عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

وسام حسين العبيدي: العقل وحدود المقدّس

قراءة في مقالة المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي الموسومة بـ: “لا محرَّم في التفكير الفلسفي”

ليس كل ما يُنشَر يستحقُّ القراءةَ والاهتمام، ناهيك عن التعقيب بالكتابة عنه، ومقالات الأستاذ عبد الجبار الرفاعي، ممّا أحرُصُ على قراءتها؛ لأهميّة المحتوى الفكري الذي ينشغل الرفاعي فيه منذ سنوات بتدشين مشروعه الفكري القائم على قراءة التجربة الدينية بما ينسجم والرؤية الإنسانية المعاصرة، وهو مشروعٌ لا أُخفي إعجابي به؛ لكونه – بحسب ما أراه – أقربَ لواقع ما نعيشه من تحدّياتٍ وظروف ألمّت بالعالم الإسلامي بخاصة والعالم بصورة عامة، بعد أنْ صارتِ المجتمعات العربية والإسلامية مختبرًا لتنفيذ برامج وتجارب أعدّها مفكّرون أرادوا للإسلام أنْ يُطبّقَ بأفضل صورة، ولكن لم يُكتَب النجاح لواحدةٍ من تلك التجارب؛ لما في مخرَجات تلك التجارب من مآلات مؤسِفة على مختلف الصُعُد، الأمر الذي أدّت إليه تلك التجارب أنْ تكون عاملاً يُضاف إلى عوامل سابقة تزيد في قتامة الصورة النمطية عن الإسلام في المتخيل العام للعالم.

وما أثارني من تلك المقالات "الرفاعية" ما كتبَه مؤخَّرا منشورًا على إحدى صفحات جريدة الزوراء العراقية، بعنوان «لا محرَّم في التفكير الفلسفي» إذ تشكل نموذجًا واضحًا لاتجاهٍ فكري معاصر يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين العقل والدين، وبين الفلسفة والمقدّس، ضمن أفقٍ حداثي يمنح العقل سلطةً عليا في النظر والحكم والمساءلة. ولا يمكن اختزال أهمية هذه المقالة من جرأتها في طرح فكرة “حرية التفكير” فحسب، بل من محاولتها بناء تصوّرٍ شاملٍ للفلسفة بوصفها فعلًا تحرريًا يتجاوز الحدود العقدية والأيديولوجية والهويات المغلقة.

تقوم الأطروحة المركزية في المقالة على أن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا في فضاء الحرية المطلقة، وذلك في قوله: "لا ممنوع ولا محرّم ولا مقدّسَ في التفكير الفلسفي" باعتبار أنَّ هذه اللاءات بيان شديد اللهجة بوجه المتشدّدين في مواقفهم من الفلسفة باعتبارها تفكيرًا حُرًّا ينأى بصاحبه عن النمطيّة والتحفّظ على الأفكار التي تمثّل الإطار العام المُجمَع عليه، وأنَّ أي تفكير لا يتجاوز النمطيّ المُعتاد عند السَلف، لا يصحُّ أن نطلق عليه تفكيرًا فلسفيًّا، وأن أيّ سقفٍ مسبق يفرضه الدين أو اللاهوت أو السلطة أو الموروث يُفقد التفكيرَ طبيعته الفلسفية. ومن هنا يميز الرفاعي بين الفلسفة وعلم الكلام، فالأول — بحسب تصوره — لا يعترف بالمحرّمات الفكرية، بينما يتحرك الثاني داخل حدودٍ عقدية نهائية. وإنْ كنتُ لا أخفي تساؤلي عن الحدود التي نضعها لمفهوم "الحرية" لذلك الفضاء الذي ينتعش فيه التفكير الفلسفي السليم، فهي – أي الحرية – تمثّل بُعدًا إشكاليًا هي الآخر، فقد تكون عند قوم حرية، وقد تكون عند آخرين استبدادًا أو خروجًا عن نطاق التفكير الحر السليم الذي يُفضي إلى نتائج سليمة، وقد تكون ضربًا من الوهم الذي يصطنعه المفكّر لأجل أنْ يُضفي على أفكاره سمة التحرر، ومنطلقاته هي هي لم يُصبها شيءٌ من التحرر، وهذا ما نجدهُ كثيرًا فيما كتبه المفكرون السابقون الذين ناقشوا من قبلهم فوجدوا أنّهم لم يتحرّروا من رِبْقة الاستعباد الفكري الذي تغلغل إليهم من حيث لا يشعرون فيما توصلوا إليه من نتائج وطروحات أو توصيات، وهذا ما أشار إليه العلامة المظفر في كتابه "المنطق" منتقدًا بعض من استثمر اتساع دلالة بعض المفردات مثل الحرية بالقول: "ومن هذه الألفاظ كلمة "الحرية" التي أخذت مفعولها من الثورة الفرنسية، وأحدثت الانقلابات الجبارة في الدولة العثمانية والفارسية، والتأثير كله لإجمالها وجمالها السطحي الفاتن، وإلا فلا يستطيع العلم أنْ يحدّها بحدٍّ معقول يُتَّفقُ عليه".

