القطيعات الإبستمولوجية التي تفصل بين أنماط تفكير غير قابلة للاختزال إلى بعضها البعض. العقل العلمي في هذا المنظور لا يتطور وفق منطق طبيعي أو تلقائي وإنما يُعاد بناؤه باستمرار عبر صدام مع ما يسكنه من بداهات أولية تتحول في ضوء التحليل النقدي إلى عوائق معرفية. لذلك تأتي أطروحته القائلة إن “المعرفة العلمية تُبنى ضد المعرفة الأولى” بوصفها صياغة مكثفة لفكرة مركزية مفادها أن إنتاج الحقيقة لا يتم إلا عبر تفكيك ما استقر في الوعي بوصفه يقينا سابقا.

هذا التحول في فهم المعرفة لا يقتصر على إعادة رسم صورة العلم بل يطال الأساس الذي تقوم عليه العلاقة بين الفكر والواقع. فالمعرفة لا تُعطي العالم كما هو في معطاه المباشر بل تعيد إنتاجه ضمن شبكات مفهومية تُعيد تشكيل موضوعها بقدر ما تدّعي اكتشافه. ويغدو العقل العلمي ممارسة نقدية دائمة تتأسس على مسافة من التجربة المباشرة وتشتغل على تفكيك ما يبدو بديهيا داخلها. وهذا ما يجعل من المشروع الباشلاري امتدادا نقديا لتيارات فلسفية كشفت الطابع غير الشفاف للمعرفة، وهو ما يلتقي في بعض وجوهه مع ما أشار إليه فريدريك نيتشه حول كون ما يستقر في الوعي يتشكل غالبا خارج سلطة البرهان عبر ترسبات تاريخية من القناعات غير المفكَّر فيها.

غير أنّ مركزية مفهوم القطيعة رغم قوته التفسيرية تفتح سؤالا دقيقا يتعلق بحدوده المنهجية. فإذا كانت المعرفة العلمية لا تتقدم إلا عبر الانفصال عن مراحلها السابقة فكيف يمكن الحفاظ على معنى تاريخي متماسك للعلم؟ إنّ المبالغة في إبراز الانقطاعات قد تؤدي إلى تفكيك تاريخ العلم وإلى وحدات منفصلة تفقد معها إمكانية بناء سردية مفهومية قادرة على الفهم. ويبرز هنا تحليل توماس كون الذي بيّن أن التحولات العلمية الكبرى لا تحدث ضمن استمرارية تراكمية بل عبر تغيّر جذري في الأطر الإرشادية بما يجعل العلماء ينتمون إلى أنماط مختلفة من الرؤية قبل التحول وبعده دون أن ينفي ذلك وجود استمراريات وظيفية داخل فترات الاستقرار العلمي.

تتجلى أهمية باشلار في كونه يرفض التلطيف التوفيقي الذي يسعى إلى دمج التحولات العلمية داخل سردية خطية للتقدم. بيد أنّ هذا الرفض رغم ضرورته النقدية لا يمكن أن يُفهم بوصفه إطلاقا لمبدأ القطيعة إلى حدّ يصبح معه كل اتصال بين المراحل المعرفية مستحيلا. فالإبستمولوجيا الباشلارية في قوتها تكشف أن العلم يتقدم عبر هدم تمثلاته الأولى لكنها في الآن ذاته تحتاج إلى مساءلة دقيقة حتى لا تتحول القطيعة إلى مفهوم مطلق يهدد إمكانية فهم التاريخ العلمي ذاته.

من هذا التوتر بين قوة المفهوم وحدوده تتحدد الإشكالية المركزية لهذا المقال الذي يسعى إلى قراءة مفهوم الانفصال المعرفي عند باشلار قراءة نقدية مزدوجة، تُقرّ بضرورته في فهم دينامية العلم وتكشف في الوقت نفسه عن الحدود التي تمنع تحويله إلى مبدأ شمولي مغلق بما يسمح بإعادة التفكير في معنى التقدم العلمي خارج ثنائية الاستمرارية الساذجة والانفصال الكلي.

