راس المال كمصدر فخر نرجسي للفقراء ثقافيا واجتماعيا
شهد الفكر الفلسفي والمعرفي عبر التاريخ توظيفاً مستمراً لبناء أطر استدلالية تسوغ استغلال الإنسان والبيئة، وتبرر علاقات الهيمنة والوصاية. تتبدى أولى ملامح هذا التسويغ في الكيفية التي استغلت بها المنظومات العقائدية مفهوم "المباعدة في التواصل بين الثقافات"؛ إذ يرى الفيلسوفان بول ريكور وتشارلز تايلور أن الإخفاق في احترام الهويات الثقافية، والعجز عن إقامة تواصل متكافئ، يفتح الباب على مصراعيه أمام توظيف الثقافات سياسياً لتسويغ الاستغلال. إن هذا الإخفاق يفرض وصاية وتبعية تشكلان الوقود الحيوي للنزاعات والصراعات الطائفية والشعبية.
لم يقتصر هذا التوظيف على العلاقات الثقافية فحسب، بل امتد تاريخياً ليتغلغل في الفلسفة الطبيعية والعلوم التجريبية؛ فمنذ أرسطو الذي أسس لمفهوم "العبودية الطبيعية"، وصولاً إلى رينيه ديكارت الذي أعلن أن الحيوانات مجرد "آلات صماء" مجردة من الروح تبريراً لتشريحها وهي على قيد الحياة، تشكلت أرضية معرفية متكاملة تجرد الآخر من الإدراك لتبرير إخضاعه واستغلاله.
تواصل هذا المنحى العلمي النفعي في العصر الحديث؛ حيث صاغ عالم الأسماك الجنوب أفريقي ج. ل. ب. سميث في الستينيات من القرن الماضي حججاً تنكر الإدراك الحسي لدى الأسماك، وجاء ذلك استجابةً للاعتراضات الأخلاقية التي بدأت تظهر ضد الصيد الترفيهي، مبرراً بذلك استهلاك الطبيعة كأدوات خالية من المشاعر. وحديثاً، دحضت الأدلة العلمية هذه الادعاءات مؤكدةً التعقيد العصبي الفائق لكائنات لافقارية كالأخطبوط، والتي تطورت أجهزتها العصبية تطوراً تقاربياً يتشابه مع الثدييات.
إن هذا النفي المنظم للإدراك والحساسية يمثل الآلية المعرفية الأساسية التي تستخدمها قوى التسلط؛ إذ يؤكد المفكر علي شريعتي أن إحكام السيطرة على أي شعب يتطلب أولاً سلبه شعوره بإنسانيته، وتجريده من إدراكه الذاتي تسهيلاً لألحاقه وربطه بعجلة المستعمر.
في السياق القانوني والاقتصادي، تحول مبدأ "سلطان الإرادة" وحرية التعاقد، اللذان نتجا عن المذهب التحرري الكلاسيكي وشعار "دعه يعمل، دعه يمر"، إلى غطاء قانوني ووضعي زائف. يتجلى هذا بوضوح في نظام التحكيم التجاري الدولي المعاصر؛ إذ يظهر كمنظومة قضائية محايدة وفوق الدول، بينما يمثل في حقيقته قضاءً "للأثرياء النخبويين" يسوغ استغلال الشعوب المستضعفة، ونهب مواردها من خلال حماية مصالح الشركات العابرة للقارات، وتكريس تبعية الدول الضعيفة دون رقابة أخلاقية أو قانونية حقيقية.
يتناغم هذا البناء القانوني مع الإرث الاستعماري؛ إذ وظف فلاسفة التنوير الأوروبي نظرياتهم لتبرير العبودية والاستعمار. فجون لوك، الذي يُنظر إليه كفيلسوف للحرية والملكية الفردية المشروطة بالعمل، كان مستثمراً ومسؤولاً استعمارياً بارزاً في شركة "رويال أفريكان" لتجارة العبيد، مغلباً حرية الإنكليز وازدهارهم على حساب إبادة الأفارقة واسترقاقهم. وتكامل هذا التوجه مع طروحات استعمارية سافرة مثل طروحات الداعية الفرنسي جول هارمان الذي برر غزو الشعوب الأصيلة بالإيمان بتفوق العرق والحضارة الأوروبية، مدعوماً بتنظيرات بعض فلاسفة التنوير الذين صنفوا البشرية تصنيفاً تراتبياً، واضعين العرق الأبيض في قمة الكمال والقدرة على التمدن، مقابل تصنيف الزنوج والهنود في مراتب أدنى مسلوبة القدرة على الحكم والتدبير الذاتي.