ويُحسب للكاتب أنه قدّم لفكرته هذه بلغةٍ تمتلك كثافة تأملية وإيقاعًا فلسفيًا واضحًا، إذ تتحول المقالة أحيانًا إلى ما يشبه البيان الفكري المدافع عن حرية العقل. وإيمانه بذلك العقل في قدرته على الخروج من أنساقه التي نشأ فيها، كما أن استدعاءه لفلسفة "إيمانويل كانط" لم يكن استدعاءً زخرفيًا، بل جاء منسجمًا مع رؤيته لحدود العقل النظري، وإشكالية البرهنة على وجود الله، بما يعزز دعوته إلى تحرير التفكير من يقينياته المغلقة. باعتبار أن كانط لم يكن مثل أي فيلسوف من فلاسفة الغرب، بل كان منجزه يُشكِّل انعطافة مهمة حتى أنَّ كثيرًا من مؤرخي الفلسفة يقسمون تاريخ الفلسفة الحديث إلى ما قبل كانط وما بعد كانط؛ لما أحدثه من تحوّلٍ عميق في طريقة التفكير الفلسفي نفسها. وكلُّ ما توصّل إليه كانط، لم يُمكنه من نفي أو إثبات وجود الله في حدود العقل النظري، بل كل ما قدر عليه أنّ إثبات الإيمان بالله ضرورة أخلاقية باعتبار أنّ "اكتمال معنى الواجب يفترض وجود إله يحقق الانسجام بين القانون الأخلاقي والمصير الإنساني"  

ومن أبرز مواطن القوة في المقالة أيضًا محاولتها التمييز بين “الإيمان” بوصفه تجربة روحية، وبين “الوصاية على التفكير” بوصفها ممارسة سلطوية. فالكاتب لا يدعو بصورة مباشرة إلى إلغاء الدين، بل إلى تحرير العقل من هيمنة القراءة الأحادية للدين. وهذه نقطة مهمة؛ لأن بعض القراءات المتسرعة قد تتوهم أن المقالة دعوة إلى القطيعة مع الإيمان، بينما هي — في عمقها — أقرب إلى الدعوة لإعادة تأويل العلاقة بين العقل والمقدّس.

غير أن المقالة، على ما فيها من عمقٍ وتحريضٍ على التفكير، لا تخلو من إشكالات تستحق التوقف عندها نقديًا. فمن أكثر القضايا إثارةً للنقاش فيها قول الكاتب إن التفكير الفلسفي لا يتحقق إلا إذا فكّر الإنسان “خارج دينه”. وهذه العبارة، وإن كانت مفهومة في سياق الدعوة إلى التحرر من التحيزات المسبقة، تبدو حادّةً ومطلقة إلى حدّ بعيد؛ لأن تاريخ الفلسفة نفسه يكشف عن فلاسفة كبار مارسوا التفكير الفلسفي من داخل أفقهم الديني لا من خارجه، كما نجد عند ابن رشد أو توما الأكويني أو ملا صدرا.

ولذلك ربما كان الأدق القول إن التفكير الفلسفي يقتضي القدرة على “تعليق” الانحيازات المسبقة مؤقتًا، لا الخروج الكامل من الهوية الدينية أو الثقافية. كما أن المقالة تبدو أحيانًا واقعةً في نوع من “المثالية العقلانية”، حين تتحدث عن العقل بوصفه مرجعية قادرة على التحرر من التحيزات الواعية. ذلك أن الفلسفات الحديثة والمعاصرة — منذ نيتشه وحتى فوكو وغادامير — كشفت أن الإنسان لا يفكر خارج شروطه التاريخية والثقافية واللغوية، وأن العقل نفسه ليس كيانًا محايدًا بصورة مطلقة.

ومن جهة أخرى، فإن النبرة الإنشائية العالية في بعض المقاطع تطغى أحيانًا على البرهنة الفلسفية الدقيقة. فالمقالة تعتمد كثيرًا على اللغة التأملية المكثفة، وهو ما يمنحها جمالًا تعبيريًا، من شأنه أنْ يؤثّر في المتلقّي ويترك لديه مساحة للانسياح في لغة صاحب المقالة، من قبيل قوله: " الإنسانُ واحدٌ بالرغم من أنه متعدّد، متعدّدٌ بالرغم من أنه واحد" وغير ذلك من عبارات، لكنه قد يقلل من صرامتها التحليلية في بعض المواضع. وقد لا يقلل باعتبار أن الرفاعي الآن ليس في معرض البحث فيستدلّ علميا ويحتدم سجاليا مع مقولات يستدعيها وينشغل في نقدها وتفنيد محتواها. فهو في معرض تقديم خلاصات يراها تمثّل متبنّياته التي يحرص على تقديمها للقارئ بكلِّ يسرٍ وسهولة. وخير ما يتوسّل به من طريق لإيصال تلك الخلاصات هي اللغة التي صارت مطواعةً لديه بأسلوبه المميز.

ومع ذلك، تبقى هذه المقالة نصًا فكريًا مهمًا؛ لأنها لا تقدم أجوبة جاهزة بقدر ما تستفز وعي القارئ لإعادة التفكير في المسلمات، وهذه واحدة من أهم وظائف الكتابة الفلسفية الحقيقية. فهي مقالة تثير الأسئلة الكبرى حول: حدود العقل، وحدود المقدّس، وإمكان الحرية الفكرية، وطبيعة العلاقة بين الإيمان والنقد.

ولعل القيمة الأبرز للنص تكمن في أنه يحاول الدفاع عن حق العقل في السؤال، حتى وإن اختلفنا مع بعض نتائجه أو مقدماته. فالفكر الحيّ ليس ذلك الذي يفرض اليقين، بل الذي يوقظ الوعي، ويمنح الإنسان شجاعة النظر والمساءلة.

***

د. وسام حسين العبيدي

.......................

للاطلاع:

عبد الجبار الرفاعي: لا محرم في التفكير الفلسفي