ينطلق التفكير في القطيعة الإبستمولوجية من رفضٍ حاسم للصورة المطمئنة التي تقدّم تاريخ العلم كسيرورة تراكميّة هادئة. هذه الصورة على ما فيها من جاذبية تُخفي تعقيدا لا يستقيم معه القول بتدرّجٍ خطّي تتكاثر فيه المعارف دون أن تُمسّ أسسها. فتاريخ العلوم عند الفحص يكشف عن انقلابات تزعزع ما بدا راسخا، وعن تحوّلات تُعيد صياغة شروط الفهم ذاتها قبل أن تضيف نتائج جديدة. وتُفهم القطيعة هنا لا كحدث عرضي بل كشرط داخلي لإنتاج معرفة تملك حدا من الصرامة يسمح لها بأن تُسمّى علما.

يكتسب هذا التصور صياغته الأكثر راديكالية عند غاستون باشلار الذي أعاد ترتيب العلاقة بين العقل وتاريخه وجعل من الصدام مع المعرفة الأولى لحظة تأسيسية لا يمكن تجاوزها. لا يتعامل باشلار مع العقل بوصفه جهازا يتلقّى المعطيات، بل كقوة نقدية تُعيد بناء موضوعها عبر مقاومة ما يسكنها من تمثلات أولية. تلك التمثلات لا تُدرك في الغالب بوصفها أخطاء بل تُمارَس كحقائق بديهية وتكتسب قوتها من اندماجها في التجربة اليومية وفي اللغة المشتركة. لهذا السبب لا يَعدّها عائقا خارجيا يمكن تجاوزه بسهولة بل بنية داخلية تفرض نفسها على التفكير من حيث لا يشعر.

العائق الإبستمولوجي في هذا المنحى ليس جهلا بسيطا بل معرفة مغلوطة تلبس لبوس اليقين وخطورته تكمن في أنّه يعمل من داخل الفكر ويمنح نفسه شرعية لا تُسائل. لذلك يذهب باشلار إلى أنّ “العلم يتقدّم ضد ما يعرفه الإنسان من قبل”، جاعلا من المواجهة مع المعرفة السابقة شرطا لبناء معرفة جديدة. ولا يتعلق الأمر بإضافة تصحيح جزئي بل بعملية تفكيك تطال الجهاز المفهومي الذي أفرز تلك المعرفة. هذا التصور يبدّل موقع الخطأ من الهامش إلى القلب فيغدو عنصرا بنيويا داخل تاريخ الحقيقة لا مجرد عثرة عرضية.

يُفضي هذا التحليل إلى نقد حادّ للتجربة المباشرة التي طالما اعتُبرت منطلقا طبيعيا للمعرفة. الحسّ في نظر باشلار لا يقدّم معطيات شفافة بل يُغرق الفكر في صور أولية تُخفي تعقيد الواقع. العين ترى وفق أنماط من التمثيل تسبقها واللمس لا يقدّم يقينا خالصا بل يُعيد إنتاج أوهامٍ تستمد قوتها من الألفة. لذلك لا يكفي الشك في الحواس كما فعل رينيه ديكارت بل يلزم تجاوزها عبر بناء مفاهيم تُفكّك ما تمنحه من يقين. القطيعة هنا لا تعني مجرّد احتراز بل إزاحة جذريّة لموقع التجربة الأولى داخل مسار المعرفة.

اللغة تدخل بدورها ضمن هذا النقد إذ تُحمِّل المفاهيم بتراث طويل من الاستعمالات اليومية التي تفرض حدودا خفية على التفكير. الكلمات لا تأتي بريئة بل مشحونة بتاريخ من المعاني التي قد تُربك الدقّة العلمية، لذلك يطالب باشلار بإعادة بناء الجهاز اللغوي بما يوافق متطلبات العلم لا بما ينسجم مع العادة. هذا الوعي يجد صدى عند لودفيغ فيتغنشتاين الذي نبّه إلى ارتباط المعنى بأشكال الاستعمال غير أنّ باشلار يمنح المسألة بُعدا إبستمولوجيا صارما، لأن الرهان لا يقتصر على توضيح المعنى بل يتعلّق بإنتاج معرفة دقيقة لا تسمح للالتباس بالتسرّب.

