يقوم المفكر اللبناني الدكتور محمود حيدر بمهمة تأسيسية مهمة للغاية، وهي إعادة ضبط مفاهيم الفلسفة الإسلامية من منطلق الثقافة الإسلامية وفي ضوء المفاهيم القرآنية الأصيلة، وبعيدًا عن التسليم والانبطاح أمام المصطلحات الفلسفية اليونانية التي أدت إلى إغفال الدور المهم والحيوي الذي لعبه فلاسفة الإسلام عندما ترجموا هذه الفلسفة، وشرحوها، وأكملوا نواقصها، وعدلوا أخطائها، وأضافوا إليها مما جعلها تنتقل من فلسفة مليئة بالضلالات المادية إلى فلسفة تنشغل بأرقى ما في الكون من واجد وموجودات، بدءًا من القرن الثالث الهجري وحتى القرن الثاني عشر الميلادي.
يقف الدكتور حيدر عند معضلة مهمة وهي المصطلحات والمفاهيم التي حملت اللفظ والمعنى اليوناني وظلت هكذا تأبى أن تثمر في البيئة الإسلامية؛ لأنها لم تنبت فيها. ومن ثم مهما أضاف إليها المسلمون من شروح وحواشي وتعليقات وتعريفات تبقى يونانية أصيلة ويبقى الفلاسفة المسلمون منذ الكندي وحتى ابن رشد مجرد شراح. ولهذا السبب رأى حيدر أن كل محاولات التوفيق بين الفلسفة والدين التي حرص عليها جلّ الفلاسفة المسلمون في العصر الذهبي للفلسفة الإسلامية قد باءت بالفشل؛ حتى محاولة ابن رشد الحفيد الشهيرة التي خصص لها كتابه الموسوم "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال"، ولو أنها قد نالت شيئًا من النجاح ما كانت قد حدثت نكبة ابن رشد الشهيرة، وما تم نفيه إلى جزيرة (الليسانة) معقل اليهود آنذاك، وما لهذا النفي من مدلولات سياسية ودينية وثقافية تبرهن على فشل الفيلسوف الكبير في التوفيق بين الفلسفة والدين.
ومن أهم المفاهيم والمصطلحات التي وقف عندها الدكتور حيدر مصطلح "واجب الوجود" والذي يعني وجوبية وجود الله أو ""الله موجود" تلك العبارة التي نرددها نحن ليلًا ونهارا، مسلمين بما تعني تسليمًا تامًا، إذ يرى الدكتور حيدر أن "الله ليس موجودًا" بل هو "واجد الموجود"، والفارق كبير بين اسم المفعول "موجود" واسم الفاعل "واجد". مرتًئيا أنه لا يصح أبدًا أن يأتي الخالق الواجد في صيغة اسم المفعول.
كما يواصل ضبط المفاهيم فيفند قول فلاسفة اليونان الذين جعلوا الله" العلة الأولى" أي أنه السبب الأول، وهو ما سار عليه أغلب فلاسفة الإسلام مثل الكندي والفارابي وابن سينا، ليضبط هذا المعنى وفقًا للثقافة الإسلامية الأصيلة فيرى أن الله ليس (العلة الأولى) ولكنه خالق جميع العلل وراعيها.
كما اشتهرت الفلسفة الإلهية اليونانية بالقول الذي ذاع فيها بأن الله هو "المحرك الأول" الذي يحرك ولا يتحرك؛ ولا شك أن هذا المعنى مرتبط بالبيئة اليونانية التي كان يجلس فيها السيد اليوناني الإقطاعي على كرسيه فقط أمام العمال الذين يعملون في مزارعه يحرك هذا القطيع الكبير من العمال دون أن يتحرك بمجرد النظرة التي يستجيب لها العمال خوفًا من بطش السيد، ومن ثم تخيل اليونانيون الإله على شاكلة هذا السيد المطاع، فضلا عن أن فكرة "المحرك الأول"- كما يرى حيدر- هي اعتقاد يهودي؛ حيث قالت اليهود إن "يد الله مغلولة" لا تتحرك. غُلّت أيديهم وخابوا وخسروا أينما وجدوا.
ثم يلتفت حيدر إلى أهم مفهوم في الفلسفة الغربية القديمة والحديثة وهو مفهوم "العقل" ذاهبًا إلى أن نقل مسميات العقل ودرجاته (العقل الهيولاني- العقل بالفعل- العقل المستفاد- العقل الفعال) كما هي في الفلسفة اليونانية أحدثت لغطًا كبيرا وابتعدت عن أن تثمر في التربة الإسلامية التي تم محاولة غرسها فيها، ومن ثم يحاول حيدر ضبط هذه المفاهيم فيستبدل العقل الهيولاني بالعقل الأدنى وهو العقل المادي والتجريبي أو العقل الدنيوي الذي إذا ما تخلص من أدران المادة وامتلأ بالأنوار الإلهية صار ذا حكمة بالغة .
ثم يتعرض حيدر في محاولة جريئة لكثير من هذه المصطلحات والمفاهيم الأصلية التي ورثتها الفلسفة الإسلامية عن الفلسفة اليونانية فأعاقت تطور الأولى وأبعدتها عن أن تثمر في البيئة الإسلامية التي هي في أمس الحاجة لهذه التنظيرات حتى نستأنف مرة أخرى بناء حضارتنا الجديدة الذي تأخر كثيرا .. لذلك أردت أن ألقي الضوء حول هذه المحاولة الجديرة بالاعتبار والنظر حول ضبط مفاهيم ومصطلحات الفلسفة الإسلامية والتي تعد خطوة أساسية نحو تصحيح طال انتظاره ونقطة بدء أساسية ظللنا قرونًا طويلة نبحث عنها، هذا فضلا عن مشروعه الفلسفي الكبير حول "الميتافيزيقا البعدية" و"فلسفة المثنى" والتي يحتاج كل منهما مقالة خاصة للحديث عن معالمهما العامة دون دخول في التفصيلات التي قطعًا تحتاج بحوثًا متخصصة وقارئ متخصص.
***
د. غيضان السيد علي







