أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: تمثلات الجسد في الفلسفة المعاصرة
السلطة والهوية وإشكالات التجربة المتجسدة
يَظهر الجسد في تاريخ الفكر الإنساني بوصفه أحد أكثر المفاهيم التباسا وإثارة للأسئلة، ليس لأنه مجرد كيان ماديّ يشغل حيّزا في العالم، بل لأنه الموضع الذي تتقاطع فيه التجربة الحسية مع المعنى والذات مع المجتمع، والحرية مع السلطة. فالجسد لم يكن يوما معطى طبيعيا خالصا، بل كان دوما محمّلا بالرموز ومشروطا بالخطابات، ومؤطرا بأنماط الفهم التي أنتجتها الفلسفة والدين والعلم والسياسة. إنه ليس “ما نملك”، بل “ما نكونه” بقدر ما نختبر العالم وننخرط فيه، ولذلك ظلّ الجسد مرآةً دقيقة لتحولات الوعي الإنساني، وللطرائق التي بها يفهم الإنسان ذاته وحدوده وإمكاناته.
في الفلسفة الكلاسيكية ولا سيما ضمن الحقل الديكارتي، تمّ النظر إلى الجسد باعتباره مجرد امتداد مادي، وآلة صامتة خاضعة لنواميس الطبيعة، في مقابل العقل الذي أُسندت إليه حقيقة الذات وجوهرها. ولم يكن هذا التمييز بين الجوهر المفكِّر والجوهر الممتدّ مجرد فصل أنطولوجي بين نمطين من الوجود، بل انطوى على تقريرٍ ضمني لهيمنة الوعي على الجسد، وعلى إمكان اختزال هذا الأخير في الحركة والوظيفة. وقد صاغ ديكارت هذا الموقف بوضوح حين اعتبر أن الشك يمكن أن يطال كل شيء باستثناء حقيقة التفكير ذاتها، في حين يظل الجسد قابلاً للتصوّر بوصفه شيئا خارجا عن جوهر الذات. غير أن هذا التصور على الرغم مما ينطوي عليه من صرامة منهجية وقوة تأسيسية، أفضى إلى تهميش التجربة الجسدية، وإلى إقصاء الجسد من دائرة إنتاج المعنى والمعرفة، ليغدو مجرد حاضنة للروح لا أكثر.
إلا أن الفكر الحديث والمعاصر ما لبث أن أعاد مساءلة هذا الإرث، انطلاقا من وعي متنامٍ بأن الجسد ليس عنصرا عرضيا أو هامشيا في تكوّن الذات، بل شرطا أساسا لإمكانها. فمع التحول الوجودي والظاهراتي، لم يعد الإنسان يُفهم كوعي خالص يقف بإزاء العالم من موقع علوي، بل ككائن منخرط في العالم متجسّد فيه يختبر الزمان والمكان عبر جسده. وقد بلور هايدغر هذا المنعطف حين شدّد على أن الإنسان ليس ذاتا تواجه العالم، بل هو في جوهره “كائن-في-العالم”، وأن الفهم لا يسبق التجربة الجسدية بل يتشكّل في صلبها. ولا يعود الجسد موضوعا للوعي أو تابعا له، بل يغدو أفق الوجود نفسه، والمنفذ الذي تنفتح عبره المعاني، وتُبنى من خلاله علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين
هذا التحول يتعمّق مع ميرلو-بونتي، الذي رأى أن الجسد ليس شيئا نمتلكه، بل هو أسلوب وجودنا في العالم. فالإدراك في نظره ليس عملية عقلية خالصة، بل تجربة جسدية متجسّدة، حيث لا نفهم الأشياء إلا بقدر ما نلمسها ونراها ونتحرّك بينها. الجسد هو “نقطة الصفر للعالم”، وهو الوسيط الذي يجعل العالم قابلا للظهور أصلا. إذ يصبح الجسد لغةً صامتة وتعبيرا قبل التعبير ودلالةً تسبق المعنى المفهومي. وقد لخّص ميرلو-بونتي هذا المعنى حين قال إن الجسد “ليس موضوعا في العالم، بل وسيلة وجودنا فيه”.