بنية الاستلاب والارتداد الوجودي: رأس المال كعزاء نرجسي
يتجاوز مفهوم الاستلاب في أبعاده الفلسفية مجرد نزع الحقوق المادية، ليمثل انتزاعاً للذات من إرادتها ومسخاً لماهيتها الأصيلة. فبينما رأى الفيلسوف هيغل أن التخلص من الاستلاب السياسي يقتضي تحول الفرد الذاتي إلى مواطن فاعل داخل الدولة، أصلت المدرسة الماركسية المفهوم في "استلاب العمل"؛ حيث يصبح العامل أفقر كلما أنتج ثروة أعظم، ويتحول عمله الذي هو في الأصل نشاط وجودي خلاق إلى قوة غريبة تسيطر عليه وتخدم تملك الآخرين.
هنا يبرز تحول سيكولوجي واجتماعي خطير في بنية المجتمعات الراهنة؛ إذ لم يعد الاستلاب مقتصراً على حرمان العامل من نتاج يده، بل تحول "رأس المال المادي" وأدوات الاستهلاك المظهري إلى مصدر أساسي للفخر النرجسي الزائف، وتحديداً لدى الفئات الفقيرة ثقافياً واجتماعياً. إن الفرد الذي يعاني من قهر معرفي واجتماعي، ويفتقر إلى الوعي النقدي والمكانة الرمزية الأصيلة، يرتد نحو تملك السلع والتباهي برأس المال المادي كآلية تعويضية يستر بها عورته الثقافية. يغدو الاستهلاك هنا قناعاً وهمياً يمنح المقهور شعوراً زائفاً بالتفوق والامتياز، فيفتخر بنظام رأس المال الذي يستغله أساساً، محولاً عبوديته الاقتصادية إلى مصدر لاعتزازه النفسي.
لا يقف الاستلاب عند حدود علاقات الإنتاج والاستهلاك المظهري، بل يمتد ليشمل شلل المثقف واغترابه؛ إذ يفقد المفكر اندماجه النفسي والمعرفي مع معايير مجتمعه عندما يعجز عن إيجاد قيمة حقيقية في غايات ذلك المجتمع المستهلك. وفي المجتمعات النامية، حلل المفكر مصطفى حجازي هذا التدهور الوجودي عبر دراسة ديناميات "التخلف الاجتماعي" وسيكولوجية الإنسان المقهور. يرى حجازي أن التخلف ليس وضعاً اقتصادياً عابراً، بل هو نمط وجود مركّب ينتج "الهدر"؛ حيث يُهدر الإنسان نفسياً واجتماعياً ويُسلب قدرته على الفعل التاريخي. يتحول الإنسان المهدور في ظل الأنظمة السلطوية إلى مجرد أداة ووقود للحروب وترويج عظمة الطغاة. وفي هذا المناخ، يُستخدم الخطاب الديني كأداة توجيهية للسيطرة الاجتماعية وإخماد النزعات التحررية، بدلاً من كونه مصدراً لإنتاج المعنى والعدالة.
يتطابق هذا التحليل مع نظرية علي شريعتي حول "الاستحمار"، وهو تسخير الإنسان وحرف مسار وعيه ونباهته الاجتماعية عن القضايا المصيرية. ويرى شريعتي أن الاستحمار يتفوق على الاستعمار المباشر خطورة؛ إذ يمثل عملية إلهاء ممنهجة. وقد جادل بأن المجتمعات انتقلت من حالة "القابلية للاستعمار" التي صاغها مالك بن نبي، إلى حالة "القابلية للاستحمار"، حيث تلهى الشعوب بالرفاهية الزائفة، وبالافتخار النرجسي برأس المال، وبالجدل الفكري المعلق، عن كفاحها الحقيقي من أجل الحرية والكرامة.
"الوعي السعيد" والعبودية المختارة
يمثل "الوعي السعيد" عند هربرت ماركوزة مهادنة بين المقهور وجلاده؛ إذ يتوهم الفرد أنه حر لمجرد قدرته على شراء السلع وتلبية حاجات اصطناعية تنتجها المنظومة لترسيخ عبوديته الطوعية. يتلاقى هذا التشخيص مع رؤية إريك فروم الذي يرى أن الإنسان المغترب يعيش حالة من عدم السعادة الكامنة، ويحاول قمع إدراكه لها عبر "استهلاك المرح" المتواصل، وقتل الوقت بشتى الوسائل الترفيهية ورأس المال المظهري الذي يعوض به بؤسه الثقافي.
