عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: أحمد عبد الحليم عطية.. من اسئلة الحداثة الى قلق الانسان المعاصر

في زمن تتكاثر فيه الاصوات وتتناقص فيه الرؤى، يظل الفيلسوف الحقيقي هو ذلك الذي لا يكتفي بشرح العالم، بل يحاول ان يمنح الوعي قدرة جديدة على النظر الى ذاته. فالفلسفة ليست حشدا من المصطلحات المعقدة، بل هي، في جوهرها، محاولة دائمة لانقاذ الانسان من السقوط في العادة الفكرية، ومن الاستسلام للمألوف بوصفه حقيقة نهائية.

ومن هنا تأتي اهمية المفكر والفيلسوف المصري أحمد عبد الحليم عطية، بوصفه واحدا من ابرز الاصوات الفلسفية العربية التي سعت الى اعادة الاعتبار للعقل النقدي، والى بناء جسر حي بين التراث الفلسفي العالمي واسئلة الواقع العربي المعاصر. فهو لا ينتمي الى ذلك النموذج الاكاديمي المنغلق داخل القاعات الجامعية، بل يمثل مشروعا فكريا واسعا انشغل بالانسان، والقيم، والحداثة، واسئلة الهوية، ومصير العقل العربي في مواجهة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم.

ويأتي احمد عبد الحليم عطية بوصفه واحدا من الاصوات الفلسفية العربية التي لم تتعامل مع الفكر باعتباره مهنة اكاديمية، بل باعتباره قدرا انسانيا، وموقفا اخلاقيا.

لقد ادرك الدكتور احمد عبد الحليم عطية ان الفلسفة لا تعيش الا بالحوار، لذلك انفتح على تيارات الفكر الغربي المعاصر، من الوجودية الى التفكيكية، ومن النقد الاخلاقي الى فلسفات ما بعد الحداثة، دون ان يفقد حسه النقدي او خصوصيته الثقافية. فكان قارئا عميقا للفكر الاوروبي الحديث، وفي الوقت نفسه منحازا الى ضرورة تأسيس مشروع فلسفي عربي قادر على تجاوز التبعية الفكرية والجمود التراثي معا.

ولم يكن مشروعه الفكري مجرد قراءة للفلسفة الغربية المعاصرة، بل كان محاولة للكشف عن ازمة الانسان العربي ذاته، ذلك الانسان الممزق بين ماض لم يعد قادرا على العودة اليه، وحاضر لم ينجح بعد في بنائه. ومن هنا جاءت اهتماماته بالفكر النقدي، وفلسفات ما بعد الحداثة، والتفكيك، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، بوصفها ادوات لفهم التشققات العميقة داخل الوعي الانساني الحديث.

ويعد عطية احد رموز البحث الفلسفي في الجامعة المصرية والعالم العربي، اذ اسهم عبر كتبه وابحاثه وترجماته في اثراء المكتبة الفلسفية العربية، خاصة في مجالات الفلسفة الغربية المعاصرة، وعلم الجمال، وفلسفة القيم، والفكر النقدي. كما لعب دورا ثقافيا مهما من خلال رئاسته لـ جمعية الفكر العربي، واشرافه على مجلة أوراق فلسفية، التي تحولت الى منصة للحوار الفلسفي والفكري بين اجيال متعددة من الباحثين والمفكرين.

ومن ابرز ما يميز مشروعه الفكري انشغاله العميق بالاخلاق والقيم في عصر تتآكل فيه المعايير الانسانية تحت ضغط الاستهلاك والعنف والاغتراب. فقد كان يرى ان ازمة الانسان الحديث ليست ازمة معرفة فحسب، بل ازمة معنى ايضا، وان الحضارة التي تتقدم تقنيا دون ان ترتقي اخلاقيا انما تدفع الانسان نحو فراغ روحي خطير.

كما اهتم بالفكر التفكيكي وقراءة اعمال الفيلسوف جاك دريدا، محاولا تقديم التفكيك لا بوصفه هدما للمعنى فقط، بل كآلية نقدية تكشف البنى الخفية للسلطة والمعرفة واللغة. وفي الوقت ذاته، انفتح على الفكر الانساني عند لودفيغ فويرباخ، وترجم بعض اعماله، ادراكا منه لاهمية اعادة قراءة التراث الفلسفي الاوروبي بلغة عربية دقيقة وعميقة.

لقد انفتح على فكر لودفيغ فويرباخ، واهتم بترجمة اعماله، لانه كان يدرك ان الفلسفة ليست حدودا جغرافية، بل حوار انساني طويل بين العقول عبر الزمن. لذلك جاءت ترجماته وابحاثه وكأنها محاولة لادخال العقل العربي في هذا الحوار الكوني.