غير أن استعادة الجسد في الفلسفة لم تتوقف عند البعد الوجودي أو الظاهراتي، بل سرعان ما انتقلت إلى تحليل علاقته بالسلطة والخطاب. وهنا تبرز مساهمة ميشيل فوكو بوصفها منعطفا حاسما في فهم الجسد المعاصر. فالجسد عند فوكو ليس معطى طبيعيا بريئا بل هو نتاج تاريخي، يتشكّل عبر شبكات معقّدة من السلطة والمعرفة. فالمؤسسات الحديثة من المدرسة إلى المستشفى ومن الثكنة إلى السجن لا تكتفي بتنظيم السلوك، بل تعمل على “تطويع” الأجساد وضبطها وإنتاجها وفق معايير محددة. والسلطة لا تُمارَس فقط من الأعلى إلى الأسفل، بل تتسرّب إلى أدق تفاصيل الحياة اليومية، فتستقر في الحركات والإيماءات وأنماط الجلوس والمشي والنظر.
في كتابه “المراقبة والعقاب”، يبيّن فوكو كيف تحوّل الجسد في المجتمعات الحديثة، إلى هدف مباشر لتقنيات الانضباط، حيث لم تعد السلطة تعاقب الجسد علنا كما في العصور السابقة، بل صارت تُعيد تشكيله وتُدرّبه وتُخضعه لمنطق النفع والطاعة. الجسد هنا يصبح “سطحا تُكتب عليه السلطة”، ونصا يمكن قراءته بوصفه سجلا للتاريخ الاجتماعي والسياسي. وكما يقول فوكو، فإن “السلطة تُنتج الواقع، وتُنتج مجالات للموضوعات وطقوسا للحقيقة”، والجسد هو أحد أهم هذه المجالات.
هذا التحليل يفتح الباب لفهم الجسد لا بوصفه ضحية سلبية للسلطة فحسب، بل بوصفه أيضا موقعا لإنتاجها وإعادة إنتاجها. فالجسد لا يتلقى السلطة فقط، بل يشارك من خلال ممارساته اليومية في تثبيتها أو زعزعتها. حيث يصبح الجسد ساحة صراع رمزي حين تتواجه أنماط الطاعة والمقاومة والامتثال والانفلات. وهذه الرؤية تجعل من الجسد نصا اجتماعيا وسياسيا يمكن تفكيكه وتأويله تماما كما تُفكّك الخطابات والنصوص.
ويتقاطع هذا المنظور مع ما ذهب إليه بيير بورديو حين تحدّث عن “الهابيتوس”، أي تلك البنيات المتجسّدة التي تتكوّن عبر التنشئة الاجتماعية، وتترسّخ في الجسد قبل أن تُصاغ في الوعي. فالجسد يحمل آثار الطبقة والذوق والسلطة الرمزية، ويعبّر عنها من خلال أسلوب الوقوف وطريقة الكلام ونمط الحركة. ما يبدو طبيعيا وبديهيا هو في الحقيقة نتاج تاريخ اجتماعي طويل، استقرّ في الجسد حتى صار غير مرئي.
ويكشف التحليل النفسي عن بُعد إضافي للجسد حيث لا يعود مجرد سطح خارجي للسلطة الاجتماعية، بل مسرحا للصراعات الداخلية والرغبات المكبوتة. فرويد حين ربط بين الجسد واللاوعي، بيّن أن الأعراض الجسدية ليست دائما نتاج خلل عضوي، بل قد تكون تعبيرا رمزيا عن صراعات نفسية غير واعية. الجسد في هذه القراءة يتكلّم حين يعجز اللسان عن الكلام، ويُفصح عن توتّرات الذات وانقساماتها. أما لاكان فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الجسد نفسه يتشكّل داخل النظام الرمزي، وأن علاقتنا بأجسادنا ليست مباشرة، بل تمرّ عبر اللغة والصورة والآخر.