تتقاطع هذه الآليات لتطويع الوعي مع الأطروحة الفلسفية التاريخية لإتيان دي لا بويتي حول "العبودية المختارة". يفسر لا بويتي هذه العبودية الطوعية بنشوء أجيال تولد في ظل القهر وتعتاده كحالة طبيعية، مدعومة بإغراق الأنظمة للمجتمعات بالمسليات الترفيهية والخدع الفكرية لتدجين الوعي.
آليات عزل المجتمعات وإجهاض الوعي النقدي
تعمل المنظومات المهيمنة على ترسيخ وجودها عبر عزل المجتمعات عن صياغة وتطوير الوعي النقدي، مستخدمة شبكة من الاستراتيجيات المنسقة:
هندسة القبول وتوطين التبعية: ترتكز الهيمنة الفكرية بمفهومها الغرامشي على قدرة الطبقة المسيطرة على جعل الجماهير تقبل بهيمنتها وتسلم ببديهيتها؛ إذ يختلف مفهوم "الهيمنة" عن "السيطرة" بكون الأخيرة تعتمد القسر المادي المباشر، بينما تعتمد الأولى على صناعة عقلانية للقبول الطوعي وتشكيل الوعي الجمعي من خلال التعليم والإعلام والمؤسسات التقليدية. تمارس الدول الكبرى هيمنتها باستخدام القوة الناعمة وأساليب "الحرب غير المتكافئة" للتأثير في القناعات وتغيير القيم الثقافية الأساسية تماشياً مع مصالحها، وبتكاليف تقل بكثير عن استخدام القوة العسكرية الصلبة.
تدجين العقول عبر التعليم التلقيني: يمثل التعليم التقليدي أداة أساسية لإعادة إنتاج البنية القهرية؛ فالتعليم البنكي حسب وصف باولو فريري، يعامل الطلاب كأوعية فارغة تُملأ بالمعلومات الجاهزة دون إشراكهم في التفكير النقدي. تشجع هذه البنية الروح السلبية والاستسلام للأمر الواقع والقدرية لدى الفئات الهشة، والتي تلجأ لاحقاً إلى الاستعاضة عن فقرها المعرفي بالافتخار النرجسي برأس المال والمظاهر. وتستعين هذه العملية بلغة تقنية بالغة التعقيد بهدف إقصاء الجماهير وتضليلها وسلبها سيادتها المعرفية. وتتجلى الخطورة في الخوف غير الواعي من الحرية؛ إذ إن المستضعف لا يسعى دوماً للحرية، بل قد يرغب في التماهي مع دور السيد ليمارس بدوره القهر الذي خضع له تاريخياً.
التلاعب بسيكولوجية الجماهير وعاطفتها: يسهل التلاعب بالحشود بفضل الخصائص النفسية للجمهور؛ فالجماهير كما يرى غوستاف لوبون لا تعقل، وتتحرك بدافع المشاعر البسيطة واللاواعية. تلجأ النخب الحاكمة إلى توظيف هذه السمات من خلال أدوات الدعاية الموجهة، وتأطير الخطاب بلبوس عاطفي جاذب لتسيير الجماهير وتذويب الروح الفردية النقدية لصالح روح القطيع المستسلمة، مما يقود المجتمعات نحو الانحطاط وفقدان الحلم المحرك للحضارة.
إن مواجهة طقوس الاستهلاك المادي وتدمير الوقت تستوجب بعث البعد الجمالي والفني بوصفه حقلاً للتعبير عن حقائق ثورية قادرة على إبراز التناقضات الكامنة في المنظومة القائمة. ويؤكد التحليل السيكولوجي لتخلف البنى القهرية أن المجتمع مشروط في نهوضه بتحرير فئاته الأكثر غبناً، وتخليصها من وضعيات القهر، انطلاقاً من أن التنمية الحقيقية هي حركة جماعية شاملة تهدف لاستعادة الكرامة الإنسانية للجميع، والتمكين لقدرات الإنسان المهدور ليعود صانعاً حقيقياً للتاريخ والوعي التحرري الأصيل.
***
غالب المسعودي








