اليوم وعلى هامش نقاش متبادل بيني وبين الصديق المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي بعد نشره دراسة في جزئها الأول بعنوان في حضرة مولانا، سياحة في عالم المعنى. بعدها زودني بمقال كتبه قبل أعوام بعنوان (تراث المتصوفة مرآة عصره)، نشره عام 2022. ولكن مع انتهاء النقاش بقي العنوان في ذهني، ليس بسبب ما يقوله عن الماضي وحده، بل لما يمكن أن يقوله عن حاضرنا. فإذا كان تراث المتصوفة قد حمل آثار الأزمنة التي ولد فيها، فإن التصوف الذي نراه اليوم على المنصات الرقمية لا يستطيع هو الآخر أن يعيش خارج شروط عصره. نحن أمام بيئة جديدة لا تغير وسائل الوصول إلى التجربة الروحية فقط، بل قد تغير المكان والسلطة والصحبة والسند والذكر، وحتى صورة الشيخ في وعي المريد.
ينطلق الرفاعي من فكرة أن التصوف نشأ محاولة لاسترداد وظيفة الدين في إنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للحياة، ثم يرى أن هذه البصيرة فقدت الكثير من ضوئها عندما انصرف بعض المتصوفة إلى العزلة، وأصبحت الخلوة والصمت والجوع والسهر جزء من نظام صارم لترويض النفس والجسد. وينتقد بصورة أشد تحول علاقة المريد بالشيخ إلى إذعان يلغي الإرادة ويعطل العقل النقدي، حتى تتضخم صورة الشيخ في مخيلة أتباعه وتتجاوز حدودها البشرية.
ما أثار اهتمامي عند العودة إلى هذا النص أن الدراسات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة حول ما يسمى (التصوف الرقمي) أو (التصوف السيبراني) تكشف أن كثيرا من هذه المفاهيم القديمة لم تختف. الذي تغير هو البيئة التي تعمل داخلها.
الخلوة لم تعد دائما غرفة مغلقة. والزاوية لم تعد دائما بناء له جدران. ومجلس الذكر لم يعد يحتاج بالضرورة إلى اجتماع الأجساد في مكان واحد. وحتى الشيخ لم يعد الوصول إليه مشروط بالسفر أو الصحبة المباشرة. هناك اليوم مريد في مدينة وشيخ في قارة أخرى، وبينهما شاشة ومنصة وخوارزمية.
تقدم دراسة حفصة إقبال المنشورة عام 2024 بعنوان (The Digital Sufi Gaze: Between Love, Longing and Locality in COVID Britain) حالة مهمة من بريطانيا. تابعت الدراسة ما حدث لبعض الجماعات الصوفية عندما دفعتها جائحة كورونا إلى نقل جزء من نشاطها إلى البيئة الرقمية. لم تكن المسألة مجرد بث محاضرة عبر الإنترنت، فقد ظهرت مشكلة أعمق تتعلق بالحضور نفسه، وبعلاقة المرشد بالمريد، وبالجماعة الصوفية، وحتى بمفهوم (النظر) الذي يحمل دلالة روحية في بعض التقاليد الصوفية. وهكذا بدأت الشاشة تدخل إلى منطقة كان الحضور الجسدي جزء أساسي من تكوينها.
وتذهب دراسة أخرى نشرت عام 2024 حول منح إجازات أوراد الذكر عبر الوسائط الرقمية إلى منطقة أكثر حساسية. فالإجازة في التقليد الصوفي ليست شهادة معلومات فقط، بل جزء من سلسلة انتقال المعرفة والممارسة من الشيخ إلى المريد. غير أن الوسائط الرقمية أتاحت منح بعض هذه الإجازات عبر الإنترنت، بل أتاحت أنماط جماعية منها. ووجد الباحثان أن التقنية تستطيع نقل التعليم والذكر، لكنها لا تستطيع المحافظة بصورة كاملة على طبيعة العلاقة التقليدية التي قامت على الصحبة والاتصال المباشر.
هنا نبدأ بمشاهدة تحول أكبر من مجرد رقمنة التصوف.
دراسة حديثة عن الطرق الصوفية في إندونيسيا ذهبت إلى استعمال مفهوم لافت هو (Digital Zāwiya) أو (الزاوية الرقمية). درس الباحثون حضور تسع طرق صوفية في الفضاء الإلكتروني، ووجدوا أن بعض البيئات الرقمية لم تعد تؤدي وظيفة نشر المعرفة فقط، بل بدأت تحمل بعض وظائف الزاوية التقليدية. هناك تعليم وذكر وتفاعل وإرشاد ومجتمع يتكون حول الشيخ والطريقة، لكن المكان الذي يجمعهم لم يعد بالضرورة مكان مادي.