هذا التداخل بين الجسد والنفس واللغة يعمّق فكرة أن الجسد ليس معطى طبيعيا ثابتا بل بناءٌ معقّد، يتغيّر بتغيّر السياقات الثقافية والاجتماعية. وقد التقطت الفلسفة النسوية هذا المعطى واشتغلت عليه بوصفه مفتاحا لفهم علاقات الهيمنة الجندرية. فالجسد الأنثوي في تاريخ طويل من الخطابات، لم يُنظر إليه بوصفه ذاتا مكتملة، بل بوصفه موضوعا للنظر والضبط والتقويم. وقد عبّرت سيمون دي بوفوار عن هذا المعنى بقولها الشهير: “لا يُولد الإنسان امرأة، بل يُصبح كذلك”، مشيرة إلى أن الجسد لا يحدّد المصير، بل يُعاد تفسيره داخل شبكة من التوقعات والمعايير الاجتماعية.
يصبح الجسد موقعا لتقاطع السلطة بالهوية، حيث لا تُفرض المعايير من الخارج فقط بل تُستبطن ويُعاد إنتاجها من داخل الذات. جوليا كريستيفا في تحليلها للهوية والجسد، تبيّن أن الجسد يحمل آثار القلق والاختلاف والانشطار، وأنه لا يمكن فهمه دون استحضار البعد النفسي والرمزي الذي يشكّله. أما لوسي إيرغاري فقد شدّدت على أن الفكر الغربي طالما قرأ الجسد الأنثوي من منظور ذكوري، وحوّله إلى “آخر” صامت، لا يمتلك لغته الخاصة. يصبح تحرير الجسد شرطا لتحرير المعنى وإعادة التفكير في الذات والاختلاف.
ويتّسع هذا التحليل حين ننتقل إلى الفلسفة ما بعد البنيوية، حيث يُنظر إلى الجسد بوصفه نصا مفتوحا، قابلا لإعادة الكتابة والتأويل. رولان بارت في تحليله للعلامات، بيّن أن الجسد لا يخلو من الدلالة، وأنه يحمل شبكة من العلامات التي يمكن قراءتها ثقافيا وسياسيا. الجسد هنا ليس حضورا خاما، بل علامة داخل نظام من العلامات، تتغيّر دلالتها بتغيّر السياق. طريقة اللباس ونمط الحركة وحتى الصمت، كلها عناصر تشكّل خطابا جسديا، يُفصح عن موقع الفرد داخل البنية الاجتماعية.
هذا الفهم يقرّب الجسد من الأدب والفن، حيث يصبح وسيطا للتعبير لا مجرد موضوع للوصف. في الشعر والرواية والمسرح، الجسد ليس عنصرا ثانويا بل حاملا للتجربة الوجودية وللتوتر بين الرغبة والمنع والحرية والحدّ. وقد عبّر نيتشه بأسلوبه الاستفزازي، عن مركزية الجسد حين قال: “وراء أفكارك ومشاعرك، يقف سيدٌ قويّ حكيمٌ مجهول اسمه الجسد”. بحيث لا يعود الجسد عائقا أمام الفكر، بل شرطا لإمكانه، ومصدرا لقوته واندفاعه.
إن الجسد في ضوء هذه التحولات لا يمكن اختزاله في بعد واحد، ولا فهمه خارج شبكة العلاقات التي تحيط به. إنه في آنٍ واحد تجربة ذاتية وبناء اجتماعي ومجال للسلطة وموقع للمقاومة. الجسد هو المكان الذي تُختبر فيه الحرية لا بوصفها مفهوما مجردا، بل كتوتر يومي بين ما نرغب فيه وما يُسمح لنا به. وهو أيضا الذاكرة الصامتة التي تحتفظ بآثار التاريخ الشخصي والجماعي ويُفصح عنها في لحظات الانكسار أو التمرّد.
إن التفكير في الجسد مدخل أساسي لفهم الإنسان المعاصر، لا بوصفه ذاتا عقلانية مجردة، بل ككائن هشّ متجسّد محاط بالخطابات، ومشدود بين السلطة والرغبة والامتثال والاختيار. الجسد ليس جوابا جاهزا بل سؤالا مفتوحا، يُعيد طرح نفسه مع كل تجربة، ومع كل محاولة لفهم الذات والعالم. وهو قبل كل شيء المجال الذي فيه تتجسّد الفلسفة وتتحوّل من تأمل نظري إلى خبرة حيّة تُعاش وتُختبر قبل أن تُكتب أو تُفكّر.