يأخذ العقل العلمي تبعا لذلك صورة فاعلية بنائية تُشيّد موضوعها بدل أن تكتفي باكتشافه. الذرّة، الحقل، الموجة، مفاهيم لا تُستمد من التجربة المباشرة بل تُنتج داخل نسق نظري معقّد. ما يُسمّى “الواقع العلمي” ليس معطى جاهزا بل حصيلة عمل مفهومي طويل يقتضي القطيعة مع تمثلات الحسّ. هذا التحوّل يتجلّى بوضوح في الفيزياء الحديثة حيث لم يعد المكان والزمان إطارين بديهيين بل بنيتين أعاد ألبرت أينشتاين صياغتهما على نحو قلب الفهم الكلاسيكي. يبين هذا أنّ القطيعة لا تخصّ مضمون المعرفة فحسب بل تمتد إلى الشروط التي تسمح بتشكّلها.

ولا تُختزل القطيعة في لحظة واحدة بل تتوزّع عبر مسار من التصحيحات المتتالية. الخطأ لا يُلغى دفعة واحدة بل يُعاد توظيفه داخل سيرورة تُقوّم نفسها باستمرار. لهذا يؤكد باشلار أنّ “الحقيقة العلمية هي تاريخ أخطائها المصحّحة” واضعا الخطأ في قلب البناء المعرفي. هذه الفكرة تمنح للمعرفة طابعا ديناميا وتُخرجها من وهم الاكتمال. كل نظرية تحمل في داخلها إمكانية تجاوزها وكل يقين يظلّ مفتوحا على مراجعة لاحقة.

إلا أنّ هذا الإلحاح على القطيعة يثير مفارقة دقيقة تتعلق بطبيعة الانفصال ذاته. فالهدم الذي يطال تمثلات سابقة لا يتم من فراغ إذ يستند إلى عناصر تُعاد صياغتها داخل أفق جديد. القطيعة لا تعني محوا تاما بل إعادة ترتيب للبنية بحيث تستمر بعض المكونات في صورة مختلفة. ويظهر هذا أن الانفصال المعرفي لا يرقى إلى انقطاع مطلق بل يتخذ شكل تحوّل يُبقي على أثر لما سبقه دون أن يخضع له.

هذا التوتر يتبدّى أكثر عند مقارنة المشروع الباشلاري بمقاربات أخرى في فلسفة العلم. توماس كون يقرّ بوجود تحوّلات جذرية عبر ما سمّاه “التحوّل النموذجي”، غير أنّه يلحظ داخل فترات الاستقرار نوعا من الاستمرارية التي تسمح بتراكم المعرفة داخل إطار معيّن. باشلار في المقابل يمنح القطيعة دورا مركزيا يجعلها المحرّك الأساسي للتاريخ العلمي. الاختلاف لا يقتصر على درجة التأكيد بل يمسّ تصور العقل ذاته: هل هو مسار يتخلّله الانقطاع أم انقطاع يتخلّله شيء من الاستمرار؟

تتأكد أهمية القطيعة من قدرتها على تحرير الفكر من سطوة البداهة. المعرفة الأولى بما تحمله من يقين قد تتحوّل إلى قيد يمنع التفكير من الانفتاح. القطيعة تفكّ هذا القيد وتُعيد للفكر حركته. مع ذلك لا يمكن تحويلها إلى مبدأ مطلق لأن الإفراط فيها قد يُفضي إلى تفكيك التاريخ العلمي إلى لحظات منفصلة لا رابط بينها. الإبستمولوجيا تحتاج إلى قدر من التوازن يسمح بفهم التحوّلات دون أن يفقد إمكان الربط بينها.

ينبغي الانتباه إلى أنّ القطيعة ليست قرارا ذاتيا يتخذه الباحث بل نتيجة لمسار من التوترات داخل الحقل العلمي نفسه. الأزمات التي تعجز فيها النظريات عن تفسير الظواهر تدفع إلى مراجعة الأسس وتفتح المجال أمام بناء جديد. هذا ما يجعل القطيعة مرتبطة بالبنية الداخلية للعلم لا بموقف خارجي منه. هي استجابة لضرورة معرفية لا مجرّد نزعة إلى التجديد.