ولم يكن عطية منفصلا عن هموم الواقع، فقد ادرك ان ازمة العصر ليست ازمة معرفة فقط، وانما ازمة معنى. فالعالم الحديث، رغم كل تقدمه التقني، بات اكثر وحدة وبرودة واغترابا، والانسان فيه يزداد ثراء ماديا وفقرا روحيا. ولهذا انشغل بفلسفة الاخلاق والقيم، مؤمنا بأن الحضارة التي تفقد بعدها الانساني تتحول تدريجيا الى آلة ضخمة بلا روح.

ومن اعماله الفكرية المهمة ايضا كتاب "فلسفة القيم" الذي ناقش فيه ازمة الاخلاق في العالم المعاصر، محذرا من تحول الانسان الى كائن استهلاكي فاقد للمعنى في ظل هيمنة المادة والتكنولوجيا.

وفي كتابه. الحداثة وما بعد الحداثة.. حاول قراءة التحولات الفكرية الكبرى التي اصابت الوعي الانساني، موضحا كيف انتقل العالم من الايمان بالعقل المطلق الى الشك، والتشظي، وقلق الهوية. كذلك اهتم بعلم الجمال والفكر النقدي في عدد من ابحاثه، معتبرا ان الفن ليس ترفا جماليا، بل وسيلة لفهم الانسان ومقاومة اغترابه

وتكشف هذه الاعمال مجتمعة عن مشروع فلسفي يسعى الى اعادة الاعتبار للانسان، والدفاع عن حرية العقل، وفتح ابواب الحوار بين الفكر العربي والفلسفة العالمية، بعيدا عن الانغلاق او التبعية الفكرية.

ان الكتابة عن احمد عبد الحليم عطية ليست كتابة عن استاذ جامعي فحسب، بل عن تجربة فكرية آمنت بأن الفلسفة قادرة على مقاومة التكلس، وعلى تحرير الانسان من الخوف الفكري، وعلى اعادة طرح السؤال الانساني الكبير: كيف يمكن للعقل ان يبقى حرا في عالم يمتلئ باليقينيات المغلقة؟

لذلك، فإن حضوره في المشهد الثقافي العربي لا يختزل في مؤلفاته فقط، بل يمتد الى اثره في اجيال من الباحثين والطلاب والمثقفين الذين تعلموا منه ان الفلسفة ليست حفظا للنظريات، بل شجاعة في التفكير، وقدرة على مساءلة العالم دون خوف.

ومن خلال حضوره الاكاديمي والثقافي، سواء عبر جمعية الفكر العربي او مجلة اوراق فلسفية، لم يكن يسعى الى انتاج نخبة معزولة، بل الى خلق مساحة للحوار الحر، والى اعادة الاعتبار للفلسفة باعتبارها فعل مقاومة.

وهكذا، لا يمكن النظر الى تجربة احمد عبد الحليم عطية باعتبارها مجرد مسيرة اكاديمية لرجل كتب وألف ودرّس، بل بوصفها محاولة دائمة لانقاذ المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى نفسه. انه ينتمي الى ذلك النوع النادر من المفكرين الذين لا يسكنون الفلسفة، بل تسكنهم الفلسفة، اولئك الذين يتحول السؤال عندهم الى اسلوب حياة، ويصبح التفكير فعل مقاومة ضد السكون العقلي والتصحر الروحي.

وكان دائما ما ينبه الى ان اخطر ما يهدد الانسان ليس الفقر المعرفي فقط، بل موت الحس النقدي، حين يفقد العقل شجاعته في مساءلة ما اعتاد عليه.

لذلك ظل مشروعه الفكري منحازا الى الحرية، لا بمعناها السياسي الضيق فحسب، بل بوصفها حرية الوعي ذاته، حرية الانسان في ان يفكر خارج القوالب، وان يعيد اكتشاف العالم دون وصاية.

وفي هذا الزمن الذي تتسارع فيه التكنولوجيا بينما يتراجع الانسان داخليا، تبدو كتابات الدكتور أحمد عبدالحليم عطيه وكأنها تذكير دائم بأن الحضارة ليست ما نبنيه من آلات، بل ما نحمله من قيم، وان العقل الذي لا يرافقه ضمير قد يتحول الى اداة اكثر قسوة من الجهل نفسه. ومن هنا جاءت فلسفته اقرب الى دفاع انساني عميق عن الانسان المهدد بالتشيؤ والاغتراب.

ربما لا تصنع الفلسفة ضجيجا كالسياسة، ولا سلطة كالدين، ولا اغراء كالمال، لكنها وحدها القادرة على ان تمنح الانسان تلك اللحظة النادرة التي يرى فيها نفسه والعالم بعيون اكثر صدقا. ولهذا يبقى احمد عبد الحليم عطية واحدا من الاصوات التي حاولت ان تبقي باب السؤال مفتوحا في وجه العتمة، وان تذكرنا بأن الفكر ليس ترفا، بل احد آخر اشكال النجاة الممكنة للانسان.

***

ابتهال عبد الوهاب