يستمر التفكير في الجسد حين يُستكمل أفقه الفلسفي، بوصفه مجالا لا ينغلق على كونه موضع خضوع للسلطة، بل ينفتح كذلك على إمكان المقاومة وإعادة التشكيل. فالجسد وإن كان مشدودا إلى شبكات الضبط والانضباط، لا يُختزل فيها إذ يحمل في داخله قدرة على الانفلات، وعلى إنتاج معانٍ لا تستنفدها الخطابات السائدة. هذا التوتر بين الإخضاع والتحرر هو ما يمنح الجسد طابعه الإشكالي، ويجعله أحد أكثر المفاهيم خصوبة في الفلسفة المعاصرة، لأنه يكشف عن أن السلطة ليست كلية القدرة، كما أن الذات ليست بريئة أو شفافة.
فحين تُمارس السلطة حضورها على الجسد، فإنها لا تفعل ذلك فقط عبر القمع المباشر، بل من خلال إنتاج أنماط من الحياة، وصور من “الطبيعي” و”العادي” و”المرغوب فيه”. غير أن هذا الإنتاج لا يخلو من شقوق، إذ إن الجسد بحكم كونه تجربة معيشة، يظل قادرا على توليد معانٍ غير متوقعة، وعلى تحويل الطاعة نفسها إلى شكل من أشكال المفارقة. وقد تنبّه فوكو في أعماله المتأخرة، إلى هذا البعد حين انتقل من تحليل تقنيات السلطة إلى مساءلة إمكانات “تقنيات الذات”، حيث يصبح الجسد مجالا لممارسة الحرية، لا بمعناها الليبرالي الساذج، بل باعتبارها فعلا أخلاقيا وتأمليا يشتغل داخل شروط محددة، دون أن يستسلم لها كليا.
هذا التحول يسمح بفهم الجسد بوصفه موقعا للتجربة الأخلاقية، حيث لا تُختزل الأخلاق في منظومة أوامر ونواهٍ، بل تتجسد في أساليب العيش وفي العلاقة التي يقيمها الفرد مع جسده ومع رغباته الآخرين. فالعناية بالجسد في هذا المنحى لا تعني الخضوع لمعايير الجمال أو الأداء بل الانتباه إلى هشاشته وحدوده، وإلى كونه موضعا للتألم واللذة معا. وقد عبّر سبينوزا قبل الفلسفة المعاصرة عن هذا المعنى حين اعتبر أن الجسد لا يُعرف من خلال ما يجب أن يكونه، بل من خلال ما يقدر على فعله. الجسد هنا ليس معيارا أخلاقيا خارجيا بل قدرة وإمكان، وطاقة تتحدد داخل شبكة من العلاقات.
غير أن هذه القدرة لا تُمارس في فراغ، بل تتشكل داخل سياقات اجتماعية وثقافية تُحدّد أفق الممكن والممنوع. ولا يمكن فصل الجسد عن مسألة الهوية، لأن الهوية ذاتها لا تتكوّن إلا من خلال التجربة الجسدية. فالانتماء سواء كان ثقافيا أو جنسيا أو إثنيا لا يُعاش فقط على مستوى الخطاب، بل يُختبر في الجسد في مظهره وفي حركته، وفي الطريقة التي يُنظر بها إليه. الجسد يتحول إلى بطاقة هوية صامتة تسبق الكلمة وتفرض حضورها قبل أي تعريف نظري.
هذا ما جعل الفلسفة النسوية في امتداداتها المعاصرة تركّز على الجسد بوصفه موقعا لإعادة التفكير في الهوية، بعيدا عن الجوهرانية. فجوديث باتلر حين طوّرت مفهوم “الأداء الجندري”، لم تكن بصدد إنكار الجسد، بل إعادة وضعه داخل منطق الفعل والتكرار. إذ أن الهوية لا تنبع من جوهر داخلي ثابت، بل تُنتج عبر ممارسات جسدية متكررة، تُكتسب مع مرور الزمن قوة الإيهام بالطبيعة. والجسد هنا لا يكشف عن حقيقة مسبقة، بل يصنع الحقيقة عبر أدائه، ويعيد إنتاج المعايير التي يخضع لها أو يخلخلها من الداخل.