ويتجلّى أثر القطيعة أيضا في إعادة تحديد العلاقة بين النظرية والتجربة. التجربة لا تُقدّم معطيات جاهزة تُفسَّر لاحقا بل تُصاغ داخل أفق نظري يحدّد ما يُرى وكيف يُقاس. الأجهزة العلمية نفسها تُصمَّم وفق تصوّرات مسبقة فتُنتج معطيات لا يمكن فصلها عن الإطار الذي نشأت فيه. القطيعة تقتضي مراجعة هذا الإطار وإعادة بناء العلاقة بين ما يُفكَّر فيه وما يُختبَر.

ينفتح هذا التحليل على إعادة مساءلة مفهوم الموضوعية؛ إذ لا تُفهم بوصفها مطابقةً مباشرة بين الفكر والواقع كما هو، بل بوصفها قدرةً إبستمولوجية على تشييد نماذج تفسيرية تتجاوز بداهات التجربة الأولى وأوهامها. وتصير الموضوعية حصيلةَ جهدٍ نقديّ متواصل يروم تفكيك العناصر غير المفكَّر فيها التي تتسلل إلى المعرفة دون وعي. وتؤدي القطيعة دورا حاسما بما تتيحه من إعادة توجيه للنظر نحو الشروط العميقة التي يتكوّن ضمنها المعنى. ولا يمكن فهم القطيعة خارج بعدها التاريخي، فكل لحظة علمية تحمل آثار ما سبقها حتى في لحظة الانفصال. هذا التداخل يجعل من الصعب رسم حدود فاصلة بشكل قاطع. القطيعة تُفهم كعملية لا كحدث مغلق. هي حركة انتقال تُعيد توزيع العناصر داخل بنية جديدة مع الاحتفاظ ببعض الاستمرارية التي تضمن قابلية الفهم.

هذا الطابع المركّب يفرض التعامل مع القطيعة بحذر منهجي. الإقرار بدورها لا يستدعي إطلاقها إلى حدّ إلغاء كل تواصل كما أنّ الدعوة إلى الاستمرارية لا تبرّر تجاهل الانقلابات الحاسمة. المطلوب قراءة مزدوجة تلتقط لحظات الانفصال وتفهم في الآن نفسه آليات الترابط، بهذا وحده يمكن بناء تصور متماسك لتاريخ العلم. ويظهر مشروع باشلار كدعوة إلى يقظة نقدية دائمة. فالعقل العلمي لا يركن إلى يقين ولا يطمئن إلى بداهة. وكل معرفة تظلّ عرضة للمراجعة وكل مفهوم قابل لإعادة البناء. القطيعة تمنح هذه الدينامية معناها لأنها تُبقي الفكر في حالة حركة وتمنعه من الانغلاق داخل تصوّرات نهائية. ويبقى السؤال معلقا حول حدود هذا المفهوم، إلى أي مدى يمكن الدفاع عن القطيعة دون الوقوع في تفتيت التاريخ؟ وأي شكل من الاستمرارية يمكن قبوله دون العودة إلى سذاجة التراكم؟ هذه الأسئلة لا تُضعف أطروحة باشلار بل تكشف عن خصوبتها لأنها تفتح المجال لنقاش لا ينتهي حول طبيعة المعرفة وشروط إمكانها.

ويتضح لنا أن القطيعة الإبستمولوجية لا تختزل في شعار نظري بل تشكّل أداة تحليل تكشف البنية العميقة للفكر العلمي. فقوتها تتجلى في قدرتها على تفكيك البداهات وحدودها تظهر في صعوبة ضبطها ضمن تصور شامل. بين هذين القطبين يتحرك التفكير باحثا عن توازن يسمح بفهم العلم كمسار يتشكل عبر انكسارات متتالية دون أن يفقد معناه التاريخي.