الزاوية التي احتاجت في الماضي إلى باب وجدران أصبحت قادرة على الوجود داخل شبكة.
وهذا التحول يعيدني إلى نقد الرفاعي للخلوة. ففي التصوف القديم كان الانسحاب من المجتمع يتحقق بالابتعاد الجسدي عن الناس. أما الإنسان الرقمي فيعيش وضع أكثر غرابة. يستطيع أن يكون وحده في غرفته، لكنه متصل بآلاف الأشخاص. يستطيع أن يمارس الذكر وهو يحمل هاتفه، وأن ينتقل بعد لحظة من درس صوفي إلى خبر سياسي ثم إلى إعلان تجاري ثم إلى مادة ترفيهية.
الخلوة هنا لم تعد عزلة عن العالم. العالم كله دخل إلى الخلوة عبر الشاشة.
وربما تكمن هنا إحدى مفارقات التجربة الروحية في عصرنا. كانت الخلوة تقوم على تقليل المؤثرات الخارجية حتى يتجه الوعي نحو الداخل، بينما تعمل البيئة الرقمية في الاتجاه المعاكس. اقتصاد المنصات يقوم على جذب الانتباه وإبقائه في حالة انتقال مستمر. وهكذا قد يصبح التحدي الروحي الجديد ليس الانسحاب من المجتمع، بل استعادة القدرة على الصمت وسط عالم لا يتوقف عن الكلام، واستعادة الانتباه في بيئة تقوم صناعتها على تشتيته.
لكن التحول الأكثر أهمية يظهر عندما نصل إلى سلطة الشيخ.
ينتقد الرفاعي ما يسميه (تصوف الاستعباد)، حيث تتضخم صورة الشيخ في ذهن المريد حتى يتراجع العقل النقدي أمام المتخيل المقدس. ويذهب في نقده إلى أن تضخم هذا المتخيل يؤدي إلى تواري العقل النقدي واحتجاب الواقع.
الفضاء الرقمي لا يلغي هذه المشكلة، وربما يمنحها أدوات جديدة.
دراسة نشرت عام 2025 عن التصوف الرقمي وإعادة تشكيل السند في إندونيسيا قدمت مفهوم (Algorithmic Spiritual Authority) أو (السلطة الروحية الخوارزمية). هنا تدخل الخوارزمية بوصفها طرف جديد في صناعة الحضور الروحي. فالمستخدم لا يرى كل الشيوخ ولا كل الطرق ولا كل الخطابات. المنصة تختار ما يظهر أمامه وفق التفاعل والانتشار ومدة المشاهدة وسلوكه السابق. ومع الوقت يمكن أن تتحول الشهرة الرقمية إلى علامة ضمنية على السلطة، مع أنها لا تعني علم ولا سند ولا تجربة روحية.
وهنا تحدث نقلة تستحق التأمل.
في التصوف التقليدي كان الشيخ يدل المريد على الطريق. في التصوف الرقمي بدأت الخوارزمية تدل الباحث على الشيخ.
هذه ليست مفارقة لغوية فقط، بل تكشف تغير في بنية السلطة الروحية. بين المريد والشيخ أصبح هناك وسيط ثالث لا يحمل هم روحي ولا يميز بين الحكمة والاستعراض. الخوارزمية لا تعرف من هو الأعمق تجربة، بل تعرف من يجذب الانتباه. ولا تعرف من يوقظ العقل، بل تعرف ما الذي يجعل الإصبع يتوقف عن تمرير الشاشة.
وهذا يجعل نقد الرفاعي لتضخم صورة الشيخ أكثر راهنيه. فالصورة المتخيلة التي كان يصنعها المريد حول شيخه أصبحت اليوم قادرة على أن تصنعها الكاميرا والمونتاج وعدد المتابعين والإعجابات والتكرار الخوارزمي. والشيخ الذي كان يحتاج إلى طريقة ومريدين كي تنتشر سلطته يستطيع اليوم أن يتحول إلى شخصية روحية عابرة للقارات خلال مدة قصيرة.