هذا الفهم يُخرج الجسد من ثنائية الطبيعة والثقافة، ويضعه في منطقة وسطى، حيث يصبح المعنى نتاج تفاعل دائم بين ما هو بيولوجي وما هو رمزي. فالجسد لا يُلغى في الخطاب ولا يذوب في اللغة، بل يحتفظ بثقله وبقدرته على المقاومة الصامتة. الألم على سبيل المثال يظل تجربة لا يمكن اختزالها كليا في التمثيل، لأنه يذكّرنا بحدود اللغة، وبأن الجسد يحتفظ دوما ببعد لا يُستوعب بالكامل. وقد أشار إيمانويل ليفيناس من زاوية أخلاقية مغايرة إلى أن الجسد المتألم وجسد الآخر تحديدا، يفرض علينا مسؤولية لا يمكن ردّها إلى قاعدة أو قانون، بل إلى نداء أخلاقي سابق على كل تنظير.
هذا النداء يتجلّى أيضا في البعد الجمالي للجسد، حيث لا يعود مجرد موضوع للنظر، بل وسيلة للإدراك وأفقا للتجربة الفنية. ففي الرقص والمسرح والفنون الأدائية، يتحوّل الجسد إلى لغة لا بمعنى التمثيل، بل بمعنى الحضور. الجسد الراقص لا يشرح ولا يبرهن بل يكشف ويضع المتلقي أمام تجربة مباشرة، تتجاوز المفهوم دون أن تنفيه. وقد أدرك نيتشه هذه الحقيقة حين رأى في الجسد مصدرا للفكر، لا عائقا أمامه معتبرا أن الفلسفة التي تنسى الجسد تنقلب إلى زهد مريض ينكر الحياة بدل أن يفهمها.
وفي الفنون البصرية يتخذ الجسد وظيفة مزدوجة، إذ يكون في آنٍ واحد موضوعا للتمثيل ووسيلة له. الصورة الجسدية سواء في الرسم أو التصوير أو السينما، لا تعكس الواقع فقط بل تُعيد تشكيله، وتنتج معايير للجمال والقبح والقوة والهشاشة. وهنا يظهر بوضوح تداخل الجسد مع الاقتصاد الرمزي، حيث تتحول الأجساد إلى سلع وإلى واجهات للنجاح وإلى نماذج يُطلب تقليدها. هذا ما دفع جان بودريار إلى القول بأن الجسد في المجتمعات الاستهلاكية لم يعد يُعاش بقدر ما يُعرَض، وأن قيمته باتت تُقاس بقدرته على الاندراج داخل منطق الصورة.
غير أن هذا التشييء لا يلغي البعد الوجودي للجسد، بل يزيده تعقيدا. فالجسد المعروض هو أيضا جسد قَلِق يعيش توترا دائما بين الرغبة في الاعتراف والخوف من التشييء. هذا التوتر يتجلّى بوضوح في التجربة المعاصرة، حيث تتكثف الخطابات حول الجسد من الصحة إلى الجمال ومن اللياقة إلى الأداء، فيتحوّل الجسد إلى مشروع دائم، لا يكتمل أبدا. ولا تعود السلطة خارجية فقط، بل تستبطنها الذات وتتحوّل إلى رقابة ذاتية، تجعل الفرد حارسا على جسده، وسجينا لمعايير لا تنتهي.
تبرز أهمية إعادة التفكير في الجسد من منظور نقدي، حيث لا يكتفى بوصف آليات السيطرة، بل يسائل شروط إمكان التحرر. فالتحرر لا يعني استعادة “جسد طبيعي” مفقود، لأن هذا الجسد لم يوجد أصلا خارج الخطاب، بل يعني الوعي بتاريخ الجسد، وبالطبقات المتراكمة التي شكّلته، وبالقدرة على إعادة تأويل هذه الطبقات. الجسد لا يتحرر بالخروج من السلطة، بل بإدراك كيف تعمل السلطة فيه، وكيف يمكن تحويل بعض آلياتها إلى أدوات للانفلات.