يُفضي الإقرار بقوة القطيعة الإبستمولوجية إلى ضرورة مساءلة حدودها من داخلها لا من خارجها. فالفكرة التي تمنحها قيمتها النقدية أي فكّ الارتباط مع البداهات التي قد تنقلب إلى مبدأ مفرط في الحسم إذا جرى التعامل معها كقانون شامل يفسّر كل تحوّل علمي. يظهر التوتر الذي يسكن التصور الباشلاري نفسه هنا، حيث هو توتر بين رغبة في تحرير الفكر من أثقال المعرفة الأولى وخشية من أن يتحول هذا التحرير إلى قطيعة مع كل إمكانية للفهم التاريخي المتماسك. فالمعرفة لا تولد في فراغ ولا تنشأ من عدم خالص بل تتشكل داخل سياق تتداخل فيه عناصر سابقة تُعاد صياغتها في أفق جديد.

هذا التداخل يفرض إعادة التفكير في معنى الانفصال المعرفي، لأن القطيعة مهما بلغت حدّتها لا تستطيع محو أثر سبقها. ما يحدث في التحولات العلمية الكبرى ليس انقطاعا تاما بل إعادة ترتيب للمعقولية نفسها. المفاهيم لا تختفي دفعة واحدة بل تتبدل مواقعها وتتراجع أو تُعاد صياغتها داخل شبكة دلالية مغايرة. في هذا المستوى يصير الانفصال عملية معقدة تتضمن لحظة هدم ولحظة إعادة تركيب بما يجعل من القطيعة حدثا مركبا لا يُختزل في صورة سلبية.

تُظهر قراءة تاريخ الفيزياء أن التحول من الميكانيكا الكلاسيكية إلى النسبية لم يكن مجرد رفض لمفاهيم المكان والزمان، بل إعادة تحديد لوظيفتهما داخل تصور جديد. ألبرت أينشتاين لم يُلغِ مفاهيم سابقة بقدر ما أعاد بناءها وفق علاقات مختلفة، فالمكان لم يعد إطارا مطلقا والزمان لم يعد مستقلا عن الحركة ومع ذلك ظلّ الاثنان حاضرين داخل النظرية الجديدة وإن بصورة مغايرة. هذا المثال يكشف أن القطيعة لا تعني الإلغاء الكلي بل إعادة إدراج عناصر سابقة ضمن بنية جديدة تُعيد توزيع المعنى.

هذا الفهم يضعنا أمام صعوبة منهجية دقيقة. فالإصرار على القطيعة بوصفها انفصالا جذريا قد يقود إلى تفكيك تاريخ العلم وإلى وحدات منفصلة كل منها مكتفية بذاتها، وهو ما يجعل من الصعب إدراك الترابط الذي يسمح بفهم هذا التاريخ. في المقابل فالتخفيف من حدّة القطيعة باسم الاستمرارية قد يُعيد إنتاج وهم التراكم الذي سعى غاستون باشلار إلى تقويضه. بين هذين القطبين يتحدد المجال الذي ينبغي الاشتغال فيه، مجال لا يقبل الحسم النهائي بل يستدعي تفكيرا دقيقا يوازن بين الانفصال والاتصال.

لقد حاول توماس كون أن يقدّم صيغة تسمح باستيعاب هذا التوتر عبر مفهوم “التحول النموذجي”. الانتقال من نموذج إلى آخر لا يتم عبر تراكم بسيط بل عبر انقلاب في الرؤية يجعل العلماء يرون العالم بطريقة مختلفة. مع ذلك لا ينفي كون وجود استمرارية داخل فترات الاستقرار حيث تُمارَس العلوم ضمن أطر محددة تسمح بتراكم المعارف. هذا التصور يخفّف من حدّة القطيعة دون أن يُلغيها لكنه يظلّ بدوره عرضة للنقد لأنه يحتفظ بإمكانية التوفيق بين ما يبدو غير قابل للتوفيق.