غير أن الوجه الآخر لهذا التحول لا ينبغي إغفاله. فالفضاء الرقمي كسر كثيرا من احتكارات المعرفة. نصوص ابن عربي والرومي والحلاج والقشيري والغزالي أصبحت في متناول قارئ لم يكن يستطيع الوصول إليها بسهولة. والمخطوطات والمكتبات والمحاضرات والدروس تعبر الحدود في لحظات. كما أصبح ممكنا أن يتعرف الإنسان إلى تجارب ومدارس صوفية تنتمي إلى ثقافات بعيدة عنه من دون أن يغادر مدينته.
إذن نحن لا نقف أمام خسارة خالصة ولا أمام مكسب خالص. التكنولوجيا توسع الوصول إلى المعرفة، لكنها تغير في الوقت نفسه شروط إنتاج السلطة والثقة والحضور.
ثم دخل الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة أخرى إلى هذه الرحلة.
يستطيع الإنسان اليوم أن يسأل نموذج لغوي عن الفناء عند ابن عربي، أو الحب عند الرومي، أو معنى الذكر والخلوة، وأن يطلب مقارنة بين مدارس صوفية كاملة خلال ثوان. تستطيع الأنظمة الذكية البحث داخل كم هائل من النصوص، وتلخيصها ومقارنتها وترجمتها وشرح مفاهيمها. وربما نكون في بداية مرحلة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي أحد أهم وسائط الوصول إلى التراث الروحي، مثلما أصبحت محركات البحث والمنصات الرقمية من قبل.
لكن هذه القدرة تكشف في الوقت نفسه الحد الفاصل بين المعرفة والتجربة.
يمكن للآلة أن تشرح الخلوة من دون أن تختلي، وأن تحلل الوجد من دون أن تجد، وأن تصف الفناء من دون أن تفنى. تستطيع أن تعرف الكثير عن الطريق من دون أن تسير فيه. وهنا يظهر بوضوح أن رقمنة التراث شيء ورقمنة التجربة الروحية شيء آخر.
هذه التحولات تمنح عبارة الرفاعي (تراث المتصوفة مرآة عصره) معنى جديد في زمننا. فإذا كانت الطرق الصوفية القديمة قد حملت ملامح مجتمعاتها ومؤسساتها وعلاقات السلطة فيها، فإن التصوف الرقمي يحمل هو الآخر ملامح الحضارة التي يعيش داخلها. يحمل سرعتها وشبكاتها واقتصاد الانتباه فيها، ويحمل سلطة المنصة والخوارزمية، مثلما يحمل قدرتها الهائلة على فتح المكتبات وكسر احتكار المعرفة وتجاوز الجغرافيا.
ولذلك لا أرى أن رحلة التصوف من الخلوة إلى الشاشة تعني نهاية التصوف ولا ولادة تصوف جديد اكتملت ملامحه. نحن أمام انتقال تاريخي في الوسيط، وقد يتحول معه شيء من طبيعة التجربة نفسها.
كان المتصوف القديم يغلق باب الخلوة كي يبتعد عن ضجيج العالم. أما إنسان العصر الرقمي فيحمل العالم كله في جهاز صغير داخل جيبه. وربما أصبحت الخلوة التي يحتاجها اليوم مختلفة عن تلك التي عرفتها الطرق القديمة. ليست خلوة تهرب بالإنسان من المجتمع كما ينتقدها الرفاعي، بل مساحة يستعيد فيها الإنسان نفسه من التدفق المستمر للصور، والأخبار، والتنبيهات، والتوصيات.
لقد انتقلت الزاوية إلى الشاشة، وانتقل مجلس الذكر إلى المنصة، وأصبح السند يواجه اختبار الاتصال الرقمي، ودخلت الخوارزمية بين الباحث والمرشد. ومع ذلك بقي جوهر الحاجة التي ولد منها التصوف قائم، حاجة الإنسان إلى معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة.
وهنا نعود إلى الفكرة التي افتتح بها عبد الجبار الرفاعي مقاله، وهي أن التصوف نشأ في أحد وجوهه لاسترداد المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين. وإذا كان هذا هو المنطلق، فإن التحدي الذي يواجه التصوف في العصر الرقمي لا يكمن في نقل الخلوة القديمة إلى الشاشة، ولا في تحويل الذكر والصحبة والإرشاد إلى محتوى رقمي، بل في قدرته على إنتاج ذلك المعنى داخل عالم مختلف، عالم تتنازع فيه الخوارزميات انتباه الإنسان وتعيد تشكيل علاقته بذاته وبالآخرين وبالمعرفة.
عندها لا تصبح الشاشة نهاية الخلوة، بل المرآة الجديدة التي يرى فيها التصوف عصره.
***
تحسين الشيخلي