هذا ما يجعل الجسد موقعا مميزا للتجربة السياسية لا بمعناها المؤسسي الضيق، بل بوصفها تجربة عيش مشترك وصراعا على المعنى. فالحركات الاجتماعية والاحتجاجات والممارسات الجسدية في الفضاء العام، تكشف أن الجسد ليس مجرد فردي بل جماعي أيضا، وأنه يمكن أن يتحوّل إلى لغة احتجاج وإلى وسيلة لإعادة رسم حدود الممكن. الجسد المتظاهر والجسد الصائم والجسد الرافض، كلها أشكال من الكتابة السياسية، لا تُدوَّن بالحبر بل بالحضور والمخاطرة.
ومع ذلك لا يمكن اختزال الجسد في بعده السياسي، لأن ذلك يعيد إنتاج نوع آخر من الاختزال. الجسد هو أيضا تجربة زمنية، حيث يحمل آثار الماضي ويعيش الحاضر ويتجه نحو الفناء. الشيخوخة والمرض والموت، ليست مجرد وقائع بيولوجية، بل تجارب وجودية تعيد طرح سؤال المعنى. وقد تنبّه هايدغر إلى هذا البعد حين ربط بين الوجود والزمن، معتبرا أن الإنسان كائن نحو الموت، وأن الجسد هو ما يجعل هذا التوجّه محسوسا لا مجرد فكرة. الجسد يذكّرنا بنهايتنا لا ليشلّنا، بل ليمنح أفعالنا كثافتها.
يصبح الجسد موضعا للتفكير في الهشاشة لا بوصفها ضعفا بل شرطا للإنسانية. الهشاشة الجسدية تفتح باب التعاطف وتؤسس لإمكانية العيش المشترك، لأنها تكشف أن لا أحد مكتفٍ بذاته، وأن كل ذات محتاجة إلى الآخر. وقد شدّد بول ريكور على هذا المعنى حين ربط بين الجسد والاعتراف، معتبرا أن الاعتراف بالآخر يبدأ من الاعتراف بجسديته وبقابليته للألم. الجسد في هذا الأفق يصبح أساسا لأخلاق الرعاية، لا لأخلاق السيطرة.
كل هذه الأبعاد تجعل من الجسد مفهوما مركزيا لا يمكن تجاوزه في أي تفكير فلسفي معاصر. فهو ليس مجرد موضوع بين موضوعات، بل مفترق طرق تتقاطع فيه الأنطولوجيا والأخلاق والسياسة والجماليات وعلم النفس. الجسد يربك التصنيفات لأنه يقاوم الاختزال ويكشف حدود كل مقاربة أحادية. التفكير فيه يفرض على الفلسفة أن تنزل من تجريدها دون أن تفقد عمقها، وأن تعترف بأن المعنى لا يُنتج فقط في المفاهيم، بل في التجربة المعيشة.
ولا يعود الجسد سؤالا عن “ما هو”، بل عن “كيف يُعاش” وكيف يُكتب وكيف يُقاوَم. إنه نص مفتوح لا يكتمل، لأنه يتغير بتغير السياقات وباختلاف التجارب. وكل محاولة لإغلاق معناه هي في النهاية محاولة للهيمنة عليه. لذلك يظل الجسد فضاءً للقلق الخلّاق، ومجالا لإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الذات والحرية والهوية والعيش المشترك.
إن الجسد ليس هامش الفلسفة بل أحد مراكزها الخفية. وهو ما يربط الفكر بالحياة، ويمنع الفلسفة من التحوّل إلى تأمل معزول. الجسد يذكّر الفيلسوف بأن التفكير ليس فعلا بلا ثمن، وأن كل فكرة تمرّ في النهاية عبر لحم الإنسان وتاريخه وألمه وأمله. ومن هنا فإن أي فلسفة تتجاهل الجسد، إنما تتجاهل الإنسان ذاته، أو تقدّم عنه صورة مبتورة، تفتقد إلى العمق والصدق.
***
د. حمزة مولخنيف