الرهان الحقيقي لا يكمن في اختيار أحد الموقفين بل في إدراك أن القطيعة نفسها تحتاج إلى تفكير في شروط إمكانها. القطيعة لا تقع إلا داخل سياق يسمح بوقوعها، وهذا السياق لا يختفي مع التحول بل يستمر في صورة آثار تظلّ حاضرة داخل البناء الجديد. لذلك فإن الحديث عن انفصال مطلق يغفل هذا البعد ويحوّل القطيعة إلى مفهوم فارغ من مضمونه التاريخي.

يدعو هذا المسار إلى مراجعة التصوّر الشائع للعقل العلمي. فالعقل لا يسير في خط مستقيم ولا يتحقق عبر قفزات معزولة بل يتشكّل ضمن حركة مركّبة تتقاطع فيها لحظات الانكسار مع أشكال من الاستمرار. ليست القطيعة محواً خالصاً لما قبلها إذ تظل آثار الماضي مندمجة في بنيتها، كما أن الاستمرارية لا تعني ثباتاً ساكناً بل تنطوي على إمكان التحوّل والانفصال. ويتبيّن مما سبق أن التفكير في العلم أكثر تعقيداً لأنه يتجاوز التقابلات المبسّطة التي تفصل فصلاً حاداً بين الانقطاع والتراكم ويفتح المجال لفهم دينامية المعرفة بوصفها سيرورة تتداخل فيها التحوّلات مع الامتدادات في آن واحد. وتكتسب فكرة العائق الإبستمولوجي دلالة أعمق، فالعائق لا يُزال نهائيا بل يُعاد إنتاجه في أشكال جديدة. وكل معرفة تحمل في داخلها إمكانية التحول إلى عائق أمام معرفة لاحقة، وهو ما يجعل من القطيعة عملية لا تنتهي. هذا الطابع اللانهائي يمنح للمعرفة طابعا ديناميا لكنه يطرح في الآن نفسه سؤالا حول حدود هذه الدينامية. إلى أي مدى يمكن للعلم أن يظلّ في حالة قطيعة دائمة دون أن يفقد استقراره الداخلي؟ ولا يمكن إغفال البعد التاريخي والمؤسساتي في هذا النقاش حيث التحولات العلمية لا تحدث داخل الذهن الفردي فقط، بل تتشكل داخل جماعات علمية لها تقاليدها وأدواتها. القطيعة في هذا الاتجاه لا تعني مجرد تغيير في الأفكار بل إعادة تنظيم للحقل العلمي نفسه. وهذا ما يجعل من الانفصال المعرفي حدثا مركبا يتداخل فيه المعرفي مع الاجتماعي دون أن يُختزل أحدهما في الآخر.

ويتضح من خلال ذلك أن مفهوم القطيعة يحتاج إلى ضبط دقيق يجنّبه السقوط في إطلاقية غير مبررة. القطيعة تملك قوة تفسيرية كبيرة حين تُستخدم للكشف عن لحظات التحول الجذري لكنها تفقد هذه القوة إذا تحولت إلى مبدأ شامل يُطبّق دون تمييز. المطلوب إذن ليس التخلي عنها بل إعادة تحديد مجالها بما يسمح باستثمارها دون الوقوع في مبالغة نظرية.

هذا التحديد يقتضي الانتباه إلى مستويات مختلفة داخل المعرفة. القطيعة قد تكون حادة على مستوى المفاهيم لكنها أقل وضوحا على مستوى التقنيات أو الممارسات. وقد يحدث تحول جذري في الإطار النظري مع استمرار أدوات البحث نفسها أو العكس. وهذا التفاوت يجعل من الصعب الحديث عن قطيعة واحدة شاملة ويستدعي مقاربة أكثر مرونة تأخذ بعين الاعتبار تعدد المستويات.

إنّ الدفاع عن القطيعة لا يعني تبنّي خطاب عدمي يقطع مع كل تاريخ، بل يعبّر عن وعي بأن المعرفة لا تتقدّم دون مراجعة جذرية لأسسها. غير أن هذا الدفاع يظلّ ناقصا إذا لم يُرفق بإدراك للحدود التي لا ينبغي تجاوزها. القطيعة في أقصى تعبيراتها تظلّ مرتبطة بإمكانية الفهم، لأن العلم لا يفقد معناه إلا إذا استحال إلى سلسلة من الانفصالات غير القابلة للربط. وتتضح الحاجة إلى تصور مركّب يسمح بفهم القطيعة كحركة داخل التاريخ لا كخروج عنه. القطيعة تُعيد تشكيل التاريخ بدل أن تلغيه وتمنح له دينامية جديدة بدل أن تفككه. هذا التصور يفتح أفقا للتفكير في العلم باعتباره مسارا يتجدد باستمرار دون أن يفقد خيطه الناظم.

تنتهي هذه القراءة المتواضعة إلى خلاصة لا تحتمل الاختزال في صيغة مبسّطة أو حكم نهائي، فالقطيعة الإبستمولوجية تمثل أحد أكثر المفاهيم قدرة على كشف دينامية العلم لأنها تضع اليد على تلك اللحظات التي ينقلب فيها التفكير على ذاته ويعيد بناء شروطه. غير أن هذه القوة نفسها تحمل خطرا إذا تحولت إلى مبدأ مطلق يُطبّق دون تمييز، لأن المعرفة في تعقيدها لا تقبل أن تُختزل في نموذج واحد يفسّر كل تحول.

ويظلّ فضل غاستون باشلار قائما في أنه أعاد للفكر العلمي توتره وأخرجه من وهم الاستمرارية المريحة وجعل من الخطأ عنصرا إيجابيا داخل بناء الحقيقة. هذا الإنجاز لا يمكن التقليل من شأنه لأنه فتح أفقا جديدا لفهم العلم خارج التصورات التقليدية. مع ذلك فإن هذا الأفق يحتاج إلى استكمال لا عبر نقضه بل عبر تعميقه وتحديد حدوده وتبيّن أن الانفصال المعرفي لا يتحقق في صورة قطيعة مطلقة بل في صورة تحول يعيد توزيع العناصر داخل بنية جديدة. هذا التحول يسمح بالحفاظ على قدر من الاستمرارية دون السقوط في وهم التراكم.

المعرفة لا تنفصل عن ماضيها بشكل تام لكنها لا تخضع له أيضا. إنها تتحرك في فضاء تتداخل فيه الذاكرة مع الابتكار والقطع مع الامتداد.

القضية لا تتعلق بإثبات القطيعة أو نفيها بل بفهمها ضمن حدودها الفعلية. هذا الفهم يقتضي التخلي عن التصورات الحدّية التي ترى في العلم إما تراكما خالصا أو انقطاعا تاما. ما يظهر من خلال التحليل أن الحقيقة العلمية تتشكل عبر توازن دقيق بين لحظات الهدم ولحظات البناء، بين الانفصال الذي يحرر الفكر والاستمرارية التي تمنحه قابلية الفهم.

ضمن هذا التشكّل المفاهيمي يصير التفكير في إبستمولوجيا القطيعة مدخلا لإعادة النظر في طبيعة العقل نفسه. العقل لا يمتلك يقينا نهائيا ولا يستقر عند حدّ بل يظلّ في حركة دائمة تُعيد صياغة أسئلته وأدواته. هذه الحركة لا يمكن اختزالها في نموذج واحد لكنها تكشف عن طابع أساسي في المعرفة: قابليتها الدائمة للتجاوز. تلك القابلية لا تعني الفوضى بل تعني الانفتاح. الانفتاح على إمكانات جديدة، على طرق أخرى للفهم وعلى مفاهيم لم تكن متصوّرة من قبل. القطيعة هنا ليست نهاية بل بداية متجددة، لحظة تتيح للعقل أن يعيد التفكير في نفسه وأن يختبر حدوده دون أن يتوقف عن البحث.

ويبقى السؤال مفتوحا لا بوصفه نقصا بل كشرط لاستمرار الحياة الفكرية. فكل محاولة لإغلاقه تعني نهاية التفكير وكل إبقاء عليه يعني استمرار الحركة. بين هذين الحدّين يتحرك العلم لا كمسار مكتمل بل كرحلة لا تنتهي نحو فهم يتجدد مع كل قطيعة ويُعاد بناؤه مع كل بداية.

*** 

حمزة مولخنيف